|
|
قراءة في جذور وتأثير الإسرائيليات في الفقه التراثي الإسلامي
نبهان خريشه
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 18:12
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تأسيس
تثير الإسرائيليات، وبخاصة المرويات التلمودية، جدلًا مستمرا في الدراسات الإسلامية والتراثية، ليس باعتبارها موادا دينية، بل بوصفها روايات تاريخية وأخلاقية دخلت الفضاء الإسلامي في مراحل تشكل الدولة الإسلامية الأولى. تقدم هذه الدراسة قراءة نقدية شاملة لتاريخ دخول هذه الروايات، وظلالها على الفقه الإسلامي التراثي، وأثرها في الخطاب الديني المعاصر. كما تسلط الضوء على دور الشخصيات التاريخية، مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه في نقلها، وتكشف عن المخاطر التي تواجهها المجتمعات الإسلامية عند استيعاب هذه الروايات دون منهج نقدي. تهدف الدراسة إلى إعادة الاعتبار للقرآن والسنة كنصوص حاكمة، وإلى تحفيز التفكير النقدي في التراث لبناء وعي معرفي متوازن. لقد شكلت العلاقة بين الإسلام وتراث بني إسرائيل، في ما يعرف بالإسرائيليات، معضلة معرفية منذ نشأة الفقه الإسلامي. فبينما يشير القرآن بوضوح إلى وجوب التصحيح النقدي للنصوص السابقة، وإلى أن الله أرسل رسله رحمة للعالمين، نجد أن بعض المرويات التوراتية والتلمودية قد دخلت التراث الإسلامي، أحيانا بوصفها "قصصا" وأحيانا ضمن مسار التفسير والوعظ. والإشكالية الأساسية ليست في حقيقة الرواية التاريخية، بل في وظيفتها الرمزية وتأثيرها العميق في تشكيل الخطاب الديني والفكري، بما يتعارض مع المقاصد الأخلاقية والفقهية العليا للإسلام. فمن هنا تأتي أهمية دراسة هذا التداخل النقدي التاريخي، الذي يوضح كيف تسللت هذه الروايات، ولماذا بقي أثرها حتى اليوم في الخطاب الديني المعاصر.
التوراة بين الوحي والتدوين البشري
في النقاش العلمي والديني حول علاقة اليهود بـ"التوراة" النصية المتداولة اليوم، يجمع الكثير من الباحثين على تمييز واضح بين النص الذي أنزله الله على النبي موسى بوصفه وحيا إلهيا، وبين النصوص المتداولة حاليا، سواء في التراث اليهودي أو في النقد الأكاديمي. من منظور العقيدة الإسلامية، فإن القرآن يؤكد نزول التوراة ككتاب من عند الله على موسى ليكون هدى ونورا، لكنه لا يجعل النص المتداول اليوم مماثلا حرفيا للنص الإلهي الأصلي، إذ يشير إلى أن أهل الكتاب قد خالفوا ما أُوكل إليهم من الوحي، مما أدى إلى دخول تغييرات وتحريفات لاحقا. وهذا الفهم لا يعني إنكار أصل الوحي أو إنكار وجود نصّ موحى به، بل يعني أن ما وصل اليوم بوصفه "التوراة" لدى اليهود ليس هو النصّ الإلهي الكامل والمحفوظ بصيغته الأصيلة التي أنزلها الله على موسى، بل نصوصا حررت ودونت عبر مراحل زمنية مختلفة. تدعم الدراسات النقدية الحديثة هذا التمييز من زاوية علمية غير عقدية، إذ يفترض علماء النقد النصّي أن أسفار موسى الخمسة (التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية) لم تكتب دفعة واحدة على يد موسى عليه السلام، بل هي نتاج عملية تحرير وتجميع طويلة تمت عبر أجيال من الكتاب والجماعات التأريخية. تُعرف إحدى أبرز هذه النظريات باسم "الفرضية الوثائقية"، التي ترى أن النص التوراتي مركب من مصادر متعددة جمعها محررون فيما بعد لتشكيل ما يعرف اليوم بالتوراة، وأن هذه المصادر تعكس خلفيات زمنية وأفكارا متباينة قبل أن تدمج في النسخة الحالية. هذه النظريات لا تنفي وجود محتوى ذو أصل قديم، لكنها تشكك في وحدانية النصّ وتلقائيته في مرحلة التأليف كما يُروى تقليديًا. علاوة على ذلك، يرى بعض الباحثين مثل أستاذي الآثار والأنثروبولوجيا إسرائيل فنكلشتاين ونيل أسهر سيلبرمان في كتابهم The Bible Unearthed أن تركيب السفر المقدس والمحتوى التاريخي له مرتبط بصياغات بعد أحداث محددة في تاريخ إسرائيل، ما يجعل النص الحالي نتيجة عملية تطورية تاريخية أكثر منها وثيقة موحى بها محفوظة دون تغيير على جدول زمني مباشر من موسى ذاته. هذا الجانب الأكاديمي يطابق في جوهره الاعتقاد الإسلامي بأن النص المتداول لدى اليهود ينطوي على طبقات تحريرية وتأريخية متعددة، وأن الارتباط بين اليهود اليوم والنص الأصلي المنزل غير مباشر. من ناحية أخرى، يبين النقد النصي كذلك أن ما يسمى اليوم بالتوراة قد خضع لعمليات تدوين وتعديل وتوحيد نصي عبر قرون، وهو ما يتعارض مع فكرة "نصٌّ واحد محفوظ" وصل إلينا من زمن النبي موسى بصيغة دون تغيير. في الإسلام، يؤكد القرآن أن الكتب السابقة كانت وحيا منزلا، لكنه يشير إلى تحريف وتحويل البعض من معالمها وكتابتها بطريقة لا تماثل الوحي الأصلي كاملاً، استنادا إلى آيات تصف حالة أهل الكتاب وتحريفهم للحق بقصد أو بغير قصد.
اليهودية ملة سـلوكية
اليهودية، بوصفها ملة تتميز بطابع سلوكي واضح، وليس دينا توحيديا عالميا يركز على العقائد الإيمانية. يقوم هذا الطابع على مجموعة من الكتب المقدسة التي تشكل مرجعا أساسيا للعيش اليومي لدى اليهود، وأهمها: التوراة، التناخ، والتلمود. فالتوراة هي النص المركزي والأقدس في اليهودية، وتتألف من خمسة أسفار تعرف بأسفار موسى الخمسة، وتتضمن القوانين والشرائع والأحداث التاريخية التي تشكل أساس العلاقة بين اليهود والله. أما التناخ، فهو اختصار لمجموع النصوص اليهودية المقدسة، ويشمل التوراة (الشريعة)، النبييم (كتب الأنبياء)، والكِتوبيم (الكتب الأخرى مثل المزامير والحكم)، ويوفر سردا تاريخيا وأدبيا يربط بين التعاليم الأخلاقية والهوية اليهودية. في حين أن التلمود يعد موسوعة قانونية وأخلاقية ضخمة، تجمع بين (الميشنا) وهي نصوص الشريعة الشفوية و(الجمارا( وهي التفسير والتحليل لهذه النصوص ، ويشكل دليلا تفصيليا لكل جانب من جوانب الحياة اليومية اليهودية. تُظهر النصوص التوراتية والتلمودية أن تصور الإله في اليهودية الكلاسيكية يتخذ طابعا قوميا واضحا، إذ يقدم الإله بوصفه إله بني إسرائيل على وجه الخصوص، لا إلها عالميا موجها إلى البشرية جمعاء. يقوم هذا التصور على فكرة العهد الإلهي الحصري مع جماعة إثنية محددة، حيث تُمنح هذه الجماعة مكانة متميزة بوصفها "الشعب المختار"، وتُفهم العلاقة مع الإله ضمن إطار الانتماء القومي لا الإيمان الإنساني العام. في هذا السياق، لا يُطرح الإله بوصفه مرجعية أخلاقية كونية، بل باعتباره حاميا ومشرعا لجماعة بعينها، يضبط شؤونها الدينية والدنيوية، ويبرر تفوقها الرمزي والتشريعي على غيرها. وينعكس هذا البعد القومي بوضوح في التلمود، الذي لا يكتفي بتنظيم العلاقة التعبدية بين اليهود وإلههم، بل يؤسس لمنظومة سلوكية وقانونية مغلقة تميز بصرامة بين اليهودي وغير اليهودي. فالكثير من الأحكام التلمودية تبنى على ثنائية الداخل والخارج، حيث تُمنح الامتيازات والواجبات الأخلاقية الكاملة لأفراد الجماعة، بينما ينظر إلى الآخر بوصفه خارج دائرة العهد الإلهي. وعندما تسللت بعض هذه التصورات إلى الفقه الإسلامي التراثي عبر الإسرائيليات، ظهرت إشكاليات معرفية وأخلاقية، إذ إن التصور الإسلامي يؤكد عالمية الله ووحدة الخطاب الأخلاقي للبشر كافة. ومن هنا، فإن استيراد مضامين تقوم على إله قومي إلى سياق ديني توحيدي عالمي كالإسلام يعد خللا بنيويا. ووظيفة الكتب الدنية بالنسبة لليهود تتجاوز الإيمان النظري، إذ إنها تحدد السلوكيات اليومية، العبادات، المعاملات التجارية، النظام الغذائي، العلاقات الاجتماعية، والطقوس الدينية، ما يجعل اليهودية ملة عملية بالدرجة الأولى وبإمتياز، يحدد فيها القانون الديني التفاصيل الدقيقة للحياة الفردية والجماعية. هذا يفسر لماذا يُنظر إلى التلمود على أنه يعكس ملة سلوكية أكثر من كونه دينا توحيديا؛ فهو يركز على كيفية تطبيق العقائد على أرض الواقع، على نحو مغلق ومحدد لمجتمع محدد، بدلا من توجيه رسالة دينية شاملة لجميع البشر، كما هو الحال في الإسلام أو المسيحية. عند محاولة استيراد بعض مضامين التلمود إلى السياق الإسلامي، تظهر صعوبات كبيرة، وهو أمر يثير جدلاً بين العلماء. فالسبب الرئيس يعود إلى أن التلمود يتضمن أحكاما مفصلة مرتبطة بالهوية اليهودية، التاريخية والثقافية، والطقوس الخاصة بمجتمع محدد، ما يجعل تطبيقها خارج هذا السياق صعبا، وقد يُفقد روحها العملية والسلوكية إذا نقلت حرفيا إلى مجتمع آخر له قوانينه ومبادئه الدينية المختلفة. إضافة إلى ذلك، فإن التلمود يحتوي على مناقشات قانونية وأخلاقية تتعامل مع حالات حياتية محددة، تختلف في أطرها وأسسها عن الشريعة الإسلامية، ما يجعل النقاش حول الاستعارة منها مسألة معقدة وحساسة. المراجع: "اليهود نشأةً وتاريخاً"، صفوت الشوادفي https://d1.islamhouse.com/data/ar/ih_books/single2/ar_jews_genesis_and_history.pdf موجز عن تاريخ الديانة اليهودية وتطورها عبر العصور ، ريم جاسم خضير https://iasj.rdd.edu.iq/journals/uploads/2025/01/07/968c3dd0c238990ace2809e0eb8a8701.pdf "شرح الفرضية الوثائقية"، مركز الكلمة للدراسات والبحوث https://elkalma.com/krs/documentary-hypothesis/
********** الإسـرائيليات: من الإستئناس إلى التطبيع المعرفي
دخلت الإسرائيليات، حول الأنبياء والأمم السابقة، إلى التراث الإسلامي في سياق البحث عن تبيين القصص القرآني وتفسير الغوامض التاريخية. كان هذا الانتقال غالبا نتيجة التفاعل المباشر وغير المباشر مع التراث اليهودي والمسيحي، سواء من خلال ترجمة نصوص توراتية، أو عبر السرد الشفهي والتاريخي الذي وصل إلى الفقهاء والمحدثين. بدأت الإسرائيليات تدخل بشكل رئيسي عبر كتب التفسير والحديث، حيث تم توظيفها لتوضيح تفاصيل حياة الأنبياء مثل نوح وموسى ويوسف، أو أحداث الأمم السابقة التي يذكرها القرآن بإيجاز، وأحيانا لتفسير الفتن والاختبارات التي وقعت فيها هذه الأمم. هذه الروايات كانت في البداية وسيلة لتقريب النصوص القرآنية من الواقع اليومي للقارئ، وإعطاء بعد قصصي وحيوي للتاريخ الديني، لكنها سرعان ما تجاوزت دورها القصصي لتصبح جزءًا من الثقافة المعرفية والدينية الشعبية. على المستوى النظري، تعامل العلماء المسلمون مع الإسرائيليات بصرامة كبيرة. فقد حذر المحدثون والفقهاء من قبول أي رواية تخالف نصوص القرآن والسنة الصحيحة، واعتبروا أن مجرد كونها واردة عن اليهود لا يعني صحتها. ومن أبرز هؤلاء العلماء، ابن حزم الذي انتقد الإسرائيليات بحدة، واعتبر أن الكثير منها مجرد أساطير وخرافات لا تصح الاستدلال بها على أي حكم فقهي أو عقائدي، وأوضح أن قبول هذه الروايات يجب أن يخضع للمعيار القرآني والسني الصارم. ابن قتيبة أيضا وضع ضوابط دقيقة لتوظيف الإسرائيليات في التفسير، مؤكدا على أنها يجب أن تُقبل فقط إذا كانت متوافقة مع القرآن والسنة، وأن أي إضافة من عندها تتعلق بالأخلاق أو التاريخ يجب التعامل معها بحذر. كما عبر عدد من العلماء مثل الطبري عن تحفظهم على روايات الإسرائيليات التاريخية التي تدخل في تفاصيل حياة الأنبياء أو أحداث ما بعد البعثة، مؤكدين أنها لا تشكل قاعدة عقائدية، وإنما مجرد وسيلة قصصية لتقريب المعنى. رغم هذه المواقف النظرية الصارمة، شهدت الإسرائيليات انتشارا واسعا في كتب التفسير والوعظ على أرض الواقع. فالتفسيرالشعبي كان يعتمد على قصص مفصلة تجعل الأحداث القرآنية أكثر وضوحا وجاذبية للقارئ أو السامع، خاصة فيما يتعلق بحياة الأنبياء أو الفتن الكبرى والآخرة. الروايات الأخلاقية مثل صبر الأنبياء، شدة عقوبتهم للأمم الطاغية، وطرق تعاملهم مع التحديات، أصبحت أدوات تعليمية مهمة، توظف لتوجيه السلوك الفردي والجماعي. هنا يظهر التحول الرئيسي للإسرائيليات: من كونها قصصا يتم استئناسها لتوضيح المعاني، إلى أن تصبح جزءًا من الإطار المعرفي والثقافي الذي يشكل تصور المجتمع للأنبياء، للفتن، ولما بعد الموت. ومن أبرز الروايات التلمودية والتوراتيه التصورات الأسطورية عن بداية الخلق، مثل القول بخلق السماوات والأرض في سبعة أيام مع تحديد أعمال إلهية تفصيلية لكل يوم على نحو تجسيمي، أو روايات استراحة الخالق بعد الخلق، وهي أفكار ذات جذور توراتية صرفة ولا يقرها النص القرآني. كما انتشرت روايات عن عِظم آدم الجسدي وأنه كان بطول عشرات الأمتار، ثم أخذ يقصر مع الزمن، وهي روايات تكرست في بعض الشروح دون أصل قرآني أو نبوي معتبر. أما في المجال الفقهي، فقد أثرت بعض هذه الروايات في تشكيل تصورات اجتماعية وثقافية، خاصة ما يتعلق بـ المرأة، مثل تحميلها مسؤولية الخطيئة الأولى أو تصويرها مصدرا دائما للفتنة، وهي أفكار ذات جذور تلمودية واضحة، لا تستند إلى القرآن الذي يحمل آدم وحواء المسؤولية معا دون تمييز. هذا التحول يوضح كيف تحولت الإسرائيليات إلى ما يمكن تسميته بالتطبيع المعرفي، إذ لم تعد مجرد مادة قصصية، بل صارت تساهم في إعادة إنتاج بعض المفاهيم والتمثلات المعرفية والثقافية على مستوى الفقه الشعبي والوعظ الديني. بعض هذه الروايات لم يتم تمحيصها نقديا، خصوصا فيما يتعلق بالفتن، الأخلاق، أو الغيب، وأصبحت جزءًا من التراث المعياري غير المكتوب الذي يعتمد عليه الناس لتفسير الأحداث والفضائل والسلوكيات الدينية. ففي كتب مثل تفسير الطبري والقرطبي، نجد روايات إسرائيلية تقدم تفاصيل دقيقة عن العقوبات والفتن التي حلّت على الأمم السابقة، وعن شخصية الأنبياء وصفاتهم، وغالبا بدون نقد يذكر لمصدر هذه الروايات أو صحتها، ما يجعلها تُقرأ ضمن نسق معرفي شبه مقنن، يحدد فهم المسلمين للقصص الدينية والأحداث التاريخية والآخرة. بالإضافة إلى ذلك، أسهمت هذه الروايات في دمج بعض المفاهيم اليهودية داخل الفقه والوعظ الشعبي، سواء كان ذلك في تناول الأخلاق أو القصص التاريخية أو مسائل العقاب والجزاء. ومع مرور الوقت، صار من الصعب التفريق بين الروايات الأصلية للقرآن والسنة وبين الروايات الإسرائيلية، وهو ما يعكس التفاعل الديناميكي بين التراث الإسلامي والروايات الدينية المستوردة من بيئات أخرى. يمكن القول إن الإسرائيليات مثلت جسرا ثقافيا يربط بين النص القرآني وبين خبرات وثقافات الشعوب السابقة، لكنها في الوقت نفسه أضافت طبقات معرفية واجتماعية لم تكن موجودة في النص القرآني المباشر، مما يعكس التحدي الدائم بين الصرامة النظرية والتطبيق الواقعي في التراث الإسلامي.
المراجع: "منهجية ابن حزم النقدية في الرد على الاعتقادات اليهودية"، خديجة أمليد: https://www.josooor.com/pdfs/eighteen/first/24.pdf "اليهودية والمسيحية"، زياور رحمن أعظمي : https://en.wikipedia.org/wiki/Al-Yahudiyyaat_wa_al-Masihiyyaat
**********
القرآن والسنة: إطار نقدي محكم
يضع القرآن العلاقة مع التراث السابق ضمن إطار هيمنة معرفية واضحة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه/المائدة. تشير هذه الآية إلى أن أي نص أو رواية من التراث السابق، سواء كان توراتيا أو نبويا أو حتى من أقوال الأمم السابقة، يجب أن يقاس على معيار النص القرآني ومقاصده الأخلاقية، ولا يمكن اعتماده بشكل مطلق أو تحويله إلى مصدر تشريع مستقل عن القرآن. بمعنى آخر، القرآن لا يلغي التراث السابق، لكنه يفرض عليه معيارا واضحا للصدق والأخلاق والتوجيه، ويضع القيم الإنسانية والعدالة والرحمة في قلب أي تقييم أو قراءة لهذا التراث. من هذا المنطلق، فإن التعامل مع التراث اليهودي، بما في ذلك الروايات الإسرائيلية أو الإسرائيليات، يتطلب حرصا دقيقا على الفصل بين ما يتوافق مع القرآن من ناحية القيم والأخلاق، وما قد يكون مجرد سرد قصصي أو تقليد ثقافي لا يمكن الاحتجاج به في التشريع الإسلامي. فالسرد عن بني إسرائيل، على الرغم من أنه غني بالقصص والدروس، لا يعطي أي تفويض مباشر للاتباع الحرفي لهذه الروايات، بل يوظفها كوسيلة تعليمية وتربوية، كما أكدت السنة النبوية. فالحديث عن أنبياء بني إسرائيل أو أممهم السابقة يقدم كمثال أخلاقي أو كدرس تحذيري، وليس لتقليد التشريعات أو الأحكام القانونية الواردة في تراثهم. في الممارسة الفقهية والتفسيرية، ظهر هذا الموقف النظري في التعامل مع الإسرائيليات في كتب التفسير. كثير من الفقهاء، مثل ابن حزم وابن قتيبة، أشاروا إلى ضرورة النقد والتحقق من صحة هذه الروايات، والتأكد من عدم تعارضها مع القرآن والسنة. ومع ذلك، فقد شهد الواقع الشعبي والعملي انتشارا واسعا لهذه الروايات في كتب التفسير، خاصة فيما يتعلق بالقصص التاريخية والفتن والآخرة. هذا الانتشار يعكس التحدي الذي يواجه التراث الإسلامي بين الموقف النظري الصارم والممارسة العملية: فالقصص الإسرائيلية، رغم التحفظات عليها، تقدم مادة "شيقة" و"غنية" لتفسير القرآن، وتساعد على "تقريب" النصوص القرآنية للقراء. ومع مرور الزمن، تحولت الإسرائيليات من مجرد وسيلة قصصية لاستئناس النص القرآني إلى نوع من التطبيع المعرفي. فقد بدأت هذه الروايات، خصوصا ما يتعلق بالأخلاق والفتن والأحداث الغيبية، تُقرأ ضمن نسق معرفي شبه مقنن، يشكل فهم المسلمين للأنبياء والأحداث السابقة والآخرة. في هذه المرحلة، لم تعد الإسرائيليات مجرد حكايات تروى للتسلية أو التوضيح، بل أصبحت جزءًا من التراث الديني المعياري الشعبي، يستخدم في الوعظ والتربية الدينية، وغالبا دون تمحيص نقدي كامل لمصادرها أو دقتها التاريخية. هذا التحول يوضح أيضا التوازن الدقيق الذي فرضه القرآن: فهو لا يمنع الاطلاع على التراث السابق، لكنه يضعه دوما تحت الرقابة الأخلاقية والمعرفية. فالتعامل مع القصص والروايات عن بني إسرائيل يجب أن يكون هدفه تعليم الدروس الأخلاقية، وتوضيح العبر، وتحفيز السلوك الإيماني الصحيح، وليس تبني قوانين أو أحكام شرعية من التراث السابق أو الاحتجاج بها بشكل مستقل. وهكذا، يظهر القرآن بوصفه مرجعا مهيمنا لا كحاجز أمام المعرفة السابقة، بل كإطار توجيهي يضمن أن أي معرفة مستعارة تتوافق مع المقاصد الأخلاقية والعدالة الإلهية. إن هذا الموقف له انعكاسات مهمة على الفقه والوعظ الشعبي. فهو يسمح للفقهاء والمربين بالاستفادة من التراث القصصي في تعليم الأخلاق والدروس العملية، لكنه يحمي المجتمع من الوقوع في فخ التقليد الأعمى أو تبني ممارسات قد تتعارض مع روح الإسلام. وفي الوقت نفسه، يبرز الدور المركزي للنقد والتدقيق في التراث، إذ أن مجرد النقل أو الاستعانة بالقصص لا يكفي، بل يجب أن يكون ضمن ضوابط معرفية وأخلاقية واضحة، تحافظ على أصالة الشريعة ومرجعيتها. المراجع:
القرآن الكريم، الآية 5 من سورة المائدة. "منهجية ابن حزم النقدية في الرد على الاعتقادات اليهودية"، خديجة أمليد: https://www.josooor.com/pdfs/eighteen/first/24.pdf "لماذا تنتشر الإسرائيليات في التراث الإسلامي رغم عدم منطقيتها"، اليوم السابع https://www.youm7.com/story/2020/3/24/لماذا-تنتشر-الإسرائيليات-فى-التراث-الإسلامى-رغم-عدم-منطقيتها/4683924
**********
صور الأنبياء بين القرآن والتلمود
تُظهر دراسة التراث الديني اليهودي والإسلامي تباينا واضحا في صورة الأنبياء، وهو أمر يعكس الاختلافات الجوهرية في منهجية كل نص ديني ومقاصده الأخلاقية. من أبرز مظاهر هذا التباين هو تصوير الأنبياء؛ فالقرآن الكريم يقدمهم كنماذج أخلاقية مصفاة، يحتذى بهم في السلوك والفضيلة، مع الإشارة أحيانًا إلى بعض الهفوات الإنسانية الطفيفة في حدود لا تمس العصمة النبوية. يقول القرآن في هذا السياق: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ 90/الأنعام ، ما يعكس رؤية مركزية للأنبياء بوصفهم قدوة للمؤمنين في الأخلاق والعمل الصالح، ويضع معيارا واضحا لتقييم أعمالهم وتصرفاتهم. في المقابل، يقدم التلمود مجموعة من الروايات التي تنسب للأنبياء أفعالا قد تعتبر أخلاقيا مشينة أو مثيرة للجدل، مثل الزنا أو الخداع أو التصرفات المتناقضة مع الصورة التقليدية للقدوة الأخلاقية. هذه الروايات، وإن كانت تهدف أحيانا إلى إبراز البعد الإنساني للأنبياء أو تعليم الدروس الأخلاقية من خلال قصص صادمة، إلا أنها تتعارض بشكل مباشر مع فكرة العصمة النبوية كما يراها القرآن. فالقرآن يضمن للأنبياء مصداقية أخلاقية وأمانة في تبليغ الرسالة، ويضعهم في إطار القدوة المثالية التي يحتذى بها في المجتمع، بينما تسمح بعض الروايات التلمودية بإظهار ضعف أو خطأ أخلاقي لدى الأنبياء، وهو ما يمكن أن يخلق صورة متناقضة بين النصين. لقد لاحظ العلماء المسلمون هذا التناقض منذ العصور الأولى، وكان موقفهم صريحا وواضحا، كما يظهر في كتابات ابن حزم. فقد رفض ابن حزم هذه الروايات جملة وتفصيلا، معتبرا أن نسب أفعال مشينة أو متناقضة مع الأخلاق إلى الأنبياء يتعارض مع أصل النبوة ذاته، ويهدم الوظيفة التربوية التي يؤديها القرآن في تصوير الأنبياء كقدوة عملية للأخلاق والعدل. ومن هنا، حذر من الأخذ بالروايات التلمودية، مؤكدا على ضرورة مقارنتها دائما مع القرآن والسنة، وعدم اعتمادها في التشريع أو التربية الدينية. رغم هذا التحفظ النظري الصارم، شهدت بعض كتب التفسير انتشارا للروايات الإسرائيلية والتلمودية المتعلقة بالأنبياء، أحيانا دون تمحيص نقدي كامل لمصدرها أو صحتها. فقصص بني إسرائيل، بما فيها ما ينسب للأنبياء من أفعال مثيرة للجدل، وجدت طريقها إلى التفسير الشعبي والتراث الفقهي العام، حيث كانت توظف لشرح أحداث معينة أو لتقديم أمثلة تربوية. هذا الانتشار، رغم أن العلماء كانوا يرفضونه من الناحية النظرية، يوضح وجود فجوة بين النقد الأكاديمي للنصوص وبين الممارسة العملية للتراث الإسلامي وبين الناس والقراء العاديين. يتضح من هذا التباين أيضا كيف شكل القرآن إطارا معرفيا وأخلاقيا واضحا، يهيمن على أي تراث سابق، بما في ذلك الروايات التلمودية أو الإسرائيليات. فالقرآن لا يمنع المعرفة المستعارة أو القصص التعليمية، لكنه يفرض على أي مادة مستوردة معيارا صارما: ألا تتعارض مع قيم العدالة والرحمة والعصمة النبوية. وعليه، فإن مقارنة صورة الأنبياء في القرآن والتلمود تكشف ليس فقط عن اختلافات في التفاصيل السردية، بل عن منهجية معرفية وأخلاقية متباينة: حيث يركز القرآن على القدوة والمثالية، بينما يسمح التلمود بإبراز الضعف الإنساني للأنبياء بهدف درس أخلاقي محدد، وهو ما لا يتوافق مع المنظور القرآني. إن هذه المقارنة بين القرآن والتلمود في تصوير الأنبياء تسلط الضوء على أهمية النقد والتقويم المنهجي للروايات في التراث الإسلامي. فالقدوة النبوية في القرآن ليست مجرد سرد قصصي، بل معيار أخلاقي وسلوكي متكامل، بينما الروايات التلمودية قد تستعمل للتعليم أو الترفيه أو التحفيز على التأمل، لكنها لا يمكن أن تكون قاعدة للتشريع أو معيارا للقدوة المطلقة. وهذا يبرز الفارق الأساسي بين المقاربة الإسلامية التي تهدف إلى حماية عصمة الأنبياء وصلاحهم الأخلاقي، وبين المقاربة التلمودية التي تسمح بإبراز أبعاد إنسانية للأنبياء، بما في ذلك الهفوات والاختبارات الأخلاقية، ضمن سياق قصصي وتعليمي.
المراجع:
القرآن الكريم، سورة الأنعام، الآية 90. "منهجية ابن حزم النقدية في الرد على الاعتقادات اليهودية"، خديجة أمليد: https://www.josooor.com/pdfs/eighteen/first/24.pdf
**********
كعب الأحبار: نموذج النقل التاريخي
يعد كعب الأحبار واحدا من أكثر الشخصيات جدلا في التاريخ الإسلامي المبكر، خصوصا في سياق انتقال الروايات اليهودية (الإسرائيليات) إلى التراث الفقهي الإسلامي، وتحديدا في شؤون التفسير والحديث وقصص الأنبياء. كعب بن ماتع الحميري، المعروف بـأبو إسحاق كعب الأحبار، كان حبرا يهوديًا من اليمن أسلم في أوائل عهد الخلافة الراشدة، وبرز كأول مرجع أساسي في نقل الإسرائيليات داخل البيئة الإسلامية الجديدة، فكانت شخصيته محورا لدراسات كثيرة من بينها كتاب إسرائيل ولفنسون الذي يدرس أثره الفكري في التشكل المعرفي للتراث الإسلامي ينطلق كتاب إسرائيل بن زئيف (ولفنسون) "كعب الأحبار: مسلمة اليهود في الإسلام" من فرضية أن شخصية كعب، باعتباره يهوديا مخضرما ثم مسلما، مثلت جسرا ثقافيا بين التراث اليهودي القديم والتراث الإسلامي الوليد، وأن معرفته الوارِفة بكتب بني إسرائيل مكنته من إدخال مجموعة واسعة من الروايات الإسرائيلية إلى المراجع الإسلامية. يشير ولفنسون إلى أن كعب استغل مخزونه المعرفي اليهودي في تفسير آيات القرآن التي تتعلق بالأنبياء والأمم السابقة، ما أثار اهتمام الصحابة والتابعين الذين كانوا يسعون لفهم أوسع للقضايا التي ذكرت باختصار في النص القرآني فكان مستشارا لهم في تفسير القصص والروايات. من أهم جوانب هذا الدور هو ما وصل إلى كتب التفسير والحديث: فقد ارتبط اسم كعب بالأسرائيليات التي أُدرجت في سياق شرح آيات تتعلق بأحداث الأمم السابقة، وحياة الأنبياء، والتفاصيل غير مذكورة في القرآن نصا، مما مهد الطريق أمام روايات لم تكن جزءًا من التراث الإسلامي الأصلي أن تجد مكانًا في لاهوت التفسير الإسلامي. يشير بعض الباحثين إلى أن قصص بني إسرائيل التي رواها كعب أصبحت مصدرا للمعرفة التفسيرية لدى بعض الصحابة مثل أبي هريرة وابن عباس، إذ كانوا يستفيدون من معرفته الواسعة بقياسات قصص القرآن مع التوراة . وفقًا لولفنسون، فإن انتقال هذه الإسرائيليات لم يكن مجرد نقل سردي، بل شكل هيئة معرفية ثرية دخلت في صلب الثقافة الإسلامية المبكرة، حتى إن بعض هذه الروايات ظهر في كتب الحديث والتفسير دون تمحيص نقدي كامل، خاصة في ما يتعلق بالقصص الأخلاقية المرتبطة بالأنبياء والأمم السابقة؛ وهي جوانب ترافقها مواقف نقدية من بعض العلماء المسلمين الذين رأوا ضرورة التمييز بين ما يخدم التبيان القرآني وبين ما يمكن اعتباره روايات غير متماسكة سنديا أو متعارضة مع النص الشرعي. ولفنسون أيضا يؤصل لفكرة أن الدافع الأساسي لكعب الأحبار لم يكن خرقا للمنهج الإسلامي، وإنما تقديم مادة معرفية تكمل فهم الواقع القرآني، خاصة وأن القرآن نفسه كثيرا ما يشير إلى أسماء الأمم السابقة باختصار، بينما الحاجة البشرية إلى سرد حيوي ومفصل جعل الصحابة والتابعين يقبلون روايات كعب كمساعد معرفي لتكوين تصور أوسع عن أسباب الأحداث وأهدافها. وهذا ما جعل الإسرائيليات تنتقل من مجرد قصص تعليمية إلى جزء من المراجع الشعبية للعلماء والوعاظ، فأصبحت جزءًا من النسق الثقافي الإسلامي، مع كل ما ينبثق عنه من تأثير على الوعظ والفقه الشعبي. غير أن أهمية دراسة كعب الأحبار تكمن في إبراز تعقيد العلاقة بين القرآن والتراث السابق: فبينما يؤكد القرآن أن التراث القديم يمكن أن يستفاد منه بشرط ألا يتعارض مع مقاصد النص القرآني وقيمه الأخلاقية، تظهر في الواقع الآثار التي يجعلها بعض التابعين سندا في تفسير الآيات أو في سرد القصص، ما خلق فسحة بين المنهج النظري الصارم وبين التطبيق العملي في التراث الإسلامي. وقد ساهم كتاب ولفنسون في تسليط الضوء على هذه الفجوة، موضحا كيف غدت شخصية كعب الأحبار حجر زاوية في نقل الإسرائيليات إلى الفقه الإسلامي التراثي، وأي أدوار لعبها هذا النقل في تشكيل المعرفة الدينية لدى المسلمين الأوائل. ويخلص ولفنسون في تقييمه لروايات كعب من الإسرائيليات بقوله "إن الطريقة التي اتبعها كعب، حين كان يناقش الناس في آيات القرآن، هي عينها الطريقة التي يتبعها أحبار التلمود في كثير من الأحوال، او بكلمات أخرى فانه كان ينظرللاسلام بعين يهودية". والى جانب كعب الأحباركان وهب بن منبه اليماني (توفي نحو 114هـ/732م) ، الذي يعد من أبرز الشخصيات التي ارتبط اسمها بدخول الإسرائيليات إلى التراث الإسلامي المبكر، ولا سيما في مجال التفسير وقصص الأنبياء. نشأ وهب في اليمن في أسرة من أصل يهودي اعتنقت الإسلام، وكان واسع الاطلاع على التوراة والأسفار اليهودية، الأمر الذي منحه مكانة معرفية خاصة بين التابعين بوصفه مصدرا لأخبار الأمم السابقة. وقد نقل عنه عدد من كبار المفسرين والمؤرخين، مثل الطبري وابن أبي حاتم، مما أسهم في انتشار رواياته داخل المدونة التفسيرية الإسلامية. لم يكن تأثير وهب بن منبه فقهيا مباشرا، إذ لم يكن من فقهاء الأحكام أو من واضعي القواعد الأصولية، بل جاء أثره أساسا عبر الحقل التفسيري والسرد الديني. فقد ساهمت رواياته في ملء الفراغات التي يتركها النص القرآني متعمدا، خاصة في الآيات المتعلقة ببدايات الخلق وقصص الأنبياء وأخبار بني إسرائيل. ومع غياب التمييز المنهجي الصارم في المراحل المبكرة بين الوحي القرآني والروايات المنقولة عن أهل الكتاب، اندمج كثير من هذه الأخبار في التفاسير، واكتسبت مع الزمن طابعا تراثيا يوحي بشرعيتها. وعليه، وأهمية وهب بن منبه تكمن لا في كونه مشرعا أو فقيها، بل في كونه حلقة مركزية في تشكل التراث التفسيري الإسلامي، بما يحمله ذلك من إشكاليات معرفية لا تزال تؤثر في الخطاب الديني الإسلامي المعاصر.
المراجع :
"كعب الأحباروالإسرائيليات في التفسير"، معهد الدراسات الإسلامية بجامعة McGill ، عبد الفتاح توكل https://escholarship.mcgill.ca/concern/theses/rb68xf596 "تراث اليهود في الرواية الإسلامية"، بوابة الحركات الإسلامية، حسام الحداد https://www.islamist-movements.com/47766 (islamist-movements.com "إسرائيل ولفنسون وكتابه تاريخ اليهود في بلاد العرب : دراسة تحليلية"، مجلة دراسات في التاريخ والآثار، د. محمد علي صالح : https://jcoart.uobaghdad.edu.iq/index.php/2075-3047/article/view/1307
**********
الإسرائيليات في الفقه التراثي: التأثير ونوعيته
على الرغم من الاهتمام الكبير الذي يوليه الباحثون لدراسة الإسرائيليات في التراث الفهي الإسلامي، يشير النظر الدقيق إلى أن حجم تأثيرها على كتب الفقه محدود نسبيا من حيث الكم. فعدد الروايات الإسرائيلية التي أدرجت في المراجع الفقهية قليل مقارنة بالكم الهائل من النصوص القرآنية والحديثية التي شكلت الأساس للتشريع الإسلامي. ويعود السبب في ذلك إلى أن العلماء المسلمين الأوائل، بدءًا من المحدثين والفقهاء وحتى المفسرين، كانوا واعين لأهمية التمييز بين النصوص الشرعية المعتمدة وبين الروايات المستعارة من التراث اليهودي، وأكدوا على أن الأحكام الشرعية يجب أن تستند إلى القرآن والسنة الصحيحة، وليس إلى أي رواية خارجية قد تتعارض مع النصوص الشرعية. إلا أن هذا التحديد الكمي لا يعني أن الإسرائيليات لم يكن لها تأثير نوعي مهم على الفقه الإسلامي التراثي. فقد كان تأثيرها واضحا في بعض المجالات التي تتعلق بمبادئ العقوبة والقصاص، مثل ما يخص الحدود والقصص الأخلاقي المرتبط بعقوبات معينة، حيث قدمت بعض الروايات الإسرائيلية أمثلة عملية تساعد الفقهاء على تصور كيفية تطبيق الأحكام أو فهم الغرض من العقوبة. كذلك كان للتصورات المتعلقة بمكانة المرأة ودورها الاجتماعي أثر ملموس، إذ ساهمت بعض الإسرائيليات في تشكيل فهم محدد للأدوار الاجتماعية للمرأة، وفي تفسير بعض الأحكام المتعلقة بالنفقة، والميراث، والطلاق، والزواج، على الرغم من أن هذه الروايات لم تكن دائمًا مصدرًا مستقلاً للأحكام، بل وسيلة لتوضيح السياق الأخلاقي والاجتماعي لهذه الأحكام. من جهة أخرى، كان للتصورات المتعلقة بـ"الآخر" الديني والإنساني أثر واضح في الفقه التراثي، حيث ساعدت الإسرائيليات في تقديم نماذج مقارنة للأمم السابقة والأقوام الأخرى، ما أثر في بعض الاجتهادات الفقهية بشأن العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، وسبل التعامل مع القوانين والحقوق والمسؤوليات الاجتماعية تجاه الغير. هذه الروايات، رغم أنها لم يستدل بها مباشرة في صياغة الأحكام، إلا أنها أضافت بعدا نوعيا معرفيا وأخلاقيا لتفسير النصوص الفقهية، خصوصًا فيما يتعلق بالأسئلة التي لم يرد فيها تفصيل مباشر في القرآن أو الحديث. قناة "التفسير" السعودية مثلا ساهمت في توسيع نطاق تسلل الإسرائيليات إلى الفقه الإسلامي التراثي. فقد اعتمدت على كتب التفسير االقائمة على الأحاديث والروايات التاريخية وسيلة لتوضيح نصوص القرآن، وأحيانا لجعلها أكثر قربا للواقع اليومي للقارئ أو السامع. ومن خلال هذه القناة، دخلت الإسرائيليات إلى وعي الفقهاء والقراء في ايامنا هذه، وصارت جزءًا من النسق المعرفي الذي يوجه فهم النصوص الفقهية، حتى وإن لم تستدل بها أحكام صريحة. بمعنى آخر، أصبحت الروايات الإسرائيلية أداة تفسيرية وتوضيحية، تؤثر في تصور الأحكام وسياق تطبيقها، أكثر من كونها مصدرًا مباشرًا للتشريع. يتضح من هذا التحليل أن الإسرائيليات مثلت حالة فريدة من التأثير النوعي في التراث الفقهي الإسلامي، فهي لم تشكل غالبية النصوص الفقهية، لكنها أثرت على كيفية تصور الأحكام، وفهم السياقات الأخلاقية والاجتماعية، وتقديم أمثلة للأحداث التاريخية والأخلاقية التي تستند إليها القواعد الفقهية. هذه التأثيرات النوعية تجعل دراسة الإسرائيليات في الفقه الإسلامي ضرورية لفهم العلاقة بين النص القرآني، والتفسير، والاجتهاد الفقهي، وكيف يمكن لروايات مستعارة من تراث آخر أن تؤثر في تشكيل الثقافة القانونية والدينية دون أن تصبح مصدرًا مستقلًا للتشريع.
المراجع:
"منهجية ابن حزم النقدية في الرد على الاعتقادات اليهودية"، خديجة أمليد: https://www.josooor.com/pdfs/eighteen/first/24.pdf "الروايات الإسرائيلية في تفسير المدرسة العقلية الحديثة"، دراسة نقدية تحليلية، إبراهيم إلياس آدم https://ejournal.um.edu.my/index.php/afkar/article/view/5430
**********
الإسرائيليات: بين التداخل المعرفي والنقد المنهجي
تظهر القراءة النقدية للتراث الإسلامي أن الإسرائيليات لم تكن يوما جزءًا أصيلا من المنهج الإسلامي في التلقي والاستدلال، بل جاءت بوصفها نتاجًا لتداخل معرفي وتاريخي حدث في سياق تشكل الثقافة الإسلامية المبكرة. فقد تزامن نزول القرآن وتكوين الدولة الإسلامية مع وجود تراث ديني يهودي ومسيحي سابق، ومع دخول عدد من أهل الكتاب في الإسلام، انتقلت بعض الروايات والقصص إلى البيئة الإسلامية، خاصة في مجال التفسير والقصص الديني. غير أن هذا الانتقال لم يضبط دائما بمنهج نقدي صارم، ما أتاح للإسرائيليات أن تتسلل إلى بعض مفاصل الوعي الديني دون أن تكون مؤسسة على أصول التشريع الإسلامي. إن المنهج الإسلامي الأصيل يقوم على مركزية القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة كنصوص حاكمة ومهيمنة على ما سواهما. فالقرآن، وفق تصريحه الذاتي، مهيمن على الكتب السابقة، أي أنه المرجع الأعلى في قبول أو رد أي رواية تراثية. ومع ذلك، أظهرت الممارسة التاريخية وجود فجوة بين هذا الأصل النظري والتطبيق العملي، خاصة في كتب التفسير بالمأثور، حيث استخدمت الإسرائيليات أحيانا لملء الفراغ السردي في القصص القرآني، أو لإضفاء طابع تفصيلي وحكائي على النص، دون إخضاع هذه الروايات دائما لمعيار المقاصد القرآنية أو للنقد السندي والمضموني الكافي. ورغم أن الإسرائيليات لم تستخدم غالبا كمصدر مباشر لاستنباط الأحكام الفقهية، فإن تأثيرها كان نوعيا أكثر منه كميا. فقد أسهمت في تشكيل تصورات معينة حول العقوبة والقصاص، ومكانة المرأة وأدوارها الاجتماعية، وصورة "الآخر" الديني والإنساني. هذا التأثير غير المباشر جعل بعض المفاهيم الوافدة جزءًا من الوعي الديني الشعبي، حتى وإن لم تصرح بها كتب الفقه بوصفها أدلة تشريعية. وهنا تتجلى خطورة الروايات غير النقدية، إذ تتحول من مجرد مادة تفسيرية إلى إطار ذهني يعاد إنتاجه في الوعظ والتعليم الديني. إن تجاوز هذا الإرث الإشكالي لا يعني إنكار التراث أو القطيعة معه، بل يقتضي إعادة الاعتبار للقرآن والسنة كنصوص حاكمة، وتطوير مناهج نقدية متكاملة في التفسير والفقه. تشمل هذه المناهج نقد السند، وتحليل المضمون، والمقارنة بالمقاصد الكلية للشريعة، وفهم السياق التاريخي الذي نشأت فيه الروايات. كما يقتضي الأمر إدماج هذه الرؤية النقدية في الخطاب الديني العام، بما يمنع إعادة تدوير الإسرائيليات دون وعي أو تمحيص. إلى جانب ذلك، تبرز الحاجة إلى توعية الجمهور بخطورة الروايات غير النقدية على الوعي الديني والفكري. فالجمهور غير المتخصص غالبا ما يتلقى القصص الديني بوصفه حقيقة مكتملة، ما يجعل أي رواية مشكوك فيها قابلة للتأثيرالعميق في تشكيل المواقف والقيم. ومن هنا تأتي أهمية المشاريع الفكرية والثقافية التي تسعى إلى بناء وعي معرفي نقدي، يوازن بين احترام التراث وضرورة إخضاعه للمساءلة العلمية. فإعادة ضبط العلاقة مع الإسرائيليات تمثل خطوة أساسية في مشروع أوسع يهدف إلى تحرير الوعي الديني من الروايات غير المنضبطة، وإعادة وصل الفقه والتفسير بجذورهما النصية والأخلاقية الأصيلة.
المراجع:
"منهجية ابن حزم النقدية في الرد على الاعتقادات اليهودية"، خديجة أمليد: https://www.josooor.com/pdfs/eighteen/first/24.pdf "مقاربة استقرائية للجهود الأكاديمية المعاصرة في تنقية التراث التفسيري الإسلامي من الإسرائيليات" ، مجلة الحضارة الإسلامية: https://asjp.cerist.dz/en/article/145780
#نبهان_خريشه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الموروث الفقهي والتاريخي بين سلطة النقل وجرأة العقل
-
الحرب على إيران وصراع الطاقة العالمي
-
الإعلام في عصر المنصات الشخصية
-
عندما نصبح نحن الأسطورة
-
القصص الرافدية في سفر التكوين
-
إشكالية الدولة الدينية في عالم متحوّل
-
تفكيك السرد التوراتي في ضوء الميثولوجيا السومرية
-
من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
-
هل أحيقار الآشوري هو لقمان القرآني؟
-
قراءة في إشكاليات الفكر العربي
-
بين الدين والأنثروبولوجيا: هل كان آدم أول البشر أم أول بشر ع
...
-
في اللسان العربي المبين واللغه العربية المعاصرة
-
اليهودية نشأت في اليمن: قراءة في أطروحات الباحثين العرب الجد
...
-
اللغة العبرية: من لغة ميتة إلى محكية
-
الطوفان: من جلجامش إلى سفر التكوين الى حضارات امريكا الجنوبي
...
-
ظاهرة الترامبية بمواجهة الليبرالية
-
حضارات العصر الجليدي المندثره أسطورة أم حقيقة ؟
-
هل ساهم -الأنوناكي- في بناء الحضارات القديمة ؟؟
-
-فليكوفسكي- ومحاولة تحويل أساطيرالتوراة لوقائع تاريخية
-
التغيرات المناخية والهجرات من شبه الجزيرة العربية
المزيد.....
-
المجلس المركزي لليهود في ألمانيا: تصريحات بن غفير مخزية للغا
...
-
لُغز الجندي الثالت.. إسرائيل تُعلن العثور على رفات يهودا كات
...
-
“أنصار حزب الله” يعودون إلى الظهور.. ودعوات لإقامة “حكم إسلا
...
-
المقاومة الإسلامية في العراق تجدد شروطها لتنظيم حصر السلاح
-
دول عربية وإسلامية تندد برفض نتنياهو خطة ترمب لغزة
-
ترامب يرد على تقارير نقص الإمداد وانخفاض الروح المعنوية على
...
-
وصفة -عبدول- السرية.. لماذا يفوز المسلمون بالانتخابات في أمر
...
-
طقوس يهودية وكتب صلاة في باحات الأقصى.. الشرطة الإسرائيلية ت
...
-
مرض جلدي يفتك بالأسيرات الفلسطينيات في سجن إسرائيلي
-
نادي الأسير الفلسطيني: تسجيل إصابات بالجرب بين الأسيرات في س
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|