|
|
المعري والإمام المنتظر
جوزيف تحوت
كاتب
(Jousseph Thouth)
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 15:17
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
يقول أبو العلاء المعري [اللزوميات: أبو العلاء المعري]:
يا مـلــوك الـبـلادِ، فُــزتـم بِـنَـسءِ الـــ ∴ عُـمُـر، والجَـوْر شـأنُـكــم فــي النّساء ما لـكـم لا تـرَوْنَ طُــرْقَ الـمـعــالـي، ∴ قــد يــزورُ الـهــيـجــاء زيــرُ نـســـاء يرتـجــي الـنـــــاسُ أن يـقــــومَ إمــامٌ ∴ نـاطــقٌ، فـي الـكــتـيـبـةِ الـخـــرْســاءِ كَـــــذَب الـظــنُّ، لا إمــام ســوى الـــ ∴ عـقـلِ، مشـيـراً فـي صُبـحـه والمـساءِ فــإذا مــا أطـــــعْــتَـهُ جَـــــــلَــب الـــ ∴ رحــمــةَ عـنــد الـمــسـيـر والإرسـاءِ إنــــمـا هــــذه الــمــــذاهـــبُ أســــبـا ∴ بٌ لـجــذب الــدنـيـا إلـى الـــرؤســـاءِ غـرضُ الـقــومِ مـتــعــةٌ، لا يَــرِقُّــــو ∴ نَ لــدمــعِ الشّــمّـاءِ والـخــنــــــــسـاءِ كــالذي قــامَ يـجــمـعُ الــزّنـجَ بالبصــ ∴ ــرةِ، والـقــرمــطــي بــالأحــــــســاءِ فــانـفــردْ مـا استطعت، فالقـائل الصا ∴ دقُ يُــضــحــي ثِـقــلاً عـلـى الجُـلَساء
يتكلم المعري في هذا النص عن الإمام المنتظر الذي يرتجي قيامه الناس، وليس من الضروري أن نفسر الإمام المنتظر بإمام غائب سيظهر في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا بعد ما ملئت جورا، كما تنبئنا بذلك الأساطير والأديان، بل الأولى في سياق النص أن نفسر الإمام المنتظر بمعنى أعم من ذلك، فالإمام المنتظر هو الإمام الذي ينتظر فيه الناس أن يصلح أحوالهم سواء أكان هذا الإمام إماما قائما ويمارس السلطة بالفعل، أم كان إماما مناوئا يستتبع الحشود في مواجهة السلطة ويعدهم بكل ما يفتقدونه من عدل وحرية ورخاء، أم كان إماما أسطوريا موعودا يحلم به الناس ويترقبون قدومه في آخر الزمان؛ يتناول المعري هذه القضية فيضع الإمام المنتظر في مواجهة العقل وقدرة الأفراد والجماعات على التفكير واتخاذ القرار من جهة، ويضع الأئمة في مواجهة طغيانهم ونزقهم وانتهازيتهم من جهة أخرى، ويضع الجماعات في مواجهة أحلامهم الواهمة من جهة ثالثة، فيبدأ قصيدته بتوجيه الخطاب للأئمة القائمين، فيقر لهم بما ظفروا به من زيادة في العمر، ويقرر عليهم جورهم في معاملة النساء، ثم يتساءل في حيرة وتعجب عن سر جمودهم في الظلم والملذات، فلا يتحولون عنها، ولا يجمعون إليها أي فضيلة تكفر عنها أو تخفف من وطأتها، حتى صاروا كأنهم محجوبين بالعمى عن كل طريق من شأنه أن ينتهي بهم إلى العلياء، فكانوا بجمودهم نتوءا شاذا في اطراد الكون القائم على التغير والتعدد، وهو ما عبر عنه المعري في صورة الهيجاء التي قد يزورها زير نساء؛ وبعد أن قرر المعري حقيقة الملوك القائمين يتوجه في خطابه إلى الجماعات ليواجه أوهامهم ويستفز ضمائرهم، فهم مشغولون عن واقعهم ومسئولياتهم الفردية والجماعية، غارقون في أحلامهم الواهمة بإمام يحمل عنهم أوزارهم ويعالج بالنيابة عنهم واقعهم المرير، تلك الأحلام التي تمادت في غيها وأملها وخضوعها وتنازلها حتى صارت تطلب إماما أي إمام دون شرط أو صفة ما دام قادرا على التكلم والتفكير والشعور بالنيابة عنهم، حتى صاروا محض آلة خرساء تحركها إرادة الإمام دون أن يكون لهم الحق في التعبير عن وجودهم أو شعورهم أو تفكيرهم، يتوجه المعري بالخطاب إليهم فيصدم أوهامهم في عنف بلا شفقة ولا تمهيد، فيكذب أحلامهم، وينفي الإمامة عن كل ما توهموه إماما، ليثبت العقل إماما أوحد لا شريك له، ويقرر حقه في الطاعة حقا شاملا لكل وقت وحين، تلك الطاعة التي تجلب الرحمة الشاملة لكل أحوال الإنسان متى تحققت تحققا تاما مخلصا؛ وبعد أن قرر المعري على الملوك انتهازيتهم، وعلى الرعية غفلتهم، يتوجه بخطابه إلى المذاهب العاملة والمؤثرة في وعي المجتمعات، فيفضح علاقتها المشبوهة بالسلطة، فكل سياسة لا تقوم في جوهرها على الاحتياجات الطبيعية للمحكومين تصطنع أو تغلب مذهبا يبرر وجودها واستمرارها ونفوذها في مقابل ما تقدمه لذلك المذهب من حسم لا يقوم على العلم أو الدين أو المنطق وإنما يقوم على رضى السلطة والاتصال بها، وكذا الشأن في كل اتجاه سياسي مناوئ يصطنع أو يرتبط بمذهب يبرر شرعيته ويغذي انتشاره في مقابل وعود التغليب على المذاهب الأخرى وعلى رأسها المذهب المرتبط بالسلطة القائمة، وبذلك يجرد المعري المذاهب من كل ما تدعيه لنفسها من أسس وأهداف دينية أو معرفية وينسبها إلى الحاجة البشرية المستعلية باسم الدين والمعرفة، تلك الحاجة التي تتمثل في كل متعة ممكنة لهم ولرؤسائهم، دون أن تأخذهم رأفة أو شفقة بالرعية التي تعاني تحت وطأتهم ووطأة نزواتهم، ولا يفرق المعري في الجور وطلب المتعة بين الأئمة القائمين في السلطة بالفعل والأئمة المناوئين كالقرمطي وصاحب الزنج، فالشأن واحد فيهم جميعا؛ وما دام الفساد والجمود قد عم في كل المتصلين بالسلطة من حكام ومعارضة ومذاهب، وما دام الناس غارقين في أحلامهم الواهمة يستثقلون من يحاول إيقاظهم من غفلتهم، فما من سبيل للشاعر ولكل من يملك القدرة على البصر والتمييز إلا التفرد ما استطاع إلى ذلك سبيلا... وسأقوم في الصفحات التالية بتحليل النص السابق من خلال المحاور التالية:
- دلالة الكلمات في النص. - توزيع القلة والكثرة في النص. - توزيع المسافات في النص. - توزيع الثبات والحركة في النص. - التنازع في الدلالة. - أي عقل يقصده المعري؟
- دلالة الكلمات في النص
تعمل الكلمات على تمييز العناصر المساهمة في صناعة الصورة اللغوية، وتتسع القدرة الدلالية للكلمة حتى تؤدي الصورة الذهنية لمعناها المباشر، بكل ما اتصل بهذه الصورة في نفوس المتلقين من انفعالات ومحيطات طبيعية لا توجد هذه الصور إلا ضمنها ومن خلالها، والكلمات التي يستخدمها الأديب في صناعة صورته اللغوية تنتمي إلى قسم من ثلاثة لا رابع لها: الاسم الدال على الحقيقة الثابتة، الفعل الدال على الحركة والتحول في الحقيقة الثابتة، الحرف الدال على معنى الفعل والمستخدم في الربط الذهني بين حقيقتين أو بين حركة وحقيقة أخرى، وسأتناول في هذا المحور من التحليل الكلمات التي لا تنطوي بدلالتها تحت المحاور الأخرى:
• "بِنَسءِ العُمُر"، المقصود بنسء العمر وهو تأخير الأجل، ويتحقق تأخير الأجل للحكام تحققا حقيقيا من خلال ما يتاح لهم من مقومات الجودة والاستمرارية في المأكل والمشرب والدواء والمسكن والملبس في مقابل الرعية التي لا يتاح لها ذلك فتقصر آجالها ويشيع الموت فيها؛ كما يتحقق تحققا مجازيا من خلال ما يتاح لهم من القدرة على إتمام كل ما تصبو إليه نفوسهم، فلما كثرت أفعالهم وتحققات رغائبهم صار ذلك بمثابة طول في أعمارهم وآجال تضاف إلى آجالهم، بخلاف عامة الناس الذين تنقضي آجالهم ولما ينجزوا شيئا مما صبت إليه نفوسهم ورهنوا به أعمارهم، فاستوت القضية في طول أعمارهم وقصرها بل في وجودهم وعدمهم، لما لم ينتج هذا الوجود وطول العمر إنجازا يدل على كونه، إن هذه النظرة تختزل عمر الإنسان في أفعاله، فالإنسان حي بقدر ما راكم من نتائج بارزة وخالدة في وجوده، ربما أراد المعري الدلالة الأولى أو الثانية فقط، وربما أراد الاثنين معا؛ ثم انظر إلى الحرف حرف الجر الذي عدَّى به المعري الفعل "فزتم" إلى "نسء العمر"، إنه حرف الباء الدال على الملاصقة، مما يُضَمِّنُ الفوزَ معنى القبض والظفر وغيره من كل ما لا تتحقق الملاصقة إلا به، وتدل الملاصقة على شدة التمكن من الشيء والظفر به.
• "والجَوْر شأنُكم في النّساء"، الشأن في لسان العرب هو الحال والأمر والخطب [لسان العرب: جمال الدين بن منظور]، فإن أشارت في النص إلى الحال كان معنى الكلام أن هؤلاء الملوك متلبسون بجورهم ولذتهم تلبس صاحب الحال والهيئة بحاله وهيئته؛ وإن أشارت إلى الأمر، فكثيرا ما تستعمل كلمة "الأمر" في الدلالة على معنى يقارب معنى الحقيقة والعين والفصل، تقول: "الأمر في هذه القضية" فيكون معناه: الحقيقة والفصل في هذه القضية، وتقول "غاية ما في الأمر"، فيكون معناه: غاية ما في عين الموضوع وحقيقته، ويكون المعنى في نص المعري أن هؤلاء الملوك ترسخ فيهم الجور في النساء حتى استحال من صفة عارضة إلى جوهر وحقيقة تقوم عليها صورهم، فشأنهم وحقيقتهم وجوهرهم ولبابهم هو الجور، وكأنهم جور في صورة ملوك وبشر؛ وإن أشارت كلمة "الشأن" إلى الخطب كان معناه أن هؤلاء الملوك لا خطب جليل لهم يحفزهم ويحركهم إلا الجور في النساء، فهو منتهى همتهم وهموهم وموضع الظفر والهزيمة والنعمة والكدر عندهم.
• "قد يزورُ الهيجاء زيرُ نساء"، استخدم المعري "قد" الدالة على القلة والندرة ليدل بها في النص على أن التعدد أو التحول قد يقع وإن كان قليلا أو قليلا جدا، وقد تدل "قد" على الكثرة وهو ما يتناسب مع السياق؛ وفي العبارة "جذب الدنيا إلى الرؤساءِ" استخدم المعري "إلى" الدالة على الغاية والتي تستخدم عادة حيث يكون ثمة مسافة ملحوظة بين البداية والنهاية، وهي تشير إلى جهود المذاهب في تقليص وإزالة المسافة الفاصلة بين الرؤساء وبين الملذات، لتمكن الحكام من الدنيا بكل ما تشتمل عليه من متع وملذات؛ وفي العبارة "ثِقلاً على الجُلَساء" ربط المعري كلمة "ثقلا" بكلمة "الجلساء" باستخدام حرف الجر "على" الدال على استعلاء الشيء فوق الشيء وقيامه عليه، ليشير بها إلى الضغط الذي يشعر به الجلساء إزاء القائل الصادق حتى كأنه قائم فوقهم يضغطهم نحو الأرض.
توزيع القلة والكثرة في النص
يعمد الأديب إلى تحقيق الكثافة والكثرة في مواطن والخفة والقلة في مواطن أخرى داخل صورته اللغوية، مما يحقق في صورته معاني الشمول والانحصار، والشيوع والتفرد، والانتشار والتركز، والانتشار والندرة، والقانون العام والعرض الخاص...؛ واعتمد المعري في توزيع القلة والكثرة داخل صورته اللغوية على الصيغ العددية (الإفراد - التثنية - الجمع) والتضاد والتعريف والتنكير والقصر، وسأتناول في السطور التالية هذه الاستخدامات بشيء من التفصيل:
• "ملوك البلادِ"، استخدم المعري في توجيه خطابه للملوك صيغة الجمع (الملوك - البلاد)؛ ليشير بذلك إلى أن خطابه لا يعالج حالة فردية متعلقة بحاكم بعينه في بلد بعينه، وإنما يعالج عرضا عاما انتشر في كل الأقطار التي خبرها الشاعر حتى صار سنة ثابتة تتحدد بها طبيعة الملك والملوك؛ وكذلك الجمع في الكلمات: المذاهبُ، أسبابٌ، الرؤساءِ، يشير إلى أن الارتباط بين الفئة الحاكمة والمذهب ليس عرضا قائما في بلد بعينه، أو من جهة اتجاه سياسي بعينه، وإنما هو قضية عامة في كل المذاهب والاتجاهات السياسية، تتكرر في كل الأقطار.
• "طُرْقَ المعالي" - "الجور شأنهم"، "غرض القوم متعة"، استخدم المعري الجمع في "طرق المعالي" في مقابل الإفراد في "الجور شأنهم"، "غرض القوم متعة"؛ ليدل على كثرة الطرق التي من شأنها أن تنتهي بالملوك إلى العلياء إن هم سلكوها وجدوا في بلوغ منتهاها في مقابل الغاية الضيقة التي حصروا أنفسهم فيها ورفضوا العدول عنها، والتي لا تتجاوز المتعة واللذة.
• "يرتجي الناسُ أن يقومَ إمامٌ"، استخدم المعري الإفراد في الدلالة على الإمام الذي يرتجيه الناس، ليشير به إلى النزوع المتأصل في نفس الفرد والجماعة ذاتها إلى الاستبداد وتركيز السلطات، فلطالما مالت الثقافة العربية إلى نبذ الاختلاف والنظر إليه كمصدر للشقاق والفرقة والنزاع، لا كمصدر للتنوع والثراء وتعزيز فرص التكامل، لذلك تميل المجتمعات قبل حكامها إلى حصر أدوات الحكم في شخص واحد مفرد هو الإمام، كي يكون قادرا على إنفاذ إرادته بكل ما تحمل من مشاعر وأفكار بعيدا عن الشقاق والنزاع المؤدي إلى الضعف وشل القدرة على اتخاذ القرار.
• "فانفردْ ما استطعت" - "الجُلَساء"، وجه المعري الأمر بالانفراد إلى الواحد المخاطب لا الجمع؛ ليدل به على قلة أو ندرة القادرين على رؤية الواقع المضطرب على مستوى الحاكمين والمحكومين وعلى الفكاك من براثنه، وذلك في مقابل استخدام الجمع "الجلساء" في الدلالة على الجماهير التي تستثقل قول الناطق الصادق؛ ليدل به على كثرة المغيبين العاجزين عن رؤية واقعهم بكل ما يحمله من أمارات التفكك والاضطراب، بل والرافضين لكل من يذكرهم بواقعهم الأليم لما قد يثيره في نفوسهم من شعور بالألم وفي ضمائرهم من شعور بالمسئولية والإلزام.
• "قد يزورُ الهيجاء زيرُ نساء"، استخدم المعري التضاد بين الهيجاء الدالة على أقصى ما يكون من البؤس والألم وزيارة النساء الدالة على أقصى ما يكون من اللذة والنعيم؛ ليدل به على إمكانية الجمع بين الضدين (مطاردة اللذات الفردية - مواجهة الموت لأجل الجماعة) في إنسان واحد "زير النساء"، ويأتي هذا الجمع بين الضدين بعد الاستفهام "ما لكم لا ترون طرق المعالي" الذي يعبر فيه الشاعر عن دهشته وتعجبه من انحصار الأئمة في غاية واحدة وهي التلذذ بالنساء وعدم قابليتهم للجمع بينها وبين أي فضيلة أخرى؛ مما يقيم في النص تضادا أكبر بين حال زير النساء الذي يجمع بين اللذة والحرب وحال الأئمة الذين يرفضون أي تعدد أو تنوع في الصفات والأفعال، وهذا التضاد بدوره يضخم معنى الانحصار في الأئمة من خلال مقابلته بالتنوع الحاد في زير النساء كما يضخم معنى التنوع في زير النساء من خلال مقابلته بالانحصار الحاد في الأئمة، ويُخَلِّصُ زير النساء من الدلالة على حالة فردية عارضة إلى الدلالة على التعدد والتنوع كسنة كونية راسخة تعارض الأئمة في انحصارهم وتفردهم، فالشاعر يقول من خلال هذه المقابلة: ما بال هؤلاء الأئمة لا يجمعون إلى لهوهم وتلذذهم أي فضيلة أو عمل صالح رغم أن كل شيء في هذا الكون يقوم على التعدد والتنوع حتى زير النساء لا يقيم على نسائه ويرفض الذهاب إلى الحرب؟
• "مشيرا في صبحه والمساء"، استخدم المعري التضاد بين صبحه والمساء؛ ليدل به على حق العقل الشامل في الإمامة والتوجه، فالإنسان ينبغي أن يستشير عقله ويرجع إليه في كل وقت وحين؛ كما استخدم المعري التضاد في قوله "جلب الرحمة عند المسير والإرساء" ليدل به على شمول الرحمة التي يجلبها العقل لكل أحوال الإنسان في حركته "المسير" وسكونه "الإرساء"، ويؤكد المعري معنى الشمول في الرحمة التي يجلبها العقل من خلال تعريف "المسير والإرساء" بأل التعريفية الدالة على شمول أفراد الجنس، ليدل بها على أن الرحمة التي يجلبها العقل لا تشمل مسيرا دون مسير ولا إرساء دون إرساء، وإنما هي تشمل كل مسير وإرساء يتأتى في سيرورة الإنسان؛ كما يؤكده من خلال تعريف "الرحمة" بأل التعريفية الدالة على الشمول والعموم، ليدل بها على أن الرحمة التي يجلبها العقل لا تشمل مظهرا دون مظهر، وإنما تشمل كل ما يتأتى في الرحمة من مظاهر، وقد تكون "ال" هنا للدلالة على الحقيقة والجوهر، فيكون معنى الكلام أن العقل لا يجلب عرضا طارئا من أعراض الرحمة، وإنما يجلب جوهر الرحمة ولبها وخالصها؛ ويؤدي التضاد معنى الشمول والعموم لأنه يعبر عن الكل من خلال الإلمام والجمع بين طرفيه.
• "إنما هذه المذاهب أسباب"، ويتسق التنكير في كلمة "أسباب" مع الشعور فيها بالتحقير والضعة، وهو الشعور الناتج عن وضع ما تفيده العبارة "أسباب لجذب الدنيا إلى الرؤساء" في مقابلة ما ينبغي أن تكون عليه المذاهب، وفي مقابلة صورتها العالقة في الذهن كبنى دينية مقدسة ومعرفية مثبتة، مما يولد الشعور بالضعة والاستحقار كنتاج لهذه المقارنة، والتنكير يتسق مع هذا الشعور ويؤيده ويعزز وجوده في النص، فيكون بذلك بمثابة النص والتصريح على ما أفاده السياق إشارة وتلميحا.
• "لجذب الدنيا إلى الرؤساء"، عرف المعري كلمة "الدنيا" الدالة على الملذات بأل التعريفية الدالة على الحقيقة والجوهر؛ ليدل بها على أن المذاهب لا تهيئ للرؤساء مظاهر وأعراضا من اللذة الزائفة المبهرجة، وإنما تهيئ لهم حائق الملذات في كامل جودتها ونقائها، وقد تفيد أل التعريفية هنا الشمول والاستغراق المجازيين، فتدل على أن المذاهب تجذب للملوك كل دنيا، أي: كامل الدنيا بكل ما تحويه من ملذات.
• "غرض القوم متعة"، نكَّر المعري كلمة "متعة" ليدل بها على أن الرؤساء والمذاهب لم يكتفوا بالظفر بأعيان المتع وحقائقها حتى صاروا يطاردون كل متعة وأيِّ متعة مهما كانت بسيطة أو صغيرة أو غريبة؛ وكذلك التنكير في كلمة "إمام" يشير إلى أن الرعية قد بالغت في خضوعها وتنازلها حتى صارت تطلب إماما أيَّ إمام دون شرط أو صفة ما دام قادرا على التكلم والتفكير والشعور بالنيابة عنهم، دون أن يكون لهم أدنى حق في تحديد أو توقُّع صفته؛ وعلى العكس من ذلك تعريف كلمة "الجور" في العبارة "الجور شأنكم في النساء"، إذ يدل التعريف على جوهر الجور وحقيقته، فهؤلاء الملوك لم يتلبسوا بعرض ظاهر من مظاهر الجور وإنما تلبسوا بخالصه ولبابه.
• "إنما هذه المذاهب أسباب"، قصر المعري المذاهب على كونها أسبابا لجذب الدنيا إلى الرؤساء، ليجردها من كل ما تدعيه لنفسها من أسس معرفية ودينية وينسبها فقط إلى الحاجة الدنيوية المستعلية باسم الدين والمعرفة، ولا غرابة في ذلك عن المعري مع ما عرف من عدائه مع المذاهب القائمة في عصره؛ كما لجأ إلى القصر في قوله "والجور شأنكم في النساء" ليدل على أن الملوك لا يقيمون معاملتهم للنساء إلا على الجور؛ كما استخدم المعري القصر في قوله "لا إمام سوى العقل"، واستخدم في نفي الإمامة النكرة "إمام" الواقعة في سياق لا النافية للجنس ليستغرق النفي كل ما قد تتوهمه الرعية إماما أيا كانت صورته وأيا كان عدده، فيثبت بذلك العقل إماما أوحد لا شريك له.
توزيع المسافات في النص
يعمد الأديب في صناعة صورته الأدبية إلى توزيع المسافات، أي: تحديد الاتصال والانفصال والقرب والبعد بين العناصر المساهمة في إنتاج الصورة اللغوية في النص، ويستخدم المنشئ في ذلك الفروق البلاغية التي قضت بها اللغة بين الأدوات التعبيرية أو الإيحاءات المباشرة للكلمات، ويحرص المعري في نصه على توزيع المسافات بين الحكام والمحكومين، بين الحكام والملذات، بين الحكام والفضائل، بين المحكومين والمذاهب بعناية بالغة الدقة، توزيعا اعتمد فيه على الأدوات التعبيرية والكلمات الموحية معا، ومن ذلك:
• "يا ملوك البلاد"، استخدم المعري الأداة المستخدمة في نداء البعيد "يا" ليوجه خطابه كفرد من الرعية وناطق باسمها إلى الملوك، لينص بذلك على الشعور بالبعد والفجوة بين الحكام والمحكومين، فالمحكومون لا يشعرون بدنو الحكام منهم ولا بحضورهم معهم في واقعهم وفيما يعانونه في معاشهم من أحزان وبؤس، وإنما يشعرون أن الملوك محجوبون عنهم خلف حجب من الغفلة والملذات والأثرة، فالمسافة هنا هي المسافة الفاصلة بين الحكام في شعورهم وتفكيرهم وفعالهم وبين المحكومين في واقعهم ومآسيهم.
• "ما لكم لا ترون طرق المعالي"، استخدم المعري الفعل المنفي "لا ترون" ليجسد من خلال الرؤية المنفية عنهم، أي: العمى، الحجابَ الكثيفَ الفاصل بينهم وبين الطرق العديدة التي من شأنها أن تنتهي بهم إلى الفضائل والمعالي، فيؤكد بذلك جمودهم واستحالة تحولهم عن اللذة والغفلة، فأنى لهم أن يخوضوا سبلا لا يبصرونها مهما تعددت أو كثرت؟
• "ناطقٌ في الكتيبةِ الخرْساء"، استخدم المعري التضاد بين الكلمتين: "ناطق" الدالة على صفة الإمام، "الخرساء" الدالة على صفة الكتيبة، أي: الرعية التي تحتشد في طاعة الإمام احتشاد الجند في قيادة قائدهم؛ ليدل من خلال هذا التضاد على الهوة الفاصلة بين الإمام ورعيته، ليس فقط في الحقوق بل في مستوى الوجود أيضا، فالنطق هو مظهر الوجود بكل ما يحمله من قدرات الحس والشعور والتفكير ومن حقوق الإرادة واتخاذ القرار، وسواء أكان المراد بنفي النطق عنهم نفي مضامين وجودهم التي تعلن عن نفسها في النطق أم كان المراد بنفي النطق عنهم نفي حقهم أو قدرتهم في مجرد التعبير عن تلك المضامين دون أن يتجاوز النفي التعبير إلى ما يعلن عنه من مضامين وجودهم، فإن النتيجة في الحالتين سواء، فما قيمة وجود لا يتجاوز الحنجرة؟ إن وصف الإمام بالناطق في مقابل الكتيبة الخرساء لا يعني أنه يتمتع بالحق الذي حرمت منه رعيته، بل يعني أن حقوق الرعية قد صُودِرَت لصالح طغيانه واستبداده، لئلا يملك أحدهم الحق في الإعلان عن وجود أو شعور أو تفكير مخالف لوجود أو شعور أو تفكير الإمام، أو يعلن عن حق في الوجود مخالف لحق الإمام في الملذات، فصاروا بذلك محض آلة خرساء تحركها إرادة الإمام، بعد أن حل شعوره وتفكيره ورغبته محل حقهم في الشعور والتفكير واتخاذ القرار؛ مما يكشف الهوة الفاصلة بين مستوى وجوده ووجودهم، ويعمق الشعور بالحجاب الكثيف الفاصل بينه وبينهم.
• "إنما هذه المذاهبُ أسباب"، استخدم المعري الاسم المستخدم في الإشارة إلى القريب "هذه" ليشير به إلى المذاهب التي يصفها للمتلقين من بني زمانه؛ ليبين لهم أنه إنما يتكلم عن المذاهب الحاضرة التي يألفونها ويعايشونها ويتلقون خطاباتها كل حين في واقعهم، والتي تعمل وتؤثر في تشكيل وعيهم بهذا الواقع، فلا يترك لهم فرصة للظن بأنه من باب الترف الفكري يتكلم عن أشياء بعيدة غريبة لا ينبغي أن يلقوا لها بالا، ويؤيد الدلالة على الحضور والألفة في النص السابق استخدام أل التعريفية الدالة العهد، وكأن المنشئ يقول لهم من خلال هذه الأداة: هذه المذاهب التي تعهدونها وتعرفونها في واقعكم؛ هذا، ولا تكون الإشارة إلا للمادي القابل للإحاطة به في أفق الحاسة وهو ما لا ينطبق على المذاهب، وإنما استخدمها الشاعر هنا ليشير إلى ما تتجسم فيه المذاهب في أذهان المتلقين من صور واقعية وممارسات حية في سلوك البشر.
توزيع الثبات والحركة في النص
ولنفهم توزيع الثبات والحركة في النص لا بد أن نشير أولا إلى أن الحركة لا تتحقق في الواقع إلا ضمن متصل زماني يتكون من بداية واطراد ونهاية، وقد تتكرر هذه الحركة فيتكرر المتصل الزماني الخاص بها، وبذلك يصبح لدينا خمس نقاط يمكن تسميتها بالنقاط الزمانية، وهي: السكون، البدء، الاطراد، النهاية، التجدد؛ ويعمد الأديب إلى توزيع هذه النقاط الزمانية الخمس داخل صورته اللغوية ليعبر بها عن العديد من المعاني الفنية، فالسكون يعبر عن معاني الهدوء والثبات والاستقرار والاطراد الطبيعي للمتغيرات والموات والجمود والعجز والتحيز والخروج من الزمان...، والبدء يعبر عن معاني التحول والتغير والملاحظة والانفجار...، والاطراد يعبر عن معاني المعاناة والمعاصرة والمشاهدة ضمن مستويات الحس والتصور والشعور كما يعبر عن معاني النمو والتطور والتدفق والحياة...، والنهاية تعبر عن معاني التحقق والانقضاء والتمام واستيفاء كافة القوى والدوافع التي من شأنها أن تجدد الحدث والتناهي والانتهاء والنضوب والجدب... وقد استخدم المعري الصيغ الاسمية (اسم الفاعل، صيغة المبالغة، الجملة الاسمية) الدالة على الثبوت والدوام ليدل بها على الجمود والرغبة عن التغيُّر، كما استخدم التضاد ليدل به على التحول العنيف من النقيض إلى النقيض، كما استخدم الفعل الماضي الدال على التحقق والانقطاع ليدل به على استيفاء الحركة في التحقق أقصى ما يتاح لها ضمن الدواعي والإمكانيات التي أنتجتها حتى لا مجال بعد لمزيد طلب أو حدوث، كما استخدم الفعل المضارع الدال على التجدد ليدل به على تكرار الحدوث المرة بعد المرة في دورة أبدية لا يبدو لها انقطاع، وسأتناول في السطور التالية هذه الاستخدامات بشيء من التفصيل:
• "ما لكم لا ترَوْنَ طُرْقَ المعالي"، استخدم المعري في سياق النفي الفعل المضارع "ترون" الدال على مجرد التجدد والحدوث دون الفعل الماضي الدال على تحقق الفعل وبلوغه منتهاه وغايته، ليدل به على أن الرؤيا لا تبدأ منهم أصلا فضلا عن أن تبلغ تمامها ومنتهاها؛ مما يؤكد ويكثف حجب الغفلة المضروبة عليهم؛ ويمكنك أن تقول مثل ذلك في العبارة "لا يرقون لدمع الشماء والخنساء".
• "يرتجي الناسُ أن يقومَ إمامٌ"، استخدم المعري في الدلالة على حدوث الرجاء من الرعية الفعل المضارع "يرتجي" الدال على التجدد والتكرار، ليدل به على تكرار الرجاء منهم المرة بعد المرة مهما أنتج من نتائج خاطئة أو محبطة، ففي كل مرة يرتجي الناس فيها إماما إما أن ينتج رجاؤهم فيه إماما متغلبا لا هم له إلا الملذات وإما أن ينتج رجاؤهم فيه إماما مناوئا ينشر الفوضى والقتل باسم الدين ومناهضة الظلم كالقرمطي وصاحب الزنج، ومهما حدث ما من شأنه أن يوقظهم من غفلتهم عادوا إلى رجائهم الحالم المرة بعد المرة؛ مما يؤكد إفراطهم في غفلتهم وعدم تعلمهم من أخطائهم.
• "فإذا ما أطعْتَهُ جَلَب الرحمةَ"، استخدم المعري في الدلالة على الطاعة الفعل الماضي "أطعته" الدال على التحقق والانقطاع؛ ليدل به على أن الجواب "جلب الرحمة" لا يتحقق بمجرد حدوث الطاعة دون قيد أو شرط، بل لا بد أن تبلغ الطاعة أقصى ما يتأتى فيها من الكمال والشمول حتى تبلغ الحد الذي تنقطع عنده الجهود، فلا مجال بعد لمزيد طلب أو حدوث، كما استخدم في الدلالة على جلب الرحمة من قبل العقل الفعل الماضي "جلب"؛ ليدل به على أن العقل إذا ما تحققت له الطاعة الكاملة والشاملة لم يجلب الرحمة جلبا ناقصا أو متقطعا، وإنما يبلغ في جلبها أقصى ما يتأتى فيه حتى يبلغ بهذا الجلب الغاية النهائية التي تنقطع عندها الجهود؛ ويمكنك أن تقول مثل ذلك في العبارتين: "فُزتم بِنَسءِ العُمُر"، "كَذَب الظنُّ".
• "إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ.."، استخدم المعري صيغة الجملة الاسمية في الدلالة على اتصاف المذاهب بالوسائل والأسباب المهيأة لتمكين الملوك من الدنيا بكل ما اشتملت عليه من ملذات؛ ليدل على ثبات المذاهب على صفتها، فهي لا تقوم على تهيئة الدنيا للملوك تارة، وعلى طلب العلم والحقيقة الدينية أو المعرفية تارة أخرى، بل هي جامدة على خدمة الملوك لا تنفك عن خدمتها ولا تفارقها؛ ويمكنك أن تقول مثل ذلك في العبارتين: "والجَوْر شأنُكم في النّساء"، "غرضُ القومِ متعةٌ".
• "فانفرد ما استطعت" استخدم المعري الفعل الماضي "استطعت" الدال على التحقق والانقطاع في الدلالة على القدرة على الانفراد، ليدل على أن الانفراد لا يتحقق بمجرد طلبه أو محاولته، بل لا بد من تمام القدرة والاستطاعة عليه؛ مما يشير إلى صعوبة الانفراد والفكاك من المجتمع والحاكمين معا.
• "قد يزورُ الهيجاء زيرُ نساء"، استخدم المعري التضاد بين الهيجاء الدالة على أقصى ما يكون من البؤس والألم وزيارة النساء الدالة على أقصى ما يكون من اللذة والنعيم؛ ليعبر به عن التحول الحاد والعنيف من مطاردة اللذات الفردية إلى مواجهة الموت لأجل الجماعة، ويأتي هذا التضاد بعد الاستفهام "ما لكم لا ترون طرق المعالي" الذي يعبر فيه الشاعر عن دهشته وتعجبه من جمود الأئمة وعدم قابليتهم للتحول عن الملذات؛ مما يقيم في النص تضادا أكبر بين حال زير النساء الذي تحول عن اللذة إلى الحرب وحال الأئمة الذين يرفضون أي تحول، وهذا التضاد بدوره يضخم معنى الجمود في الأئمة من خلال مقابلته بالتحول الحاد في زير النساء كما يضخم معنى التحول في زير النساء من خلال مقابلته بالجمود الحاد في الأئمة، ويخَلِّصُ زير النساء من الدلالة على حالة فردية عارضة إلى الدلالة على التغير والتحول كسنة كونية راسخة تعارض الأئمة في جمودهم وتحجرهم، فالشاعر يقول من خلال هذه المقابلة: ما بال هؤلاء الأئمة لا يتغيرون ولا يتحولون رغم أن كل شيء في هذا الكون يتغير ويتحول حتى زير النساء قد يتحول عن اللذة إلى الحرب؟ التنازع في الدلالة
• "قد يزورُ الهيجاء زيرُ نساء"، تحقق التضاد في هذا النص من خلال الجمع بين الهيجاء الدالة على أقصى ما يكون من البؤس والألم وزيارة النساء الدالة على أقصى ما يكون من اللذة والنعيم، ويمكن تفسير هذا التضاد ضمن وجهين اثنين: يتمثل الوجه الأول منهما في التعدد والتنوع، ويرتكز هذا الوجه على صيغة المبالغة "زير نساء" الدالة على الثبوت والمبالغة في الصفة، وهذا يعني أن زير النساء حتى عندما يزور الحرب لا يكف في الذهن عن اتصافه بزير نساء؛ مما يعني أنه يجمع هذا في اللحظة بين صفتين اثنتين (زيارة النساء - خوض الحرب)؛ مما يؤكد معنى التعدد والتنوع، ويصبح الاستفهام السابق على التضاد "ما لكم لا ترون طرق المعالي" تعبيرا عن الدهشة والحيرة من انحصار الأئمة وعدم قابليتهم للتعدد والتنوع في الصفات والأفعال، ويصبح التضاد بين الزير والأئمة تضادا في القابلية للتعدد والتنوع، والجمع في "طرق المعالي" يؤيد هذا الوجه من التفسير، فهم يحجمون عن الكثرة ولا يرونها في مقابل الضيق الذي هم مقيمون فيه؛ أما الوجه الثاني فيتمثل في التحول والتغير، ويرتكز هذا الوجه على التحول السلوكي في الواقع: ففي لحظة الحرب يكف زير النساء عن زيارة النساء ويتحول إلى الحرب؛ مما يعزز من معنى التحول والتغير، ويصبح الاستفهام السابق على التضاد "ما لكم لا ترون طرق المعالي" تعبيرا عن الدهشة والحيرة من جمود الأئمة وعدم قابليتهم للتحول عن الملذات، ويصبح التضاد بين الزير والأئمة تضادا في القابلية للتحول والتغير، ويتفق هذا الوجه مع الطابع العام للقصيدة، فالقصيدة في كليتها تؤكد معنى الجمود كمرض أصاب الواقع الذي يجسده الشاعر في النص، في مواجهة التحول كسنة كونية تتجلى في صورة زير النساء من جهة، وفي محاولة الشاعر تحويل السلطة من الأئمة إلى العقل من جهة أخرى، ويتجسد الجمود في الصورة اللغوية التي يرسمها الشاعر من خلال الصيغ الاسمية التي تشيع في النص "الجَوْر شأنُكم في النّساء"، "زير نساء"، "إمام"، "ناطق"، "الخرساء"، "إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ"، "الرؤساء"، "غرضُ القومِ متعةٌ"، "القائل"، "الجلساء"، كما يتجسد من خلال تكرار ذات الدورة من الأسباب والنتائج مع العجز عن الفكاك منها، وهو ما يعبر عنه الشاعر في قوله "يرتجي الناس أن يقوم إمام" الدالة على تجدد الارتجاء كلما تجددت الخيبة في الإمام المرتجى المرة بعد المرة.
أي عقل يقصده المعري؟
أي عقل يقصده المعري؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يطرحه علينا النص، يقول المعري: "لا إمام سوى العقل"، فما نوع أل التعريفية في كلمة "العقل"؟ أهي أل الدالة على العموم والشمول فيكون معناها أن كل عقل إمام على صاحبه بالطبع، وأن كل إنسان لا ينبغي أن يأتَمَّ إلا بعقله المفرد؟ فإن كان كذلك ألن ينتهي بنا ذلك إلى ضرب من الفوضى؟ ألسنا كأفراد مختلفين في تجاربنا وفيما ينتج عن تفسيراتنا لتجاربنا من أحكام ومعايير وتقييمات؟ أم هي أل الدالة على الحقيقة والجوهر فيكون معناها أننا جميعا كأفراد وجماعات ملزمون باتباع جوهر العقل وحقيقته ولبابه بعيدا عما قد يعرض عليه من انحرافات؟ فإن كان كذلك فما هي الجهة المسئولة عن تحديد جوهر العقل؟ أهي المؤسسات المعرفية للدولة بكل ما قد يتراكم فيها من حسابات المصلحة وضرورات الإدارة؟ أم هو الدين؟ فإن كان الدين، فضمن أي تفسير؟ وضمن أي مذهب؟ وضمن أي تأويل؟ وضمن أي اتجاه؟ دين هذا أم دين ذاك من المفسرين؟ إن قصيدة المعري تسلمنا للتساؤل أكثر مما تسلمنا للجواب، ومع ذلك لا يسعني إلا أن أضم صوتي إلى صوت المعري، فالعقل ليس خيارا أو فضيلة يمكن الكف عنها، لا يمكننا أن نعطله أو نعزله أو نتخلى عنه أو ننفصل عنه أو أن نوجد أو أن يوجد العالم خارجه، إنه ضرورة لا نوجد ولا يوجد العالم إلا ضمنها ومن خلالها، وإن الدعوة إلى تعطيل العقل لن تعطله ولكنها ستدفعه إلى العمل في الخفاء، سيظل يعمل ولكن بشكل غير واع وغير مراقب وغير مفهوم أو متوقع في سيرورته وتطوره ونتائجه، فينتج لنا نصا أو تفسيرا مُدمِّرًا في غفلة من الزمان.
#جوزيف_تحوت (هاشتاغ)
Jousseph_Thouth#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحقيقة بين الحضور والانزياح
-
الكلمة والحقيقة
-
السياق والكلمة
-
تطور المعرفة من الحدس إلى النص
-
ستة متجولين في روما نسخة معدلة
-
البلاغة القديمة كدراسة للعلاقة بين النص والعقل والواقع
-
البلاغة الجديدة والمعرفة بالله
-
قطعة الجبن لا تكون هي أبدا
-
البلاغة الجديدة
-
ستة متجولين في روما
المزيد.....
-
أول تعليق من كوريا الشمالية على إعلان ترامب عن -التواصل- مع
...
-
روسيا.. استخراج إبرة خياطة من معدة مراهق
-
عواقب وضع الطعام الساخن في الثلاجة
-
روسيا والصين تتحدان ضد مخططات الولايات المتحدة واليابان في آ
...
-
المهاجرون المغاربة غير الشرعيين عالقون في سبتة
-
أنقرة في مأزق مع واشنطن: صواريخ إس-400 تعمل
-
مغامرة ترامب الإيرانية في سياقها التاريخي
-
شركات النفط الغربية الأكبر تحصي أرباحها من الحرب الإيرانية
-
الصين.. إرسال صورة عبر قناة اتصال كمومي بتقنية النقل الآني
-
مارينا العلمين تستعد لاستقبال الزائرين.. مشروع لتطوير المنطق
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|