أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 20:48
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في كل مرة أفتح فيها كتابًا عن التاريخ، يخطر ببالي سؤال لا يفارقني: من الذي لم يصل إلى هذا الكتاب؟
فنحن نقرأ تاريخ الملوك، والرؤساء، والقادة، وكبار المفكرين. لكن ماذا عن أولئك الذين عاشوا على هامش الضوء؟ ماذا عن الصحفي الذي غيّر مهنة بأكملها ولم يكتب أحد سيرته؟ ماذا عن الناشر الذي صنع جيلاً من القراء؟ ماذا عن الحرفي الذي حمل مهنةً على كتفيه نصف قرن ثم انقرضت معه؟
التاريخ، كما نقرأه غالبًا، ليس كل التاريخ. إنه الجزء الذي كُتب، أما الجزء الذي لم يُكتب، فهو أكبر بكثير.
وهذا ما يقلقني.
ليس لأنني أريد أن أضيف أسماء جديدة إلى رفوف المكتبات، وإنما لأنني أخشى أن نفقد صورة المجتمع الحقيقية. فالأمم لا تتكون من القادة وحدهم، بل من ملايين البشر الذين صنعوا الحياة اليومية، وأسهموا في الثقافة، والتعليم، والصحافة، والاقتصاد، والفنون، ثم رحلوا دون أن يتركوا أثرًا مكتوبًا.
لقد أدركت، بعد سنوات من العمل في الصحافة والتوثيق، أن النسيان لا يميز بين مشهور ومجهول. فإذا لم يجد الإنسان من يكتب عنه، فإن الزمن يتولى محوه بهدوء، حتى يصبح اسمه غريبًا على الأجيال التي جاءت بعده.
ومن هنا، بدأت أفكر في التوثيق بطريقة مختلفة.
لم يعد هدفي أن أكتب عن الشخصيات المعروفة فحسب، بل أن أبحث عن الشخصيات التي كان ينبغي أن تُعرف أكثر. ولم يعد يشغلني أن أروي الحكايات المشهورة، بل أن أبحث عن الحكايات التي لم تجد من يرويها.
ربما لهذا السبب أشعر بأن التوثيق ليس مجرد تخصص، بل موقف من الحياة. إنه انحياز إلى الإنسان قبل أن يصبح خبرًا، وإلى الأثر قبل أن يختفي، وإلى الذاكرة قبل أن تتآكل.
لقد علمتني تجربة كتابة «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان» أن كتابًا واحدًا قد يعيد إنسانًا إلى مكانه الطبيعي في الذاكرة العامة. لكنه علمني أيضًا أن هناك عشرات، وربما مئات، ينتظرون من يقوم بالمهمة نفسها.
ولهذا، فإنني لم أعد أسأل: ما الكتاب الذي سأكتبه بعد ذلك؟ بل أصبحت أسأل: من هو الإنسان الذي ينتظر كتابه؟
ربما يكون صحفيًا، أو معلمًا، أو سياسيًا، أو ناشرًا، أو صاحب مهنة أو مؤسسة أو فكرة غيّرت حياة الناس دون أن يلتفت إليها أحد.
إنني أؤمن أن لكل أمة دينًا في أعناقها تجاه الذين صنعوا حاضرها. وهذا الدين لا يُوفى بالمراثي، ولا بحفلات التكريم، بل بعمل علمي يحفظ سيرهم، ويصون وثائقهم، ويضعها في متناول الأجيال القادمة.
ولعل هذا هو المشروع الذي أطمح أن أقضي فيه ما بقي من عمري: أن أكتب عن الذين لم يجدوا من يكتب عنهم، وأن أجمع ما كاد أن يضيع، وأن أترك للمكتبة العربية خرائط جديدة لذاكرة الإنسان العربي.
فقد لا أستطيع أن أغيّر التاريخ، لكنني أستطيع أن أمنع بعض صفحاته من أن تختفي إلى الأبد.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟