أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صفاء الصافي - تجارة الحديث النبوي: كيف صُنعت السلطة بالرواية














المزيد.....

تجارة الحديث النبوي: كيف صُنعت السلطة بالرواية


صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي


الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 16:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عندما يتابع المرء وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي اليوم، يلاحظ حضورًا واسعًا للدعاة الإسلاميين الذين يستشهدون بالأحاديث المنسوبة إلى النبي محمد في تناول مختلف القضايا، ويبدو أن هذه الأحاديث تُستحضر للإجابة عن معظم المشكلات والأسئلة التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية، حتى يكاد لا يخلو موضوع من الاستناد إليها. كما أن جانبًا كبيرًا من التراث التفسيري للقرآن يعتمد على الأحاديث النبوية في شرح الآيات، وبيان أسباب نزولها، وتحديد معانيها، الأمر الذي يجعل فهم النص القرآني، في كثير من الأحيان، مرتبطًا بالروايات الحديثية بقدر ارتباطه بالنص نفسه.
بعد وفاة النبي محمد، أصبح المسلمون أكثر شوقًا إلى معرفة أقواله وأفعاله، فبدأ الصحابة ومن عاصرهم يتناقلون ما يتذكرونه من روايات عنه. ومع مرور الزمن، لم تعد رواية الحديث مجرد وسيلة لحفظ الذاكرة الدينية، بل أصبحت أيضًا مصدرًا للمكانة الاجتماعية والسلطة المعنوية. فكلما عُرف الراوي بكثرة ما يرويه، ازداد حضوره في المجتمع، وأصبح مرجعًا في الدين، ومحل تقدير لدى العامة والحكام على حد سواء.
ومن هنا يذهب بعض الباحثين إلى أن هذا الواقع خلق حوافز دفعت بعض الرواة إلى الإكثار من الرواية، سواء بدافع الشهرة، أو التقرب من أصحاب النفوذ، أو خدمة اتجاهات سياسية ومذهبية. ولا يعني ذلك أن جميع الرواة كانوا كذلك، لكنه يطرح سؤالًا تاريخيًا مشروعًا: هل بقيت جميع الروايات بمنأى عن تأثير المصالح البشرية، أم أن المكانة التي اكتسبها رواة الحديث أسهمت في تضخم عدد الروايات المنسوبة إلى النبي؟
وقد ناقش عدد من الباحثين هذه الظاهرة، ورجحوا أن تكاثر الأحاديث كان يخدم مصالح دينية أو سياسية أو اجتماعية، وبالتالي كان "مربحًا" لفئات معينة، وإن لم يكن المقصود بالربح هنا الجانب المالي وحده.
فنجد أن محمود أبو رية ناقش في كتابه أضواء على السنة المحمدية كيف أصبحت رواية الحديث مصدرًا للمكانة الاجتماعية والنفوذ، وانتقد ظاهرة الإكثار من الرواية لدى بعض الرواة.
كما رأى إغناز جولدتسيهر أن عددًا من الأحاديث نشأ لتأييد مواقف سياسية أو مذهبية ظهرت بعد وفاة النبي، وأن الرواية استُخدمت لإضفاء الشرعية على اتجاهات متنافسة.
أما جوزيف شاخت، فقد ذهب إلى أن كثيرًا من الأحاديث الفقهية صيغت لتبرير أحكام المدارس الفقهية، أي إنها كانت تمنح أصحابها سلطة علمية وتشريعية.
وهنا تكمن خطورة الأحاديث إذا ما تحولت، في الممارسة الدينية، إلى المرجع الأول، وأصبح القرآن يُقرأ من خلالها لا العكس. فبدلًا من أن يكون الحديث خاضعًا لمعيار القرآن، غدا القرآن، في كثير من كتب التفسير والفقه، يُفهم ويُؤوَّل في ضوء الروايات الحديثية.
ولم تكن قضية الرواية موضع تساؤل في العصر الحديث فقط، بل إن بوادر القلق منها ظهرت في وقت مبكر بعد وفاة النبي. فقد روي أن أم المؤمنين عائشة كانت تعترض على بعض ما يرويه أبو هريرة، ومن ذلك قولها له: «إنك لتحدث حديثًا ما سمعته من النبي»، فأجابها بأن انشغالها بشؤون بيتها حال دون سماع بعض ما سمعه. كما أنكرت حديث: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب»، وقالت مستغربة: «شبهتمونا بالحمير والكلاب!»، ثم احتجت بأنها كانت تضطجع بين يدي النبي وهو يصلي، ولم يكن ذلك يقطع صلاته.
وتشير هذه الروايات إلى أن الجدل حول صحة بعض الأحاديث أو فهمها لم يبدأ في العصور المتأخرة، بل كان حاضرًا منذ الجيل الأول للمسلمين، وأن بعض الصحابة كانوا يناقشون الروايات ويعارضونها إذا رأوا أنها تخالف ما شهدوه أو ما عرفوه من سيرة النبي.
كما تذكر المصادر الإسلامية أن عمر بن الخطاب كان يتحفظ على الإكثار من رواية الحديث، ورويت عنه مواقف تدل على تشجيعه الانشغال بالقرآن، والحذر من التوسع في التحديث، خشية اختلاط الأمر على الناس أو انصرافهم عن كتاب الله. إلا أن الباحثين يختلفون في تفسير هذه المواقف؛ فبعضهم يراها سياسة مؤقتة لضبط الرواية، بينما يراها آخرون تعبيرًا عن قلق مبكر من تضخمها.
وأكاد أجزم بأن عمر كان ينظر بقلق إلى ظاهرة التوسع في رواية الحديث، وأن تضخم الروايات قد يؤدي إلى نشوء طبقة من الرواة تستمد نفوذها من احتكار المعرفة المنسوبة إلى النبي، وهو ما يمنحها مكانة اجتماعية وسياسية، وربما مكاسب مادية أيضًا.
وبذلك يمكن فهم موقف عمر من الإكثار في رواية الحديث على أنه محاولة للحيلولة دون تحولها إلى مؤسسة ذات نفوذ واسع، أو إلى ما يمكن تسميته بـ«صناعة الحديث»، حيث تصبح الرواية مصدرًا للسلطة الاجتماعية والنفوذ السياسي، وربما للمكاسب المادية، بقدر ما تكون وسيلة لنقل المعرفة الدينية.
فقد روي أن عمر قال لأبي هريرة: «لتتركن الحديث عن رسول الله، أو لألحقنك بأرض دوس»، وهي رواية قد تدل على أنه كان يرى أن الأحاديث ينبغي ألا تشغل الناس عما هو أهم منها، وهو كلام الله. فالقرآن، في نظره، أولى بالانشغال والحفظ من أقوال البشر، مهما بلغت مكانتها.
كما روي عن أبي هريرة قوله: «إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمان عمر، أو عند عمر، لشج رأسي».
وفي السياق نفسه، روي أن عمر كان يحث الناس على الاشتغال بالقرآن، ولما بعث أبا موسى الأشعري إلى العراق قال له: «إنك تأتي قومًا لهم في مساجدهم دويٌّ بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ذلك».
وسواء صحت هذه الروايات أم اختلف الباحثون في أسانيدها، فإنها تعكس حضور جدل مبكر داخل التراث الإسلامي نفسه حول حدود التوسع في رواية الحديث، ومكانة القرآن بوصفه المرجع الأول للمسلمين.



#صفاء_الصافي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التاريخ بين سلطة الوجدان وحياد العقل
- الثورة على عثمان اصلا حية ام مصالح .
- مقارنة بين سيف هارون وشتائم السوشيال ميديا
- من تُفتح الجنة أبوابها؟
- رزية الخميس: نكبة إسلامية أم دهاء سياسي؟
- المرأة والسلطة: جدل لا ينتهي بين الدين والسياسة
- الغنائم ودورها في انتشار الإسلام
- الخلافة وصراع السلطة .
- العقل الطائفي : الفايروس التاريخي للأمة
- التاريخ بين سيف السلطان وقلم المؤرخ: النسائي والحلاج أنموذجا ...
- إسكاتولوجيا المبشَّرين بالجنة
- من غرائب الموروث الاسلامي
- التاريخ الاسلامي كتب باقلام السلطة .
- قراءة نقدية في وهم القداسة
- من هو على حق ؟
- صراع التاريخ يدخل السوشيال ميديا
- عجيب امركم
- رجل الدسومة
- سيفا مسلول ام سيفا رهقا


المزيد.....




- المجلس المركزي لليهود في ألمانيا: تصريحات بن غفير مخزية للغا ...
- لُغز الجندي الثالت.. إسرائيل تُعلن العثور على رفات يهودا كات ...
- “أنصار حزب الله” يعودون إلى الظهور.. ودعوات لإقامة “حكم إسلا ...
- المقاومة الإسلامية في العراق تجدد شروطها لتنظيم حصر السلاح
- دول عربية وإسلامية تندد برفض نتنياهو خطة ترمب لغزة
- ترامب يرد على تقارير نقص الإمداد وانخفاض الروح المعنوية على ...
- وصفة -عبدول- السرية.. لماذا يفوز المسلمون بالانتخابات في أمر ...
- طقوس يهودية وكتب صلاة في باحات الأقصى.. الشرطة الإسرائيلية ت ...
- مرض جلدي يفتك بالأسيرات الفلسطينيات في سجن إسرائيلي
- نادي الأسير الفلسطيني: تسجيل إصابات بالجرب بين الأسيرات في س ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - صفاء الصافي - تجارة الحديث النبوي: كيف صُنعت السلطة بالرواية