|
|
لا انفصال بين الإيمان والعمل
ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 20:56
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
حين يتحول الإيمان من اعتقاد في القلب إلى أثر في الحياة تخيّل مزارعًا يقف كل صباح أمام أرضه، يتحدث إلى الناس بفخر عن جودة البذور التي اختارها، ويؤكد لهم أنها من أطيب الأنواع وأقواها، ثم تمر الأيام والأسابيع والشهور، فلا يرى أحد في حقله ساقًا خضراء، ولا ورقة يانعة، ولا ثمرة ناضجة. وحين يُسأل عن ذلك، يجيب بثقة: «البذور حية، وإن لم تُنبت شيئًا». عندها سيدرك كل من يسمعه أن المشكلة ليست في البذور وحدها، وإنما في هذا الادعاء الذي يفصل الحياة عن أثرها، ويجعل الحقيقة مجرد دعوى لا يصدقها الواقع. فالحياة لا تُعرف بالادعاء، وإنما بآثارها. والبذرة لا تثبت وجود حياتها لمجرد أنها مدفونة في التراب، وإنما تثبتها حين تشق طريقها إلى النور، ثم تنمو وتزهر وتثمر. أما إذا بقيت كامنة لا يظهر منها شيء، فلن يستطيع أحد أن يميز بينها وبين بذرة ماتت قبل أن تبدأ رحلتها. وكذلك الإيمان؛ لا يكفي أن يبقى كلمة في اللسان أو اعتقادًا معزولًا في الذهن والقلب، ثم لا يظهر له أثر في حياة الإنسان. فالإيمان الذي لا يغير شيئًا في صاحبه يظل سؤالًا مفتوحًا عن حقيقة ما استقر في داخله، لأن الإيمان في المنظور القرآني ليس فكرة ساكنة، وإنما حقيقة حية يفترض أن تتحول إلى موقف وسلوك وعمل. ومن هنا يقرر القرآن واحدًا من أكثر مبادئه وضوحًا في بناء الإنسان: لا انفصال بين الإيمان والعمل. وليس هذا الاقتران عارضًا في موضع أو موضعين، وإنما يتكرر في عشرات الآيات، حتى يصبح من الصعب قراءة تصور القرآن للنجاة والفلاح والحياة الطيبة دون ملاحظة هذا التلازم بين الإيمان والعمل الصالح. وكأن القرآن يريد أن يغرس في وعي الإنسان قاعدة لا ينبغي أن يغفل عنها: الإيمان ليس بديلًا عن العمل، والعمل الصالح ليس بديلًا عن الإيمان؛ وإنما يلتقي الاثنان في بناء الإنسان الذي يريده القرآن. ولعل أول ما يلفت النظر أن القرآن جعل هذا الاقتران مفتاحًا للنجاة من الخسران العام الذي يحيط بالإنسان. ففي السورة القصيرة التي تختصر مصير الإنسان في كلمات قليلة، يقول تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ )العصر: 1-3.( إن الاستثناء هنا بالغ الدلالة. فالإنسان في خسر، ثم يأتي الاستثناء ليخرج فئة محددة من هذا الخسران، لا بمجرد الإيمان وحده، ولا بمجرد العمل وحده، وإنما باجتماع الإيمان والعمل والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وهذا يكشف أن القرآن لا يتصور النجاة باعتبارها حالة داخلية منفصلة عن حركة الإنسان في العالم، بل يجعلها بناءً متكاملًا يبدأ بالإيمان، ويتحول إلى عمل، ثم يتجاوز الفرد إلى علاقة بالحق والصبر داخل المجتمع والحياة. ولو كان الإيمان وحده كافيًا في هذا السياق، لما احتاج النص إلى ذكر العمل الصالح بعده. ولو كان العمل وحده يغني عن الإيمان، لما جاء الإيمان في صدر صفات الناجين. إن اجتماع الاثنين في هذا الموضع ليس مجرد تكرار لغوي، وإنما يكشف عن وظيفتين متكاملتين: الإيمان يحدد الجذر والوجهة، والعمل يحول ما في الداخل إلى واقع. الأول يمنح الإنسان المعنى، والثاني يكشف أثر هذا المعنى في حياته. ولهذا يتكرر الاقتران في القرآن في سياقات متعددة، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (طه: 112). فالإيمان والعمل يلتقيان مرة أخرى في وصف الإنسان الذي لا يخشى ظلمًا ولا هضمًا. ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ (الكهف: 107). وفي موضع آخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: 277) وحين يتكرر هذا البناء بهذا القدر، يصبح من الصعب اعتباره مجرد تنويع أسلوبي. إن القرآن يعيد وضع الإيمان والعمل جنبًا إلى جنب في مواضع النجاة والثواب والفلاح، وكأنه يريد أن يحرر الإنسان من وهم إمكانية الفصل بين ما يعتقده وما يفعله. فالإيمان الذي يبقى محصورًا في الداخل دون أن يترك أثرًا في الخارج يظل إيمانًا لم يبلغ غايته العملية، والعمل الذي ينفصل تمامًا عن الإيمان يفقد، في التصور القرآني، أحد الأبعاد التي تمنحه موقعه داخل مشروع الإنسان مع الله. لكن القرآن يذهب أبعد من مجرد الاقتران بين اللفظين؛ إذ يكشف أن الإيمان نفسه يدخل ميدان الاختبار. يقول تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 2). ثم يقول: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 3) فالقول «آمنا» ليس نهاية الطريق، وإنما بداية الامتحان. والفتنة في هذا السياق تكشف ما إذا كان ما يقوله الإنسان قد أصبح حقيقة قادرة على الصمود أمام الواقع أم أنه مجرد إعلان لا يملك قوة الاستمرار حين تصبح للقناعة كلفة. وهنا لا يعود الإيمان مجرد كلمة، وإنما يتحول إلى موقف، وصبر، وثبات، وقدرة على الوفاء بما يعلنه الإنسان حتى عندما يصبح الالتزام بما يؤمن به أصعب من مجرد الحديث عنه. وهذا هو الفارق بين الإيمان الذي يعيش في منطقة الكلام، والإيمان الذي يدخل منطقة الحياة. يستطيع الإنسان أن يقول شيئًا بسهولة عندما لا يترتب على قوله شيء، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح للكلمة نتائج، وعندما يصبح المبدأ مكلفًا، وعندما يتعارض الالتزام بما يؤمن به مع مصلحة عاجلة أو رغبة شخصية أو ضغط اجتماعي. ومن هنا يواجه القرآن المؤمنين أنفسهم بسؤال بالغ الصرامة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3). ولافت هنا أن الخطاب لا يتوجه إلى من يرفضون الإيمان، وإنما إلى الذين آمنوا. فالانتماء الإيماني لا يعفي الإنسان من مسؤولية التوافق بين القول والعمل، بل يجعل هذه المسؤولية أشد وضوحًا. إن الفجوة بين ما يقوله الإنسان وما يفعله ليست مجرد مشكلة أخلاقية بسيطة، وإنما يمكن أن تتحول إلى انقسام داخلي في الشخصية؛ شيء يقوله الإنسان عن نفسه، وشيء آخر تراه حياته. ولهذا كان النفاق من أخطر الظواهر التي كشف عنها القرآن، لأنه يمثل صورة صارخة لانفصال الظاهر عن الباطن. يقول تعالى عن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1). ويكشف القرآن في موضع آخر عن نموذج من هذا الانفصال بقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (آل عمران: 167). كما يصف قومًا آخرين بقوله: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ (المائدة: 41) وهنا نلمس الفرق بين القول والإيمان. فاللسان قادر على إعلان ما لا يوافقه القلب، ولذلك لا يجعل القرآن مجرد القول معيارًا نهائيًا للحقيقة الداخلية. فالإيمان ليس جملة تُقال، وإنما علاقة تستقر في الإنسان وتعيد تشكيل سلوكه وموقفه من الحياة. ولهذا لا تكون المشكلة في أن الإنسان يقول «آمنت»، وإنما في أن يتحول هذا القول إلى غطاء يخفي واقعًا يناقضه. فالقرآن لا يحارب الكلمة، وإنما يحارب الانفصال بين الكلمة والحقيقة. ولذلك كان النفاق أخطر من مجرد إعلان الرفض؛ لأن صاحبه يصنع صورة خارجية للإيمان بينما يبقى داخله منفصلًا عنها. ويبلغ هذا المعنى مداه حين نرى القرآن يربط الإيمان بالعمل الصالح في سياق الحديث عن الحياة نفسها. يقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) الحياة الطيبة هنا ليست مجرد شعور داخلي منفصل عن الواقع، وإنما تأتي في سياق يجمع بين العمل الصالح والإيمان. وهذا يفتح أمامنا تصورًا قرآنيًا بالغ الأهمية: الإيمان ليس شيئًا يهرب به الإنسان من الحياة، بل قوة تعيد تشكيل حياته داخلها. ليس المطلوب أن يختبئ الإيمان في القلب، وإنما أن يخرج منه إلى الطريقة التي يعيش بها الإنسان، ويعامل بها الآخرين، ويتخذ بها قراراته، ويتعامل بها مع المال والسلطة والضعف والخلاف والمصلحة. وهنا يمكن أن نفهم لماذا لا يسمح القرآن بفصل الإيمان عن الأخلاق. فحين يأمر بالعدل، لا يجعله قضية خارجية عن الدين؛ وحين يأمر بالأمانة، لا يقدمها كفضيلة اجتماعية منفصلة عن الإيمان؛ وحين ينهى عن الظلم والبغي والغش والخيانة، فإنه لا يضع قائمة أخلاقية مستقلة عن العقيدة، وإنما يبني إنسانًا يكون ما يؤمن به ظاهرًا في طريقة وجوده بين الناس. ولذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ (النحل: 90). فالإيمان الذي لا يجعل صاحبه أكثر أمانة وعدلًا وإحسانًا يحتاج إلى مراجعة حقيقية، لأن القرآن لا يبني إيمانًا معزولًا عن الحياة. ومن هنا تتحول العلاقة بين الإيمان والعمل إلى معيار لصدق الإنسان مع نفسه. فلا يعود السؤال الأساسي: ماذا أقول عن إيماني؟ ولا إلى أي جماعة أنتمي؟ ولا كم مرة أكرر ألفاظًا دينية؟ وإنما يصبح السؤال الأصعب: ماذا صنع إيماني بي؟ هل جعلني أكثر عدلًا حين أستطيع الظلم؟ هل جعلني أكثر أمانة حين أستطيع الخيانة دون أن يكتشفني أحد؟ هل جعلني أكثر رحمة حين أمتلك القوة؟ هل جعلني أكثر صدقًا حين يكون الكذب أكثر فائدة لي؟ هل جعلني أقاوم أهوائي حين يكون اتباعها أسهل؟ هل أصبح إيماني قوة داخلية تمنعني من أن أفعل ما أعرف أنه باطل؟ هنا ينتقل الإيمان من منطقة الشعارات إلى منطقة الاختبار. ولهذا لا يسمح القرآن أيضًا بأن يتحول العمل الصالح إلى مجرد نشاط خارجي بلا روح. فالعمل في ذاته لا يكفي إذا فقد علاقته بالله والنية التي تحركه. ولذلك يقول في مواضع متعددة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ... وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (النحل: 97)، ويقول: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ (طه: 112). فالإيمان ليس إضافة شكلية توضع إلى جانب العمل، وإنما هو الذي يمنح العمل اتجاهه داخل التصور القرآني. وهذا يحررنا من وهمين متقابلين طالما اضطرب بهما فهم الدين. الوهم الأول أن الإيمان وحده يكفي، وأن الإنسان يستطيع أن يعلن إيمانه ثم يعيش بطريقة تناقض كل ما يعلنه، وبعد ذلك يطمئن إلى أن مجرد الانتماء اللفظي كافٍ. والوهم الثاني أن العمل وحده يغني عن الإيمان، وأن كل فعل نافع يصبح بالضرورة مساويًا للعمل الصالح في المعنى القرآني، بغض النظر عن منظومة الإنسان الإيمانية ووجهته. أما القرآن فيبني صورة أكثر تركيبًا؛ صورة لا تفصل الجذر عن الثمرة، ولا القلب عن السلوك، ولا الاعتقاد عن الموقف. الإيمان هو الجذر، والعمل الصالح هو الثمرة التي تظهر في الحياة، وكلاهما يدخل في بناء الإنسان الذي يريده القرآن. لكن هذا لا يعني أن كل عمل صالح في الظاهر يثبت بالضرورة صدق إيمان صاحبه، كما لا يعني أن كل تقصير عملي ينفي وجود الإيمان من أصله. فالقرآن يتحدث عن الإنسان بوصفه كائنًا يعيش الصراع والضعف والابتلاء، ولذلك لا يصح تحويل الاقتران بين الإيمان والعمل إلى معادلة ميكانيكية نحكم بها على قلوب الناس. القضية أعمق من ذلك: إن العمل هو الميدان الذي يظهر فيه أثر الإيمان، وليس أداة تمنحنا سلطة على باطن الآخرين. وهذه نقطة ضرورية حتى لا يتحول المبدأ نفسه إلى نقيضه. فالقول إن الإيمان والعمل متلازمان لا يعني أن كل من ارتكب ذنبًا أصبح بلا إيمان، ولا أن الإنسان الذي أخطأ في سلوكه قد أصبح منافقًا بالضرورة. القرآن يميز بين الخطأ، والضعف، والمعصية، وبين النفاق الذي يقوم على انفصال متعمد بين الظاهر والباطن. ولذلك ينبغي أن يبقى الحكم على الناس منضبطًا بالنص، لا بالأهواء والانطباعات. إن المقصود إذن ليس أن نبحث عن المؤمن الكامل الذي لا يخطئ، فهذا ليس موضوع المقال، وإنما أن ندرك القاعدة القرآنية الكبرى: الإيمان الحقيقي لا يريد أن يبقى بلا أثر. إنه يريد أن يتحول إلى عمل، والعمل يريد أن يكشف أثر الإيمان في العالم. ومن هنا يصبح مفهوم «العمل الصالح» أوسع بكثير من اختزاله في بعض الشعائر. فالعمل الصالح يمكن أن يظهر في الأمانة، والعدل، والإصلاح، والعلم، ورعاية الضعيف، والوفاء بالعهد، واحترام حقوق الناس، وإتقان العمل، ومقاومة الظلم، وكف الأذى، وبناء ما ينفع الإنسان والمجتمع. وليس من المنطقي أن نحصر العمل الصالح في دائرة ضيقة ثم نترك بقية الحياة خارج الدين، بينما القرآن يربط الإيمان بسلوك الإنسان كله. ان مفهوم (العمل الصالح)؛ من داخل القرآن تكشف أنه ليس مجرد قائمة من الأفعال المنفصلة، ولا مجرد طقوس يؤديها الإنسان للحصول على الثواب، وإنما هو اتجاه في الحياة. إنه الطريقة التي تتحول بها القناعة إلى أثر، والإيمان إلى ممارسة، والقيمة إلى واقع. فالذي يؤمن بالعدل ثم يمارس الظلم لا تكفيه كثرة حديثه عن العدل. والذي يؤمن بالأمانة ثم يخون حين تتاح له الفرصة لا يستطيع أن يجعل من شعاره دليلًا على حقيقة إيمانه. والذي يتحدث عن الرحمة ثم يجعل من قوته وسيلة لإذلال الضعفاء، قد حفظ الكلمة، لكنه لم يسمح لها بأن تتحول إلى عمل. فإذا كانت المقاصد تحكم فهم الجزئيات، فإن الإيمان والعمل يمثلان مثالًا واضحًا على هذه العلاقة؛ لأن الإيمان ليس مجرد جزئية عقدية منعزلة، وإنما له مقصد في بناء الإنسان. وإذا كانت الحرية شرط التكليف، فإن العمل هو المجال الذي يمارس فيه الإنسان اختياره ويتحمل مسؤوليته. فالإنسان لا يثبت ما يؤمن به بالكلام وحده، وإنما بما يختاره أن يفعله حين تتعارض القناعة مع المصلحة أو الرغبة أو ضغط الجماعة. ومن هنا يصبح العمل الصالح نتيجة طبيعية للحرية أيضًا. فالإنسان الذي يختار الخير وهو قادر على الشر يمارس مسؤوليته الأخلاقية بصورة حقيقية. أما الإنسان الذي لا يستطيع أن يفعل إلا ما أُجبر عليه، فلا يمكن أن ننسب إلى فعله المعنى الأخلاقي نفسه. ولهذا ترتبط الحرية بالإيمان والعمل معًا: حرية الاختيار تمنح العمل قيمته، والإيمان يمنحه وجهته، والعمل يكشف أثره. والقرآن لا يريد من الإنسان أن يكون صالحًا في العلن فقط. فالرياء يكشف خطورة انفصال العمل الظاهر عن الدافع الداخلي. يقول تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون: 4-6). فالصورة الخارجية للصلاة موجودة، لكن القرآن لا يكتفي بها، لأنه ينظر إلى علاقتها بحقيقة الإنسان. وهنا تتأكد مرة أخرى ضرورة عدم فصل الباطن عن الظاهر. إن الإنسان قد يتعلم كيف يبدو مؤمنًا أمام الناس، لكنه لا يستطيع أن يخدع الله بالصورة. وقد يستطيع أن ينجح في صناعة سمعة دينية، لكن السمعة ليست هي الحقيقة. ولهذا يقول القرآن: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (الطارق: 9). فالسرائر ستظهر، وستنكشف العلاقة بين ما كان الإنسان يقوله وما كان يحمله في داخله. ومن هنا لا ينبغي أن يتحول الدين إلى مسابقة في المظهر. ليس السؤال: من يبدو أكثر تدينًا؟ وإنما: من جعل إيمانه أكثر حضورًا في حياته؟ من أصبح أكثر صدقًا؟ من أصبح أكثر عدلًا؟ من أصبح أقل ظلمًا؟ من أصبح أكثر قدرة على السيطرة على هواه؟ من أصبح نافعًا للناس بدل أن يكون مصدرًا للأذى؟ إن القرآن لا يقيس الإنسان بكمية الشعارات التي يرفعها، بل يضعه أمام أفعاله. يقول تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39). والسعي هنا يعيد الإنسان إلى مسؤوليته العملية؛ فليس الإنسان مجرد ما يتمنى أو يدعي، وإنما له ما يسعى إليه ويعمل من أجله. وهذا لا يعني أن النية لا قيمة لها، بل يعني أن النية التي لا تجد طريقها إلى السلوك تظل محكومة بحدودها. فالإيمان الداخلي مهم، لكن القرآن لا يترك الإنسان فيه؛ إنه يدفعه إلى الحركة. والقناعة الحقيقية ليست مجرد شعور يرضي صاحبه، وإنما قوة تحمله على أن يفعل ما يعتقد أنه حق. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الإنسان طوال حياته ليس: هل أنا مؤمن؟ فقط، وإنما: كيف يظهر إيماني في حياتي؟ لأن الإنسان قد يجيب عن السؤال الأول بسهولة، لكنه سيجد صعوبة أكبر أمام السؤال الثاني. وقد تكون الإجابة الثانية أكثر صدقًا من عشرات الشعارات. فإذا كان الإيمان يجعل الإنسان أكثر قسوة، وأكثر ظلمًا، وأكثر تعصبًا، وأكثر كذبًا، وأكثر استعلاءً على الناس، فليس من حقه أن يكتفي بالقول: «لكنني مؤمن». عليه أن يسأل: أين ذهبت ثمرة الإيمان؟ وإذا كان يقول إنه يؤمن بالله العدل، فكيف يصبح الظلم جزءًا من سلوكه؟ وإذا كان يؤمن بالله الرحيم، فكيف تتحول الرحمة عنده إلى شعار لا يتجاوز الكلام؟ إن الإيمان الذي لا يغيّر شيئًا في صاحبه يشبه البذرة التي تحدثنا عنها في البداية. يمكن أن ندافع عنها بالكلمات، وأن نقول إنها حية، وأن نعدد خصائصها ومزاياها، لكن الأرض ستظل تنتظر البرهان الوحيد الذي لا يمكن تزويره: أن تنبت. وهنا تتضح قيمة العمل الصالح في البناء القرآني. إنه ليس مجرد إضافة إلى الإيمان، وإنما هو إحدى الطرق التي يظهر بها الإيمان في العالم. فحين يؤمن الإنسان بأن الله يأمر بالعدل، يصبح العدل سلوكًا. وحين يؤمن بأن الله ينهى عن الظلم، يصبح اجتناب الظلم موقفًا. وحين يؤمن بأن الله يأمر بالإحسان، يصبح الإحسان جزءًا من علاقته بالناس. وحين يؤمن بأن الإنسان مسؤول عن اختياراته، يصبح مسؤولًا عن أثرها. إن الإيمان الذي لا يخرج من القلب إلى اليد واللسان والموقف والمعاملة يظل ناقص الحضور في الحياة، بينما الإيمان الذي يتحول إلى عمل يصبح قوة فاعلة. وهذا هو الفرق بين الدين بوصفه هوية، والدين بوصفه بناءً للإنسان. فالهوية يمكن أن يرثها الإنسان، لكن السلوك يحتاج إلى اختيار. ويمكن للإنسان أن يولد داخل جماعة دينية، لكن لا أحد يولد وفي يده أخلاق جاهزة. يمكن أن يحمل اسمًا دينيًا، لكن الاسم لا يضمن الصدق. يمكن أن يحفظ النص، لكن حفظ النص لا يعني بالضرورة أن النص أصبح حياة في داخله. ولهذا فإن القرآن ينقل الإنسان باستمرار من القول إلى الفعل، ومن المعرفة إلى الممارسة، ومن الاعتقاد إلى المسؤولية. فلا يكفي أن تعرف الحق إذا كنت ترفض العمل به، ولا يكفي أن تتحدث عن الخير إذا كنت تمارس نقيضه، ولا يكفي أن تدعي الإيمان إذا كان الإيمان لا يترك أثرًا في طريقة عيشك. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا كانت الحياة نفسها ميدانًا للإيمان. فالإيمان لا يُختبر فقط في لحظات العبادة، وإنما يُختبر حين يدخل الإنسان السوق، والبيت، والعمل، والخصومة، والسلطة، والمال، والعلاقة بالضعفاء والمختلفين عنه. هناك، في التفاصيل التي لا يراها الناس أحيانًا، تظهر حقيقة ما استقر في القلب. إن الإنسان يستطيع أن يصنع صورة جميلة لنفسه أمام الآخرين، لكنه لا يستطيع أن يعيش طوال حياته منفصلًا عن حقيقة ما يؤمن به. فالاعتقاد المستقر في الداخل يبحث عن منفذ إلى الخارج، وإن لم يجد منفذًا في السلوك، بقي الإنسان في صراع بين ما يقول وما يفعل. ولهذا فإن القرآن لا يريد إيمانًا منفصلًا عن الحياة، ولا حياة منفصلة عن الإيمان. يريد الإنسان الذي يحمل قناعته إلى الواقع، ويجعلها ميزانًا في اختياراته. يريد أن تصبح العبادة خلقًا، والمعرفة مسؤولية، والإيمان عدلًا، والتقوى ضبطًا للنفس، والرحمة سلوكًا، والحق موقفًا. وعند هذه النقطة تتضح حقيقة مهمة: العمل الصالح ليس فقط ما يفعله الإنسان في المسجد أو في مكان العبادة، وإنما ما يفعله عندما يخرج إلى العالم. قد يكون الصدق عملًا صالحًا، والأمانة عملًا صالحًا، وإغاثة المظلوم عملًا صالحًا، وإتقان العمل عملًا صالحًا، وإصلاح ذات البين عملًا صالحًا، وكف الأذى عملًا صالحًا. فالقرآن لا يفصل بين علاقة الإنسان بالله وعلاقته بالعالم، وإنما يريد لهذه العلاقة بالله أن تنتج إنسانًا صالحًا في العالم. وهكذا لا يبقى الإيمان فكرة معلقة فوق الحياة، وإنما يصبح قوة تنزل إلى الأرض. ولا يبقى العمل حركة بلا معنى، وإنما يصبح تعبيرًا عن رؤية الإنسان للوجود وموقعه أمام الله. وفي النهاية نعود إلى المزارع الأول. قد يستطيع أن يقنع الناس طويلًا بأن بذوره جيدة، وقد يستطيع أن يشرح لهم خصائصها، وأن يحدثهم عن أصلها وجودتها، لكن الحقل لا يجامل. فإذا كانت البذرة حية، فلا بد أن يظهر منها شيء. وإذا لم يظهر شيء، فالسؤال سيبقى قائمًا. وكذلك الإيمان. ليس المطلوب من الإنسان أن يكون بلا خطأ، ولا أن يتحول إلى كائن معصوم، ولا أن نحكم على قلوب الناس من خلال مظاهرهم. المطلوب أعمق من ذلك: أن يدرك أن الإيمان الذي يعلنه ينبغي أن يترك أثرًا في حياته، وأن العمل الصالح ليس شيئًا زائدًا على الإيمان، وإنما هو أحد أهم الميادين التي تظهر فيها حيويته. إن القرآن لا يقدم الإيمان باعتباره بطاقة انتماء، ولا العمل الصالح باعتباره قائمة من الأفعال المنفصلة. إنه يبني علاقة متكاملة بين القلب والحياة، بين الاعتقاد والممارسة، بين الجذر والثمرة. ولهذا يتكرر في كتابه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فالإيمان يمنح الإنسان البوصلة، والعمل يثبت أنه يسير في الاتجاه الذي تقول به البوصلة. والإيمان يزرع المعنى، والعمل يجعله مرئيًا. والإيمان جذر، والعمل ثمرة. ولا يمكن لشجرة أن تعيش بلا جذر، ولا يمكن أن نعرف حياة الشجرة من الجذر وحده إذا لم يظهر أثره في الثمر. وهكذا يصل بنا القرآن إلى حقيقة بسيطة في ألفاظها، عميقة في معناها: لا انفصال بين الإيمان والعمل. فالإيمان الذي لا يثمر عملًا يحتاج إلى مراجعة، والعمل الذي لا يقوم على إيمان يفقد في التصور القرآني جزءًا أساسيًا من معناه. أما حين يلتقي الإيمان والعمل، فإن الإنسان ينتقل من مجرد الادعاء إلى الحقيقة، ومن القول إلى الفعل، ومن الفكرة إلى الحياة. وعندها فقط يصبح الإيمان قوة تبني الإنسان بدل أن تكون مجرد هوية يحملها، ويصبح العمل الصالح ثمرة طبيعية لذلك البناء؛ فيغدو الإنسان أكثر صدقًا حين يكون الصدق مكلفًا، وأكثر عدلًا حين تكون له القدرة على الظلم، وأكثر رحمة حين تكون له القدرة على القسوة، وأكثر أمانة حين لا يراه أحد. ذلك هو الإيمان حين يصبح حيًا. ليس كلمة تُقال، ولا شعارًا يُرفع، ولا هوية تُورث، وإنما حقيقة تنمو في الداخل حتى تجد طريقها إلى الخارج، ثم تعود آثارها من العالم لتشهد لصاحبها بما حمله قلبه. وكما أن الشجرة لا تستطيع أن تخفي ثمرها إلى الأبد، فإن الإيمان الحي لا يستطيع أن يبقى بلا أثر.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحرية شرط التكليف
-
المقاصد تُحكِم فهم الجزئيات
-
حين يبني القرآن الإنسان - قبل أن يشرّع له
-
التكرار وسيلة لبناء المفهوم
-
الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء
-
بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
-
البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
-
السؤال... أول الطريق إلى الهداية
-
القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
-
القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
-
الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
-
الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن
...
-
الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من
...
-
الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا
...
-
الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار
...
-
الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
المزيد.....
-
8 دول عربية وإسلامية ترفض مخطط -إي-1- الاستيطاني وتحذر من تق
...
-
8 دول عربية وإسلامية تحذّر إسرائيل من مخطط -E1- الاستيطاني:
...
-
8 دول عربية وإسلامية تهاجم إسرائيل بسبب -E1- وتضعها في مواجه
...
-
عاجل | بيان لوزراء خارجية دول عربية وإسلامية: ندين سياسة إسر
...
-
سلطة الإسلام السياسي الشيعي بين مطرقة الاحتجاجات وسندان الان
...
-
هل أمريكا مسيحية بما يكفي؟.. هذه رؤية جيه دي فانس
-
عندما كان أميركيون عبيدا في طرابلس من تجربة الأسر في شمال أ
...
-
من الإخوان إلى -داعش-.. وزير الأوقاف المصري يواجه حسن البنا
...
-
عكرمة صبرى لـ«الشروق»: إجراءات الاحتلال فى المسجد الأقصى انت
...
-
القدس.. لائحة اتهام ضد مستوطن إسرائيلي بعد التقاطه صورة -مهي
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|