همام قباني
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 00:13
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
#تنويه : "هذه القراءة لا تصلح أبداً لذوي التفكير المحدود"
انتهيت من قراءة كتاب "من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ" للمفكر التونسي العفيف الأخضر، الصادر عن منشورات الجمل سنة 2014، في طبعة تقع في نحو 302 صفحة وهو الكتاب الذي عُدَّ آخر مؤلفات الأخضر قبل رحيله في منزله بباريس.
وقبل الدخول إلى الكتاب، أجد من الضروري أن أقول شيئاً للقارئ الذي يريد الاقتراب من هذا النوع من الكتب : اقرأ بعقل مفتوح، واترك الموروثات جانباً مؤقتاً، ولا تسمح للعاطفة أو التعصب الذي تشكل منذ الطفولة أن يكون حكماً مسبقاً على ما تقرأ.
“قد تكون القراءة الأولى لكتاب كهذا صادمة، وربما تثير الدهشة والغضب والاستفزاز في آن واحد، لكن قيمة القراءة لا تكمن دائماً في موافقة النص، بل في القدرة على مواجهته، وفهم حججه، واختبارها، ثم اتخاذ موقف منها أما الدخول إلى الكتاب بقصد الدحض المسبق أو تكفير الكاتب أو رفضه لمجرد مخالفته للموروث، فهو في الحقيقة إلغاء لفعل القراءة نفسه.”
من هالة القداسة إلى سؤال التاريخ
ينطلق العفيف الأخضر من هدف واضح وكبير: انتزاع شخصية محمد من طبقات الأسطرة وإعادتها إلى مجال التاريخ والدراسة الإنسانية ولا يكتفي المؤلف بإعادة قراءة السيرة وفق المناهج التاريخية التقليدية، بل يحاول إخضاع الشخصية لمنهج التحليل النفسي، فيتتبع حياته منذ الطفولة مروراً بالشباب وصولاً إلى مرحلة النبوة، مع تركيز خاص على السنوات الأولى من التكوين الفكرة المركزية التي يقوم عليها الكتاب هي أن فهم الإنسان لا يمكن أن ينفصل عن طفولته، وأن شخصية الفرد في مراحلها اللاحقة لا يمكن قراءتها بمعزل عن طبيعة علاقاته الأولى، وعن الحرمان والصدمات والعلاقات العاطفية التي مر بها ومن هنا يحاول الأخضر نقل الشخصية من صورة النبي المقدس التي صنعتها قرون من المخيال الديني، إلى صورة الشخصية التاريخية التي يمكن إخضاعها للبحث والنقد والتحليل، تماماً كما درست شخصيات الأنبياء في تقاليد دينية أخرى.
محمد بوصفه شخصية تاريخية
يرى الأخضر أن محمد ليس استثناءً من القاعدة التي عرفها التاريخ الديني، إذ إن شخصيات تاريخية كثيرة جرى لاحقاً تحويلها إلى شخصيات أسطورية بفعل النرجسية الجمعية والحاجة الدينية إلى صناعة البطل الاستثنائي ولهذا يتوقف المؤلف عند ما يسميه "الميتاتاريخ"؛ أي ذلك النوع من الروايات التي تتجاوز التاريخ لتصنع من الشخصية الإنسانية كائناً شبه إلهي، وتحيط ميلاده وطفولته وحياته بسلسلة من الخوارق والمعجزات ومن منظور الأخضر، فإن السيرة المحمدية لم تسلم من هذه العملية، إذ تراكمت حول شخصية محمد عشرات الروايات التي تتحدث عن الخوارق والأنوار والإشارات الغيبية، حتى صار من الصعب أحياناً التمييز بين الشخصية التاريخية والشخصية التي أعاد المخيال الديني تشكيلها.
ويستشهد المؤلف بما ورد في بعض المرويات عن حمل آمنة بمحمد وولادته، وما رافق ذلك من أخبار النور والمعجزات والعلامات الخارقة، ويرى أن مثل هذه الروايات أسهمت في بناء صورة «البطل المقدر» أكثر مما أسهمت في بناء معرفة تاريخية دقيقة بالشخصية.
القرآن بوصفه مادة لقراءة الشخصية
من أكثر أجزاء الكتاب إثارة للجدل اعتماد الأخضر على القرآن نفسه بوصفه وثيقة أساسية في تحليل شخصية محمد
فهو لا يتعامل معه فقط باعتباره نصاً دينياً، بل يحاول قراءته من زاوية نفسية، ويرى فيه انعكاساً للتوترات والانفعالات والتبدلات التي صاحبت شخصية النبي محمد خلال مراحل مختلفة من حياته ويذهب المؤلف إلى أن القرآن يمكن أن يقدم، وفق هذه المقاربة، مادة للكشف عن حالات الشك والقلق والصراع الداخلي والعزلة النفسية التي عاشها محمد، ويربط بين بعض الآيات وبين ما يسميه الظروف النفسية التي رافقت تجربة النبوة ويقرأ الأخضر التحولات بين المرحلة المكية والمرحلة المدنية، وبين صورة النبي في بدايات الدعوة وصورته لاحقاً بوصفه مشرعاً وقائداً ومحارباً، باعتبارها تحولات تستحق الدراسة النفسية والتاريخية، لا الاكتفاء بإدراجها ضمن القراءة الوعظية التقليدية للسيرة وهنا بالضبط تظهر إحدى أكثر نقاط الكتاب حساسية: هل يجوز أن يُقرأ النص الديني باعتباره وثيقة إنسانية تكشف عن شخصية صاحبه؟ أم أن هذه المقاربة نفسها تنطلق من فرضية علمانية مسبقة تجعل النتيجة معروفة قبل بدء البحث؟
هذا السؤال لا يجيب عنه الكتاب بصورة حيادية، بل يذهب مباشرة إلى بناء تشخيص نفسي للشخصية، وهو ما يجعل الكتاب مثيراً للجدل منذ صفحاته الأولى.
الطفولة بوصفها مفتاحاً للشخصية
يولي الأخضر الطفولة أهمية استثنائية، انطلاقاً من فرضية نفسية مفادها أن الحب والأمان العاطفيين في السنوات الأولى يساهمان في بناء الثقة بالنفس والاستقرار النفسي، وأن الحرمان المبكر يمكن أن يترك آثاراً عميقة في الشخصية وفي هذا السياق، يتوقف عند يتم محمد، ووفاة أبيه قبل ولادته، ثم وفاة أمه في سن مبكرة، وانتقاله بين المرضعات، وما يراه المؤلف من احتمالات تتصل بالحرمان العاطفي والشعور بالنبذ وعدم الاستقرار لكن الكتاب، في هذه المنطقة تحديداً، ينتقل من التاريخ إلى مساحة واسعة من الافتراض النفسي فالأخضر لا يمتلك، في كثير من المواضع، وثائق مباشرة تسمح له بمعرفة ما كان يدور بالفعل في نفس الطفل محمد، وإنما يحاول استنتاج ذلك من المرويات المتأخرة ومن بعض الوقائع التي وصلت إلينا.
ومن هنا تصبح القراءة أمام سؤال منهجي صعب:
هل يمكن إعادة بناء الحياة النفسية لطفل عاش قبل أربعة عشر قرناً اعتماداً على روايات دينية وسيرية كُتبت في ظروف تاريخية لاحقة؟
إنه سؤال كان ينبغي، في تقديري، أن يحظى بمساحة أكبر من التحفظ داخل الكتاب.
آمنة ومحمد: بين التاريخ والفرضية
من أكثر الأفكار صدمة في الكتاب تلك المتعلقة بعلاقة آمنة بابنها محمد يحاول الأخضر بناء فرضية نفسية تقوم على أن وفاة عبد الله، والد محمد، قبل ولادته، وما يمكن أن تكون آمنة قد عاشته من حزن وانهيار واضطراب، ربما ترك أثراً على علاقتها بالطفل ثم يذهب أبعد من ذلك حين يفترض إمكانية أن يكون محمد قد عاش مشاعر الرفض أو الحرمان العاطفي بسبب انتقاله سريعاً إلى المرضعات ويستند المؤلف في ذلك إلى جملة من القرائن التي ينتقيها من السيرة، وإلى بعض المرويات المتعلقة بثويبة وحليمة السعدية والشيماء وإخوته من الرضاعة لكن هذه المنطقة تحديداً تحتاج إلى التعامل بحذر شديد؛ لأن الانتقال من احتمال تاريخي إلى تشخيص نفسي يتطلب أدلة أكثر صلابة مما توفره الروايات السيرية المتأخرة.
العدوانية والإحباط
في فصل آخر، يحاول الأخضر الربط بين الحرمان العاطفي المبكر وبين ما يسميه العدوانية التي رآها لاحقاً في شخصية محمد ويستند ضمن ذلك إلى قصة الشيماء، أخت محمد من الرضاعة، وإلى حادثة تعرفه بها عندما أُسرت في إحدى الوقائع، ثم يعود إلى طفولة محمد ليقرأ بعض الوقائع قراءة نفسية لكن اللافت هنا أن الكتاب يبني سلسلة سببية طويلة تبدأ من الطفولة وتنتهي بالشخصية النبوية والقائد السياسي والعسكري وهذه السلسلة، رغم أنها مثيرة للاهتمام من حيث محاولة تفسير الشخصية، تحتاج إلى كثير من الحذر؛ لأن السلوك الإنساني لا يمكن اختزاله بسهولة في سبب واحد، ولا يمكن أن نرد شخصية تاريخية معقدة إلى طفولة مفترضة دون الوقوع في خطر الاختزال النفسي.
بين التاريخ والأسطورة
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في الكتاب إصرار المؤلف على أن السيرة المحمدية امتلأت بطبقات من الأسطرة جعلت من الصعب الوصول إلى الشخصية التاريخية الأولى وينقل الأخضر، في هذا السياق، فكرة منسوبة إلى "مكسيم رودنسون" مفادها أن المادة التاريخية الخالصة عن محمد لو جُمعت وحدها فلن تتجاوز حيزاً محدوداً جداً، بينما تحولت بقية المادة إلى روايات وأساطير صنعت الشخصية الخارقة وهذه الفكرة تستحق النقاش فعلاً، لا لأنها تحسم القضية، بل لأنها تضعنا أمام مشكلة أساسية في كتابة التاريخ الديني:
كيف نميز بين ما هو تاريخي وما أضافه المخيال الجمعي لاحقاً؟
هذه ليست مشكلة خاصة بالسيرة المحمدية وحدها، وإنما عرفتها سير معظم الشخصيات الدينية الكبرى.
قوة الكتاب ومشكلته
قوة "من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ" الأساسية تكمن في جرأته على فتح منطقة ظلت لفترة طويلة محاطة بالقداسة والخوف من السؤال فالأخضر لا يعيد إنتاج السيرة، بل يحاول تفكيكها، ولا ينطلق من سؤال: كيف نثبت صحة الرواية؟ بل من سؤال مختلف تماماً: كيف يمكن تفسيرها إنسانياً ونفسياً وتاريخياً؟
وهذا وحده يجعل الكتاب جديراً بالقراءة لكن في المقابل، لا ينبغي أن نقرأ الكتاب بوصفه حقيقة علمية نهائية؛ فالكثير من استنتاجاته النفسية تقوم على الفرض والاحتمال والتأويل أكثر مما تقوم على وثائق مباشرة قاطعة والمشكلة المنهجية الكبرى في رأيي هي أن المؤلف أحياناً ينتقل من الرواية إلى التشخيص، ومن التشخيص إلى الحكم، من دون أن يترك دائماً المسافة الكافية التي يقتضيها البحث العلمي ولذلك فالقراءة الجادة للكتاب لا تكون عبر تقديس ما يقوله، ولا عبر شتمه ورفضه، وإنما عبر اختبار منطقه، ومراجعة مصادره، ومقارنة استنتاجاته بالمعارف التاريخية والنفسية الحديثة.
لماذا يستحق الكتاب القراءة؟
لأن الكتاب، قبل أن يكون كتاباً عن محمد، هو كتاب عن حدود المعرفة الدينية والتاريخية، وعن حق الإنسان في إعادة قراءة أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخه من خارج الموروث الجاهز وقد أتفق مع المؤلف في بعض أسئلته، وأختلف معه بشدة في بعض استنتاجاته، لكنني لا أرى في الاختلاف سبباً لإغلاق الكتاب على العكس؛ إن الكتب التي تزعج يقيننا أحياناً تكون أكثر فائدة من الكتب التي تؤكد لنا ما نعرفه مسبقاً ولهذا أجد أن أفضل طريقة للتعامل مع الكتاب هي أن نقرأه لا بوصفه كتاباً مقدساً مضاداً لكتاب مقدس، بل بوصفه أطروحة قابلة للنقاش والنقد والاختبار.
وأختم بالعبارة التي يوردها المؤلف في ختام هذا الجزء من بحثه، والتي تختصر جانباً من مشروعه:
"التوابل الضرورية لصناعة البطل، رجل الأقدار".
ثم يترك الأخضر بقية الأسئلة مفتوحة، ويتركها بدوره للقارئ .. أما أنا، فأعتقد أن قيمة الكتاب الحقيقية لا تكمن فقط في النتائج التي يصل إليها، بل في أنه يجبرنا على طرح السؤال الذي تخشاه القراءات المغلقة دائماً:
أين ينتهي التاريخ، وأين تبدأ الأسطورة؟
قراءة ممتعة ومفيدة لكل من يريد أن يقرأ خارج الأسوار الجاهزة، وأن يمنح العقل حقه الكامل في السؤال.
#همام_قباني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟