رضا لاغة
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 19:13
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
راجعت ما أمكن من نصوص الصادق شعبان المنشورة حول إصلاح التعليم وخاصة ما كتبه سنة 2022 وما طرحه لاحقا حول الاستشارة الوطنية. وهو بالفعل يؤكّد أنّ التعليم يحتاج إلى مواكبة دائمة لا إصلاحات ظرفية وأن الخطر الحقيقي هو التذبذب وغياب الرؤية. وهو في سياق طرحه ما فتئ يلحّ على ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية وعدم التوهّم بأننا سوف نخلق العجلة من جديد. فأين نلتقي معه وأين نختلف؟
هناك نقاط قوية في تصوره لا ينبغي تجاهلها ويمكن تبويبها في ستة مستويات وهي كالآتي:
ــ اعتبار التعليم اصلاحا استراتيجيا لا قطاعيا
ــ تشخيص أزمة اللغات والكفايات وتراجع دور المدرسة العمومية
ــ الدعوة للاستفادة من التجارب الدولية
ــ الاهتمام بالتكنولوجيا والتعلّم الذاتي والمضامين والمحامل الرقمية
ــ رفض الاصلاحات المتقطعة التي تجعل كل وزير يبدأ من جديد بدل المراكمة والاستمرارية
ولئن دعا صراحة إلى ألاّ تكون نتائج الاستشارة الوطنية المرجعية الوحيدة في عملية الاصلاح ، بل أن تعرض على مختصين في البيداغوجيا والسياسات العمومية والاقتصاد والتكنولوجيا ، وهي نقطة منهجية وسليمة في الأصل ، فإنّ ما طرحه حول تغيّر دور المدرّس في عصر الذكاء الاصطناعي والتعلّم الذاتي ، يستحقّ نقاشا جديا؛ فهو يرى أن الأستاذ ينبغي أن ينتقل من ناقل للمعرفة إلى مساعد للمتعلّم على التعلّم الذاتي والتفكير النقدي. وهنا يبدأ خلافنا معه. فما هو المأخذ الأساسي في تصوّره؟
يستعمل الصادق شعبان مفهوم الاصلاح الذي يبدو للوهلة الأولى ثوريا لكنه يربطه غالبا بمفاهيم أخرى من قبيل : الرقمنة ، التدرج ، المواكبة ، التخطيط ، التجارب الدولية ، الحوكمة ، التمويل ، التكوين والتدابير الانتقالية ...وهذه كلها أدوات مهمة ، لكنها لا تحيل في حدّ ذاتها الى فلسفة الاصلاح. بمعنى آخر هو يجيب بدرجة أكبر عن سؤال: كيف نحسّن المنظومة ؟ ولا يجيب بالقدر الكافي عن سؤال: هل المنظومة نفسها تحتاج الى إعادة بناء؟
وهذا في نظرنا فرق جوهري ، خاصة وأنه يورد عبارة " العجلة لا تتوقف" و يرددها مرارا كأنما يدفع في اتجاه تحويل فلسفة الاصلاح الى مجرد ممارسة بيروقراطية . وهذا للأسف ما استشعرناه منذ الإعلان عن تركيبة المجلس الأعلى للتربية.
أي نعم ، خلفيتنا النظرية تنظر لمسألة الاصلاح كعملية متواصلة، من حيث المبدأ كما بيّن الصادق شعبان فالإصلاح الحالي ليس الأول ولن يكون الأخير وأن المنظومة ينبغي أن تظل تحت الاختبار الدوري ، غير أننا نقلب هذه الفكرة نقديا : إذا كان الإصلاح مهمة دائمة ، فمن المسؤول عن تحديد اللحظة التي يصبح فيها الإصلاح الجزئي غير كاف ؟ نقول هذا لأننا نميّز بين الاصلاح المستمر والتغيير البنيوي.
وإذ نشير إلى ذلك ، فنحن نعتقد أن المنظومة التربوية قد وصلت إلى مرحلة أضحت فيها غير قابلة للإصلاح الجزئي لأن أدواتها ومفاهيمها وعلاقاتها الداخلية أضحت متجاوزة . فلو سلّمنا مثلا ـــ وهذا رائج لدى السادة الخبراء ــ بأن المنهج قديم وطريقة التقييم عتيقة ودور المدرّس تقليدي وعلاقة المدرسة بالمجتمع مختلّة وعلاقة التعليم بسوق الشغل غير متوازنة ومركزية القرار خانقة والتكوين غير ملائم ...فإن إضافة الرقمنة أو تغيير بعض البرامج أو الزمن المدرسي لا تف بالغرض . هنا نحن لسنا إزاء حاجة ماسة لإصلاح المنظومة فحسب بل أمام سؤال: هل نحتاج إلى إعادة تصميمها؟
وهذا ما أحجم على طرحه الصادق شعبان. وفق هذا التقدير فإن رؤيتنا تعتبر أن التركيز على المنهج لوحده يعدّ مشكلة ، لأنّ المنهج ليس هو المدرسة وإنما أحد مكوّنات النظام التربوي ويمكن أن تستدعي حذوه منظومة كاملة: فلسفة التعليم ، أهدافه، صورة الإنسان المراد تكوينه ، المناهج، المدرّس ، المتعلم ، طرق التدريس ، التقييم ، الإدارة ، التمويل ، العلاقة بالمجتمع ، العدالة التعليمية ، التكنولوجيا ، التكوين المهني و الحوكمة ...
إذا غيّرنا المنج وأبقينا على هذه العناصر أي مكثنا نعمل بالعقلية القديمة ، فسيعاد انتاج ذات المنظومة من خلال منهج جديد. وبئس ما فعلنا آنذاك...
هذه نقطة نقدية أساسية ، لذلك فإننا نشدد على أهمية السؤال الفلسفي : أيّ إنسان نريد أن نكوّن ؟ بدل: كيف نجعل التعليم أكثر كفاءة؟
هذا السؤال الفلسفي يمكن أن يتمفصل إلى عدد لا متناه من الأسئلة الفرعية. من ذلك: هل نريد متعلما يحفظ أم يفكر ويناقش أم يمنتلك القدرة على التعلّم المستمر أم مواطنا ديمقراطيا أم عاملا صالحا لسوق الشغل أم كلّ ذلك معا؟
هنا تصبح القضية ذات صلة بفلسفة التربية وليست مجرد إصلاح تقني. ومن المفيد في سياق هذه المقارنة أن نستحضر ما ورد في قراءة إصلاح 1989 ، حيث كان هناك اهتمام صريح بفلسفة التعليم وغاياته وبالتفكير النقدي والترشّد الذاتي وإن كنا نتحفّظ على تجاهل الهوية الوطنية ، العربية والاسلامية مقابل التضخيم في الانتماء العالمي والمتوسطي.
هذه الحيثية تفتح بابا مهما حول مشروعية الحديث عن تملّكنا اليوم لفلسفة تربوية واضحة. وهو بصراحة ما أستبعده بحرقة . نحن لا نملك سوى مجموعة من الاجراءات .
نأتي الآن إلى دعوة الصادق شعبان للاعتماد على التجارب الدولية حيث يقول:" علينا معرفة التوجّهات الكبرى في العالم والاستفادة منها ". وهذا صحيح لكن عبارة " العالم يتّجه الى معايير موحدة وعلينا أن نتّبعه " يمكن أن تكون موضع نقد شديد وهي تتعارض مع رؤيتنا لأن تونس ليست نظاما تعليميا بلا تاريخ. ولمن لا يعلم هناك تاريخ تليد للمدرسة الزيتونية وإصلاحات المدرسة الصادقية وتجربة دولة الاستقلال وإصلاحات 1958 وإصلاحات 89 والتحولات الاجتماعية ومسألة اللغة ومسألة الهوية والعلاقة بين التعليم والتحديث مع الشيخ الطاهر بن عاشور... لأجل ذلك لا يكف أن نسأل : ما الذي نجح في فلندنا أو سنغافورة أو كوريا أو فرنسا ...؟ بل يجب أن نسأل: لماذا نجح هناك ؟ وهل يمكن أن ينجح هنا؟ وما الذي يتعيّن تكييفه؟ وإلاّ تحوّلت المقارنة الدولية إلى مطيّة لاستيراد نماذج بدل الاستفادة النقدية منها.
ولو أردت أن أختصر نقدنا لما طرحه الصادق شعبان لقلنا أن تصوره أقرب إلى إصلاح إدارة التعليم من إعادة تأسيس فلسفة التعليم. وأخشى ما أخشاه أن ينصرف المجلس الأعلى للتربية المحدث في هذه الوجهة لتتم عملية الوأد ذاتيا.
أقول هذا لأن الصادق شعبان اهتم بالحوكمة والمناهج والرقمنة والشراكة ...وغيّب السؤال الذي يسبق كل هذا: ما هو المشروع التربوي الذي تريد تونس بناءه؟
بعد طرحنا لهذا السؤال يمكننا أن نخوض في مسألة الوسائط. ويهمّنا في هذا الصدد أن نبيّن مجددا أن خلفية اعتراضنا على تصوّر الصادق شعبان ليس لأنه لا يريد تغييرا وإنما لأن مفهومه للتغيير يبدو في أدق جوانبه يكتسي صبغة الاصلاح التدريجي من داخل المنظومة لا إعادة بناء جذرية لها . هنا تصبح عملية الاصلاح من حيث خلفيتها جزءا من المشكلة.وبما أننا انطلقنا من تدوينته التي تضمّنت 18 نقطة ، فإننا لن نكتف بهذا القدر من النقد العام وإنما سنفصّل فيما طرح لنسـأل:
ماذا يقترح الصادق شعبان على وجه الدقة ؟ ما الافتراض الذي تقوم عليه رؤيته؟ ما الذي أهمله؟ أين تكمن قوّته وضعفه؟ هل يعالج العرض أم أصل المشكلة؟ هل هو إصلاح جزئي أم تغيير بنيوي؟ وما البديل عما يطرحه؟
إن المفارقة التي تكاد تنغّص على تصور الصادق شعبان تستمد وجودها من البنية القهرية لما يقترح:
لا توقف العجلة
لا تغيّر الكل
استمع
أقنع المنفذين
استفد من التجارب
استعمل الذكاء الاصطناعي
قس النتائج
موّل تدريجيا
لا تتدخّل في التفاصيل
هذه الموجّهات كلها تبدو منطقية في ظاهرها لأنها ذات صلة بإدارة الإصلاح لكن السؤال الذي يسبقها: هل الأزمة التي يعاني منها التعليم التونسي أزمة إدارة إصلاح أم أزمة نموذج تربوي ؟
إذا كانت المشكلة أساسا في النموذج ، فإن التدرّج قد يتحوّل من وسيلة إلى غاية ومن أداة لتجنب الصدمة إلى آلية لحماية الوضع القائم . وهنا تحديدا تعترض على عبارة " لا توقف العجلة".
ربما تكون صحيحة إذا كان المقصود : لا نترك التلاميذ رهائن للصراع حول الإصلاح ، ولكنها تصبح إشكالية إذا كان معناها الضمني: نصلح ما هو موجود مهما كان حجم اختلاله ولا نعيد النظر في بنيته . إننا نفترض أنه في لحظة تاريخية محددة يغدو استمرار العجلة هو من صميم الأزمة. سيقول البعض أنه ليس كل تغيير جذري يكلل بالنجاح وهذا جائز نظريا وواقعيا ولكن هناك فرق بين التدرج في التنفيذ والتدرج في التفكير . يكمن أن تكون لدينا رؤية جذرية شاملة ولكن يقع تنفيذها تدريجيا.
إذن الرسالة التي أود التأكيد عليها لنفكّر في المنظومة كلها دفعة واحدة و لا بأس إن تدرجنا في التنفيذ. وما أقصده بالتفكير في المنظومة هو أن نشرع في وضع تصور متكامل للإنسان الذي نريد تكوينه ثم للمدرسة التي نريدها والمنهج الذي سنعتمده ومقاربات التقييم وآليات التكوين وبعد ذلك ننفذ على مراحل.أما أن يكون التدرج نفسه فلسفة إصلاح فهذا ما نقبله لأنه سينتهي بنا إلى ترميم أجزاء من بناء لم نسأل أنفسنا إن كان تصميمه له مقبولية الاصلاح. لذلك من واجبنا في غمار ما نطرح أن نوجّه سؤالنا الى السيد رئيس الجمهورية : أين فلسفة الإصلاح؟ ما الإنسان الذي نريد أن تخرّجه المدرسة التونسية؟ ما المواطن الذي نريد بناءه؟ ما علاقة التعليم بالهوية والثقافة والقيم والديمقراطية والمجتمع؟
لنتذكر إذن أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي والمؤشرات ...هي مجرد كفايات لكن الغاية الإنسانية والثقافية والوطنية للتعليم تبقى في الخلفية. لأجل ذلك نعتبر أن النقاط التي طرحها الصادق شعبان هي أقرب إلى إصلاح تقني ــ اقتصادي للتعليم منه إلى مشروع تربوي متكامل.
لو أردنا أن نكون منصفين لما حبّره الصادق شعبان ، فيجب أن نشير إلى أن نصه يحتوي على أفكار مهمة في الرقمنة وتكوين المدرسين والتعلم مدى الحياة والمرونة في الإصلاح والاستفادة من التجارب الدولية ...غير أن ضعفه الأساسي من وجهة نظرنا أنه ينطلق من المنظومة الموجودة ويبحث عن كيفية جعلها أكثر كفاءة ولا يبدأ من سؤال : ما إذا كانت هذه المنظومة نفسها تحتاج إلى إعادة تأسيس. هنا تحديدا تفوح رائحة البيروقراطية كنفس مجدد وأساس لمنطق الإصلاح.
#رضا_لاغة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟