أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 12:17
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
لم أخطط يومًا لأن أصبح كاتبًا للسير أو باحثًا في التوثيق. دخلت عالم الكتابة من باب الصحافة، وكانت الصحيفة بالنسبة إليّ نافذتي الأولى على الناس، وعلى السياسة، وعلى تفاصيل الحياة اليومية. كنت ألاحق الخبر، وأحرر التقارير، وأظن أن دوري ينتهي عند نشر ما يحدث.
لكن السنوات علمتني درسًا مختلفًا.
اكتشفت أن الخبر يعيش يومًا، وربما أسبوعًا، ثم يختفي. أما الإنسان الذي صنع الخبر، أو الفكرة التي غيرت مجتمعًا، أو المؤسسة التي أسهمت في بناء وطن، فقد لا يجد من يروي قصته بعد سنوات. وهنا بدأت أطرح على نفسي سؤالًا ظل يرافقني طويلًا: لماذا نعرف الأحداث أكثر مما نعرف صانعيها؟
كلما تقدمت في العمل الصحفي، ازداد شعوري بأننا نخسر ذاكرتنا بهدوء. يرحل الصحفي، فيضيع أرشيفه. يغادر الكاتب، فتتفرق أوراقه. تنهار مؤسسة، فلا يبقى منها سوى اسم في ذاكرة جيل قديم. ثم يأتي من بعدنا ليظن أن هذه الشخصيات لم تكن موجودة أصلًا، لأنها لم تجد من يوثقها.
من هنا بدأت رحلتي مع التوثيق.
لم يكن الأمر انتقالًا من الصحافة إلى مجال آخر، بل كان امتدادًا طبيعيًا لها. فالصحافة علمتني كيف أبحث عن المعلومة، أما التوثيق فعلمني كيف أحميها من الضياع. والصحافة جعلتني شاهدًا على الحاضر، بينما منحني التوثيق فرصة للحوار مع الماضي، خدمةً للمستقبل.
لقد كانت تجربتي في إعداد كتاب «دينق قوج: المثقف العضوي وبناء الذاكرة الوطنية في جنوب السودان» نقطة تحول حقيقية. لم أكن أكتب عن رجل واحد، بل كنت أتعلم كيف تُبنى الذاكرة، وكيف يمكن أن تضيع إذا تأخرنا في جمعها. أدركت أن هناك عشرات، وربما مئات الشخصيات العربية والأفريقية التي صنعت أثرًا كبيرًا، لكنها لم تحظ بكتاب واحد ينصفها.
ومنذ ذلك الوقت، لم أعد أنظر إلى التوثيق بوصفه نوعًا من الكتابة، بل بوصفه رسالة. رسالة تحاول أن تحفظ ما بقي من ذاكرة الناس، قبل أن يطويها النسيان، أو تمحوها الحروب، أو تبتلعها الأيام.
لا أطمح إلى كتابة أكبر عدد من الكتب، بقدر ما أطمح إلى أن أترك وراءي أعمالًا يستطيع الباحث أن يعود إليها بعد خمسين عامًا، فيجد فيها معلومة موثقة، أو وثيقة محفوظة، أو شهادة كادت تضيع.
قد يختار كاتب أن يكتب الرواية، ويختار آخر أن يكتب الشعر، أما أنا فأشعر أن طريقي هو أن أكتب ما يخشى الجميع أن يضيع.
لأنني أؤمن بأن الأمم لا تفقد مستقبلها حين تخسر معركة، وإنما حين تفقد ذاكرتها. وما دام في العمر متسع، فسأظل أبحث عن أولئك الذين صنعوا أثرًا كبيرًا، ولم يجدوا من يكتب قصتهم، وعن الأماكن التي تغيرت، والمهن التي اختفت، والمؤسسات التي صنعت أجيالًا ثم غابت عن الذاكرة.
فربما كانت أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الكاتب لوطنه، ألا يترك ذاكرته وحيدة في مواجهة النسيان.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟