|
|
الحرية شرط التكليف
ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 00:58
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
الإيمان يولد من القناعة ولا يمكن أن يُصنع بالإكراه لو أراد معلّم أن يصنع من تلاميذه نسخًا متطابقة، لما احتاج إلى أكثر من دفتر تعليمات يطالبهم بحفظه عن ظهر قلب، ثم يطلب منهم تكرار ما حفظوه كلما طرح عليهم سؤالًا. عندها سيحصل على إجابات متشابهة، وربما يحصل على انضباط ظاهري مثير للإعجاب، لكنه لن يحصل على عقول تفكر، ولا على أشخاص يعرفون لماذا قالوا ما قالوا، ولا على إنسان يستطيع أن يواصل طريقه عندما يغيب المعلّم وتختفي الرقابة. أما المعلّم الذي يريد أن يبني إنسانًا قادرًا على الفهم، فإنه لا يكتفي بأن يسمع الإجابة الصحيحة، بل يريد أن يعرف كيف وصل صاحبها إليها، وهل أدرك دليلها، وهل يستطيع الدفاع عنها بعقله، أم أنه لا يفعل أكثر من ترديدها كما يردد الصدى ما يسمعه. هنا يبدأ الفرق بين التعليم الذي يصنع التابع، والتعليم الذي يصنع الإنسان. والفرق نفسه يظهر بين إنسان يطيع لأنه خائف، وإنسان يطيع لأنه اقتنع. الأول قد يلتزم ما دام مصدر الخوف قائمًا، فإذا غابت السلطة أو ضعفت الرقابة عاد إلى ما كان عليه. أما الثاني فقد أصبحت القناعة جزءًا من بنائه الداخلي، فلم يعد بحاجة إلى عين تراقبه في كل لحظة حتى يبقى على ما اختاره. الأول يتحرك تحت ضغط الخارج، والثاني يتحرك من الداخل. ومن هنا يصبح السؤال عن الحرية أكثر من سؤال سياسي أو اجتماعي؛ إنه سؤال يمس أصل العلاقة بين الإنسان وربه، وأصل معنى التكليف نفسه. فإذا كان الله يطالب الإنسان بالإيمان والطاعة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه هو: ما قيمة الإيمان إذا لم يكن الإنسان حرًا في قبوله؟ وما معنى التكليف إذا كان المكلف لا يملك أصلًا إمكانية الاختيار بين الاستجابة والإعراض؟ القرآن يضع هذا الأصل بوضوح بالغ حين يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256). واللافت أن الآية لا تكتفي بنفي الإكراه، وإنما تصل هذا النفي مباشرة ببيان الرشد من الغي. فهناك بيان وتمييز، ثم تأتي مساحة الاختيار. وهذه العلاقة بين البيان والاختيار شديدة الأهمية؛ لأن الإنسان لا يُطلب منه أن يختار في فراغ، وإنما أن يختار بعد أن تتاح له إمكانية معرفة الطريق. وهذا المعنى ينسجم مع طبيعة القرآن نفسه؛ فهو لا يخاطب الإنسان بوصفه جسدًا ينبغي إخضاعه، بل بوصفه كائنًا يملك عقلًا وقلبًا وقدرة على النظر والتمييز. ولذلك يمتلئ الخطاب القرآني بأسئلة من قبيل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: 44)، و**﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾** (الأنعام: 50)، و**﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾** (محمد: 24). إن الكتاب الذي يطالب الإنسان بالتفكر والتدبر والنظر لا يبني علاقته به على تعطيل العقل، وإنما على تشغيله. ولهذا يقول القرآن في موضع آخر: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29). هذه الآية لا تعني أن القرآن يساوي بين الإيمان والكفر، ولا أنها تجعل الحق والباطل متساويين، وإنما تكشف بوضوح عن وجود الاختيار الإنساني. فالحق يُعلن، ثم يواجه الإنسان مسؤوليته تجاهه. لم يُطلب من الرسول أن يحمل الناس على الإيمان قسرًا، ولم يُطلب من الإنسان أن يسلم عقله قبل أن يرى الحجة. بل إن القرآن يصرح بهذا المعنى في موضع أشد وضوحًا، حين يقول: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 3). فالسبيل يُهدى إليه الإنسان، أي يُعرَّف ويُبيَّن له، لكن موقفه من هذا السبيل لا يُنتزع منه. لقد أُري الطريق، ثم بقي عليه أن يختار كيف يتعامل معه. وهذه الثنائية بين الهداية والاختيار هي التي تجعل المسؤولية ممكنة أصلًا. فلو كان الإنسان مساقًا إلى الإيمان كما تُساق الأشياء إلى مواقعها، لما كان هناك معنى حقيقي للمدح والذم، ولا للثواب والعقاب، ولا للمسؤولية الأخلاقية. ولذلك فإن الحرية ليست شيئًا زائدًا عن التكليف، وإنما هي أحد شروط معناه. فالتكليف يفترض إنسانًا قادرًا على الاستجابة، وقادرًا أيضًا على الرفض. ويكشف القرآن عن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99). والسؤال هنا موجّه إلى الرسول نفسه: هل تستطيع أن تُكره الناس حتى يصبحوا مؤمنين؟ إن الآية لا تكتفي بإخبارنا أن الإكراه غير مطلوب، وإنما تكشف حدود السلطة البشرية على الإيمان نفسه. يستطيع الإنسان أن يضغط على جسد إنسان آخر، وأن يهدده، وأن يجبره على قول شيء بلسانه، لكنه لا يستطيع أن يصنع في داخله إيمانًا حقيقيًا بالقوة. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الإكراه قد ينتج امتثالًا، لكنه لا يستطيع أن ينتج بالضرورة اقتناعًا. يمكن أن تجبر إنسانًا على أن يقول: «أنا مؤمن»، لكنك لا تستطيع بالقوة وحدها أن تجعل قلبه يصدق ما يقول. ويمكن أن تجبره على أداء فعل، لكنك لا تستطيع أن تضمن أن هذا الفعل أصبح تعبيرًا عن إرادة داخلية مؤمنة. ولهذا يحدد القرآن وظيفة الرسول تحديدًا دقيقًا، فيقول: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: 21-22). ويقول أيضًا: ﴿مَّا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ (ق: 45). فالرسول يذكّر ويبلغ، لكنه ليس مسيطرًا على ضمائر الناس، ولا جبارًا عليهم. وإذا كان هذا هو الحد الذي وضعه القرآن لسلطة الرسول، وهو حامل الرسالة ومبلغها، فإن السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما يحاول بشر بعده أن يمنحوا أنفسهم سلطة على ضمائر الآخرين، فيجعلون أنفسهم أوصياء على الإيمان، ويعاملون مخالفتهم وكأنها خروج عن الدين نفسه. فإذا كان الرسول قد قيل له: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾، فمن أين جاء الإنسان بسلطة السيطرة على قلوب الآخرين؟ والقرآن لا يكتفي بذلك، بل يقول للنبي: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: 99). وكأن السؤال القرآني يضع حدًا فاصلًا بين مهمتين كثيرًا ما تختلطان: مهمة البيان، ومهمة اختيار الإنسان. الأولى يمكن أن يقوم بها الرسول والداعية والمعلّم، أما الثانية فلا يمكن أن تُنتزع من الإنسان دون أن تفقد معناها. ومن هنا يمكن فهم معنى الدعوة القرآنية على نحو مختلف. الدعوة ليست عملية إخضاع، وإنما عملية إظهار وبيان وتذكير. ولذلك يقول القرآن: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). لاحظ أن أدوات الدعوة هنا هي الحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن، لا الإكراه والسيطرة والقهر. وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق: لماذا يحتاج الإنسان إلى الحرية أصلًا إذا كان الله يريد له الإيمان؟ والجواب أن الإيمان الذي يريده القرآن ليس مجرد حالة جسدية أو لفظية، بل موقف داخلي يتصل بالوعي والقناعة والإرادة. إن الله يستطيع أن يخلق البشر على صورة واحدة في الاعتقاد، كما يستطيع أن يمنع عنهم إمكانية الرفض، لكنه اختار أن تكون حياتهم مجالًا للاختبار والتمييز والمسؤولية. ولهذا يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (الإنسان: 2-3). فبعد الخلق والابتلاء والقدرة على السمع والبصر تأتي الهداية إلى السبيل، ثم يظهر الاختيار. إن الإنسان ليس مجرد منفذ لبرنامج مفروض عليه، وإنما كائن يواجه الطريق ويقرر موقفه منه. وهنا تتصل الحرية بالتكليف اتصالًا مباشرًا. فالتكليف لا يكون عادلًا إذا لم يكن المكلف قادرًا على معرفة ما كُلّف به، ولا يكون ذا معنى إذا لم يكن قادرًا على الاستجابة له أو رفضه. ولهذا كان البيان والاختيار متلازمين: بيانٌ يفتح الطريق، وحريةٌ تجعل الاستجابة ذات معنى. وهذا ينسجم مع ما يكشفه القرآن عن الإنسان نفسه حين يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10). فالآيات تكشف أن النفس أمام إمكانين أخلاقيين، وأن الإنسان ليس كائنًا مسلوب القدرة على التمييز. ثم تأتي النتيجة مرتبطة بما يفعله الإنسان بهذه الإمكانات: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾، و**﴿قَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾**. والأهم أن القرآن لا يجعل المسؤولية مرتبطة بالفعل الظاهر وحده، بل يكشف باستمرار عن أهمية الداخل الذي يصدر عنه الفعل. ففي الإيمان نفسه يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2). يبدأ الوصف بالقلب، ثم ينتقل إلى العلاقة بالآيات، ثم إلى التوكل. إن الإيمان هنا ليس مجرد حركة خارجية، بل حالة داخلية تتفاعل مع البيان. ومن هنا نفهم لماذا لا يمكن أن يكون الإكراه طريقًا لصناعة الإيمان الحقيقي. فالقلب ليس ساحة يمكن للسلطة أن تدخلها بأمر إداري. يمكنك أن تجعل الإنسان يرفع يده، أو يخفض صوته، أو يردد عبارة، لكنك لا تستطيع أن تأمره بأن يقتنع. الاقتناع فعل داخلي، وكلما ازداد الضغط الخارجي على الإنسان، أصبح من الممكن أن يتضاعف الفرق بين ما يقوله بلسانه وما يؤمن به في داخله. والقرآن يكشف هذا الفرق بصورة صريحة في حديثه عن المنافقين. فقد كانوا يقولون بألسنتهم ما لا يطابق ما في قلوبهم، حتى قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ... وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1). فالكلمة الخارجية وحدها لا تكفي لصناعة الحقيقة الداخلية. يمكن للسان أن يقول شيئًا بينما يحمل القلب شيئًا آخر. وهنا يصبح الرياء مثالًا آخر على انفصال الصورة عن الحقيقة. يقول القرآن: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (الماعون: 4-6). فالإنسان قد يؤدي صورة العبادة، لكن القرآن لا يكتفي بالصورة؛ إنه ينظر إلى ما وراءها. الرياء يكشف أن الفعل الظاهر قد يكون موجودًا، بينما تكون الوجهة الداخلية مختلفة. ولذلك فإن قيمة العمل لا تُختزل في مظهره الخارجي. وهذا ينسجم مع ما قلناه في المقال السابق عن المقاصد: فكما أن الحكم الجزئي لا ينبغي أن يُفصل عن الغاية التي وضعها القرآن له، فإن السلوك الظاهر لا ينبغي أن يُفصل عن الحقيقة الداخلية التي تمنحه قيمته. في الحالتين هناك خطر واحد: أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يبقى الشكل بينما تضيع الروح. فالإنسان قد يؤدي العبادة خوفًا من الناس، وقد يلتزم الحكم خوفًا من الجماعة، وقد يكرر المقولات خوفًا من السلطة الدينية، وقد يتبنى رأيًا لأنه رأي الأكثرية، ثم يظن أنه بذلك أصبح أكثر تدينًا. لكن القرآن لا يجعل التقليد في ذاته معيارًا للحقيقة، بل يكشف مرارًا عن خطورته، كما في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 170). إن السؤال القرآني هنا صريح: هل يكفي أن يكون الشيء موروثًا حتى يصبح صحيحًا؟ هل يكفي أن قاله الآباء حتى يتوقف الإنسان عن استخدام عقله؟ القرآن يرفض هذا المنطق، لأن الإنسان مسؤول عن اختياره هو، لا عن مجرد انتسابه إلى جماعة أو عائلة أو تراث. ولهذا تتكرر في القرآن دعوة الإنسان إلى النظر والتفكر والتدبر، لا إلى الاستسلام الأعمى. يقول تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (محمد: 24)، ويقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 50)، ويقول: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (الأنفال: 22). إن العقل هنا ليس عدو الإيمان، بل إحدى الأدوات التي يخاطب بها القرآن الإنسان. لكن ينبغي أن ننتبه إلى نقطة مهمة: القول بأن القرآن يجعل الحرية شرطًا للتكليف لا يعني أن كل اختيار صحيح، ولا يعني أن الحرية تمنح الإنسان حق تحويل الباطل إلى حق. الحرية شيء، والحقيقة شيء آخر. القرآن لا يقول إن كل ما يختاره الإنسان يصبح صحيحًا لأنه اختاره، وإنما يقول إن الإنسان مسؤول عن اختياره لأنه يملك إمكانية الاختيار. وهذا فرق جوهري بين حرية الاختيار وصحة الاختيار. قد يختار الإنسان طريقًا خاطئًا وهو حر، لكن حريته لا تجعل الطريق صحيحًا. وقد يرفض الحقيقة بعد أن يتبين له وجهها، لكنه يبقى مسؤولًا عن هذا الرفض. ولذلك تأتي في القرآن آيات تجمع بين البيان والمسؤولية، كما في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 10). هناك طريقان، وهناك قدرة على رؤية الطريقين، ثم تأتي مسؤولية الإنسان فيما يختار. ومن هنا يتضح أن الحرية ليست إعفاءً من المسؤولية، وإنما هي أساسها. الإنسان الحر هو الذي يمكن أن يُسأل: لماذا اخترت؟ أما الإنسان الذي لم يكن له اختيار حقيقي فلا يمكن أن تحمل أفعاله المعنى الأخلاقي نفسه. ولذلك فإن الحرية لا تهدم التكليف، بل تجعل التكليف ممكنًا. ولهذا أيضًا فإن الإيمان الذي يريده القرآن ليس إيمانًا موروثًا بلا سؤال. فالإنسان لا يصبح مؤمنًا لمجرد أن أباه مؤمن، ولا يصبح على الحق لمجرد أن جماعته تقول إنها على الحق. كل إنسان يواجه الحقيقة في النهاية بوصفه فردًا مسؤولًا. وفي القرآن نموذج واضح لهذا الانفصال بين الاعتقاد الموروث والمسؤولية الفردية في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 13-14). وفي الآخرة لا يستطيع الإنسان أن يختبئ خلف الجماعة، ولا أن يحمل غيره مسؤولية اختياراته. يقول القرآن: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95). هذه الفردية الأخروية تكشف عمق المسؤولية الفردية في المنظور القرآني: أنت في النهاية مسؤول عن نفسك، وعن ما اخترته أنت، لا عن الصورة التي صنعتها لك الجماعة. وهنا تتضح صلة الحرية بفكرة الوصاية. فالوصاية الفكرية تبدأ عندما يُطلب من الإنسان أن يتخلى عن مسؤوليته في التفكير لصالح شخص آخر، ثم تتحول تدريجيًا إلى تبعية تجعل الإنسان يشعر بالأمان كلما ازدادت قدرته على إلغاء عقله. ان المنهج القرآني يعيد المسؤولية إلى الإنسان نفسه. لا أحد يستطيع أن يؤمن بدلًا منك، ولا أحد يستطيع أن يتحمل عنك اختيارك، ولا أحد يستطيع أن يمنحك يقينًا جاهزًا ثم يطالبك باعتباره يقينك أنت. قد يرشدك إنسان، وقد يشرح لك، وقد يقدم لك دليلًا، لكن لحظة الإيمان نفسها تبقى لحظتك أنت. وهنا يصبح السؤال عن الحرية سؤالًا عن كرامة الإنسان أيضًا. فالإنسان الذي خلقه الله قادرًا على السمع والبصر والعقل والتمييز لا يُراد له أن يتحول إلى نسخة من غيره. يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (النحل: 78). فهذه الأدوات ليست عبثًا؛ إنها وسائل إدراك ومسؤولية. ولذلك فإن المجتمع الذي يمنع السؤال لا يستطيع أن يصنع إيمانًا عميقًا، وإنما يستطيع أن يصنع امتثالًا. والمجتمع الذي يخوّف الإنسان من التفكير قد يحصل على صمت طويل، لكنه لا يحصل بالضرورة على قناعة. وحين تضعف السلطة التي صنعت الخوف، قد يسقط معها كل ما بُني عليها. أما القناعة التي نشأت من الحوار والبرهان والتدبر، فإنها لا تحتاج إلى حارس يقف عند رأس صاحبها طوال الوقت. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يخاف القرآن من السؤال. فالقرآن نفسه يطرح الأسئلة، ويطلب النظر، ويواجه الإنسان بالحجة، ويدعوه إلى التدبر. إنه لا يقول له: صدق لأنني أملك سلطة عليك، بل يبني الخطاب على البيان، ثم يضع الإنسان أمام مسؤوليته. إن الفرق بين الدين الذي يصنع الإنسان والدين الذي يصنع التابع يبدأ هنا. الأول يمنح الإنسان القدرة على أن يرى ويسأل ويفكر ثم يختار، والثاني يطالبه بأن يختار قبل أن يرى، وأن يطيع قبل أن يفهم، وأن يخاف قبل أن يقتنع. الأول يبني المسؤولية، والثاني يبني التبعية. ولهذا فإن الحرية ليست ترفًا يمكن أن نضيفه إلى المنظومة الدينية متى شئنا، بل هي جزء من بنية التكليف نفسها. فلا معنى لمسؤولية بلا اختيار، ولا معنى لاختيار بلا معرفة، ولا معنى لمعرفة إذا مُنع الإنسان من التفكير فيها. ولذلك يلتقي في المنهج القرآني ثلاثة عناصر لا ينبغي فصلها: البيان، والحرية، والمسؤولية. يأتي البيان أولًا حتى لا يكون الإنسان في ظلام: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: 256). ثم تأتي الحرية حتى يستطيع أن يختار: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: 29). ثم تأتي المسؤولية لأن الاختيار لم يكن بلا أثر: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8). وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الله لا يحتاج إلى إكراه الإنسان حتى يثبت سلطانه، ولا يحتاج إلى إجباره على الإيمان حتى تكون الحقيقة حقًا. الذي يحتاج إلى الإكراه هو الإنسان العاجز عن تقديم الحجة، أما الحقيقة فلا تصبح أقوى لأننا أرغمنا الناس على إعلانها، كما أنها لا تصبح أضعف لأن بعض الناس رفضوها. الإيمان الحقيقي لا يُقاس بعدد الألسنة التي تقول «نؤمن»، وإنما بما استقر في الإنسان بعد أن رأى وسمع وفكر واختار. ولهذا يمكن أن يكون هناك إنسان يعلن الإيمان بلسانه بينما لا يحمل منه شيئًا في داخله، ويمكن أن يكون هناك إنسان يعيش صراع السؤال والبحث ثم يصل إلى قناعة عميقة لا يحتاج معها إلى من يراقبه. وهنا تتكامل هذه الفكرة مع ما سبق أن قلناه عن المقاصد. فإذا كانت الأحكام وسائل لبناء الإنسان، فإن الحرية هي التي تجعل هذا البناء حقيقيًا من الداخل. لا يمكن أن تبني التقوى بالقسر وحده، ولا أن تصنع الإخلاص بالتهديد، ولا أن تزرع المحبة بأوامر خارجية. تستطيع السلطة أن تفرض مظهرًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع قلبًا مؤمنًا. فالقرآن يريد إنسانًا لا يحتاج إلى شرطي يقف فوق رأسه كي يكون صادقًا، ولا إلى سلطة تراقب قلبه كي يخلص، ولا إلى جماعة تفكر نيابة عنه كي يعتقد. إنه يريد إنسانًا يتحول الحق في داخله إلى قناعة، ثم تتحول القناعة إلى فعل، ثم يصبح الفعل جزءًا من شخصيته. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه كل خطاب ديني ليس فقط: هل يطلب منك الطاعة؟ بل: هل يسمح لك أن تفهم قبل أن تطيع؟ هل يضع أمامك الحجة أم يضع أمامك الخوف؟ هل يخاطب عقلك أم يطالبك بإلغائه؟ هل يجعلك مسؤولًا عن اختيارك أم يطلب منك أن تسلم مسؤوليتك لشخص آخر؟ إذا كان الخطاب لا يعيش إلا بالخوف من السؤال، فهذه علامة تستحق التوقف. أما القرآن، فإنه يفتح السؤال ثم يقود إلى البيان، ويقدم الحجة ثم يترك للإنسان مسؤوليته. ولذلك فإن الحرية ليست خروجًا من الدين، وإنما هي أحد الشروط التي تجعل التدين نفسه ذا معنى. فالإنسان المكره قد يطيع، لكنه لا يستطيع أن يمنح إكراهه اسم الإيمان. وقد يصمت، لكنه لا يكون بالضرورة مقتنعًا. وقد يؤدي الشعائر، لكنه لا يملك أن يجعل قلبه مؤمنًا بأمر خارجي. أما الإنسان الذي عرف، ثم فكر، ثم اختار، ثم تحمل نتيجة اختياره، فهو الذي يصبح للتكليف في حياته معنى حقيقي. ومن هنا يمكن القول إن الحرية ليست نقيض التكليف، بل شرطه؛ وليست خصمًا للإيمان، بل شرطًا لصدقه؛ وليست طريقًا إلى الفوضى، بل أساسًا للمسؤولية. فالقرآن لا يريد بشرًا يتحركون كنسخ متطابقة تحت ضغط سلطة واحدة، وإنما يريد أفرادًا يرون الطريق ويختارون موقفهم منه. ولذلك لا تبدأ الرحلة القرآنية من الأمر، وإنما من البيان؛ ولا تنتهي عند الطاعة الظاهرة، وإنما تصل إلى القلب؛ ولا تقوم المسؤولية فيها على مجرد ما فعله الإنسان، بل على ما اختاره بعد أن أُتيح له أن يعرف. إن الإيمان الذي يولد من الخوف قد يعيش ما دام الخوف حاضرًا، أما الإيمان الذي يولد من البصيرة فيستطيع أن يعيش حتى عندما يغيب الرقيب. الأول يحتاج إلى سلطة تحميه، والثاني تحميه القناعة. الأول يصنع تابعًا، والثاني يصنع إنسانًا. وهنا تكمن إحدى أعظم رسائل القرآن للإنسان: لقد أُريت الطريق، لكنك أنت الذي ستختار السير فيه. ولن يستطيع أحد أن يمشيه عنك، ولا أن يحمل عنك مسؤولية اختيارك، ولا أن يمنحك إيمانًا جاهزًا تستعيره منه. لقد جاءك البيان، ومُنحت العقل، وأُعطيت القدرة على النظر والتمييز، ثم تُرك لك أن تقول: نعم أو لا. ولهذا كان التكليف ممكنًا لأن الإنسان حر، وكانت المسؤولية عادلة لأن الطريق قد بُيّن، وكان الإيمان ذا قيمة لأنه لم يُنتزع بالقوة. ومن جمع بين البيان والحرية والمسؤولية، أدرك أن القرآن لا يريد أن يصنع من الإنسان تابعًا مطيعًا فحسب، وإنما يريد أن يصنع منه إنسانًا واعيًا، يختار الحق لأنه عرفه، ويطيعه لأنه اقتنع به، ويظل مسؤولًا أمام الله عن الطريق الذي اختاره بنفسه.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المقاصد تُحكِم فهم الجزئيات
-
حين يبني القرآن الإنسان - قبل أن يشرّع له
-
التكرار وسيلة لبناء المفهوم
-
الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء
-
بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
-
البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
-
السؤال... أول الطريق إلى الهداية
-
القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
-
القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
-
الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
-
الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن
...
-
الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من
...
-
الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا
...
-
الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار
...
-
الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
-
الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
المزيد.....
-
خلال زيارة لكاتدرائية بالكرملين.. بوتين يصف اكتشاف رفات الأم
...
-
بعد 56 عاما.. تحديد متهم نازي جديد بإحراق دار مسنين يهودية ف
...
-
رفات الأمير دميتري دونسكوي تظهر في كاتدرائية الكرملين خلال أ
...
-
تردد قناة طيور الجنة 2026 للأطفال وكيفية ضبطه على النايل سات
...
-
إيهود باراك يهاجم نتنياهو: تصعيد التوتر مع تركيا -طائش وأحمق
...
-
دار للمطلقات وأخرى لإعارة الحلي للعروس.. أوقاف عجيبة أنشأها
...
-
شيخ الأزهر يوجه نداء لصد -غزو- يستهدف الشباب العربي
-
ناشطة يمينية تدعو إلى ترحيل المسلمين ومداهمة المساجد في أمري
...
-
الرئيس اللبناني يتوجه إلى روما في زيارة يلتقي خلالها بابا ال
...
-
-نريد مزيدا من المساجد والأذان-.. هل يوثق الفيديو احتجاجا لم
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|