حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 18:18
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
المبدأ التعاربي: السامِع (المُتلقّي) هو العارف الأفضل بمعنى القول (Hearer knows best.)
الباحث المهتم بوصف ما يحققه المتحدثون معًا في المقام الحواري من خلال استخدامهم وسائل التعبير المسموعة والمرئية يفهم حالاً حقيقة ان وسائل التعبير هذه إنما هي عملية تفاعل متبادل (mutual interaction) وليست أفعالا (acts) قائمة بحد ذاتها لكي يتم التمثيل لها بالجمل أو العبارات المنفردة، مثلما تفبرك نظرية أفعال الخطاب. ومن خلال هذا التفاعل الدينامي يتبادل المتحدثون المعلومات والأفكار والآراء والمشاعر، ويستكشفون مواقف بعضهم البعض، وقد يتوصلون إلى تفاهمات او اتفاقات مشتركة أويحققون غير ذلك من عديد الاحتياجات الاجتماعية العامة. لذا، فإن إختزال الخطاب بأفعال ميكانيكية مجردة إنما يشوه طبيعة صيرورة (process) التفاعل بالأخذ والرد والجذب والدفع الحاصل بين المتكلم والمتلقي. وتتضمن صيرورة التواصل إتباع مجموعة محددة من الخطوات وهدفًا تسعى لتحقيقه؛ وهو المتمثل بإيصال المتكلم لأفكاره ومشاعره ومعلوماته أو توجيهاته عبر وسيلة أتصال لفظية أو غير لفظية مفهومة للطرفين. وتُعتبر عملية التواصل هذه مكتملة عندما يُقدّم المُتلقي ردّه على المُتكلم، ويُعرف هذا الرد بالتغذية الراجعة (feedback). وفي هذه الصيرورة، يتم تبادل الأدوار بين المشاركين المتحدثين والمتلقين في الواقعة الحوارية حيث يفهم كل محاوِر الرسائل من وجهة نظره الخاصة التي تتشكل بفعل عوامل مختلفة في حياته؛ أي أن المعنى الذي يطرحه المتحدث لن يكون هو نفسه الذي سيستوعبه المستمع لأن المتحاورين هم أفراد ذوو ميول وخلفيات وتوجهات معرفية مختلفة، وخبراتهم التعاربية السابقة المختزنه متفاوتة، ولكل منهم تاريخ مختلف في فهم واستخدام نفس الكلمات والعبارات. كما إن معنى أو نية أو غرض المتحدث هو أمر خاص به لوحده ويستحيل على المتلقي الولوج اليه، بينما المعنى التعاربي هو في جوهره إجتماعي عام. وعليه، فإن معنى كلام المتحدث إنما يتحدد بما هو متاح منه لإدراك المستمع، سواء من خلال ما تمليه الأعراف المشتركة أو من خلال ادراك وتفسير الأنواع مختلفة من الإشارات السياقية. إذاً، فمعنى الكلام في الواقعة الحوارية إنما يعتمد أساسًا على ما يستطيع المستمع فهمه منه، خصوصاً وأن المتكلم لا ينطق بلسانه وفمه وتموجات نبرات صوته وتقطعاتها فقط، بل أن كل جسمه من قمة رأسه إلى أخمص قدميه يتكلم: حركات الرأس ولغة العينين واختلاجات الشفتين والفك الأسفل وتعبيرات تقاطيع الوجه وتمايلات الجذع وتنهدات الصدر وإيماءات الساعدين والكفين ولغة الأصابع والساقين والقدمين. فمثلا، يستطيع المستمع إدراك أن كليمه غير مرتاح من خلال تململه في مقعده أو وقفته، أو نظره بعيداً، أو ترميشه السريع بالعين، أو ادارته لجسده بعيداً. علماً أن معاني لغة الجسد هذه – عكس معنى الغرض – هي لاإرادية عند المتكلم، ولكنها متاحة دوماً لوعي لمستمع، فحسب؛ وهي تبيِّن عادة ما إذا كان المتحدث يعني ما يقوله، أو أنه ساخر، أو أنه يمزح، أو يمثَل، أو متردد، أو مرتبك، أو مُحرج، أو منزعج، أو مُحبط...إلخ.
وفوق كل هذا وذاك، فإن فهم مغزى كلام المتحدث يفرض على المتلقي "قراءة ما هو كائن ما بين السطور" من وراء ملفوظاته من تضمينات وتلميحات غير صريحة ولا مؤكدة عبرالإنصات للكلمات التي يُمكن توقعها منطقيًا في السياق القائم، ولكنها تبدو مُضمَرة أو مُتجاهلة تمامًا، مما يُخلّف فراغًا في التواصل يبدو مُحرجًا ومتعمدًا. وسماع ما لم يُقال وأدراكه أمرٌ بالغ الأهمية في التواصل التعاربي لكونه يخلق اليقين أو يعززه؛ ومن المعروف أن اليقين يتطلب المعرفة. وكثيرًا ما يصوغ المتكلمون عباراتهم على نحو غير مباشر او موارب لدوافع خفية بغية كبت مشاعرهم واحتياجاتهم غير المعلنة، او لحماية مكانتهم، أو لإرضاء المستمع، أو للتحايل عليه وخداعه، أو لتوجيهه نحو الوجهة التي يريدون دون غيرها، أو لتجنب الصراع وعواقبه، أو للامتثال للأعراف. وقد يكون الظاهر اللفظي للجملة هو السطح الآمن، بينما تكمن المشكلة الحقيقية أو الأولوية الأبرز وراءه. وقد يتجاهل المتكلمون حقائق يفترضون أنها بديهية أو محظورة، مما يطلب تدخل المتلقين عبر قناة التغذية الراجعة لاستيضاح هذه الافتراضات مما يفضي إلى تغيير المعنى والفهم. كل هذا يُعبّر عن الكثير من الرسائل غير المعلنة؛ وهو متاح للمتلقي فقط عبر آلية تلخيصه التأملي لمغزى المتكلم وتدخله لطلب التوضيح ومنع الالتباس، وتوظيفة للتفكير الناقد لاكتشاف ثغرات الملفوظات والبحث لسدها. ومن المعروف أن إدراك التواصل غير اللفظي يقلل من الصراع، ويمنع إهدار الجهد، ويكشف عن نقاط القوة للوصول إلى حلول ذات مغزى. ومن الجانب الآخر، فقد تتعطل عملية الاتصال بين المتحاورين لأسباب مادية أو نفسية أو ثقافية أو لتضارب الإرادات والمصالح، أو حتى بسبب سوء الفهم أو لغياب الصراحة والنيات الطيبة.
ولكن، وفي كل الأحوال، فإن معنى المتكلم يتأثر بالفهم المتحيز والذاتي للمتلقي، وتبقى الرسالة الحقيقية في "قلب المتكلم" فقط، وإن توهم أنه قد أوصلها بدقة. وعليه، فأن أي متخصص في علم اللغة يلفِّق علينا بوجود ما يدعي أنه "معنى أو قصد أو نية المتكلم" في ملفوظات الحوار التعاربي إنما هو جاهل بسيرورة تحقيق المعنى في الواقعة الحوارية التي هي أبعد ما تكون عن الترحيل الميكانيكي لتساوي الفعل مع رد الفعل إلى المطابقة بين معنى المتحدث وتفسير المستمع له، لأنه لا المتحدث ولا المستمع هم آلات ميكانيكية.
المصادر:
https://www.quora.com/What-do-you-mean-by-The-most-important-thing-in-communication-is-to-hear-what-isn-t-being-said-by-Peter-Drucker#pHBWH
https://www.researchgate.net/publication/387505147_The_Gap_between_Speaker s_Meaning_and_Hearer s_Meaning_in_Communication_Within_and_Beyond_Classical_Gricean_Theory_of_Meaning
وقد عرف العرب القدماء هذه الحقيقة بالسليقة، فعبّروا عنها بمثلهم الشهير: "المعنى في قلب الشاعر"، واضعين قصد المتكلم عن حق على جَنَب (عكس نظرية أفعال الخطاب).
كما أكد العديد من علماء اللغة المعاصرين في الغرب هذه الحقيقة التي أصبحت هي السائدة في علم التعارب، ومنهم عالم اللغة البريطاني إيدي إدموندسون في كتابه الصادر عام 1981 بعنوان "الخطاب المنطوق: نموذج للتحليل"الذي أكد الطبيعة التفاعلية لواقعة الحوار بين معنى المتكلم وتفسير المتلقي بالقول بأن المستمع هو الذي يحدد المعنى الوظيفي الفعلي أو "االفائدة" من الكلام في أي نقطة معينة من المحادثة، بدلاً من الاعتماد فقط على النية الأصلية للمتحدث .
المصدر:
https://nardus.mpn.gov.rs/bitstream/id/32660/Disertacija.pdf
كل الكلام أعلاه يخص الحوار التفاعلي ضمن دائرة المشاركين الفعليين في الواقعة الخطابية نفسها وفيما يدور وجاهة بينهم.
ماذا عن تحليل عالم اللغة لأي نص حواري أو غير حواري وارد له ؟ هنا، المحلل يصبح هو المتلقي؛ وكل كلام له عن "معنى المتكلم" في معرض تأويله لحوارات النص أو أي قول وارد فيه إنما هو تلفيق سافر. لذا، فعندما يزعم أوستن وسيرل وجوقتهم بأن معنى المتكلم من القول الفلاني هو كذا وكذا، فإن هذا الزعم – الصادر منهم بصفتهم متلقين خالصين مستقلين عن المتكلمين الفعليين أنفسهم – إنما هو الخداع بعينه.
لنأخذ هذا البيت لشاعر عربي قديم ؛ مثلما هو وارد في كتاب "الكامل"، لأبي العباس محمد بن يزيد المُبَرد، جـ 3، ص. 132، تحـ. محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة: دار نهضة مصر.
بَلْ لَوْ رأَتني أُخْتُ جيراِننا إذْ أنا في الدارِ كأنّي حِمارُ
الشاعر القائل للبيت أعلاه غير حاضر معنا لسؤاله عن المعنى الذي يريده بالضبط من تشبيهه لنفسه بالحمار. ولِتَعَذُرِ معرفة مشاريط مقام هذا القول، وعدم وجود ما ينفي ذلك على وجه اليقين، يقول لك أوستن وجوقته من الأميين بآليات توظيف المتكلمين للغة: أننا - لكي نطبق مسطرة نظريتهم الميكانيكية المقدسة على هذا القول، ونؤمِّن بالتالي ضمان نجاح الفعل التأثيري (perlocutionary act) التلفيقي لها - فلا مندوحة لنا من إعتبار أن: "المتكلم في البيت الشعري أعلاه يعني بـ"أنا": أنا الشاعر المتكلم، و بـ "كأنّي": كأني أنا الشاعر، وبـ "الحمار": الحيوان المسمى بالحمار. وعليه، فإن الشاعر إنما يؤكد هنا فعل تشبيه نفسه بالحمار!
إكتشاف خطير؛ وثورة في علم التفسير، وفي عِلْم فك التشفير! وما الذي أدراكم بمعنى الشاعر؟ هل سألتموه؟ أم نَفَذتم إلى لبّه؟
الحمير لا تتكلم، ولكن فلاسفة اللغة يفعلون.
نَعْرِض هذا البيت على نون من أعداد المتلقين بغية تقديم تفسيراتهم الشخصية له، فنتلقى شتّى التأويلات منهم، بضمنها أن الشاعر يصف هنا نفسه بكونه:
1. قوياً
2. خدوماً لمن يرعاه
3. وفياً
4. مطيعاً
5. عنيداً صعب المراس
6. مسالماً
7. رفيقاً وشريكاً حيوياً
8. صابراً على الصعاب
9. صامداً
10. متواضعاً
11. سهل القياد
12. رزيناً
13. غير متعجل أحمق
14. مجتهدًا
15. متمتعاً بصحة جيدة
16. عارفاً بمسالك الحياة
17. جالباُ للخير بمجهوده
18. أحمقَ
19. ذكياً
20. منتظِراً غير فاقد للأمل
.... الخ إلخ .
كم من هذه التفسيرات - وبعضها متضارب مع غيره - صحيح؟
الجواب: كلها - وغيرها - صحيح. لماذا؟ لأن المتلقي - وليس المتكلم أبداً - هو أفضل العارفين بمعنى الكلام؛ وكل نص يبقى مفتوحاً على كل التأويلات المبررة على نحو معقول، وليس وقفاً دينياً موقوفاً على تفسير واحد.
فارنوا بين مدى غنى كل هذه التأويلات وبين بؤس التقريرات التحكمية لنظرية أفعال الخطاب!
وعليه، عندما يرى المرء مباديء وتطبيقات نظرية أفعال الخطاب وهي تضحك على عقول المغفلين عبر ترحيلها تحكماً لقوانين الحركة الثلاثة لنيوتن على الخطاب على نحو يحوّل الكلام إلى طقوس دينية كريهة محكومة بشروط التوفيق (felicity conditions) والقواعد التنظيمية (regulatory rules) والقواعد التأسيسية (constitutive rules) ووووغيرها بدعوى وجوب تحقق الإمتصاص للهدف الذي ينتويه المتكلم (securing the speaker’s intended uptake)، فإن على العاقل - ناهيك عن المتخصص بعلم اللغة – أن يحكم حالا بتفاهة هذه النظرية، وغيرها مما لفقه من سُموا بـ "فلاسفة اللغة"، مثلما فعل الفيلسوف بيرتراند راسل عندما قال:
It excludes almost everything that is of genuine interest, and prescribes either ineffable mysticism´-or-dreary exegesis of the nuances of usage. It is attractive because it has renounced science and power, and because it is suitable for "gentlemen" in a society which has become democratic.
"هذا المنهج يستبعد تقريبًا كل ما هو ذو أهمية حقيقية، ويفرض إما غموضًا كريهاً أو تفسيرًا دينياً مملًا لدقائق الاستخدام. وهو جذاب لأنه نابذ للعلم وللسلطة، ولأنه مناسب لـ"السادة" في مجتمع أصبح ديمقراطيًا."
المصدر:
https://sites.ualberta.ca/~francisp/NewPhil448/RussellIntroGellner1959.pdf
يتبع، لطفاً.
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟