أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 11:26
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في عالمنا العربي، اعتدنا أن نؤجل الاعتراف بالناس حتى يرحلوا.
لا نلتفت إلى الكاتب إلا عندما تُكتب عنه كلمات النعي، ولا نتذكر الفنان إلا بعد أن تتوقف أغانيه، ولا نفكر في توثيق حياة العالم أو الصحفي أو المعلم إلا عندما يصبح السؤال عنه مستحيلًا.
ثم نتحسر، ونقول: "ليتنا سجلنا معه حوارًا"، أو "ليتنا جمعنا أوراقه"، أو "ليتنا سألناه عن تلك المرحلة."
لكن كلمة "ليتنا" لا تحفظ ذاكرة.
لقد لاحظت، خلال عملي في التوثيق، أن أكثر ما يضيع ليس الوثائق، بل الشهادات. فالوثيقة قد تبقى في صندوق أو مكتبة، أما الشهادة فتموت برحيل صاحبها. وما لم يُسأل عنه اليوم، قد لا يجد من يجيب عنه غدًا.
ولهذا أصبحت مقتنعًا بأن أفضل وقت لكتابة السيرة هو حياة صاحبها، لا بعد وفاته.
ليس لأن الإنسان أدرى بنفسه دائمًا، بل لأنه يملك مفاتيح لا يملكها غيره. يعرف لماذا اتخذ قرارًا معينًا، وكيف وُلدت فكرة، ومن أثر فيه، وما الذي ندم عليه، وما الذي يعتز به. هذه التفاصيل لا تعوضها أي وثيقة مهما كانت قيمتها.
لقد أضعنا كثيرًا من أعلامنا لأننا انتظرنا حتى يرحلوا. وبعد رحيلهم بدأنا نبحث عن الصور، والرسائل، واليوميات، والشهود، فاكتشفنا أن الزمن كان أسرع منا.
ومن هنا، أعتقد أن التوثيق ينبغي أن يتحول من رد فعل إلى ثقافة.
بدل أن نسأل: من سنكتب عنه بعد وفاته؟، ينبغي أن نسأل: من يجب أن نجلس إليه اليوم قبل أن يفوت الأوان؟
في أوطاننا مئات الشخصيات التي تستحق أن تُوثق حياتها الآن. علماء، وأطباء، وصحفيون، وأدباء، ومربون، ورواد أعمال، وحرفيون، وناشطون، عاشوا تجارب فريدة، لكن أحدًا لم يطلب منهم أن يرووها كاملة.
إن أعظم هدية يمكن أن نقدمها لشخصية عامة ليست درعًا تذكاريًا، ولا حفل تكريم، وإنما كتاب أمين يحفظ سيرتها، ويجعل تجربتها متاحة لمن يأتي بعدها.
وأعترف أن تجربتي في توثيق دينق قوج غيّرت نظرتي إلى هذه القضية. فقد أدركت أن كل يوم يمر دون توثيق شخصية مؤثرة، هو يوم يربح فيه النسيان جولة جديدة.
لهذا، فإنني أدعو كل باحث، وكل صحفي، وكل طالب، إلى أن يبدأ من الآن. لا تنتظروا إعلان الوفاة حتى تبحثوا عن العنوان، ولا تنتظروا مجلس العزاء حتى تسألوا عن السيرة.
اكتبوا عن الناس وهم أحياء.
حاوروهم وهم قادرون على التذكر.
اجمعوا وثائقهم قبل أن تتفرق.
واستمعوا إلى أصواتهم قبل أن تتحول إلى صدى.
فالتوثيق الحقيقي لا يبدأ عند نهاية الحياة، بل يبدأ حين ندرك أن الزمن لا يمنحنا دائمًا فرصة ثانية.
ولعل أجمل كتاب يمكن أن يُهدى إلى إنسان، هو ذلك الذي يقرأه بنفسه، ويرى فيه حياته كما عاشها، لا كما تذكرها الآخرون بعد رحيله. فهذا هو التوثيق الذي لا يحفظ الذاكرة فحسب، بل يمنح أصحابها حق المشاركة في كتابتها.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟