|
|
حين يسقط القناع
محمد الهنبوت
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 07:22
المحور:
كتابات ساخرة
لظروف خاصة اضطررت اليوم للوقوف بموقف الحفلات العمومية فإذا بسيارة متوسطة الحال تتوقف بجانبي بها راكبان بدا لي السائق للوهلة الأولى كأحد أولئك الناس الطيبين الذين لم ينقرضوا بعد من مجتمعنا، من أولئك الذين يتوقفون لالتقاط المسافرين دون انتظار مقابل، رأفة أو كرما أو ربما تسلية وتقصيرا لمسافة الطريق بالحديث. ظننت أنه ربما عرفني في مكان ما، أو أن هندامي المحترم وربما شعري الذي بدأ الشيب يغزوه قد منحته نوعا من الاطمئنان، فالثقة في هذا الزمن أصبحت سلعة نادرة، والناس باتوا يتفرسون في الوجوه قبل أن يفتحوا أبواب سياراتهم. ركبت وأنا أحمل في صدري شعورا بالامتنان لهذا الغريب الذي وفر علي عناء الانتظار الطويل . انطلقت السيارة، واستأنف الراكبان حديثهما الذي كان يدور في فلك الأخلاق والقيم، حديث عن جشع الناس وسرقاتهم التي لم تعد تستثني حتى بيوت الله. كان حديثا ينضح بالأسى على زمن ولى، زمن كانت فيه للكلمة قيمة وللأمانة معنى. والسائق، من فرط حماسه وانفعاله بالموضوع، راح يعدد مناقبه وأخلاقه الرفيعة، وكأنه يريد أن يضع نفسه في خانة الاستثناء، في تلك الجزيرة الصغيرة من البشر الذين ظلوا متمسكين بقيمهم رغم طوفان الانحطاط الذي يجتاح المجتمع. ومن ثنايا حديثه المتدفق، عرفت أنه طبيب يعمل في أحد المستشفيات المحلية، وأنه بحكم مهنته النبيلة يجد نفسه في مواجهة يومية مع المعاناة الإنسانية، وأنه يمد يد العون للحالات المستعصية التي تقف على حافة الموت، دون أن ينتظر مقابلا أو يطلب أجرا إضافيا. كان يتحدث بنبرة تفيض بالفخر والاعتزاز، وأنا أستمع إليه، شعرت بشيء من الارتياح، بل والسعادة الخفية. قلت في نفسي: الحمد لله، ما زال في بلدنا من هؤلاء الأطباء النبلاء الذين لم تفسدهم المادة ولم يبتلعهم جشع العصر. ودعوت له في سري أن يكثر الله من أمثاله، أولئك الذين أصبحوا نادرين كالجواهر في هذا الزمن الرديء. كانت صورته في ذهني تكتمل كطبيب إنساني، رجل ذو رسالة، يحمل في قلبه رحمة ابن سينا وفي ضميره قسم أبقراط المقدس. لكن الأقنعة، مهما بلغت درجة إتقانها، لا بد أن تسقط في لحظة ما. حين توقفت السيارة في منتصف الطريق لينزل الراكب ، بدأ القناع يتصدع مد الراكب يده بقطعة نقدية من خمسة دراهم، وكأنه يقدم مساهمة متواضعة في ثمن الوقود، على سبيل المشاركة الودية لا على سبيل الأجرة. لكن ما حدث بعد ذلك كان صادما وكاشفا بدرجة لم أتوقعها. تحول الطبيب الإنساني، الذي كان قبل لحظات يتغنى بأخلاقه ونزاهته، إلى خطاف محترف، يجيد فن المساومة والابتزاز. انقلبت ملامح وجهه، وتغيرت نبرة صوته، وأصبح شخصا آخر تماما. أوضح للراكب، بلهجة حازمة لا تقبل الجدل، أن المسافة التي قطعها به لا تكفيها خمسة دراهم، بل تستحق سبعة، وأن عليه أن يضيف درهمين آخرين فما كان على الراكب المسكين، الذي لم يكن يتوفر على الدرهمين المطلوبين الا أن ناوله ورقة نقدية من فئة خمسين درهما. وهنا ظهر جانب آخر من شخصية هذا الطبيب الخطاف. أعاد له الباقي مع كثير من التذمر والتأفف، وكأن الراكب قد ارتكب جريمة نكراء حين لم يحمل معه الفكة المناسبة. ثم انطلق في سيل من اللعنات والشتائم الضمنية ضد هؤلاء الركاب الذين يريدون الركوب مجانا. استمرت الرحلة، لكنها لم تعد نفس الرحلة،اد تحولت السيارة إلى سيارة نقل سري يتوقف لكل عابر ، يحسب في ذهنه المسافة والثمن المناسب، ثم يعرض عليه الركوب بسعر محدد. بعضهم كان يقبل، لكن الأكثرية كانت ترفض، ربما لأن الأسعار التي يطلبها كانت مبالغا فيها، أو ربما لأن الناس باتوا يفضلون وسائل النقل الرسمية رغم ازدحامها على المغامرة مع الخطافين الذين لا يخضعون لأي رقابة أو تعريفة محددة. وأنا أراقب هذا المشهد الذي يتكرر مع كل واقف، كنت أشعر بمرارة عميقة تتسلل إلى روحي. لم تكن مرارة الخديعة الشخصية، فأنا لم أكن ضحية مباشرة لجشعه، بل كانت مرارة الوعي بأننا نعيش في زمن انهارت فيه الحدود بين المظهر والجوهر، بين القول والفعل، بين القيم المعلنة والممارسة الفعلية. كيف يمكن لطبيب، هذا الإنسان الذي من المفترض أن يكون قد أقسم قسم أبقراط، ذلك القسم المقدس الذي يتعهد فيه بأن يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار، أن يتحول إلى هذا النموذج من الجشع والانتهازية؟ وإذا كان هذا هو حاله في الطريق، مع ركاب عابرين لا يعرفهم ولن يراهم مرة أخرى، فكيف سيكون حاله مع مرضاه الذين ساقهم قدرهم التعيس ليكونوا تحت رحمته في غرفة العمليات أو في عيادته؟ حاولت أن أجد له عذرا، أن أبرر سلوكه بطريقة أو بأخرى. قلت في نفسي: ربما ضغوط الحياة، ربما راتبه كطبيب في مستشفى عمومي لا يكفيه لتغطية نفقاته المتزايدة، ربما لديه أطفال في المدارس الخاصة وأقساط بنكية وديون متراكمة. و ربما يمكن تفهم موقفه، فالبنزين أصبح باهظ الثمن، ولماذا لا يتقاسم الركاب معه تكلفة الرحلة ما داموا مستفيدين منها؟ لكن كل هذه المبررات كانت تتحطم على صخرة التناقض الصارخ بين خطابه الأخلاقي المنمق وسلوكه الفعلي المبتذل. المشكلة لم تكن في أنه يطلب مقابلا لتوصيل الركاب، فهذا حقه المشروع إن كان صادقا في نيته منذ البداية، بل المشكلة كانت في النفاق الأخلاقي، في تقديم نفسه على أنه نموذج للفضيلة بينما هو في الحقيقة لا يختلف عن أولئك الذين كان يدينهم ويشجبهم. فكرت أكثر في حالي أنا، الموظف البسيط الذي بالكاد يكفيه راتبه الشهري لتغطية احتياجاته الأساسية. أنا الذي لا أملك سيارة فاخرة ولا منصب مرموق، ومع ذلك، طوال حياتي، لم أساوم راكبا على ثمن رحلة، فكم من مرة وقف في طريقي أناس ينتظرون وسيلة نقل، فتوقفت والتقطتهم دون أن أطلب منهم درهما واحدا. لم أكن أفعل ذلك لأنني ثري أو كريم بشكل استثنائي، بل لأنني نشأت على قيم بسيطة تقول إن المعروف يفعل لوجه الله، وأن مساعدة الآخرين هي واجب إنساني قبل أن تكون فضيلة أخلاقية. كنت أشعر بسعادة حقيقية حين أوصل إنسانا إلى وجهته وأراه ينزل شاكرا ممتنا، تلك السعادة البسيطة التي لا يعرف قيمتها إلا من جربها، سعادة العطاء دون انتظار مقابل. كم من مرة كنت مستعجلا لكنني توقفت لامرأة عجوز تحمل أكياس التسوق الثقيلة، أو لطالب يحمل حقيبته على ظهره ويحاول اللحاق بموعد امتحانه او درسه، أو لعامل بسيط يرتدي ملابس العمل المتسخة ويحاول العودة إلى بيته بعد يوم شاق من الكدح. لم أحسب يوما المسافة بالكيلومترات ولا الوقت بالدقائق ولا الوقود بالدراهم. كنت أفعل ذلك ببساطة لأنه الشيء الصحيح الذي يجب فعله، لأنني أؤمن بأن الحياة أكبر من مجرد حسابات مادية ضيقة، وأن للإنسانية معنى أسمى من الربح والخسارة. والآن، وأنا أجلس في هذه السيارة بجانب هذا الطبيب الذي يساوم الركاب على الدراهم ويتذمر من أولئك الذين يريدون الركوب مجانا، شعرت بنوع من الحزن العميق الممزوج بالغضب. ليس غضبا شخصيا على هذا الرجل بعينه، فهو في نهاية المطاف مجرد نموذج صغير من نماذج كثيرة منتشرة في مجتمعنا، بل غضب على الحالة العامة، على هذا الانقلاب الشامل في القيم والمعايير. كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الانفصام بين الأقوال والأفعال؟ كيف أصبح النفاق الأخلاقي أمرا عاديا ومقبولا؟ كيف تحولت المهن النبيلة، التي كانت رسالات إنسانية، إلى مجرد وسائل للكسب المادي بأي طريقة وبأي ثمن. حين وصلت إلى وجهتي نزلت من السيارة بعد أن ناولته الأجرة المطلوبة دون نقاش أو مساومة، كنت أحمل في قلبي مرارة عميقة وأسئلة كثيرة. مشيت وأنا أفكر: إذا كان هذا هو حال طبيب، رجل درس سنوات طويلة وتلقى تكوينا علميا وأخلاقيا من المفترض أن يجعله مختلفا عن عامة الناس، فما بالك بحال الآخرين؟ إذا كان من يحمل شهادة الطب يتحول إلى خطاف يساوم على الدراهم، فماذا ننتظر من مجتمع بأكمله يئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والقيمية؟ وأدركت أن المشكلة ليست فردية بل جماعية، ليست حالة معزولة بل ظاهرة اجتماعية تعكس أزمة حضارية عميقة. نحن نعيش في زمن انقلبت فيه الموازين، زمن أصبح فيه الجشع فضيلة والطمع ذكاء والنفاق شطارة. زمن تتآكل فيه القيم الجماعية لصالح الأنانية الفردية، وتتراجع فيه الأخلاق أمام زحف الماديات الطاغية. زمن لم يعد فيه لقسم أبقراط قيمة، ولا لهيبة المهن النبيلة احترام، ولا للكلمة الشريفة وزن. لك الله يا وطني، فقد انقلب فيك كل شيء رأسا على عقب. أصبح الطبيب خطافا، والمعلم تاجرا، والموظف سمسارا، والمسؤول لصا. انقلبت المعايير وتبدلت القيم، وأصبح الصادق غبيا والكاذب ذكيا، والنزيه فاشلا والمرتشي ناجحا. لكن رغم كل هذا، أظن أن هناك في زوايا هذا الوطن من لا يزالون يحملون شعلة القيم الأصيلة، أناس بسطاء لا يظهرون في وسائل الإعلام ولا يتحدثون عن أخلاقهم في كل مناسبة، لكنهم يعيشونها في صمت وبساطة. هؤلاء هم الأمل الحقيقي، هم الذين سيحفظون للوطن ما تبقى له من كرامة وأصالة، حين يسقط القناع عن كل المنافقين والمدعين.
#محمد_الهنبوت (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في مديح وسائل التواصل
-
مضارب لندن
-
في مديح الحضور ونبش الذاكرة: هوارة واستعادة الهوية من براثن
...
-
القبو
-
كل أيام الله مباركة
-
سحر العناق
-
الهروب الكبير
-
نوستالجيا
-
أنا عندما كنت
-
مرسي الزناتي انهزم يا رجالة
-
مؤامرة الاقصاء
-
القائد بوشعيب بين الواقع و الاسطورة
المزيد.....
-
هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال
...
-
سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو
...
-
-شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع
...
-
مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين
-
من مرسوم كاترين الثانية إلى حرب دونباس.. معرض يوثق تاريخ نوف
...
-
مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو
...
-
-الولاء والخيانة-.. إطلاق الإعلان التشويقي لفيلم تاريخي عن ا
...
-
-برامج القراءة الأدبية- يعود بموسم جديد لتطوير مهارات القراء
...
-
من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
-
أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة
المزيد.....
-
مقامات وقف السرسرية
/ د. خالد زغريت
-
مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش
/ د. خالد زغريت
-
في الطريق إلى الهفا
/ د. خالد زغريت
-
وحطوا رأس الوطن بالخرج
/ د. خالد زغريت
-
قلق أممي من الباطرش الحموي
/ د. خالد زغريت
-
الضحك من لحى الزمان
/ د. خالد زغريت
-
لو كانت الكرافات حمراء
/ د. خالد زغريت
-
سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته
/ د. خالد زغريت
-
رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج
/ د. خالد زغريت
-
صديقي الذي صار عنزة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|