الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي
(Altaib Abdsalam)
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 12:20
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
من نظرية الأوتار الفائقة إلى فهم هوية الفرد
لوقت طويل، بُني التصور الفيزيائي للمادة على فكرة أن العالم يتكون من جسيمات أساسية يمكن النظر إليها بوصفها وحدات صغيرة، محددة، ومنفصلة عن بعضها بعضًا؛ نقاطًا مادية لا تحتاج في تعريفها إلى أكثر من تحديد موقعها وخصائصها. لكن تاريخ الفيزياء الحديثة كان، في جانب منه، تاريخًا متواصلًا لانهيار هذه الصورة البسيطة. فكلما توغلت الفيزياء في بنية المادة، بدا أن ما نطلق عليه «الشيء» أقل صلابة مما توحي به حواسنا، وأن الواقع الفيزيائي لا يشبه عالم الأجسام الصغيرة التي تتحرك داخل فراغ كما تخيلته الفيزياء الكلاسيكية. في ميكانيكا الكم، لم يعد الجسيم كيانًا كلاسيكيًا يمكن تصور خصائصه بالطريقة نفسها التي نتصور بها كرة صغيرة، وفي نظرية الحقول الكمومية أصبحت الجسيمات تُفهم بوصفها إثارات للحقول الأساسية. ثم جاءت نظرية الأوتار، في محاولتها تقديم إطار يمكن أن يجمع بين ميكانيكا الكم والجاذبية، باقتراح صورة أكثر جذرية للبنية الأساسية: بدل أن تكون اللبنات الأولية للكون جسيمات نقطية بلا امتداد، يمكن أن تكون كيانات أحادية البعد تشبه أوتارًا متناهية الصغر، وأن تختلف الجسيمات التي نعرفها تبعًا لأنماط الاهتزاز التي تتخذها هذه الأوتار. في هذا التصور لا يكون الاختلاف بين جسيم وآخر اختلافًا بين «أشياء» مختلفة بالمعنى البسيط، وإنما اختلافًا في **نمط الاهتزاز** لكيان أساسي. الإلكترون، والكوارك، والفوتون، وغيرها من الجسيمات التي تظهر في النموذج الفيزيائي، لا تُفهم هنا باعتبارها أجسامًا أولية منفصلة بالضرورة، وإنما باعتبارها مظاهر أو أنماطًا مختلفة لنظام أكثر أساسية. وفي الصيغ الفائقة من نظرية الأوتار، أي نظرية الأوتار الفائقة، يُضاف التناظر الفائق إلى البناء النظري، وتظهر أبعاد إضافية في الصياغة الرياضية، بينما تحاول النظرية أن تقدم إطارًا موحدًا تتصل فيه الجاذبية بالوصف الكمومي للمادة والقوى. وهذه النظرية، رغم جمالها الرياضي وعمقها المفاهيمي، ما تزال إطارًا نظريًا غير مثبت تجريبيًا بصورة حاسمة، ولذلك فإن الانتقال منها إلى الفلسفة يجب ألا يكون انتقالًا من «حقيقة علمية» إلى «حقيقة عن الإنسان»، وإنما انتقالًا من **صورة علمية للكون إلى استعارة فلسفية عن طبيعة الوجود**. وما يجعل هذه الصورة مثيرة فلسفيًا ليس مجرد وجود أوتار متناهية الصغر، بل الفكرة الكامنة وراءها: أن الشيء الذي يظهر لنا بوصفه كيانًا مستقلًا قد لا تكون هويته الأساسية منفصلة عن الطريقة التي يتحرك بها. إن الوتر لا يحمل «الجسيم» بداخله كما تحمل العلبة شيئًا، وإنما يظهر الجسيم من نمط معين من اهتزاز الوتر. أي أن **الهوية هنا لا تنفصل عن الحركة**. الشيء لا يكون ما هو عليه ثم يهتز؛ بل يظهر على هيئة ما هو عليه من خلال اهتزازه. ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ السؤال الفلسفي: ماذا لو لم تكن الحركة صفة تطرأ على الوجود بعد وجوده، وإنما كانت الحركة نفسها أحد شروط ظهوره؟ ماذا لو كان الثبات الذي نراه في العالم مجرد استقرار مؤقت لنمط من الحركة المستمرة؟ عندها لا يعود «الشيء» هو الوحدة الأساسية التي ينبغي أن نبدأ منها، بل يصبح النمط الذي تتخذه الصيرورة في لحظة معينة. وهذه النقلة، رغم أنها لا تأتي من الفيزياء بوصفها استنتاجًا فلسفيًا، تمنحنا طريقة مختلفة تمامًا للنظر إلى الكينونة: ربما لا يكون الوجود مؤلفًا من أشياء تتحرك، بقدر ما يكون مؤلفًا من **حركات تظهر لنا في صورة أشياء**.
## حين يصبح الاهتزاز هو الكينونة
تكمن قوة هذه الصورة في أنها تقلب العلاقة التقليدية بين الكينونة والحركة. في التصور المألوف، هناك شيء موجود أولًا، ثم يتحرك، ثم يتغير، ثم يعود إلى حالة أخرى. أما إذا أخذنا الصيرورة بجدية، فإن السؤال يصبح مختلفًا: ربما لا توجد «حالة أصلية» خلف الحركة، وإنما الحركة هي التي تنتج الحالات التي نستطيع إدراكها. عندئذ يصبح الثبات لحظة خاصة داخل التغير، وليس التغير استثناءً داخل الثبات. ما نسميه «حالة» ليس إلا مقطعًا من عملية أطول، وما نسميه «هوية» ليس إلا استقرارًا نسبيًا لنمط معين من العلاقات. وهذا يغير حتى الطريقة التي نفهم بها كلمة «وجود». فبدل أن نسأل: ما الذي يوجد؟ يمكن أن نسأل: **كيف يصير ما يوجد؟** وبدل أن نبحث عن الجوهر الذي يبقى ثابتًا خلف التحولات، يمكن أن نبحث عن النمط الذي يستمر من خلال التحولات. إن الصيرورة هنا ليست انتقالًا من حالة إلى حالة، وإنما هي البنية التي تجعل الحالات نفسها ممكنة. ولذلك فإن كل محاولة لتجميد الوجود في تعريف نهائي تحمل في داخلها قدرًا من الوهم؛ لأننا نأخذ لحظة من الحركة ونمنحها اسمًا، ثم ننسى أن الاسم لم يكن سوى لقطة للواقع.
## وهم الحالة
نحن مضطرون إلى التفكير من خلال المفاهيم، والمفاهيم بطبيعتها تميل إلى تثبيت الأشياء. اللغة تقول «إنسان»، بينما الواقع الذي نسميه إنسانًا لا يتوقف عن التغير. نقول «مجتمع»، بينما المجتمع ليس جسمًا ثابتًا، بل شبكة متحركة من العلاقات. نقول «هوية»، بينما الهوية نفسها تتشكل عبر الزمن. وحتى عندما نقول «أنا»، فإننا نحول تاريخًا طويلًا من التجارب والتحولات إلى ضمير واحد. إن اللغة تمنحنا القدرة على التعامل مع العالم، لكنها في الوقت نفسه تخفي شيئًا من صيرورته؛ لأنها تحول العمليات إلى أسماء، والحركة إلى حالات، والتغير إلى صفات. نحن لا نرى الوجود في كليته، وإنما نلتقط منه صورًا يمكن لعقولنا أن تستوعبها. ولذلك قد يكون كل تشخيص للوجود نوعًا من التجميد المؤقت له. الصورة ليست كاذبة، لكنها ليست الحركة كلها؛ والاسم ليس زائفًا، لكنه لا يحتوي على الصيرورة التي أنتجت الشيء الذي يسميه. ومن هنا تصبح المشكلة الفلسفية ليست في أننا نخطئ عندما نعرّف الأشياء، بل في أننا ننسى أن **كل تعريف هو تحديد مؤقت لشيء لا يتوقف عن أن يصير**.
الفرد كصيرورة
عندما نصل إلى الإنسان، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأننا نميل إلى الاعتقاد بأن وراء التغيرات التي تصيب الإنسان ذاتًا ثابتة تبقى هي نفسها. نقول: «أنا تغيرت، لكنني ما زلت أنا». لكن ما الذي يعنيه هذا الاستمرار؟ هل يعني وجود جوهر ثابت لم يتغير؟ أم يعني وجود نمط من الاستمرارية داخل سلسلة من التحولات؟ إن الطفل الذي كناه، والمراهق الذي أصبحناه، والشخص الذي نحن عليه الآن، لا يشكلون مجموعة من الأشخاص المنفصلين، لكنهم أيضًا ليسوا الشخص نفسه بمعنى السكون الكامل. ثمة شيء يستمر، لكنه يستمر عبر التحول. الذاكرة تربط المراحل، والتجارب تترك آثارها، والقرارات تعيد تشكيل المسار، والعلاقات تغير صورة الذات، والوعي يعيد تفسير الماضي باستمرار. ولهذا فإن «أنا» ليست نقطة ثابتة خلف الزمن، بل مسار يربط لحظات متعددة من الوجود. الفرد لا يوجد خارج الزمن ثم يتعرض للتغير؛ الفرد هو **تاريخ هذا التغير نفسه**.
الهوية ليست جوهرًا بل نمطًا
من هنا يمكن إعادة تعريف الفردانية بطريقة مختلفة. الفرد ليس كيانًا مستقلًا يظل مطابقًا لذاته مهما تغيرت الظروف، وإنما هو نمط خاص من الاستمرارية داخل التغير. ما يجعلني «أنا» ليس أن كل شيء في داخلي بقي كما هو، بل أن تغيراتي ليست عشوائية بالكامل؛ هناك خيط من العلاقات والذكريات والتجارب والتفسيرات يعيد تشكيل الذات بصورة مستمرة. الهوية بهذا المعنى لا تشبه حجرًا يحتفظ بشكله، بل تشبه لحنًا يبقى قابلًا للتعرف عليه رغم تغير النغمات. ليست الوحدة هنا ناتجة عن غياب التغير، وإنما عن وجود تنظيم معين للتغير. ولهذا فإن الفردانية ليست امتلاكًا لجوهر لا يشبه الآخرين، وإنما طريقة خاصة في **الصيرورة داخل العالم**. إن فرادة الإنسان لا تكمن بالضرورة في امتلاكه شيئًا لا يوجد عند غيره، وإنما في الطريقة التي تتقاطع بها داخله تجاربه وعلاقاته وذاكرته ورغباته وتفسيراته للوجود.
الصيرورة بين الذات والعالم
لا يستطيع الفرد أن يصير نفسه في فراغ؛ فالذات لا تتشكل بعيدًا عن العالم، كما أن العالم لا يدخل إلى الذات بوصفه مادة خامًا فحسب. الإنسان يتغير بالعالم، لكنه يعيد تفسير العالم من خلال تغيره. نحن نولد داخل لغة لم نخترعها، وتقاليد لم نصنعها، وتاريخ سبقنا، ثم نبدأ بإعادة تركيب هذه العناصر داخل ذواتنا. ما نرثه لا يبقى كما هو عندما يمر عبر تجربة فردية؛ وما ننتجه نحن لا يبقى فرديًا تمامًا عندما يدخل إلى المجال المشترك. لذلك فإن العلاقة بين الفرد والعالم ليست علاقة بين جسمين منفصلين، بل علاقة صيرورة متبادلة. العالم يشكل الفرد، والفرد يعيد تشكيل موقعه في العالم. الذات ليست جزيرة، لكنها ليست ذوبانًا كاملًا في المحيط أيضًا؛ إنها نمط من التوتر المستمر بين الاستقلال والانتماء، بين ما ورثته وما اخترته، بين ما أنا عليه وما أريد أن أصبحه. وهنا يمكن أن نفهم الفرد بوصفه **اهتزازًا مستمرًا بين ما هو كائن وما هو ممكن**.
استحالة الهوية النهائية
إذا كانت الهوية صيرورة، فإن البحث عن تعريف نهائي للذات يصبح محاولة لإيقاف شيء لا يتوقف. كل عبارة من نوع «أنا هكذا» تصف لحظة أكثر مما تصف جوهرًا. قد تكون العبارة صحيحة الآن، لكنها لا تملك ضمانًا بأن تظل صحيحة إلى الأبد. الإنسان يعيد تفسير نفسه بقدر ما تتغير خبرته بالعالم، وكل تجربة جديدة يمكن أن تعيد ترتيب معنى التجارب القديمة. ولهذا فإن الذات ليست شيئًا نكتشفه مرة واحدة ثم ننتهي منه، وإنما شيء نعيد إنتاجه باستمرار. حتى الماضي لا يبقى ثابتًا تمامًا؛ فالحدث نفسه قد يتغير معناه عندما ننظر إليه من موقع جديد. وهكذا يصبح الزمن ليس مجرد شيء يمر على الإنسان، بل قوة تدخل في تكوين هويته. نحن لا نتحرك داخل الزمن فقط؛ **الزمن يتحرك فينا**.
الصيرورة بوصفها طبيعة الوجود
إذا عدنا من الإنسان إلى الكون، تظهر وحدة الفكرة دون أن نخلط بين مستوياتها. لا تقول نظرية الأوتار الفائقة إن الفرد هو وتر، ولا تقول إن المجتمع يخضع للقوانين نفسها التي تخضع لها الجسيمات. لكن الصورة التي تقدمها عن الجسيم بوصفه نمطًا من الاهتزاز تتيح استعارة فلسفية دقيقة: أن الهوية قد لا تكون شيئًا منفصلًا عن الحركة التي تنتجها. وكما أن النمط الفيزيائي لا يظهر إلا من خلال اهتزاز الوتر، قد لا تظهر هوية الفرد إلا من خلال صيرورته وعلاقاته وتجاربه وتحولاته. عندها يصبح الثبات نفسه نوعًا من الاهتزاز المستقر؛ حالة من التوازن المؤقت بين قوى لا تتوقف عن العمل. وما نسميه «أنا» قد يكون اسمًا لهذا التوازن، لا اسمًا لجوهر ساكن خلفه. ومن هنا فإن الصيرورة ليست عكس الكينونة؛ إنها الطريقة التي تتجسد بها الكينونة. الوجود لا يبدأ كشيء ثم يدخل في الحركة، بل قد يكون الوجود نفسه حركة تتخذ أشكالًا يمكننا تسميتها. المادة نمط، والحياة تنظيم، والهوية استمرارية، والفرد شكل من أشكال الصيرورة. وكل محاولة لإمساك الوجود في حالة نهائية ليست سوى تحويل لحظة من الحركة إلى صورة ثابتة. وربما لهذا فإن السؤال الأعمق ليس: **ما الذي يكونه الإنسان؟** وإنما: **كيف يصير الإنسان ما هو عليه؟** فبين «ما هو» و«ما يصير إليه» توجد المسافة التي يسكن فيها الوجود كله؛ تلك المسافة التي لا تستقر، والتي ربما لا يكون الثبات فيها إلا وجهًا آخر من وجوه الاهتزاز.
#الطيب_عبد_السلام (هاشتاغ)
Altaib_Abdsalam#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟