أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - أقدم نص من بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم















المزيد.....

أقدم نص من بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم


عضيد جواد الخميسي

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 18:00
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعدّ قصة الطوفان السومرية أو أسطورة الخلق السومرية، أقدم نصٍّ في بلاد الرافدين يروي قصة الطوفان العظيم، والذي ظهرلاحقاً في أعمال مثل أطراهاسيس (القرن السابع عشر قبل الميلاد) وملحمة گلگامش (حوالي عام 2150-1400 قبل الميلاد).
أُطلق على هذا النص اسم "التكوين" في العصر الحديث، حيث صاغه البروفيسور ثوركيلد جاكوبسن عام 1981م؛ أما الاسم الأصلي للنص فلا يزال مجهولاً .
تُروى القصة الواردة في سفر التكوين الإريدوي أيضاً (وبأكثر شهرة ) على أنها قصة نوح وسفينته والتي هي أقدم من تلك المذكورة في سفر التكوين العبري (أقدم تاريخ مُحتمل حوالي عام 1450 قبل الميلاد، وأحدث تاريخ حوالي عام 800-600 قبل الميلاد). ويُؤرَّخ سفر التكوين الإريدوي في شكله المكتوب إلى حوالي عام 1600 قبل الميلاد، لكن يُعتقد في أنه أقدم من ذلك بكثير (حوالي عام 2300 قبل الميلاد)، وقد حُفظ عبر التناقل الشفوي حتى أصبح مكتوباً.
اللوح الطيني الحامل للنص بشكل عام متضرر بشدة، مع فقدانه عدد من السطور المهمة، لكنه لا يزال قابلاً للقراءة والفهم بسهولة كقصة مبكرة عن الطوفان العظيم . ويعتمد الباحثون الذين درسوا النص عموماً على ملحمة" أطراهاسيس" الأكدية /البابلية اللاحقة التي تروي القصة نفسها ( لملء الفراغات في النص المفقود للوح المتضرر) .
من المرجح أن تكون هذه القصة قد أثرت بـ"قصة الطوفان" المصرية المعروفة باسم "كتاب البقرة السماوية" (التي يعود تاريخها جزئياً إلى الفترة الانتقالية الأولى لبلاد النيل، عام 2181-2040 قبل الميلاد). وبالتأكيد فهي كانت مصدر إلهام أيضاً للأعمال الرافدينية اللاحقة بالإضافة إلى الرواية التوراتية عن نوح. وقد اكتُشفت القصة عام 1893م ، خلال فترة البعثات والتنقيبات الواسعة والمنتشرة في العراق، والتي مولتها مؤسسات غربية مسيحية ويهودية.
الرجل الصالح في هذه الرواية الذي اختير للنجاة من الطوفان والحفاظ على الحياة في الأرض، هو الملك والكاهن زيودسورا من مدينة سوروپاك أو شوروپاك (الذي يعني اسمه "حياة الأيام الطويلة"). إذ تظهر هذه الشخصية نفسها في نص " وصايا شوروپاك " (حوالي عام 2000/2500 قبل الميلاد)، وباسم أطراهاسيس "الحكيم المتفوق" في العمل اللاحق الذي يحمل اسمه، وباسم أوتناپشتم "وجد الحياة" في ملحمة گلگامش ، وباسم نوح (السَكينة أو السلام) في سفر التكوين .

الرحلات الاستكشافية و لحظة الاكتشاف
في القرن التاسع عشر الميلادي ، موّلت مؤسسات غربية من بينها متاحف وجامعات، رحلات استكشافية إلى العراق بأمل العثور على أدلة مادية تدعم صحة الروايات التوراتية تاريخياً. كما شهد ذلك القرن أيضاً ممارسة غير مسبوقة لقراءات نقدية متزايدة للكتاب العبري ، والتي شككت في معتقدات راسخة حول أصله الإلهي وعصمته المزعومة.
شهد عصر الشك هذا نشر كتاب دارون " أصل الأنواع" في عام 1859م، والذي يشير إلى أن البشر بدلاً من أن يكون خالقهم إله وبدرجة أقل من الملائكة؛ قد تطوروا في الأصل مع مرور الزمن من أسلاف مشتركة عبر عملية رئيسية تُعرف بالانتقاء الطبيعي .
وفي عام 1882م ، نشر الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه كتابه " العلم المرح" الذي تضمن العبارة الشهيرة "مات الإله وقتلناه"، في إشارة إلى الانتصار الظاهري للتكنولوجيا والعلمانية على المعتقدات الدينية التقليدية. وقبل ظهور التشكيك العلماني، وحتى خلال الفترة التي كتب فيها دارون ونيتشه، كان يُنظر إلى الكتاب المقدّس على أنه أقدم كتاب في العالم بأصله السماوي ومنبعه الإلهي .
وكان من شجع لهذا الاعتقاد هو الكتاب الضخم لرئيس الأساقفة جيمس أوشر (عام 1581-1656 م)، مبتكر التسلسل الزمني لأوشر، الذي يعتمد بشكل أساسي على سفر التكوين مع الإشارة لروايات توراتية أخرى، حيث يؤرخ خلق العالم في 22 أكتوبر/ تشرين الأول عام 4004 قبل الميلاد في الساعة السادسة مساءً. وبما أنه كان يُعتقد أن الكتاب المقدس قد كتبه إله، لذا فإنه معصوم من الخطأ ويمكن الوثوق به ليس فقط في تحديد عمر الأرض ؛ بل في جميع جوانب الوجود البشري .
كان من المفترض أن تعثر البعثات المرسلة إلى العراق أدلة تتوافق مع هذا الرأي، لكنها وجدت العكس تماماً. فقد أسقطت الألواح المسمارية التي تم فك رموزها في منتصف القرن التاسع عشر وما بعده ، الفكرة السائدة عن الكتاب المقدس بشكل مباشر؛ إذ احتوت على عدد من النصوص والنقوش والرموز التي كانت سابقة في تاريخها للروايات التوراتية. ومن بين تلك النصوص كانت قصة الطوفان السومرية، وهي أول قصة سمعها الناس في ذلك الوقت .
تم اكتشاف اللوح المتضرر بشدة تحت أطلال مدينة نيپور القديمة من قبل بعثة ممولة من جامعة بنسلفانيا في عام 1893م. وتُرك دون ترجمة حتى عام 1912م عندما قام عالم الآشوريات الألماني أرنو پوبل (عام 1881-1958 م) بفك رموزه كجزء من وظيفته في جامعة بنسلفانيا .
إن وجود رواية ما قبل الكتاب العبري عن طوفان نوح ، والتي تم توضيحها بالفعل من خلال ترجمة المستشرق جورج سميث لملحمة گلگامش في عام 1876 م ؛ قد أوحى للبعض بأن التفسير المُتبع للكتاب العبري بحاجة إلى إعادة التفكير. بينما رأى آخرون ؛ أن رواية بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم جاءت لتؤكد صحة القصة التوراتية. وهي وجهة نظر بعيدة عن المنطق تماماً ! فقد دحض عالم الآثار البريطاني السير ليونارد وولي (عام 1880-1960 م) تلك المزاعم من خلال تنقيباته تحت أطلال مدينة أور القديمة في عشرينيات القرن الماضي . وخلال موسم التنقيب عام 1928-1929م، حفر وولي سلسلة من الآبار في التربة وتوصل إلى أن المنطقة شهدت فيضانات واسعة، لكنها كانت جميعها حدثاً مناطقياً وليس شاملاً. كما أنها لم تكن حوادث منفردة ؛بل تكررت عدة مرات عندما كان نهرا دجلة والفرات يفيضان باستمرار وعلى مدى تاريخ بلاد الرافدين .
انعكست نتائج حفريات وولي في أماكن أخرى من العراق على يد علماء آثار آخرين توصلوا إلى النتيجة نفسها. ولم يعد بالإمكان الحفاظ على صحة الرواية التوراتية للطوفان وأصالتها، حيث تم التشكيك في التسلسلين الزمنيين اللَذين وضعهما أوشر ورفضهما من قبل العلماء والباحثين (مع أن كلا التسلسلين لا يزالان قائمين لدى المسيحيين في الوقت الحاضر الذين يتبنون ما يُسمى بنظرية الأرض الفتية). وقد أشارت البروفيسورة ستيفاني دالي إلى نتائج تنقيبات القرن العشرين في المقطع أدناه :
" لم يتم العثور على أية رواسب للفيضان في طبقات الألفية الثالثة ما قبل الميلاد في الأرض الرافدينية . والتاريخ الذي وضعه رئيس الأساقفة الأيرلندي (جيمس أوشر) للفيضان عام 2349 قبل الميلاد ، والذي تم احتسابه باستخدام الأرقام المذكورة في سفر التكوين مثلما هي؛ أمر غير صحيح علمياً ، وغير مقبول أبداً !! ". (ص5)

ملخّص القصة
تبدأ قصة الخلق في إريدو ببناء العالم، ثم خلق "ذوي الرؤوس السوداء" ( السومريون )، ثم الحيوانات. وبقيت الآلهة السومرية التي قامت بعملية الخلق ؛ آن ( أنو )، وإنليل ، وإنكي ، ونينهورساگ من بين أقوى الآلهة السومرية لقرون حتى طغت عليها النماذج اللاهوتية الآمورية في عهد حمورابي ملك بابل (عام 1792 ـ 1750 قبل الميلاد)، وتبعه نفس الأمر في عهد الآشوريين .
بعد خلق البشر والحيوانات، أمرت الآلهة بتشييد المدن ، بدءاً من إريدو التي كانت تُعتبر أقدم مدينة في العالم . وتمّ إسناد كل مدينة إلى إله للإشراف عليها، مما رسّخ تقليد وجود إلهٍ راعٍ لكل مدينة، ويبدو أن هناك إشارة إلى إنشاء أنظمة للريّ لاحقاً .
بعد هذا الجزء من القصة، تغيب عدة أسطر من النص، التي كانت من المفترض أن تُبيّن سبب قرار الإلهين آن وإنليل ( كبيرا آلهة السومريين) إهلاك البشر بطوفان مدمّر . وفي ملحمة أطراهاسيس اللاحقة ، يُذكر أن السبب هو ازدياد عدد الناس وارتفاع ضجيجهم ، مما أزعج راحة الإله إنليل .
في ملحمة أطراهاسيس ، يُنزل إنليل جفافاً، ووباءً ، ثم مجاعةً إلى الأرض لتخفيض عدد السكان وكبح ضوضاء البشر، ولكن في كل مرة، يُرشد الإله إنكي (إله الحكمة وصديق البشر) الناس إلى ما يجب عليهم فعله لتلافي كوارث الإله إنليل، فيتمكنون من استئناف حياتهم كما يجب. ومن المحتمل أن تلك التفاصيل قد ظهرت أيضاً في ملحمة إريدو السابقة، حيث يؤدي الإله إنكي الدور نفسه.
تستمر القصة، مشيرةً إلى أن جميع الآلهة قد أقسموا اليمين ( يُفترض أنهم لن يتدخلوا في قرار آن- إنليل بتدمير البشر) ؛ ثم تُقدَّم الشخصية الرئيسية في الحكاية "زيودسورا"، ملك وكاهن مدينة سوروپاك. وطالما أن إنكي (على الأرجح) قد أقسم اليمين أيضاً بعدم التدخل في الطوفان مع جميع الآلهة الأخرى، لذا فإنه ليس باستطاعته تحذير زيودسورا بشكل مباشر، لكنه تحدث إليه من خلال حائط ، مدركاً أن زيودسورا، سوف يكون على الجانب الآخر منه ويسمعه .
وفي تلك المرحلة من النص هناك سطور أخرى مفقودة، والتي يُفترض فيها أن تخبرنا عن قيام زيودسورا بصنع سفينة كبيرة ملأها بالحيوانات و"نسل البشرية". كما تستأنف الرواية بوصف حالة الطوفان الذي استمر سبعة أيام وسبع ليالٍ، حتى هدأت البحار وظهر أوتو ( أوتو- شمش ، إله الشمس). حيث صنع زيودسورا ثقباً في جانب السفينة ليدخل أوتو على هيئة أشعة الشمس. ومن ثم قدم زيودسورا قرباناً لذلك الإله، ولكن ما حدث بعد ذلك يبقى غامضاً بسبب المزيد من السطور المفقودة .
في النهاية، يبدو أن آن وإنليل قد ندما على قرارهما، إذ شعرا بالامتنان ؛ لأن زيودسورا قد حافظ على مخلوقاتهما؛ فيمنحانه الخلود في جنة أرض دلمون . واستناداً إلى أجزاء من اللوح، يبدو أن القصة قد استمرت بعد هذه النهاية الظاهرية لتسعٍ وثلاثين سطراً أخرى، إلا أن محتواها كان مفقوداً .

النّص
النص المقتبس أدناه ترجمه البروفيسور جيريمي بلاك وآخرون في كتابه " أدب سومر القديمة ". ويشير السطر الافتتاحي الذي يتحدث عن إيقاف "إبادة مخلوقاتي" إلى أن الآلهة منحت البشر في البداية أعماراً مديدة كمعاونين لها في العمل، ليقوموا بواجباتهم ويجعلوا الأرض مكاناً مناسباً لهم، مثلما ورد في ملحمة أطراهاسيس حيث إتخذت الآلهة تدابير للحد من عمر الإنسان وزيادة معدل الوفيات :

"سأوقف إبادة مخلوقاتي، وأعيد البشر لديارهم . فليشيّدوا مدناً كثيرة لأسترح في ظلالها. وليضعوا أطواباً كثيرة للمدن في أماكن طاهرة، وليقيموا أماكن للكهنة في أماكن طاهرة، وعندما يتم إخماد النار...، وتكتمل الطقوس الإلهية والقوى المُمجدة، وتُروى الأرض، سأجلب لها الرخاء …
بعد أن خلق آن، وإنليل، وإنكي، ونينهورساگ؛ ذوي الرؤوس السوداء ( السومريون)، جعلوا الحيوانات تتكاثر في كل مكان، وجعلوا قطعان الحيوانات ذات الأربع أرجل تعيش في السهول، كما يليق بها. [هنا حوالي 32 سطراً مفقوداً ] .سأشرف على أعمالهم . فليقم باني الأرض بحفر أساس متين .
بعد أن نزلت صولجانات الملكية من السماء، وبعد أن نزل تاج الملكية وعرشها من السماء، وبعد أن اكتملت الطقوس الإلهية والقوى المُمجدة ، وُضعت أطواب المدن في الأماكن المقدسة، وأُعلنت أسماؤها، ووُزعت صولجانات الملكية. مُنحت أولى المدن إريدو إلى نوديمود المُرشد. ومُنحت الثانية، باد- تيبرا إلى السيدة. ومُنحت الثالثة، لاراگ إلى پابيلساگ. ومُنحت الرابعة، زيمبيرإلى المحارب أوتو. ومُنحت الخامسة، سوروپاگ إلى سود. وبعد أن أُعلنت أسماء هذه المدن ووُزعت صولجانات الملكية، رُويَ النهر. [هنا حوالي 34 سطراً مفقوداً ]
...عرش في السماء...الطوفان...البشر. فصنع...ثم نينتود... رثت إنانا المقدسة شعبها. تشاور إنكي مع نفسه. جعل آن وإنليل وإنكي ونينهورساگ ؛جميع آلهة السماء والأرض يقسمون بحضور آن وإنليل . وفي تلك الأيام، زيودسورا الملك، كاهن الگودگ … صنع ...المتواضع، الملتزم، الموقر...يوماً بعد يوم، يقف باستمرار عند...ظهر شيء لم يكن حلماً، محادثة… يقسمون باستحضار السماء والأرض . في كي- أور، الآلهة… حائط .
سمع زيودسورا الواقف بجانبه: "يا الحائط في جانبي، الواقف على يساري... يا الحائط في جانبي، سأخاطبك بكلمات؛ أنصت لكلماتي، واتبع وصاياي . سوف يجتاح طوفان... في كل... لقد اتُخذ قرار بإبادة نسل البشر. لا يمكن نقض القرار، كلمة المجلس الإلهي . لا يمكن تغيير الأمر الذي أعلنه آن وإنليل . لقد انتهت ملكيتهما، وانتهت ولايتهما؛ يجب أن يطمئن قلبيهما حيال هذا... [هنا حوالي 38 سطراً مفقوداً]
هبت العواصف والرياح العاتية معاً، واجتاح الطوفان الأرض . وبعد أن اجتاح الطوفان الأرض، وهزت الأمواج والعواصف السفينة العظيمة سبعة أيام وسبع ليالٍ، خرج أوتو إله الشمس، فأضاء السماء والأرض. استطاع زيودسورا أن يحفر ثقباً في السفينة العظيمة، فدخل المحارب أوتو السفينة بأشعته. سجد الملك زيودسورا أمام أوتو، وقدم له ذبائح من الثيران وعدداً لا يحصى من الأغنام .
"لقد جعلوك تقسم بالسماء والأرض... لقد جعلك آن وإنليل تقسم بالسماء والأرض ..."
نزلت أعداد متزايدة من الحيوانات إلى الأرض . سجد الملك زيودسورا أمام آن وإنليل . عامل آن وإنليل زيودسورا بهيبة ... منحاه حياةً كإله ، وبعثاه إلى الخلود. في ذلك الوقت، حرصاً على الحيوانات ونسل البشر، أسكنوا الملك زيودسورا في بلاد بعيدة، في أرض دلمون، حيث تشرق الشمس... [هنا حوالي 39 سطراً مفقوداً ]

(( انتهى النص))

تُعتبر قصة الطوفان التي كُتبت في إريدو أول سردية مدونّة للأسطورة الشعبية عن طوفان مدمّر أرسله إله، وهي أسطورة تظهر في معظم ثقافات العالم القديم. كما أن التناول الواسع للقصة نفسها في العالم القديم قد أوحى للبعض لا بد أن الطوفان سوف يتكرر في يوم ما، فاستجاب له أناس من ثقافات مختلفة كلٌ على حدة، وقاموا بتأليف هذه القصة. إلا أن العلماء والباحثين المعاصرين يميلون إلى رفض هذا التفسير، ويرون بدلاً من ذلك أن قصة قديمة عن طوفان مدمّر يفني البشر؛ قد لاقت صدى عند الجمهور القديم، ومن ثم انتشرت على نطاق واسع، حيث تناقلتها التجارة من منطقة لأخرى .
أخذت كل ثقافة بصياغة القصة حسب معتقداتها ومفاهيمها، لذا فقد عُدّلت النسخة الأصلية بدرجات متفاوتة أثناء تناقلها وتدوينها في أماكن مختلفة من العالم . وقد تكون النسخة الأصلية هي قصة الطوفان السومرية وقد لا تكون أيضاً ! غير ان العديد من العلماء والباحثين المعاصرين بمن فيهم ستيفاني دالي، يعتقدون أنها كذلك. كما في المقطع أدناه :
"يمكن تفسير جميع قصص الطوفان هذه بأنها مستمدة من أصل واحد من بلاد الرافدين، والتي وُظفّت في حكايات الرحّالة لأكثر من ألفي عام على طول طرق القوافل الكبرى في غرب آسيا؛ حيث تُرجمت، ودُوّنت، وأُجريت عليها تعديلات وفقاً للتصورات الاقليمية والمحلية لتُعطي عدداً لا يحصى من الروايات المتباينة." (ص7)

كان فعل غضب الإله (أو السخط الجماعي للعديد من الآلهة) الذي يتسبب في أحداث كارثية، مفهوماً اعتادت عليه جميع الحضارات القديمة باعتباره الطريقة التي كان يعمل بها العالم . وقد خدمت قصة الطوفان أغراضاً عديدة، لكنها في المقام الأول أوصلت فكرة خلق العالم كما عرفها الناس، مع الإشارة بقوة إلى ضرورة إيلاء المزيد من الاهتمام للقدرة الإلهية في حياتهم اليومية.
وفي كل نسخة من قصة الطوفان التي أشرنا إليها، تندم الآلهة ( أو الإله ) على قراره أو قرارهم؛ حيث في قصة سفر التكوين التوراتي، يضع يهوه قوس قزح في السماء كعهد منه في أنه لن يغرق العالم مرة أخرى بطوفان؛ بيد أنه بالنسبة للجمهور القديم، لم يكن هذا يعني أن الإله لا يستطيع أن يفني البشر متى ما أراد بعقاب مماثل عند معصيتهم له في المستقبل ! وكان من أهداف القصة أيضاً؛ تشجيع الناس آنذاك على توخي الحذر، والالتزام بالمبادئ الدينية والثقافية من أجل الحفاظ على رضا الإله أو الآلهة ، الذين يمكنهم تدميرهم أو حمايتهم متى شاؤوا ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2005 .
جيريمي بلاك ـ الآلهة ، العفاريت والرموز في بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة تكساس ـ 1992 .
جيريمي بلاك ـ الأدب في بلاد سومر القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2006 .
ستيفاني دالي ـ أساطير من بلاد الرافدين القديمة ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2009 .
ثوركيلد جاكوبسن ـ كنوز الظلام: تاريخ الدين في بلاد الرافدين ـ طباعة جامعة ييل ـ 1978.
صموئيل نوح كريمر ـ التاريخ يبدأ من سومر ـ طباعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988.
صموئيل نوح كريمر ـ السومريون : تاريخهم ، ثقافتهم ، شخصياتهم ـ طباعة جامعة شيكاغو ـ 1971 .
ديفيد ماكدونالد ـ الطوفان: أدلة أثرية من بلاد الرافدين ـ مقال منشور في موقع المركز الوطني لتدريس العلوم ـ 1988 .
جيرالدن پينچ ـ الأساطير المصرية ـ طباعة جامعة أوكسفورد ـ 2003 .



#عضيد_جواد_الخميسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نانشي المتفانية إلهة الفقراء والمحتاجين السومرية
- إنكي إله الحكمة السومري الماكر
- إنليل حارس ألواح القدر في بلاد الرافدين
- من قصص الآلهة ـ آنو أبو الآلهة في بلاد الرافدين
- أوتو- شمش إله الشمس والعدالة عند السومريين
- نانا إله القمر والحكمة في بلاد الرافدين
- الشرق الأدنى مصطلح جديد لأرض قديمة
- أدب بلاد الرافدين من أقدم أعمال الخيال
- بابل بوابة الآلهة
- كاليگولا الامبراطور المجنون !
- بلاد سومر في التأريخ
- حفلة الرجال المحترقين
- السلالات المبكرة في بلاد الرافدين
- أعمال السحر عند الإغريق والرومان
- رثاء المدن في بلاد الرافدين القديمة
- قرنان من التمرّد ضد أقوى إمبراطورية في العالم ( الصراع بين ا ...
- مَن كان ملكاً ومَن لم يكن ملكاً في قائمة الملوك السومريين
- عيد الحب ( ڤالنتاين )
- ديانة المايا في أساطيرها عن الخلق والآلهة والطقوس
- الممثل الذي قتل الرئيس !!


المزيد.....




- صباح الخير ديوان شعر للشاعر المصري وليد محجوب
- بينها طبق متأثّر بالمطبخ اللبناني.. 10 من أبرز الأطباق المكس ...
- إطلالة -الحصان الوحشي- لهيفاء وهبي تُشعل مسرح جدة.. منسّق أز ...
- شاهد.. إعصار يقتلع سقف فندق وسيول تغمر طرقاً ومترو نيويورك
- واشنطن ترحل إيرانيين برفقة روس ومصريين في رحلة غامضة
- تقرير عبري: عنف المستوطنين يتمدد نحو مناطق خاضعة للسيطرة الف ...
- محام مصري يقتل والده بطريقة شنيعة أثناء نومه
- مصادر أمنية: تراجع فرص التصعيد مع إيران وعقوبات ترامب تهدف ل ...
- محطة زابوروجيه تعمل على مولدات الديزل بعد انقطاع التغذية بسب ...
- الخارجية الروسية تدعو إلى منع وقوع كارثة إنسانية في كوسوفو


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عضيد جواد الخميسي - أقدم نص من بلاد الرافدين عن الطوفان العظيم