أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 13:17
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
كلما عملت في مشروع توثيقي جديد، ازددت اقتناعًا بأن أصعب ما في التوثيق ليس العثور على الوثائق، بل مقاومة الرغبة في إصدار الأحكام.
فالناس يحبون الأحكام السريعة. يريدون أن يعرفوا: هل كان هذا الرجل بطلًا أم مخطئًا؟ هل كان محقًا أم مذنبًا؟ وكأن التاريخ محكمة، وكأن الكاتب قاضٍ يجلس على منصة العدالة.
لكنني لا أرى دوري بهذه الصورة.
أعتقد أن الموثق الحقيقي لا يكتب ليحاكم الناس، ولا ليبرئهم، وإنما ليمنحهم فرصة لأن يُفهموا في سياق زمانهم، وظروفهم، والخيارات التي كانت متاحة لهم. فليس من الإنصاف أن نحاكم رجال الأمس بعقول اليوم، ولا أن نقتطع موقفًا من حياة إنسان، ثم نجعله عنوانًا لمسيرته كلها.
لقد تعلمت من العمل في الصحافة أن لكل قصة أكثر من رواية، ومن العمل في التوثيق أن الحقيقة لا تسكن عند شخص واحد. لهذا، كلما سمعت شهادة، بحثت عن أخرى، وكلما وجدت وثيقة، سألت: هل توجد وثيقة أخرى؟ لأن الحقيقة لا تُبنى من حجر واحد.
وفي كثير من الأحيان، كان أكثر ما يلفت انتباهي ليس ما يقوله الناس، بل ما يسكتون عنه. فالصمت، أحيانًا، يحمل من الدلالات ما تحمله الكلمات. والباحث الجيد لا ينقل الكلام فقط، بل يحاول أن يفهم أسباب حضوره وغيابه.
لهذا أؤمن بأن الموثق ينبغي أن يتحلى بفضيلتين نادرتين: الصبر والتواضع. الصبر، لأن الحقيقة لا تكشف نفسها من أول لقاء ولا من أول وثيقة. والتواضع، لأن الباحث مهما جمع من مصادر، سيظل يعلم أن هناك ما لم يصل إليه، وما قد يظهر بعد سنوات ليضيف صورة جديدة.
وحين أنجزت كتاب «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان»، كنت أحرص على ألا أكتب ما أتمناه، بل ما استطعت إثباته. وقد وجدت أن هذه هي أصعب معارك الباحث؛ أن يقاوم ميوله الشخصية، وأن يمنح الوثيقة حقها، حتى لو جاءت مخالفة لما كان يتوقعه.
إن التاريخ لا يحتاج إلى محامين، ولا إلى مدعين عامين، بل يحتاج إلى شهود أمناء. والموثق، في جوهر عمله، هو شاهد يحاول أن ينقل ما رأى وما ثبت لديه، دون أن يضيف إليه ما لم يحدث، أو يحذف منه ما لا يوافق هواه.
ولعل هذا هو المعنى الحقيقي للأمانة العلمية: أن تكون وفيًا للحقيقة أكثر من وفائك لقناعاتك، وأن تجعل الدليل قائدًا لقلمك، لا العاطفة.
فالموثق الذي يتحول إلى قاضٍ، يفقد حياده. أما الموثق الذي يبقى شاهدًا، فإنه يمنح القارئ أعظم ما يمكن أن تمنحه الكتابة: الحق في أن يرى الحقيقة كما هي، لا كما أرادها الكاتب أن تكون.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟