محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 00:16
المحور:
القضية الفلسطينية
-تذويت الهزيمة
منذ اندلاع طوفان الأقصى، برز في بعض خطابات الليبراليين العرب اتجاه يستبق نتائج الحرب بالحديث عن شرق أوسط جديد وإعادة رسم الحدود وإعادة تشكيل التحالفات وانهيار ترتيبات إقليمية وولادة ترتيبات أخرى، وذلك منذ الأيام الأولى من حرب الإبادة على غزة. لم يقتصر هذا التبشير على محاولة قراءة التحولات المحتملة التي قد تترتب على الحرب؛ فقد اتخذ في كثير من الأحيان صورة أكثر حسماً، جعلت من هذه التحولات المفترضة تظهر وكأنها مسار تاريخي قد بدأ فعلاً، فلم يعد السؤال يتصل بإمكان وقوعه وإنما بكيفية التكيف معه.
يظهر مأزق هذا الخطاب، أو -بلغة أبسط- التحليل السياسي في توقعات تغيير الخريطة الإقليمية وصولاً إلى الإخفاق أو الخطأ في تقدير مآلات الحرب، على اعتبار أن إرادة القوة الغالبة ستتحول في نهاية الطاف إلى حقيقة تاريخية مكتملة في الوعي قبل أن تحسم الوقائع إمكاناتها.
لعل هذا ما يقصده العنوان وما يمكن الحديث عنه، أي "تذويت الهزيمة" بانتقالها من كونها نتيجة محتملة لصراع سياسي وعسكري إلى حالة ذهنية يعاد من خلالها تفسير الواقع كله. ومن المعلوم أن التحليل السياسي يفترض أن يظل المستقبل مفتوحاً على احتمالات متعددة، حتى حين تكون موازين القوة مختلة بصورة واضحة. أما تذويت الهزيمة فيبدأ حين ينظر إلى ميزان القوة القائم باعتباره قدراً، وإلى قدرة الطرف الأقوى على فرض شروطه باعتبارها قانوناً من قوانين التاريخ.
هنا لا يعود السؤال السياسي عن إمكانية تغيير ميزان القوة، بقدر ما يتعلق بسبل التكيف معه. وهذا ما يفسر جانباً من الاستخدام المكثف لمفردات مثل "الواقعية" و"العقلانية" و"مصلحة المدنيين" في نقاشاتهم حول الحرب. علماً أن هذه المفردات تحمل، في ذاتها، مشروعية أخلاقية وسياسية لا اعتراض عليها. فحياة المدنيين، بطبيعة الحال، قيمة لا يجوز اختزالها في الحسابات العسكرية، كما أن مساءلة قرارات الفصائل الفلسطينية ونقد خياراتها حق سياسي مشروع. ولكن [دائماً هناك "ولكن"] الإشكال يبدأ حين يجري نقل هذه المفاهيم من مجال النقد السياسي والأخلاقي إلى مجال إعادة تعريف الصراع ذاته.
فحين يقال إن حماس خاضت "مغامرة" أفضت إلى قتل المدنيين وتدمير غزة، يمكن أن يكون ذلك حكماً مؤتلفاً على قرار سياسي محدد. لكنه يتحول إلى ما هو مختلف حين يصبح قتل المدنيين دليلاً على عبث المقاومة، أو حين يجري استخلاص نتيجة أوسع ترى أن المقاومة هي أصل الكارثة التي أصابت الفلسطينيين. وهذا يعني نقل المسؤولية من مستوى إلى آخر. فبدلاً من تحليل بنية الحرب، وميزان القوة الذي يحكمها، وشروط الاحتلال، وطبيعة الاستجابة العسكرية الإسرائيلية، تصبح نقطة البداية هي قرار المقاومة. ويتحول المدني الفلسطيني، من ضحية لحرب غير متكافئة إلى حجة سياسية ضد الفعل المقاوم.
لافت هنا أن أكثر عناصر الخطاب حساسية من الناحية الأخلاقية قد تصبح -على نحو موازٍ- أكثرها قابلية للتوظيف السياسي. فمن الصعب الاعتراض على دعوات حماية المدنيين، غير أنه يمكن تمرير ،عبر هذه الدعوة، استنتاج سياسي لا يتعلق بحماية المدنيين أصلاً، كأن يقال إذا كانت المقاومة تؤدي إلى هذه الكلفة الإنسانية، فالخيار العقلاني التخلي عنها.
سيتوقف القائل هنا من دون أن يتابع القول أو يستنتج -في المقابل- إن التخلي عن المقاومة يعني، بطريقة ما، القبول بميزان القوة القائم، وسوف تنتهي هذه الواقعية السياسية* إلى التكيف مع هذا الميزان. ويصبح المدني الفلسطيني موضوعاً لخطاب سياسي يتجاوز حمايته. إذ يجري استدعاء المدنيين أحياناً، وكما نرى كل يوم، لإنتاج صورة معينة عن المقاومة، ثم لإنتاج صورة أخرى عن المستقبل السياسي الفلسطيني علينا أن نحسب فيه خياراتنا ضمن الحدود التي يسمح بها الطرف الأقوى.
وهذه-لعمري وعمر أبيك- نقلة نوعية للقضية من سؤال كيفية إنهاء نظام القوة الذي ينتج العنف إلى سؤال كيفية إدارة الفلسطيني لحياته داخل هذا النظام بأقل قدر ممكن من الخسائر.
ما سبق لا يعني إعفاء حماس من النقد أو تحويل المقاومة إلى كيان فوق المساءلة. لأن الأصل في القول إن المقاومة فعل سياسي وعسكري بشري، يخضع للحساب والتقويم والنقد، ويمكن لقراراته أن تكون موضع خلاف عميق. لكن نقد قرار مقاوم شيء ورفض مبدأ المقاومة شيء آخر، كما أن الاعتراف بالكلفة البشرية الباهظة لا يسمح تلقائياً بإسناد مسؤولية هذه الكلفة إلى الطرف الذي اتخذ قرار المواجهة، بمعزل عن طبيعة الحرب التي تلت ذلك، وعن قدرة الأطراف المختلفة على إنتاج العنف وتحديد مداه.
إذا اتفقنا على هذا، يستلزم بالضرورة الاتفاق على أهمية التمييز بين "نقد المقاومة" و"تذويت الهزيمة". فالأول ينتمي إلى المجال السياسي والاستراتيجي، أما الثاني فيتصل بالبنية التي يمكن من خلالها إدراك الواقع.
في حسابات الميزان النقدي، ربما تكون المقاومة مخطئة ويمكن أن تكون حساباتها ناقصة، كما يمكن أن تكون نتائج قراراتها كارثية. أما في حسابات تذويت الهزيمة يعني تحويل هذه الوقائع إلى قناعة أوسع ترى باستحالة تغيير ميزان القوة ذاتها، وأي محاولة هي ضرب من الوهم.
يعيدنا هذا إلى ما بدأنا به عن الخطاب الليبرالي -أو بعضه- الذي يفسر مضمونه الانتقال المبكر إلى الحديث عن "شرق أوسط جديد". فالمنطقة، في هذا النوع من الخطاب، تبدو كأنها مساحة تتحرك فوقها القوى الكبرى وحدها. تلعب فيها إسرائيل وحدها وتسرح، وتعيد تشكيل التوازنات رفقة الولايات المتحدة التي تعيد ترتيب التحالفات والحدود القابلة لإعادة الرسم، فيما لا تظهر المجتمعات والقوى المحلية إلا بوصفها موضوعاً لهذه التحولات.
نظرياً، ينطوي ذلك على تصور للتاريخ يمنح القوة قدرة شبه مطلقة على إنتاج المستقبل. فتصبح مشاريع القوى الكبرى وقائع تاريخية وتحولاً جيوسياسياً، فيما تنحصر مقاومة هذه المشاريع في زاوية نفسية ضيقة تضعها في خانة الاضطراب المؤقت والعبث والمغامرة والمحاولات اليائسة لتأجيل ما لا يمكن منعه.
بيد أن التاريخ السياسي ليس هكذا، ولو قبلنا به على هذه الصورة والشاكلة فسنجده، أي التاريخ السياسي، يخرج لنا لسانه، يوماً، ويشير بإصبعه نحونا بطريقة أخجل من وصفها، لأن التفوق العسكري لا يتحول تلقائياً إلى قدرة على إنتاج نظام سياسي مستقر، كما أن الحرب لا تضمن لمن يملك القوة العسكرية القدرة على التحكم في جميع نتائجها. فثمة كثير من التحولات الكبرى نشأت من أحداث بدت في لحظتها محدودة أو غير قابلة للسيطرة، وكثير من الحروب التي بدأت بخريطة واضحة للمنتصرين انتهت إلى نتائج مختلفة جذرياً عن تلك التي توقعها أصحاب القوة.
لذلك فالحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط منذ الأيام الأولى لحرب الإبادة على غزة يحمل في ذاته افتراضاً يحتاج إلى مساءلة؛ افتراض يرى أن المستقبل قد أصبح معروفاً لأن ميزان القوة معروف. وهذا استنتاج لا يقدمه الواقع بالضرورة. فاختزال الصراع في ميزان القوة يقود في النهاية إلى نتيجة سياسية واضحة تجبر الطرف الأضعف على التكيف مع القوة الغالبة. وهنا تتحول "الواقعية" من منهج لفهم الممكن إلى فلسفة للقبول بما هو قائم. كما تصبح حدود الممكن هي ذاتها الحدود التي يفرضها الأقوى، وأي محاولة لتجاوزها تتحول إلى دليل على عدم العقلانية. مما يعطي لمفهوم تذويت الهزيمة أكثر من دلالة. فالهزيمة، في هذه الحالة، لا تنتظر نهاية الحرب كي تقع. إنها تبدأ حين يُعاد تشكيل الوعي بحيث تصبح إرادة الخصم جزءً من تعريف الواقع. ونبدأ في التفكير من داخل النتيجة التي يريد الخصم لنا أن نفكر منها، ثم يعيد بناء مواقفه ومفاهيمه وقراءته للمستقبل وفقها.
إن تذويت الهزيمة، ليس حالة أو وصفة تشاؤم سياسي، ولا هي أمنية تعني أن أصحابها يتمنون بالضرورة هزيمة المقاومة. إن عملية التذويت عملية أعمق من ذلك بكثير، إنها استبطان ميزان القوة إلى درجة يتحول معها إلى معيار للحكم على ما هو ممكن وما هو مستحيل، وعلى ما هو عقلاني وما هو متهور، وعلى ما هو سياسي وما هو عبثي. وعندها يصبح التكيف مع القوة الغالبة أكثر واقعية من محاولة تغييرها، وهذت يعني أن التخلي عن المقاومة أكثر عقلانية من مساءلة شروط ظهورها، ويمكن عندئذ تصور الشرق الأوسط -هذا الذي تصوغه القوى المنتصرة- بطريقة أكثر قابلية من شرق أوسط يمكن أن تنتجه مقاومة هذه القوى. وهنا تحديداً ينتقل الصراع من ميدان السياسة إلى ميدان الوعي. وتصبح المعركة حول معنى الممكن، أكثر مما هي معركة حول حدود المتاح**؛ أي: هل يقتصر الممكن السياسي على ما تسمح به موازين القوة القائمة، أم أن السياسة، في جوهرها، تتضمن أيضاً القدرة على تغيير هذه الموازين، بحيث يصبح ما يبدو متاحاً اليوم قابلاً للتجاوز غداً؟
ينبغي لهذا السؤال أن يبقى مفتوحاً، بعيداً عن التبشير المبكر بخرائط جديدة، وبعيداً أيضاً عن تحويل المأساة الإنسانية إلى حجة جاهزة لإغلاق المجال السياسي أمام المقاومة. فالمدني الفلسطيني يحتاج إلى حماية، والمقاومة تحتاج إلى نقد ومساءلة، لكن أياً من الأمرين لا يقتضي التسليم بأن ميزان القوة القائم يمثل نهاية التاريخ.
الصورة: جدارية من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة للتضامن مع أسطول الصمود العالمي، لكسر الحصار. أيار 2026
............
* الواقعية السياسية Realpolitik مصطلح نحته الكاتب والسياسي الألماني "لودفيغ فون روخاو" في العام 1853، قاصداً به السياسة التي تحتكم إلى المعطيات العملية وموازين القوى الصلبة على الأرض، بمنأى عن المنطلقات المثالية أو الفلسفية أو الاعتبارات الأخلاقية. تسرّب المصطلح إلى اللغة الإنكليزية أواخر القرن التاسع عشر مقترناً بتوجهات المستشار الألماني "أوتو فون بسمارك" البراغماتية الصارمة. ومع تطور الاستخدام اللغوي والسياسي في الغرب، اكتسبت الكلمة -لا سيما في سياقات النقد والتحليل- حمولة سلبية ثقيلة؛ فغدت مرادفاً للانتهازية الفجة، والميكيافيلية الباردة، وتغليب قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" لسحق القيم الإنسانية بغية تحقيق المكاسب وتوسيع النفوذ.
** * يقصد بالمتاح هنا ما تسمح به موازين القوة في لحظة تاريخية معينة، بينما يشير الممكن إلى مجال أوسع لا يتحدد بالكامل بهذه الموازين، إذ يمكن للفعل السياسي الإسهام في تغييرها، ومن ثم في توسيع حدود ما يصبح متاحاً في مرحلة لاحقة.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟