أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - أيها المسلم! الله ينتظر منك الضوء الأخضر ليرحم عبده غير المسلم!














المزيد.....

أيها المسلم! الله ينتظر منك الضوء الأخضر ليرحم عبده غير المسلم!


محمد علي عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 00:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


من أكثر الأحكام التي تُتداول اليوم باعتبارها حقيقة قرآنية قطعية: «لا يجوز الترحم على غير المسلم». لكن عند العودة إلى النص القرآني نفسه، وإلى سياقه، وإلى دلالة ألفاظه، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا بكثير.
الآية التي يُستند إليها أساسًا هي:
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]
ولكن هل تقول الآية: «لا تترحموا على غير المسلمين»؟ طبعًا، لا.
اللفظ القرآني هو «يستغفروا»، وليس «يترحموا».
والأهم أن الآية لا تتحدث عن «كل إنسان غير مسلم» بوصفه صنفًا مستقلًا، وإنما تأتي في سياق تاريخي محدد، هو سياق الصراع والنزاع بين الجماعة المؤمنة الأولى وخصومها المشركين الذين عاداهم النبي وحاربوه ووقفوا ضد الجماعة الناشئة.
فالآية، في سياقها، تتعلق بعدم الاستغفار للمعتدين، أي عدم مسامحتهم، وليس بعدم الترحم على غير المسلمين.
وهنا ينبغي أن نسأل: هل يجوز أن نقتطع حكمًا من سياق نزاعي وتاريخي محدد، ثم نحوله إلى قاعدة إنسانية عامة تنطبق على كل إنسان غير مسلم، في كل زمان ومكان، حتى على شخص عاش حياته بعيدًا عن ذلك الصراع ولم يؤذِ أحدا قط؟
ثم هناك مشكلة أخرى تتعلق باللغة نفسها.
الاستغفار ليس هو الترحم.
الاستغفار، على وزن «استفعال»، بمعنى طلب الغفران لشخص، مرتبط في الاستعمال القرآني بطلب المغفرة، أي طلب الصفح عن الذنب والعفو عنه. أما الرحمة فهي مفهوم أوسع بكثير في القرآن، ولا تختزل في المغفرة وحدها.
بل إن القرآن يستخدم «الرحمة» في معانٍ متعددة: الرحمة والرأفة، واللطف، والعناية، والفضل، والإنعام.
فحين يقول إنسان عن ميت أو حي: «رحمه الله»، فليس من الضروري لغويًا أن يكون قد قال: «غفر الله له ذنوبه وإساءاته وسامحه». قد يكون دعاؤه تعبيرًا عن الترحم الإنساني، وعن تمنّي الخير والرحمة للميت أو للحي.
وهناك أيضًا آية شديدة الأهمية كثيرًا ما تُغفل في هذا النقاش:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: 8]
أي أن القرآن نفسه لا يبني علاقة المسلمين بغير المسلمين على قاعدة واحدة مطلقة، بل يميز بين من يقاتل ويعتدي ويُخرج الناس من ديارهم، وبين من لا يفعل ذلك.
وهذا مهم جدًا لفهم آيات سورة التوبة أيضًا: السياق التاريخي للنص ليس هامشًا يمكن تجاهله.
فإذا كان القرآن يتحدث في مواضع كثيرة عن جماعة محددة، وعن حرب، وعهد، ونقض عهد، وعداء، وقتال، ثم نأخذ جملة واحدة من ذلك السياق ونحوّلها إلى قانون ميتافيزيقي عام هو: «لا يجوز الترحم على غير المسلم»، فنحن لا نفسر النص بقدر ما نجرّده من تاريخه وسياقه ونحمّله ما لم يقله صراحة.
ثم إن تحويل «الاستغفار للمشركين» إلى «تحريم الرحمة على غير المسلمين» يتطلب خطوة تفسيرية إضافية.
قد يكون هذا اجتهادًا فقهيًا له تاريخه وأدلته، لكن لا ينبغي تقديمه للناس وكأنه نص قرآني مباشر.
والأغرب أن بعض المسلمين حين يموت شخص غير مسلم، قد يشعرون بالحزن عليه، ويذكرون أخلاقه، ويقولون إنه كان إنسانًا طيبًا، ويتمنون له الخير، ثم يتوقفون عند عبارة «رحمه الله» خوفًا من الوقوع في الحرام.
أليس من المفيد أن نسأل أنفسنا:
هل أراد القرآن حقًا أن يحوّل كلمة الرحمة الإنسانية إلى امتياز ديني لا يجوز أن يشمل الموتى من أتباع الديانات الأخرى؟
يمكن للمسلم أن يلتزم باجتهاد فقهي خاطئ يمنعه من طلب المغفرة الأخروية لمن مات على غير الإسلام، وهذا رأي له جذوره في التراث. لكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نميز بين: النص القرآني، وسياقه التاريخي، ودلالة ألفاظه، ثم الاجتهاد الفقهي الذي بُني عليها. وألا نحول اجتهادًا تاريخيًا إلى حقيقة إلهية قطعية لمجرد أنه أصبح رأيًا سائدًا في الفقه.
فالرحمة، في جوهرها، ليست ملكًا لدين.
وإذا كان القرآن يقول: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فربما يجدر بنا أن نتأمل طويلًا في معنى هذه الآية قبل أن نقرر أن رحمة الله تضيق حتى عن إنسان مات مختلفًا عنا في العقيدة.
ثم: من نحن حتى نعرف على ماذا مات هذا الإنسان أو ذاك، حتى نقرر عدم جواز الرحمة عليه؟ هل شققنا عن قلبه؟ وهل نحن نشارك الله في علمه؟
فمن الممكن أن يموت المسلم على غير الإسلام، وعلى غير سلامة القلب، وأن يموت غير المسلم على الإسلام وسلامة القلب.
ومن حق أحدنا أن يقول، مثلًا: «لا أسامح هذا الميت لأنه أساء إليَّ وظلمني…».
لكن أن نقول: «لا يجوز أن أطلب له الرحمة من الله لأنه غير مسلم»، فهذه مسألة أخرى تمامًا؛ لأنها تفترض أننا نعرف حكم الله النهائي على قلب ذلك الإنسان ومصيره.
والله وحده أعلم بالقلوب والمصائر.

هذا الكلام موجَّه لكل مسلم "يتخلَّق بأخلاق الله" في الرحمة ولكل مسلم له عقل وقلب وإيمان بالله الرحمان الرحيم الواسع الذي لا ينتظر منا أن نُعطيَه الضوء الأخضر لكي يرحمَ الميتَ.



#محمد_علي_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الملحد والمؤمن يلتقيان : في حدود القراءة الحَرفية للنص الدين ...
- قصة أغنية «سنرجع يوماً» : قراءة في النسبة والأسلوب والدلالة
- وهم العقيدة الصحيحة : قراءة نفسية–فلسفية
- بين الكروا والكرواسان (الصليب والهلال)
- من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولو ...
- الطبيعة مصدر الكَرَم في المفهوم اللغوي الساميّ: تأثيل السخاء ...
- اللغة والفكر : نحو فهم جذور الأزمة الفكرية في العالم العربي
- تأثيل الدياثة وتأصيلها
- تأثيل الفِعل «حَوَى» وتطوّراتُه اللهجاتية
- يا رئيسُ !
- تأثيل كلمة «سِكّين»
- أغنية: كيف بدنا نعيش؟
- في معنى المُعجِزة
- «بارود ! اهرُبوا !» : خَطَـرُ الدِّينِ
- قراءة كريستوف لُكسنبرغ: ما لها وما عليها
- حكاية القرآن
- التاريخ البشري باختصار
- أثر العقائد والسياسات
- كلمة سريعة بخصوص اليوم العالمي للغة العربية
- المرشدية دين الحرية


المزيد.....




- هجرة المسيحيين من الضفة الغربية تثير مخاوف على وجودهم التاري ...
- نتنياهو: استعدنا رفات الجندي يهودا كاتس المقتول في معركة -ال ...
- الضفة الغربية: تزايد هجرة المسيحيين يثير مخاوف على وجودهم ال ...
- المجلس المركزي لليهود في ألمانيا: تصريحات بن غفير مخزية للغا ...
- لُغز الجندي الثالت.. إسرائيل تُعلن العثور على رفات يهودا كات ...
- “أنصار حزب الله” يعودون إلى الظهور.. ودعوات لإقامة “حكم إسلا ...
- المقاومة الإسلامية في العراق تجدد شروطها لتنظيم حصر السلاح
- دول عربية وإسلامية تندد برفض نتنياهو خطة ترمب لغزة
- ترامب يرد على تقارير نقص الإمداد وانخفاض الروح المعنوية على ...
- وصفة -عبدول- السرية.. لماذا يفوز المسلمون بالانتخابات في أمر ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - أيها المسلم! الله ينتظر منك الضوء الأخضر ليرحم عبده غير المسلم!