عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 00:15
المحور:
مقابلات و حوارات
تظل القصة القصيرة نافذة أثيرة لملامسة جوهر الواقع الإنساني، ورصد التحولات الاجتماعية بلغة تجمع بين التكثيف والعمق. وفي هذا الحوار الأدبي الشامل، يجري الصحفي والكاتب عطا درغام حوارًا ممتعًا مع القاص والناقد المهندس محمود الفضيل؛ ليقف معه على محطات تشكيل ذائقته القرائية من مجلات الأطفال وروايات أجاثا كريستي إلى عوالم نجيب محفوظ والعراب، ويتتبع مسيرته الثرية بين العقل الهندسي والروح الأدبية، وصولًا إلى رؤيته النقدية وتجربته السردية في القصة القصيرة ورؤيته للمشهد الثقافي بمحافظة الدقهلية.
المحور الأول: النشأة القرائية وتكوين الذائقة (من ميكي إلى عوالم محفوظ)
1. بدأت علاقتك بالقراءة من "ميكي جيب" وصولاً لنجيب محفوظ وأحمد خالد توفيق؛ كيف ساهم هذا التدرج من "البساطة البصرية" إلى "العمق الفلسفي" في تشكيل خيالك القصصي؟
• كانت البداية في مرحلة الطفولة مع قراءة مجلات الأطفال المجهزة بطباعة عالية الجودة وسعرٍ في المتناول، مما ساعدني على متابعة كل ما هو جديد. ومع كل مرحلة عمرية، كنت أبحث عما يناسب طبيعتها من القراءات. وعلى جانب موازٍ، بدأت محاولاتي الأولى في الكتابة مستندًا إلى خيال كل مرحلة، حتى وصلت إلى الروايات الكبرى وتفاصيلها المعقدة؛ مما جعل كل ما سبق تأسيسًا جيدًا للملكة الإبداعية لدي. ومع ظهور عصر الإنترنت، كانت الشرارة الأولى للنشر وتلقي الصدى والآراء والأفكار، وهو ما شجعني على الاستمرار.
2. أجاثا كريستي كانت محطة هامة في بداياتك؛ هل استلهمت منها تقنيات بناء "اللغز" أو "الحبكة" في قصصك الاجتماعية؟
• شكلت أعمال أجاثا كريستي مرحلة حاسمة في تكوين موهبتي، ولا سيما أنها كاتبة أجنبية ورواياتها تتسم بالطول التشويقي البديع. وأذكر أن أول رواية قرأتها لها كانت في المرحلة الإعدادية بعنوان «القطار الإيطالي» (أو العمارة الإيطالية).
3. تأثرت بروايات نجيب محفوظ في مرحلة الجامعة؛ ما هو الدرس الأدبي الأهم الذي تعلمته من "أديب نوبل" وطبقته في قصصك القصيرة؟
• يُعد أديب نوبل نجيب محفوظ من أهم المحطات في حياتي الأدبية؛ لأنه نبراس لكل كاتب يُعلمنا عدم الانبهار التام بالخارج، وقد أرسى مبدأً خالدًا مفاده أن الإغراق في المحلية هو الطريق الحقيقي ونحو العالمية. لقد ناقش محفوظ الحياة المصرية البسيطة بأقل الإمكانيات ووصل بها إلى أرفع جائزة عالمية، وهو الكاتب الذي حاز تلك الجائزة المرموقة وكان يكتب على المقهى بين الناس.
4. كيف ترى تأثير "العراب" أحمد خالد توفيق على جيلك من الكتاب الذين يجمعون بين الهواية والاحتراف؟
• «العراب» الدكتور أحمد خالد توفيق هو من غرس فيّ فكرة أهمية الشهادة العلمية والتعليم والمركز الاجتماعي، وعدم الاعتماد الكلي على الكتابة كوسيلة للترزق الكسب المادي؛ وهو ما جعل كتاباتي نابعة من حريتي الكاملة، لا تتأثر بضغوط السوق أو بالحاجة المالية.
5. لو اخترت شخصية واحدة من الكتب التي قرأتها في صغرك لتعيش في إحدى قصصك اليوم، من ستكون؟
• هذا سؤال مُحيّر بحق؛ ولكنني أعتقد أن شخصية «سعيد مهران» في رواية «اللص والكلاب»، وشخصية «محجوب عبد الدايم» في «القاهرة 30»، من أهم الشخصيات التي يجدر بنا إعادة دراستها وإسقاطها لو عاشت في عصرنا الحديث.
المحور الثاني: التكوين الأكاديمي والنبوع المبكر (بين الهندسة والشعر)
6. درست الهندسة بجامعة المنصورة وحصلت على مركز متقدم في الشعر؛ كيف يتدخل "عقل المهندس" المنظم في ضبط إيقاع "روح الشاعر" الهائمة؟
• كان الشعر بالنسبة لي بداية ومرحلة مؤقتة للدخول إلى عالم الأدب والبحث عن الأنسب في مجال الهواية، وذلك بالتزامن مع فترة ثرية شهدت بزوغ الأغاني الشبابية ونجم الجيل الفنان حميد الشاعري.
7. بدأت الكتابة في المرحلة الإعدادية؛ ما الذي كان يحاول "محمود الطفل" قوله ولم يستطع التعبير عنه إلا من خلال الورقة والقلم؟
• كان الخيال العلمي وعوالم الفضاء وغزو الكواكب هي الملاذ والأفكار التي تحفز مخيلتي للبوح عبر الورقة والقلم.
8. هل تعتبر دراسة الهندسة "قيداً" على المبدع أم أنها تمنحه أدوات تحليلية تجعل نصه أكثر تماسكاً؟
• الهواية المبدعة لا ترتبط إطلاقًا بنوع الدراسة الأكاديمية؛ فالكثير من كبار الأدباء لم يدرسوا الأدب، مثل الدكتور يوسف إدريس، ويوسف السباعي، وفكري أباظة. الهندسة بالنسبة لي هي المهنة والعمل الميداني، بينما الكتابة هي الهواية والملجأ.
9. فوزك في مسابقة شعرية بالجامعة كان مؤشراً مبكراً؛ لماذا انحزت لاحقاً للقصة القصيرة على حساب القصيدة؟
• كان الشعر مرحلة مواتية لفترة الشباب والمراهقة، ولكن بعد المرحلة الجامعية توقفت عن الإنتاج الأدبي لفترات طويلة بسبب ظروف العمل. ومع مرور الأيام وتوافر الخبرات وكثرة التجارب الحياتية، وجدتُ في القصة القصيرة الملاذ الأنسب لطرح الأفكار باختصار وترك التأويل والاستنتاج للقارئ.
10. جامعة المنصورة بيئة خصبة للمبدعين؛ كيف أثرت تلك الفترة والمناخ الجامعي على شخصيتك الأدبية؟
• الجامعة هي المحطة الحقيقية لتشكيل شخصية الفرد؛ لما تتيحه من إمكانيات كالجماليات المسرحية، والمسابقات، والكورال الموسيقي، والأنشطة الأدبية والرياضية، مما أتاح الفرصة لي وللكثيرين لتشكيل الشخصية وتنمية الموهبة وتوجيهها.
المحور الثالث: المشروع السردي (القاص والمنحاز للقضايا الاجتماعية)
11. في عملك "أنا والحمار وهواك"، نلمس عنواناً لافتاً ومثيراً للتساؤل؛ ما هي الرسالة الفلسفية أو الاجتماعية التي أردت تمريرها من خلال هذا العمل؟
• أترك دائمًا الاستنتاج للقارئ فكلٌ يغني على ليلاه. وفي معظم قصصي، أطرح المشكلة الاجتماعية من جوانبها المختلفة وأترك للقارئ حرية تفسيرها كما يراها دون فرض حلول؛ لأن دور الفن هو إضاءة المشكلة وإلقاء الضوء عليها لا ممارسة الوصاية.
12. "لقاء في الوقت الضائع"؛ هل يعكس هذا العنوان نظرتك للفرص الضائعة في المجتمع، أم هو رصد للحظات إنسانية عابرة؟
• تدور القصة حول لقاء حبيبين في دار للمسنين بعد سنوات طويلة من الفراق؛ وهي بمثابة رسالة عن الفرص الحياتية التي قد تأتي في أواخر العمر، لنتساءل: هل ما زالت مناسبة أم أنها أضحت بعد فوات الأوان؟
13. صرحت بأن "القضايا الاجتماعية" هي شغلك الشاغل؛ هل ترى أن القصة القصيرة كافية لاستيعاب تعقيدات الواقع المصري الراهن؟
• نعم؛ لأن دور الفن الأساسي هو تسليط الضوء على سلوكيات المجتمع ورصد التغييرات التي تطرأ عليه، مع ترك المساحة للقارئ للتحليل والتفسير ووضع الحلول من وجهة نظره الشخصية.
14. كيف تختار شخوص قصصك؟ هل هم بشر من لحم ودم تلتقيهم في شوارع الدقهلية، أم أنهم محض خيال؟
• شخصيات قصصي هي دائمًا مزيج يتشكل بين الواقع المشهود والخيال المبتكر.
15. هل يميل أسلوبك في القصة إلى "الواقعية الفجة" أم تفضل استخدام "الرمز" لتمرير قضاياك الاجتماعية؟
• أفضّل استخدام الرمزية الهادفة والواقعية التي تسمح بتعدد القراءات، دون اللجوء إلى المباشرة أو الصدمة الفجة.
المحور الرابع: الحضور النقدي والمؤسسي (منصة أوان والدقهلية)
16. "مؤسسة أوان الثقافية" كانت بوابتك لمنصة النقد؛ كيف تغيرت رؤيتك للنصوص الأدبية بعد أن أصبحت تمارس دور الناقد؟
• ليس بالضرورة أن يكون الناقد كاتبًا متميزًا أو العكس؛ ولكن كان لنادي القصة بالمنصورة دور كبير في تعليمي القراءة النقدية وأسس القصة القصيرة، كما أتاحت لي مؤسسة «أوان» الفرصة للظهور الرسمي كناقد لأول مرة عند مناقشة رواية «البرلسي».
17. هل يظلم "الناقد" داخل محمود الفضيل "القاص" أثناء عملية الكتابة من خلال الرقابة الذاتية الصارمة؟
• المراجعة المستمرة للنص والمحاولة الدائمة لخروجه في أبهى صورة لا ترتبط بكوني ناقدًا، بل هي التزام أخلاقي وأدبي لتقديم منتج جيد يقع في يد القارئ، مع الاحترام الكامل لآراء القراء طالما كانت في حدود المهنية والذوق العام.
18. من خلال متابعتك لفاعليات "أوان"، كيف تقيم المشهد الثقافي في محافظة الدقهلية حالياً؟
• تقوم مؤسسة «أوان» بجهد مميز بقيادة الأستاذة إيمان أبو الغيط في إحياء الحركة الثقافية المتنوعة، والعمل على تقديم أجيال جديدة في مختلف المجالات، وذلك بدعم غير مسبوق من عدة جهات، بدءًا من العميد محمد بسيوني رئيس نادي المنصورة وصولًا إلى قيادات المحافظة.
19. ما هي المعايير التي يضعها الفضيل قبل كتابة نقد فني لعمل إبداعي؟ وهل للهواية دور في جعل النقد أكثر تحرراً؟
• رؤيتي للنقد تختلف عن الاقتصار على القواعد الشكلية من ضبط ونحو وصرف؛ فالنقد لدي يرتكز أولاً على مدى واقعية القصة وتقبل العقل لأحداثها، وثانيًا أن تكون شيقة تشد القارئ ولا تصيبه بالملل، وأخيرًا أن تحمل نهاية غير متوقعة وتكون قابلة للتأويل.
20. هل ترى أن الحركة النقدية الإقليمية (خارج القاهرة) تنال حظها الكافي من الضوء والاهتمام؟
• الجميع يحاول قدر المستطاع، سواء من المحبين للفن والثقافات أو من المسئولين، خلق فعاليات جادة تعمل على تنشيط الحركة الإبداعية وإبراز طاقات الأقاليم.
المحور الخامس: خارطة النشر والتواجد الرقمي (الانتشار والاعتراف)
21. مجلة "القصة" ومجلة "المبدع" الجزائرية كانتا أول من شجعك؛ كيف أثر هذا الاعتراف المبكر على استمرارك في الكتابة كـ "هواية"؟
• كان لمجلة «القصة» الفضل في نشر أعمالي الأولى التي لاقت استحسان القراء ووصلت التفاعلات عليها لآلاف المشاركات، مما شجعني على الاستمرار والتأكد من أنني أسير في الطريق الصحيح. كما ساهم النشر المستمر بمجلة «المبدع» الجزائرية في تحفيزي على مواصلة الإنتاج الأدبي.
22. تنشر في العديد من المجلات الإلكترونية؛ هل تعتقد أن "النشر الرقمي" هو المنقذ الحقيقي للمبدع بعيداً عن تعقيدات دور النشر الورقية؟
• بالتأكيد؛ فالنشر الرقمي يعبر الحدود ويصل إلى مختلف البلدان والثقافات بسرعة كبيرة وبأقل تكلفة ودون مجهود تعجيزي، كما أنه يعكس نبض القراء وانطباعاتهم في أسرع وقت.
23. كاتب وقاص وناقد "على سبيل الهواية"؛ هل تعتقد أن صفة "الهاوي" تمنح الكاتب حرية أكبر من "المحترف" المرتبط بالتزامات السوق؟
• نعم بلا شك؛ لأن الكتابة كـ «هواية» تعني الكتابة بلا ضغوط نفسية أو مادية أو قيود تسويقية فرضها متطلبات السوق.
24. كيف تتفاعل مع ردود أفعال القراء على منصات التواصل الاجتماعي؟ وهل تؤثر تعليقاتهم في مسار كتاباتك القادمة؟
• أحترم كل الآراء والأفكار طالما كانت تتسم بالعلمية والالتزام بالذوق العام. لديّ طريقة وأسلوب اقتنعت به في الكتابة ولا أرغب في تغييره بعدما لاقى استحسان جمهوري، وأحرص على الرد على كل تعليق يمس كتاباتي احترامًا وتقديرًا للقارئ.
25. بعد هذه الرحلة التي بدأت من الإعدادية وحتى الآن؛ ما هو الحلم الأدبي الذي يسعى محمود الفضيل لتحقيقه ولم يتحقق بعد؟
• حلمي هو أن أجد التقدير المناسب لهذه الرحلة الأدبية، وأن أرى تحول بعض هذه الأعمال القصصية إلى معالجات درامية في السينما أو المسرح أو التلفزيون. وفي الختام، أتوجه بحزيل الشكر لشخصكم الكريم على هذا اللقاء الممتع والحوار المتميز.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟