أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - البامية عنوان الديمقراطية















المزيد.....

البامية عنوان الديمقراطية


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 17:56
المحور: كتابات ساخرة
    


من يكتب أغانينا؟!
أنا هنا لا أقصد الأغاني الوطنية، والعياذ بالله، ولا أريد الدخول في جدال سياسي أو أجندات خارجية.

حتى إنني أكره السياسة والحديث في الشأن السياسي، ولا أذكر أنني عارضت في حياتي إلا مرة واحدة.

وكان ذلك أيام الطفولة.

عندما أخبرت والدتي أنني لا أفضل هذا الطبق.

أقصد البامية مع الأرز، أو «البانية» كما يقول العراقيون.

ولا تظنون أنني أُجبرت على ذلك، لا وألف لا. فأنا موجود في كندا اليوم، وأستطيع أن أعبّر عن رأيي بكل أريحية وحرية.

لكن ما حصل هو أن والديَّ أقنعاني بفوائد البامية.

حتى إن طبلة أذني اليسرى لا تزال، حتى يومنا هذا، تؤلمني من وفرة المعلومات والفوائد التي صدمتني بها أمي عن البامية.

ومنذ ذلك اليوم، وأنا مغرم بكل أشكال وأنواع البامية، حتى إنني اكتشفت مؤخرًا أن هناك شيبس من البامية، وهو منتج صيني.

على أي حال، أعود بكم إلى موضوعنا.

أنا، بصراحة، أحسد كل شعوب الأرض إلا الشعب العربي.

خصوصًا في شيء واحد:

ذائقتهم الموسيقية.

عندما هاجرت من الوطن العربي، بدأت أسمع الأغاني الروسية.

ولأن الوصول إليها كان سهلًا وسريعًا، دخلت إلى عالم كامل لم أكن أعرفه.

هناك أغانٍ عن الحياة، وأغانٍ عن الأرض، وأغانٍ عن السيارات، بل وهناك عدد محترم من الأغاني التي تتغنى بسيارة المرسيدس، وكأن امتلاكها إنجاز قومي يستحق أن يُغنّى له.

وهناك أيضًا أغانٍ لا يمكنني أن أشرح لكم موضوعها أصلًا، لأنها مكوّنة تقريبًا من كلمات بذيئة، واللغة الروسية، بصراحة، بحر.

ثم عدت إلى جورجيا.

هناك أحببت الألحان، ولم أكن أفهم في البداية ماذا يقولون، وهذا ربما كان أفضل شيء.

أحيانًا يكون عدم فهم الكلمات نعمة.

تجلس، تسمع اللحن، تهز رأسك بإعجاب، وتتخيل أنهم يغنون عن الجبال، والوطن، والخيول، والحب المستحيل.

ثم تكتشف بعد ست سنوات أنهم كانوا يغنون عن رجل ضاعت منه دجاجتان.

لكن على الأقل، هناك شيء يُغنّى عنه.

وبعد ذلك وصلت إلى قيرغيزستان.

أو بالأحرى، وصلت إليها موسيقيًا.

وهناك تعرّفت إلى آلة الكوموز، الآلة الوترية التقليدية الشهيرة عند القيرغيز. ووجدت في موسيقاهم شيئًا غريبًا بالنسبة لي: الموسيقى لا تحتاج دائمًا إلى كلمات كي تقول شيئًا.

أحيانًا تحاول تقليد صوت حوافر الخيل، أو الرعد، أو جريان الماء، وتتحول المقطوعة نفسها إلى حكاية بلا شخص يغني أصلًا. وهذا ليس غريبًا على تقاليد موسيقية ارتبطت بالترحال والقصص والملحمات والرواة.

أنا لست خبيرًا موسيقيًا.

ولا أفهم في المقامات، ولا أعرف الفرق بين مقام الرست ومقام أنني أريد العودة إلى البيت.

لكنني قررت، بعد كل هذه الرحلات الموسيقية، أن أعود إلى أغانينا الحبيبة.

وأستمع.

وأفهم الكلمات.

وهنا بدأت أشعر بالقلق.

عن ماذا نغني نحن؟

طبعًا، لا أقول إن كل الأغاني العربية هكذا، ولا أريد أن يأتي أحدهم بعد قليل حاملاً قائمة من سبعة آلاف أغنية ليقول لي: «وماذا عن هذه؟»

أنا أتحدث عن نسبة كبيرة من الأغاني الحديثة التي تصل إلينا كل يوم.

رجل يحب امرأة.

امرأة تحب رجلًا.

رجل ترك امرأة.

امرأة تركت رجلًا.

رجل يريد العودة.

امرأة لا تريد أن يعود.

ثم يعود الاثنان في الأغنية التالية.

ثم يخون أحدهما الآخر في الألبوم الجديد.

ثم يكتشف الجميع أن المشكلة كانت في «الظروف».

وبين كل ذلك، هناك وصف مستمر للجسد.

العينان.

الشفاه.

الشعر.

الخصر.

والله وحده يعلم لماذا أصبحت نصف القصائد العربية الحديثة مشغولة بقياس أعضاء الناس.

أين بقية الحياة؟

عندنا تاريخ طويل، ومدن، وقرى، وصحارى، وبحار، ومزارعون، وعمال، ومهاجرون، وسائقو شاحنات، وأصحاب محلات، ورعاة، وباعة خضار، وناس يذهبون إلى العمل الساعة الخامسة صباحًا، وناس يقفون في طوابير الدوائر الحكومية حتى يفقدوا إيمانهم بالحياة وبالموسيقى معًا.

أين أغاني هؤلاء؟

أين الأغنية التي تتحدث عن رجل اشترى أول سيارة في حياته؟

عن امرأة تعمل منذ عشرين سنة؟

عن مهاجر وصل إلى بلد جديد ولا يعرف كيف تعمل غسالة الملابس؟

عن فلاح ينتظر المطر؟

عن رجل يحب حصانه أكثر من جيرانه؟

عن شخص عاد إلى قريته بعد ثلاثين سنة ووجد أن البقالة نفسها لا تزال موجودة، لكن صاحبها مات، وابنه لا يعطي بالدين؟

لماذا يبدو العالم كله موجودًا في أغاني الشعوب الأخرى، بينما تختصر القصة عندنا بغرفة فيها شخصان لا يستطيعان حسم علاقتهما؟

حتى التقاليد الموسيقية الشعبية في أماكن كثيرة تحمل قصص الناس وحياتهم وطقوسهم وأسفارهم، وتستطيع الموسيقى أن تحكي قصة كاملة من دون كلمات. أما عندنا، فأحيانًا أشعر أن الأغنية تبدأ من «حبيبي» وتنتهي عند «حبيبي»، وبينهما سبع دقائق من المعاناة العاطفية.

حتى الراب الأمريكي، على الأقل في كثير من نماذجه، يحاول أن يقول شيئًا عن الحي، والفقر، والعنصرية، والنجاح، والجريمة، والطموح، والحياة التي عاشها صاحبه.

قد تتفق معه أو تختلف.

قد تحبه أو تكرهه.

لكنه، على الأقل، لديه شيء يريد أن يقوله.

أما نحن، فأحيانًا أشعر أن مؤلف الأغنية يكتب أغانيه من غرفة النوم.

يستلقي على بطنه ويقول:

— ماذا لدينا اليوم؟

عيون؟

موجودة.

شفاه؟

موجودة.

قلب مكسور؟

موجود.

سيارة؟

لا.

أرض؟

لا.

عمل؟

لا.

مطر؟

لا.

حصان؟

مستحيل.

بامية؟

طبعًا لا، نحن شعب محترم.

ثم تبدأ الأغنية:

«عيونك خلت قلبي… يفز».

وطبعًا، هنا أنتم تعرفون ما هو المقصود بالقلب.

وأنا هنا أوقف الأغنية وأسأل:

من يكتب أغانينا؟!

أنا لا أطالب بإلغاء أغاني الحب، فالحب موجود منذ خلق الله البشر، وسيبقى موجودًا إلى أن يأتي آخر رجل في العالم ويعد حبيبته بأنه لن ينساها، ثم ينساها بعد أسبوعين.

لكنني فقط أريد أن أعرف:

أين بقية الحياة؟

أين نحن؟

أين الناس الحقيقيون؟

أين الشوارع والقرى والجبال والبحار والقطارات والسيارات والمزارع والخيول؟

أين الرجل الذي اشترى مرسيدس أخيرًا بعد عشرين سنة من العمل ويستحق، بصراحة، أغنية كاملة؟

أين الفلاح الذي زرع البامية؟

لأنني بدأت أشك أن الذي يكتب أغانينا يعيش في غرفة صغيرة.

فيها امرأة جميلة.

ومرآة.

وسرير.

وقلب مكسور.

ولا يوجد فيها أي شيء آخر.

حتى البامية.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من هو سجّاننا؟
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…


المزيد.....




- هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال ...
- سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو ...
- -شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع ...
- مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين
- من مرسوم كاترين الثانية إلى حرب دونباس.. معرض يوثق تاريخ نوف ...
- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...
- -الولاء والخيانة-.. إطلاق الإعلان التشويقي لفيلم تاريخي عن ا ...
- -برامج القراءة الأدبية- يعود بموسم جديد لتطوير مهارات القراء ...
- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - البامية عنوان الديمقراطية