|
|
المقاصد تُحكِم فهم الجزئيات
ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 00:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
حين تصبح الغاية ميزانًا لقراءة الحكم القرآني تخيّل بحّارًا يشق طريقه في عرض البحر، يحمل بوصلة دقيقة لا تخطئ اتجاه الشمال، ويتابع إبرتها بإخلاص، ويصحح مساره كلما مالت قليلًا، لكنه نسي الميناء الذي خرج من أجله. سيظلّ، رغم دقة بوصلته، قادرًا على الإبحار بعيدًا عن وجهته، وربما يصل بعد رحلة طويلة إلى شاطئ لم يكن يريد الوصول إليه أصلًا. ليست المشكلة في البوصلة؛ فهي تؤدي وظيفتها كما ينبغي، وإنما المشكلة في انفصال الأداة عن الغاية. فالبوصلة لا تصنع الوجهة، وإنما تساعد على بلوغها، ومن نسي وجهته لن تنقذه دقة البوصلة مهما كانت عالية. وهنا تكمن إحدى المشكلات العميقة في قراءة الأحكام القرآنية حين تُقتطع من السياق الكلي الذي يمنحها معناها، وحين تتحول الجزئيات إلى غايات مستقلة عن المقاصد التي تنتظمها. فالقرآن لا يقدم للإنسان مجموعة من الأوامر المتناثرة التي لا رابط بينها، ولا يرسم له طريقًا من التفاصيل المنفصلة عن غاياتها، وإنما يبني رؤية متكاملة للإنسان والحياة والعلاقة بالله والآخرين. ولذلك فإن الحكم الجزئي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره جزيرة معزولة، بل باعتباره جزءًا من بناء أوسع، له موقعه ووظيفته وغاية وجوده. إن المشكلة تبدأ عندما تصبح الوسيلة أهم من الغاية، وعندما ينشغل الإنسان بالطريق حتى ينسى إلى أين يقوده الطريق. عندها يمكن أن يتحول الالتزام بالحكم من وسيلة لبناء الإنسان إلى غاية في ذاته، ويمكن أن يتمسك الإنسان بصورة الفعل بينما تضيع منه الحقيقة التي أراد القرآن أن يصنعها في داخله وفي مجتمعه. وهنا لا يعود السؤال مجرد سؤال فقهي عن كيفية أداء الحكم، وإنما يصبح سؤالًا أعمق: ماذا يريد القرآن أن يصنع بهذا الحكم؟ وما الإنسان الذي يريد أن يخرجه من خلاله؟ وما القيمة التي يريد أن تستقر في الحياة بعد أن يتحول النص إلى ممارسة؟ القرآن نفسه يلفت النظر إلى أن الهداية ليست مجموعة أوامر منفصلة، بل بناء يقود الإنسان إلى غاية. فهو يصف نفسه بأنه ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، ويقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185). فالقرآن لا يقدم نفسه باعتباره كتاب تفاصيل مجردة، وإنما باعتباره هدى؛ أي طريقًا يقود الإنسان ويكشف له الاتجاه. ومن هنا يصبح فهم الجزئيات منفصلًا عن هداية النص ككل شبيهًا بالإمساك بجزء من الخريطة بعد أن ننسى المدينة التي نريد الوصول إليها. ولعل أوضح ما يكشف هذا البعد هو الطريقة التي يتحدث بها القرآن عن الرسالة نفسها، إذ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107). الرحمة هنا ليست تفصيلًا هامشيًا ولا صفة تجميلية للرسالة، وإنما هي إعلان قرآني عن طبيعة الإرسال ووجهته العامة. وإذا كانت الرسالة قد جاءت رحمة للعالمين، فإن الأحكام التي تنتمي إلى هذه الرسالة لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن هذا الإطار الكلي. لا يعني ذلك أن الرحمة تلغي الحكم، ولا أن الإنسان يستطيع أن يختار من الأحكام ما يوافق هواه تحت شعار الرحمة، وإنما يعني أن الحكم نفسه يجب أن يُقرأ داخل المنظومة التي أعلن القرآن غايتها العامة. فالقرآن لا يقول فقط إن هناك أوامر يجب تنفيذها، وإنما يكشف في مواضع متعددة عن الإرادة التي تقف وراء التشريع. يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)، ويقول في سياق الطهارة: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة: 6). وهذه ليست عبارات عابرة يمكن تجاوزها بعد الانتهاء من الحكم، بل هي جزء من البيان القرآني للحكم نفسه. فحين يذكر القرآن الفعل ثم يذكر ما يريده من ورائه، فإنه يفتح أمام القارئ بابًا لفهم العلاقة بين الوسيلة والغاية. والأهم أن القرآن لا يترك هذا المنهج محصورًا في باب واحد، بل نراه يتكرر في أبواب مختلفة حتى يكاد يشكل بنية عامة في الخطاب القرآني. ففي الصيام، مثلًا، لا ينتهي الكلام عند الامتناع عن الطعام والشراب، وإنما يكشف القرآن عن الغاية التي تتصل بالصيام مباشرة حين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فالصيام ليس غاية مكتفية بذاتها؛ هناك إنسان ينبغي أن يتغير من خلاله، وهناك تقوى يُراد أن تنشأ في هذا الإنسان. ولذلك فإن اختزال الصيام في الامتناع الجسدي، مع غياب التقوى التي جعلها القرآن غايته المعلنة، يعني أن الوسيلة قد بقيت بينما غابت الثمرة. والصلاة تقدم المثال نفسه بصورة أكثر وضوحًا. فالقرآن يأمر بإقامتها، لكنه لا يقدمها باعتبارها حركة جسدية تنتهي بمجرد السلام، وإنما يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45). هنا يكشف القرآن عن أثر مقصود للصلاة في حياة الإنسان. فإذا كان الإنسان يؤدي الصلاة ثم يخرج منها كما دخل، دون أن يكون لها أثر في علاقته بالفحشاء والمنكر، فإن السؤال القرآني لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الركعات أو هيئة الأداء، بل يجب أن يصل إلى الأثر الذي أراده القرآن من العبادة. وكذلك الزكاة لا يقدمها القرآن بوصفها مجرد إخراج مقدار من المال، وإنما يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103). فهناك تطهير وتزكية. والمال هنا لا يتحرك من يد إلى يد فقط، بل تتحرك معه منظومة أخلاقية واجتماعية، يتطهر فيها الإنسان من بعض علائق المال، ويتزكى سلوكه وعلاقته بالآخرين. ومن ثم فإن النظر إلى الزكاة بوصفها رقمًا يُدفع وينتهي الأمر عنده، هو قراءة للجزء مع إهمال الأفق الذي وضع القرآن هذا الجزء داخله. ومن أجمل الأمثلة على العلاقة بين الحكم وغايته حكم القصاص. فلو أخذنا الحكم في صورته المجردة، لأمكن أن يبدو وكأنه عقوبة مقابلة لجريمة، وأن الغاية منه مجرد معاقبة الجاني. لكن القرآن نفسه لا يتركنا أسرى هذه الصورة، بل يكشف عن الغاية بعبارة بالغة الكثافة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 179). إن كلمة «حياة» هنا تعيد ترتيب زاوية النظر كلها. فالقصاص ليس مجرد إيلام مقابل إيلام، ولا انتقامًا يُمارس باسم القانون، وإنما هو حكم يربطه القرآن بحماية الحياة ومنع الانفلات الذي يهددها. وهكذا يصبح مقصد الحياة جزءًا أساسيًا من فهم الحكم، لا فكرة خارجية نضيفها إليه بعد ذلك. وهذا يفتح بابًا مهمًا في فهم التشريع: إن الصورة الظاهرة للحكم لا تكفي دائمًا لاستنفاد معناه. فالحكم قد يكون له شكل محدد، لكنه يتحرك داخل غاية أوسع. ومن هنا فإن القراءة التي تتوقف عند الشكل وحده قد تكون صحيحة في وصف الشكل، لكنها ناقصة في إدراك الوظيفة التي يؤديها. والقراءة القرآنية لا تلغي الشكل، وإنما تضعه في مكانه الصحيح داخل البناء الكلي. ونجد الأمر نفسه في قوله تعالى بشأن لباس المرأة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الأحزاب: 59). فالآية لا تذكر الفعل وحده، وإنما تربطه مباشرة بغاية معلنة: ﴿أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾. ومن ثم فإن فهم الآية لا يكتمل بمجرد البحث عن الهيئة الخارجية، بل يجب أن يُستحضر أيضًا ما تقوله الآية عن الحماية من الأذى والتمييز في المجال الاجتماعي الذي نزل فيه الخطاب. وهذا لا يعني إلغاء ما جاء به النص، بل يعني أن النص نفسه هو الذي يفرض علينا ألا نفصل الحكم عن السبب أو الغاية التي ذكرها. وفي المجال الاجتماعي والقضائي، يصبح العدل أحد أوضح المفاتيح التي تنتظم حولها الجزئيات. يقول القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)، ثم يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8). ويأتي الأمر بصورة أكثر عمومية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (النحل: 90). هنا لا يعود العدل مجرد حكم في قضية محددة، بل يصبح ميزانًا عامًا. ولذلك لا يمكن أن نفهم تفاصيل القضاء أو المال أو العلاقات الاجتماعية بطريقة تنتج الظلم ثم نزعم أن الجزئية قد طُبقت لأنها استوفت شكلها الخارجي. فالقرآن نفسه يجعل العدل معيارًا حاضرًا في الحكم على السلوك. وإذا أصبحت الجزئية في تطبيقها العملي طريقًا إلى نقيض القيمة التي يكررها القرآن بوصفها أصلًا، فإن المشكلة ليست في قيمة العدل، وإنما في القراءة التي فصلت الجزئية عن الإطار الذي يمنحها معناها. ويظهر هذا بوضوح أيضًا في طريقة القرآن في توجيه النبي إلى التعامل مع الناس. يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (آل عمران: 159). فاللين والعفو والمشاورة ليست سلوكيات منفصلة عن مشروع الرسالة، بل تأتي في سياق بناء العلاقة بين حامل الخطاب والناس الذين يخاطبهم. والقرآن يكشف هنا أن طريقة إيصال الحق جزء من فاعلية الرسالة، وأن القسوة التي تنفّر الناس يمكن أن تتحول إلى عائق أمام الغاية التي يريدها الخطاب. ومن هنا نفهم أن القرآن لا يبني الإنسان من خلال الأحكام وحدها، وإنما من خلال شبكة من القيم التي تتفاعل مع الأحكام وتمنحها معناها. فالعبادة مرتبطة بالتقوى، والصلاة مرتبطة بمقاومة الفحشاء والمنكر، والزكاة مرتبطة بالتطهير والتزكية، والقصاص مرتبط بالحياة، والقضاء مرتبط بالعدل، واللباس مرتبط بعدم الأذى، والتشريع في مواضع التخفيف مرتبط برفع الحرج واليسر. إننا أمام بناء متكامل لا ينبغي أن تفصل وحداته عن بعضها ثم يُطلب من القارئ أن يتعامل مع كل جزئية كما لو أنها قانون مستقل عن بقية القرآن. وهنا تتضح أهمية السؤال الذي ينبغي أن يصاحب كل قراءة للحكم: ليس فقط «ماذا يقول النص؟»، وإنما أيضًا «ماذا يريد النص أن يصنع؟». وليس السؤال الثاني بديلًا عن الأول، بل هو امتداد له. فالذي يسأل عن الغاية من دون أن يسأل عن النص قد يقع في التأويل الهوائي، والذي يسأل عن النص دون أن يسأل عن الغاية قد يقع في الجمود الحرفي. وبين الطرفين توجد القراءة التي تجمع النص إلى النص، والحكم إلى سياقه، والجزئية إلى الكل. لكن هنا يجب وضع حد فاصل بالغ الأهمية؛ لأن الحديث عن المقاصد يمكن أن ينحرف هو الآخر إذا لم يكن منضبطًا بالقرآن. فالمقصد القرآني ليس ما يراه الإنسان جميلًا أو مناسبًا لذوقه أو متوافقًا مع تصوره الأخلاقي الخاص. ولا يجوز أن نضع مقصدًا من عندنا ثم نجعل القرآن تابعًا له. إذا قال شخص إن «الرحمة» تعني إسقاط حكم قرآني ثابت، فهو لم يعد يقرأ المقصد القرآني، وإنما صنع مقصدًا خاصًا به ثم نسبه إلى القرآن. وإذا قال آخر إن «العدل» يسمح له بإلغاء نص واضح لأنه يرى أن تطبيقه غير مناسب لزمانه، فقد انتقل من فهم النص في ضوء مقاصده إلى جعل نفسه حاكمًا على النص. المقصد إذن لا يكون مقبولًا لأنه جميل في ذاته، وإنما لأنه مستند إلى القرآن. والقرآن هو الذي يحدد لنا أن الرحمة مقصد، وأن اليسر مقصد، وأن رفع الحرج مقصد، وأن التطهير والتزكية والتقوى والعدل والحياة وعدم الأذى قيم حاضرة في بنيته. ولذلك فإن المقاصد ليست بابًا مفتوحًا للرغبات الشخصية، بل بابًا لا بد أن يبقى موصولًا بالنص. وفي المقابل، لا يصح أيضًا أن نأخذ الجزئية ونستخدمها لإلغاء مقصد أعلن القرآن نفسه عنه. فإذا كان القرآن يقول: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ (المائدة: 6)، فلا يجوز أن تتحول القراءة الدينية إلى صناعة حرج دائم باسم التدين. وإذا كان يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)، فلا يصح أن نجعل التعسير فضيلة لمجرد أن الإنسان اعتاد تفسير النص بأشد الوجوه. وإذا كان القرآن يقول: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8)، فلا يمكن أن يصبح العداء للآخر مبررًا للتخلي عن العدل، لأن الآية نفسها أقامت العدل فوق الانفعال والخصومة. وهنا يظهر الفرق بين القراءة الحرفية والقراءة القرآنية. القراءة الحرفية، حين تتحول إلى منهج مغلق، قد ترى النص في صورة أمر منفرد: افعل أو لا تفعل، دون أن تنظر إلى موقع هذا الأمر في المنظومة الكلية. أما القراءة القرآنية فلا تتوقف عند ظاهر الجزئية، ولا تهمل ظاهرها في الوقت نفسه؛ إنها تبحث عن العلاقة بين النصوص، وبين الحكم والقيمة، وبين الوسيلة والغاية، وبين الفعل والأثر. إنها لا تسأل فقط عن الطريق، وإنما تسأل أيضًا إلى أين يقود الطريق. والقرآن نفسه يقدم نموذجًا لهذه القراءة حين يجمع بين التشريع والتربية. فالإنسان لا يُطلب منه أن يؤدي الأفعال ثم ينتهي كل شيء؛ بل يُراد لهذه الأفعال أن تصنع فيه تحولًا. الصيام يقود إلى التقوى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183)، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: 45)، والزكاة تطهر وتزكي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ (التوبة: 103)، والقصاص يحفظ الحياة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: 179). كأن القرآن يقول للإنسان بصورة متكررة: لا تنظر إلى الحركة وحدها، انظر إلى الإنسان الذي ينبغي أن يولد من خلالها. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا لا يصح اختزال الدين في كثرة الأفعال مع غياب آثارها. فليس المقصود أن يخرج الإنسان من العبادة وهو أكثر قدرة على إيذاء الآخرين، أو أن يخرج من الصلاة وهو أكثر ظلمًا، أو أن يصوم وهو أشد قسوة، أو أن يؤدي شعائر الدين ثم يستخدمها لإهانة الإنسان الذي يختلف معه. هذه المفارقة لا تُحل بزيادة التفاصيل، وإنما بالعودة إلى السؤال الأول: ما الذي أراده القرآن من هذه الأفعال؟ إن العبادة التي لا تغيّر الإنسان تستدعي سؤالًا عن العلاقة بين الوسيلة والغاية، كما أن الحكم الذي يتحول إلى أداة للظلم يستدعي سؤالًا عن علاقته بالقيمة التي وضعها القرآن في مركزه. وهذا لا يعني أن الإنسان يملك أن يحكم على صحة العبادة أو بطلان الحكم وفق انطباعه الشخصي، وإنما يعني أن القرآن نفسه لا يسمح لنا بفصل العمل عن الثمرة التي يذكرها، ولا الحكم عن القيمة التي يربطه بها. ولذلك فإن المقاصد ليست طبقة إضافية نضعها فوق القرآن من الخارج، بل هي موجودة في النص نفسه، أحيانًا بصورة مباشرة وصريحة، وأحيانًا من خلال تكرار قيمة معينة في سياقات متعددة. وحين تتكرر قيم مثل الرحمة والعدل والتقوى والتزكية واليسر ورفع الحرج وحفظ الحياة وعدم الأذى، فإنها لا تبدو مجرد شذرات متناثرة، بل ملامح لبناء قرآني يريد أن يكوّن إنسانًا مختلفًا ومجتمعًا مختلفًا. وهنا تصبح قراءة القرآن مشروعًا لإعادة ترتيب الأولويات. فبدل أن يبدأ الإنسان بالجزئية ثم يبحث عن مكانها، يمكنه أن يرى الكل ثم يقرأ الجزئية في موضعها. وبدل أن يتعامل مع الأحكام وكأنها جزر منفصلة، ينظر إليها كأجزاء في منظومة واحدة. وبدل أن يجعل التدين مجرد انضباط خارجي، يسأل عن الإنسان الذي يصنعه هذا الانضباط. وبدل أن يرى النص سلسلة من الأوامر، يراه مشروعًا للهداية وبناء الإنسان. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للدين هو أن تتحول الوسائل إلى غايات، وأن تتحول التفاصيل إلى معارك كبرى بينما تضيع القيم التي جاء القرآن ليؤسسها. عندها يمكن أن يصبح الإنسان شديد الحرص على الشكل، قليل الاكتراث بالعدل، شديد الحديث عن الحكم، قليل الالتفات إلى الرحمة، كثيرًا في العبادة، قليل الأثر في السلوك. وهذه ليست مشكلة في الدين، وإنما في الطريقة التي فُصل بها الدين عن غاياته. فالقرآن لا يريد إنسانًا يحفظ الطريق ولا يعرف وجهته؛ يريد إنسانًا يهتدي. ولا يريد مجرد أداء بلا أثر؛ يريد تقوى وتزكية وعدلًا ورحمة. ولذلك فإن السؤال عن المقصد ليس ترفًا فكريًا، ولا محاولة لتخفيف الأحكام، وإنما هو جزء من محاولة فهم القرآن بالطريقة التي يقدم بها القرآن نفسه. وعندما نقف أمام أي حكم قرآني، ينبغي ألا نتعجل في تحويله إلى جزيرة منفصلة. لنقرأ النص أولًا، ثم نقرأ ما حوله، ثم نبحث عن الغاية التي أعلنها القرآن نفسه، ثم نرى كيف تتصل هذه الغاية بالقيم الكلية التي تتكرر في الكتاب. عندها يمكن أن نكتشف أن الحكم ليس نهاية الطريق، بل جزء من الطريق، وأن الجزئية ليست كل الحقيقة، بل نافذة على بناء أوسع. إن البوصلة مهمة، لكن معرفة الوجهة أهم. والطريق ضروري، لكن معرفة الغاية هي التي تمنح الطريق معناه. وكذلك الأحكام: لا يمكن الاستغناء عنها لمجرد الحديث عن المقاصد، ولا يمكن فهمها فهمًا مكتملًا إذا اقتُطعت من المقاصد التي أعلنها القرآن. إن النص والمقصد ليسا خصمين؛ النص هو الذي يكشف المقصد، والمقصد هو الذي يساعد على وضع الجزئية في موقعها الصحيح داخل النص. ولهذا فإن القراءة القرآنية الناضجة لا تهدم الجزئيات باسم الكليات، ولا تقدّس الجزئيات حتى تهدم الكليات. إنها تمسك بالخيطين معًا: النص والغاية، الحكم والمقصد، الوسيلة والثمرة، الجزئية والكل. فإذا اجتمعت هذه العناصر، لم يعد الحكم عبئًا غامضًا منفصلًا عن حياة الإنسان، بل أصبح جزءًا من مشروع قرآني أكبر لبناء الإنسان. وحينها فقط ندرك أن القرآن لا يطلب منا أن نسير في الطريق ونحن مغمضو العينين، ولا أن نحفظ اتجاه البوصلة دون أن نعرف أين نريد أن نصل. إنه يدعونا إلى أن نفهم الطريق ونحن نرى الغاية، وأن نقرأ الحكم ونحن نرى الإنسان الذي يريد القرآن أن يبنيه، وأن نرى الجزئية داخل الكل، والكل من خلال جزئياته. فمن عرف الغاية أحسن فهم الطريق، ومن انشغل بالطريق ونسي الغاية، قد يواصل السير طويلًا، وقد يزداد يقينًا بأنه على الطريق الصحيح، بينما يكون قد ابتعد عن الوجهة التي من أجلها بدأ الرحلة.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يبني القرآن الإنسان - قبل أن يشرّع له
-
التكرار وسيلة لبناء المفهوم
-
الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء
-
بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
-
البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
-
السؤال... أول الطريق إلى الهداية
-
القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
-
القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
-
الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
-
الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن
...
-
الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من
...
-
الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا
...
-
الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار
...
-
الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
-
الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
-
رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا
...
المزيد.....
-
هجرة المسيحيين من الضفة الغربية تثير مخاوف على وجودهم التاري
...
-
نتنياهو: استعدنا رفات الجندي يهودا كاتس المقتول في معركة -ال
...
-
الضفة الغربية: تزايد هجرة المسيحيين يثير مخاوف على وجودهم ال
...
-
المجلس المركزي لليهود في ألمانيا: تصريحات بن غفير مخزية للغا
...
-
لُغز الجندي الثالت.. إسرائيل تُعلن العثور على رفات يهودا كات
...
-
“أنصار حزب الله” يعودون إلى الظهور.. ودعوات لإقامة “حكم إسلا
...
-
المقاومة الإسلامية في العراق تجدد شروطها لتنظيم حصر السلاح
-
دول عربية وإسلامية تندد برفض نتنياهو خطة ترمب لغزة
-
ترامب يرد على تقارير نقص الإمداد وانخفاض الروح المعنوية على
...
-
وصفة -عبدول- السرية.. لماذا يفوز المسلمون بالانتخابات في أمر
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|