أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - من هو سجّاننا؟















المزيد.....

من هو سجّاننا؟


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 10:31
المحور: كتابات ساخرة
    


تخيّل أنك ارتكبت جريمة، فألقت الشرطة القبض عليك، ووضعتك في سيارة، ثم وصلت بك إلى باب السجن.

يفتح الشرطي الباب.

ويقول لك:

— تفضل… ادخل.

ثم يغلق الباب خلفك وينتهي دوره.

لا، ليس لأن الدولة نسيت أن تعيّن حراسًا، ولا لأن السجن مهجور.

لكن لأن ما وراء الباب عالم آخر.

هذا ما اشتهر به سجن سان بيدرو في بوليفيا: مكان لا يشبه الصورة التقليدية للسجون. تدخل من البوابة، ثم تجد مجتمعًا كاملًا في الداخل. تجارة، أعمال، مطاعم، مساكن، وطبقات اجتماعية، بل وعائلات عاشت هناك في فترات معينة.

دخلت السجن؟

ممتاز.

الآن دبّر حالك.

معك مال؟ تستطيع أن تجد مكانًا أفضل.

لا يوجد معك مال؟ تنام في الممر. عادي.

حتى الزنزانة لها ثمن.

حتى في السجن، كان السوق الحر قد وصل قبلك.

لكن أغرب ما في القصة ليس السجن نفسه.

الأغرب قصة سائح بريطاني كان يتجول في بوليفيا، قبل أن يرتكب مخالفة قادته إلى سجن سان بيدرو. وبعد دخوله السجن، اكتشف أن عليه أن يدبّر حياته بنفسه. لا أحد سيأتي ليؤمّن له كل ما يحتاج إليه، ولا أحد سيضمن له أن يعيش بشكل مريح لمجرد أنه سجين.

فماذا سيفعل؟

الرجل كان سائحًا، وليس لديه مهنة واضحة يستطيع أن يمارسها داخل السجن.

فوجد لنفسه عملًا يناسب ما يعرفه.

بدأ يعمل في الترجمة، ثم استقبل السياح القادمين من الخارج، وأخذهم في جولات داخل السجن، ليشرح لهم كيف يعيش السجناء في الداخل.

بمعنى آخر، حتى داخل السجن كان عليك أن تجد وظيفة كي تأكل وتعيش.

تخيل المشهد.

سياح أحرار يدخلون إلى السجن ليتفرجوا على المساجين.

والسجين يشرح لهم كيف يعيش الناس هنا.

والسياح ينظرون بدهشة:

— واو… كيف تستطيعون العيش في مكان كهذا؟

ثم يخرجون.

يعودون إلى فنادقهم، ومطاراتهم، ووظائفهم، وأقساطهم، ومديريهم، وساعات دوامهم.

ويستعيدون حريتهم.

وهنا توقفت قليلًا.

من الذي كان يتفرج على من فعلًا؟

لأنني تخيلت المشهد بالعكس.

تخيل أنني ذهبت إلى سهوب منغوليا، وقابلت رجلًا يعيش هناك.

لنسمّه ألتاي.

ألتاي يعيش في فضاء مفتوح. معه حصانه، وخيمته، وربما قطيع صغير. يفك خيمته عندما يريد، وينصبها عندما يريد. يركب حصانه بلا رخصة قيادة، ويتحرك في الأرض الواسعة، دون أقساط أو فواتير، ولا يوقظه منبّه في السادسة صباحًا ليقفز من سريره ويركض إلى موقف السيارات.

أقول له:

— تعال يا ألتاي، أريد أن أريك السجن في الغرب.

يركب حصانه معي.

نصل إلى الولايات المتحدة في الصباح.

أوقفه على جانب الطريق.

الساعة السابعة والنصف.

الناس يخرجون من بيوتهم.

السيارات تتحرك بسرعة.

الزحمة تبدأ.

شخص يشرب قهوته في السيارة.

آخر يركض نحو محطة القطار.

واحد يلعن لأن الطريق مزدحم.

وآخر ينظر إلى الساعة كل عشر ثوانٍ.

ألتاي يسألني:

— إلى أين يذهب هؤلاء؟

أقول له:

— هؤلاء موظفون. ذاهبون إلى العمل.

ينظر إليّ.

ثم إلى مئات السيارات.

ثم يسأل:

— وهل هم ذاهبون لأنهم يريدون؟

أقول:

— لا، يعني… هم أحرار.

يسكت قليلًا.

ثم يبدأ بعزف لحنه على آلته الموسيقية وهو فوق حصانه.

نكمل الجولة.

آخذه إلى مبنى ضخم لشركة كبيرة.

ندخل، بعد أن نحصل على الإذن.

مئات الأشخاص يجلسون أمام الشاشات.

كل واحد في مكانه.

واحد منهم يمر بجانب ألتاي.

ألتاي يناديه:

— تعال، اركب معي على الحصان.

الرجل لا يلتفت.

ألتاي ينادي مرة أخرى.

الرجل يقول:

— آسف، أنا مشغول.

ألتاي يستغرب.

يسألني:

— لماذا لا يستطيع أن يأتي؟

أقول له:

— لأنه يعمل.

— ومن منعه؟

— لا أحد.

— إذًا هو حر؟

— طبعًا. هذه هي الحرية.

ألتاي لا يفهم.

ينظر إلى الساعة.

ثم إلى الرجل.

ثم إلى المدير.

ثم إلى مئات الأشخاص من حوله.

وبعد لحظة صمت، يخرج آلته الموسيقية من جانب السرج، ويبدأ بالعزف.

وأنا أبدأ، للمرة الأولى، بعدم الفهم أيضًا.

ربما لأننا تعودنا على شكل معين من الحياة حتى أصبح طبيعيًا.

نحن نعتقد أننا أحرار لأن باب البيت مفتوح.

لأننا نستطيع أن نسافر.

لأننا نستطيع أن نذهب إلى المطعم.

ولأننا نستطيع أن ندخل سجنًا كسياح ونتفرج على من في الداخل.

لكن ماذا لو أخذنا شخصًا لا يعرف حياتنا أصلًا، ووضعناه وسطها؟

ماذا لو قلت له:

انظر يا ألتاي.

هؤلاء أحرار.

يخرجون كل صباح في الوقت نفسه تقريبًا.

يذهبون إلى المكان نفسه.

يقضون معظم نهارهم هناك.

ثم يعودون إلى بيوتهم لأن عليهم أن يدفعوا الإيجار.

ويعملون لأن عليهم دفع أقساط السيارة.

ويدفعون أقساط السيارة لأنهم يحتاجون إليها للوصول إلى العمل.

ثم يستيقظون في اليوم التالي ويكررون العملية.

قد ينظر إليّ ألتاي باستغراب شديد.

وربما يسألني:

— وأين السجن؟

أنظر حولي.

إلى الطرق المزدحمة.

إلى الأبراج.

إلى الناس الذين يركضون خلف ساعاتهم.

إلى الموظف الذي ينتظر نهاية الدوام.

وإلى الرجل الذي يعمل اليوم ليتمكن من دفع ثمن الأشياء التي يحتاج إليها كي يستمر في العمل غدًا.

ثم أقول له:

ربما لا نحتاج إلى أسوار حتى نصنع سجنًا.

هناك أيضًا أبواب مفتوحة.

وتجارة.

ومطاعم.

وبيوت.

وطبقات اجتماعية.

وأناس يملكون أكثر من غيرهم.

والفرق أن هذا السجن أكبر بكثير، ولا أحد يسميه سجنًا.

لكن الفرق الأهم أن سان بيدرو أكثر شفافية. على الأقل، هناك يعرفون من هو سجّانهم.

هناك تعرف من ألقى القبض عليك.

تعرف من حقّق معك.

تعرف من حكم عليك.

وتعرف بالضبط ماذا فعلت حتى تدخل السجن.

أما هنا…

فلا أحد أمسك بك.

لا أحد دفعك إلى الزنزانة.

ولا أحد أغلق الباب خلفك.

ومع ذلك، تستيقظ كل صباح في الوقت نفسه، وتخرج في الوقت نفسه، وتذهب إلى المكان نفسه، لأن عليك أن تدفع الإيجار، والأقساط، والفواتير، وثمن الأشياء التي تحتاج إليها كي تستمر في العمل غدًا.

هذا هو العالم الحر…

لكننا قد لا نعرف حتى الآن: من هو سجّاننا؟



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في سنة 2036… المال بلا قيمة
- حتى بالانحراف إله ضوابط
- قبل أن تصبح مهاجرًا
- شيتو غفريتو… من الطيبات
- الطيبات التي لا تؤكل
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية


المزيد.....




- هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال ...
- سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو ...
- -شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع ...
- مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين
- من مرسوم كاترين الثانية إلى حرب دونباس.. معرض يوثق تاريخ نوف ...
- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...
- -الولاء والخيانة-.. إطلاق الإعلان التشويقي لفيلم تاريخي عن ا ...
- -برامج القراءة الأدبية- يعود بموسم جديد لتطوير مهارات القراء ...
- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - من هو سجّاننا؟