محمود محمد ياسين
(Mahmoud Yassin)
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 13:20
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
مقدمة: العلاقة بين الفلسفة والسياسة
هذا المقال محاولة لكشف الحدود التي يفرضها تطبيق المنهج البراغماتي في التحليل السياسي والأبحاث الأكاديمية في المجتمعات المتخلفة، ويحد من قدرته على تقديم فهم أكثر شمولا ودقة لمواضيع دراساتها والميل الى انتاج التصورات المجردة التي تفشل في استيعاب الضرورات التاريخية التي تفرضها مواجهة البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تقف عائقا امام التقدم.
ان قيمة أي منهج ليست في قدرته على تقديم الحلول فحسب، بل في قدرته على إدراك حدوده. والتفكير البراغماتي، الذى بجعل معيار الحقيقة هو النجاح العملي المباشر في إطار التكيف مع الواقع القائم بدل النفاذ إلى تناقضاته الموضوعية وإمكانات تغييره ، يجد نفسه أقل قدرة على الفهم كلما كانت الوقائع محكومة ببنى اقتصادية واجتماعية متخلفة تعيد إنتاج أزماتها باستمرار. من هنا تأتي محاولة المقال كاستقصاء نظري لحدود التفكير البراغماتي التي يفاقم حدتها تطبيقها داخل البنى الاقتصادية والاجتماعية المتخلفة، ويتم هذا من خلال تقديم إشكالية حدود التفكير البراغماتي المرتكز على المثالية الذاتية في دراسة الظاهرات الاجتماعية والسياسية في الدول المتخلفة.
وقد يكون من المفيد ان نُذكر انفسنا في تناول سريع لعلاقة الفلسفة بالسياسة التي تشكل محورا أساسيا في الفكر الإنساني وذلك لارتباطها المباشر بتنظيم المجتمع وتحديد غايات السلطة. فالعلاقة بين الفلسفة والسياسة تُعد من أكثر العلاقات الفكرية تأثيرا في تشكيل مسار المجتمعات وتوجيه مستقبلها، إذ لا يمكن للسياسة أن تحقق غاياتها أو أن تكتسب معناها الكامل بمعزل عن الأسس الفكرية والقيمية التي توفرها الفلسفة. فالفلسفة لا تقتصر على التأمل النظري أو البحث المجرد، بل تؤدي دورا محوريا في مساءلة الواقع وتحليل المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الحياة السياسية والاجتماعية، مثل العدالة والحرية والمساواة والسلطة والشرعية. ومن هذا المنطلق، لا توجد سياسة من دون فلسفة توجهها، سواء كانت هذه الفلسفة واضحة المعالم وممنهجة، أم مضمنة في التصورات والممارسات التي تحكم الفعل السياسي.
لذلك، فإن السياسة التي تنفصل عن الرؤية الفلسفية الواعية تفقد قدرتها على التمييز بين ما هو نافع وما هو عادل، وتتحول إلى ممارسة آنية تحكمها المصالح والاعتبارات الظرفية أكثر مما تحكمها المبادئ والقيم. وفي المقابل، تمنح السياسة الفلسفة مجالا عمليا لاختبار أفكارها وتحويلها من تصورات نظرية إلى مشاريع سياسية/اقتصادية قادرة على إحداث التغيير داخل المجتمع. ومن هنا تتجلى أهمية الفلسفة في بناء سياسات تتعلق بالتغيير، لأنها تسهم في تكوين رؤية نقدية واعية تساعد صانعي القرار على فهم مشكلات المجتمع بعمق، ووضع الحلول التي تستند على مبادئ واضحة. لذلك، فإن نجاح أي مشروع سياسي يظل مرتبطا بقدرته على الاستناد إلى رؤية فلسفية تمنحه وضوح الغاية، وعمق الفكرة، والقدرة على تحقيق تغيير حقيقي ومستدام.
ولا يقتصر أثر الفلسفة على توجيه النشاط السياسي وصياغة السياسات العامة، بل يمتد إلى مجال الدراسات السياسية والأبحاث الأكاديمية التي تتناول الظواهر السياسية بالدراسة والتحليل والتفسير. فالمقاربات النظرية المختلفة في العلوم السياسية تستند، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تصورات فلسفية تحدد طبيعة السلطة ومصدر مشروعيتها، وتفسر العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المجتمع ومؤسساته السياسية. كما تؤثر هذه الخلفيات الفلسفية في اختيار المفاهيم والأدوات المنهجية التي يعتمدها الباحث في فهم الظواهر السياسية وتحليلها. وبالمثل، يبرز تأثير الفلسفة في الدراسات السوسيولوجية التي تهتم بفهم البنى الاجتماعية والعلاقات الإنسانية وآليات التغيير داخل المجتمع. فالكثير من المفاهيم السوسيولوجية الأساسية، كالتنظيم الاجتماعي والهوية والاندماج والصراع والتغيير الاجتماعي، ترتبط بإشكالات فلسفية تتعلق بطبيعة الإنسان والمجتمع والقيم الحاكمة للعلاقات الاجتماعية. ومن ثم، فإن التحليل السوسيولوجي لا ينفصل عن الأسس الفلسفية التي تمنحه أفقه التفسيري وتساعده على فهم الظواهر الاجتماعية في سياقاتها التاريخية والثقافية والسياسية.
وانطلاقًا من ذلك، فإن دراسة أي واقع سياسي–اجتماعي تقتضي تجاوز الوصف المباشر للأحداث والوقائع إلى البحث في الأطر الفكرية والمعرفية التي تسهم في تشكيلها وتفسيرها. ففهم الظواهر السياسية والاجتماعية لا يتحقق من خلال رصد تجلياتها الخارجية فحسب، بل يتطلب أيضًا الكشف عن التصورات والقيم والبنى الفكرية الكامنة وراءها، بما يسمح بإدراك أعمق لطبيعة العلاقات القائمة بين السلطة والمجتمع، وللعوامل المؤثرة في مسارات الاستقرار أو التغيير.
نرجو ان تتم قراءة المقال على هذه الخلفية التي تذكرنا ان الاعتماد على الفلسفة ليس ترفا بل مسالة ضرورية للدفع بالنشاط السياسي في الاتجاه الصحيح.
البراغماتية: فلسفة العالم
شهد القرن العشرين ميلاد مجموعة واسعة من المدارس والاتجاهات الفلسفية التي عبرت عن مختلف التفسيرات والتصورات للعالم، واهم هذه الفلسفات- التي ما زالت تسود العالم- الوضعية (positivism) وأفكار ميشيل فوكو وجاك دريدا.
شكلت الوضعية منظور فلسفي ومنهجي يرى أن المعرفة الموثوقة تكتسب حصرا من خلال الملاحظة والتجريب والقياس الكمي والتحليل المنطقي للظواهر الملموسة. بينما برز في الفلسفة والعلوم الاجتماعية والنقد الثقافي مشروعا ميشيل فوكو وجاك دريدا
بوصفهما من أهم ممثلي النقد ما بعد البنيوي للحداثة والعقلانية الوضعية.
ورغم الاختلاف الكبير بين الفلسفة الوضعية وأفكار فوكو ودريدا، فإن هذه الاتجاهات جميعاً تعكس تحولا في الفكر الحديث، يقوم على الاهتمام بالمعرفة من حيث وظيفتها وتأثيرها في الواقع، أكثر من البحث عن حقيقة مطلقة وثابتة. فالوضعية ربطت الحقيقة بما يمكن إثباته علميا، بينما كشف فوكو علاقة المعرفة بالسلطة والمؤسسات، وركز دريدا على تغير المعاني بحسب اللغة والسياق. ولهذا، فإن هذه الفلسفات، رغم تناقضها، اشتركت في الابتعاد عن فكرة اليقين النهائي التي ميّزت الفلسفات التقليدية.
لكن المشترك الأهم بين الفلسفة الوضعية وأفكار فوكو ودريدا هو انها تمثل شكلا من أشكال المثالية الذاتية. فالفلسفة الوضعية حين تدعي الإيمان بوجود حقيقة مستقلة، فإن منهجها يقوم على تفكيك الواقع باختزاله في الإدراك الحسي والتجربة الذاتية، وتنكر الواقع المادي الموضوعي المستقل عن العقل البشري، وحصره في مظاهره الحسية وترفض أي حديث عن ˮ ماهية المادة“ باعتبار أن ما لا يرصده المختبر أو يُقاس إحصائيا لا وجود له. كما، تنزع الوضعية لدراسة مكونات الواقع كظواهر سطحية معزولة وقوانينها ساكنة، بدلاً من رؤيته ككل متكامل يتحرك بقوانين جدلية موضوعية تتمثل في تناقضاته الداخلية. كذلك، تجعل الوضعية الوجود تابعا للإدراك عبر اختزال العالم الخارجي في مجرد ˮ خبرات مرتبة“ أو صيغ لغوية في ذهن الملاحظ (observer)، مما يحول الواقع الموضوعي إلى نتاج للوعي الذاتي.
ومن ناحية أخرى، فانه رغم الملامح المادية في أبحاث فوكو -المتمثلة في دراسة تجليات السلطة الملموسة عبر التاريخ- الا انه ينتهى الى موقف فلسفي مثالي ذاتي اذ ينكر وجود حقيقة مادية خارج الخطاب (discourse) بشكل مستقل اذ ان بنية الخطاب وتركيبته ومنطقه الداخلي هي ما يحدد صحة المعرفة. فبدلا من تحديد وجود القوة (power) في السلطة (the state) والطبقة التي تقف وراءها، فوكو يرى إنها توجد في (التشكيلات الخطابية) – discursive formations- التي تحتوى على المفاهيم التي تنتج المعرفة؛ فواقع العالم يتكون من الخطاب المضمن في مختلف النصوص، وليس عالما من الحقائق التي يمكن أن تُجس وتدرس موضوعيا. وعن دريدا، فان مثاليته (الذاتية) واضحة تماما، فهو يعتقد بانه لا يوجد شيء خارج النص : الواقع المادي لا يمكن اختباره الا من خلال الوساطة اللغوية والرمزية. فوفق دريدا فان الواقع محكوم ببنية اللغة.
وهكذا، فان مماثلتها بالمثالية الذاتية، تجعل الفلسفات السائدة عالميا-ممثلة في الوضعية وأفكار فوكو ودريدا- تتطابق مع الفلسفة البراغماتية. فالبراغماتية والحقيقة الميتافيزيقية ليستا في تعارض مطلق، بل هما وجهان لعملة فكرية واحدة. فالحقيقة الميتافيزيقية تلغي الديالكتيك وتفصل الأفكار عن سياقها التاريخي والمادي، مما يجعلها حقائق مجردة ووهمية، وان البراغماتية تحصر (الحقيقة) في المنفعة الفردية أو الذاتية ما يعني إنكار وجود واقع موضوعي مستقل عن وعي الإنسان، وكلاهما يفصل الممارسة عن النظرية: الميتافيزيقا تغرق في النظرية المجردة بعيدا عن الواقع، والبراغماتية تغرق في التفكير العملي (المنفعة العشوائية) دون أساس نظري علمي ؛ وهكذا، تنتهيان الى ذاتية مشتركة: البراغماتية بفصل الحقيقة عن الواقع الموضوعي وجعلها تابعة للذات، تماما كالفلسفة الميتافيزيقية التي تبني حقائقها على تصورات ذهنية ذاتية غير مادية.
تكرر المثالية الذاتية الحديثة، المضمنة في الفلسفات التي انتشرت منذ القرن العشرين، المثالية الذاتية القديمة لبيركلي (الأشياء المادية حرفيا لا توجد بدون عقل يدركها)، لكن الفرق هو أنه بالنسبة للمثاليين الذاتيين المعاصرين الذين يعتقدون أن الأشياء موجودة بشكل مستقل، الا ان وصولنا إليها وفهمنا لها يتم بواسطة التصور والإدراك الحسى والثقافة. لكن، رغم ابتعاد هذه الفلسفات الحديثة عن التصورات الكلاسيكية للحقيقة الثابتة والمتعالية، الا انه يمكن فهمها داخل النطاق الفكري المتسم بالنزعة البراغماتية؛ أي النظر إلى المعرفة بوصفها مرتبطة بالوظيفة والممارسة واثارها الاجتماعية، أكثر من ارتباطها بالحقيقة الميتافيزيقية المطلقة. فالوضعية ربطت قيمة الحقيقة بإمكان التحقق العلمي والاستعمال التجريبي، بينما نقل فوكو الاهتمام إلى وظيفة المعرفة داخل شبكات السلطة، وركز دريدا على كيفية إنتاج المعنى داخل الممارسة اللغوية والسياق.
نشير الى ان الماركسية تطرح مفهوم الممارسة الجدلية (praxis) كبديل يطيح بالمفهومين معا؛ فالحقيقة يُستدل عليها بالعمل والممارسة التاريخية، خلافا لطريقة الميتافيزيقا الفارغة، فهي ممارسة الهدف منها بعيد كل البعد عن تحقيق منفعة فردية ذاتية عابرة كما تفعل البراغماتية، بل لكشف القوانين الموضوعية وتغيير العالم.
#محمود_محمد_ياسين (هاشتاغ)
Mahmoud_Yassin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟