أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 10:57
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
منذ سنوات، لم تعد تشدني الموضوعات التي يتحدث عنها الجميع، بقدر ما تشدني تلك التي لا يلتفت إليها أحد.
كلما رأيت رفوف المكتبات تمتلئ بكتب عن الشخصية نفسها، أو الحدث نفسه، أو الفكرة نفسها، سألت نفسي: ماذا عن المساحات التي لم يقترب منها أحد؟ ماذا عن الأشخاص الذين عاشوا حياة استثنائية ولم يجدوا من يرويها؟ ماذا عن المهن التي اختفت، والمدن التي تغيرت، والمؤسسات التي صنعت أجيالًا ثم غابت من الذاكرة؟
لقد اكتشفت أن المشكلة ليست في قلة الباحثين، بل في تشابه أسئلتهم.
كثيرون يبحثون حيث توجد المصادر الكثيرة، لأن الطريق هناك أسهل، ولأن النتائج مضمونة. أما الباحث الحقيقي، فيسير غالبًا في الاتجاه المعاكس؛ نحو الأماكن التي لا توجد فيها إلا وثيقة يتيمة، أو صورة باهتة، أو شاهد واحد يخشى أن يرحل قبل أن يتحدث.
هناك متعة خاصة في العثور على سؤال لم يسأله أحد من قبل. ليس لأننا نريد أن نكون مختلفين، وإنما لأن المعرفة لا تتقدم بتكرار ما نعرفه، بل باكتشاف ما غاب عنا.
حين شرعت في البحث عن دينق قوج، لم يكن السؤال: ماذا كتب عنه الناس؟ بل كان: لماذا لم يكتب عنه أحد؟ وكانت الإجابة هي التي قادتني إلى الكتاب، لا العكس.
ومنذ ذلك الوقت، أصبحت أفتش عن الفراغات أكثر مما أفتش عن الامتلاء. فالفراغات هي التي تنتظر الباحث، أما المناطق المكتظة بالدراسات، فهي تنتظر قارئًا جديدًا لا أكثر.
ولعل هذا ما يجعل التوثيق مغامرة فكرية قبل أن يكون عملًا أكاديميًا. فأنت لا تسير في طريق معبد، بل تشق طريقك بنفسك. وقد تخطئ، وقد تتعثر، وقد تقضي أشهرًا في البحث عن معلومة واحدة، لكنك حين تجدها، تشعر أنك لم تضف سطرًا إلى كتاب، بل أعدت قطعة صغيرة إلى لوحة التاريخ.
لقد أدركت أن قيمة الباحث لا تُقاس بعدد الكتب التي يقرأها، وإنما بنوعية الأسئلة التي يطرحها. فالسؤال الجيد قد يفتح بابًا لعلم كامل، بينما قد تغلق الإجابة السيئة عشرات الأبواب.
ولهذا لم يعد يشغلني أن أكتب عن الأكثر شهرة، بل عن الأكثر استحقاقًا. ولا أن أكرر ما كُتب، بل أن أبحث عما لم يُكتب بعد.
إن الباحث الذي يكتفي بالإجابات الجاهزة، لن يضيف شيئًا إلى المعرفة. أما الذي يجرؤ على طرح الأسئلة التي نسيها الجميع، فهو الذي يمنح التاريخ فرصة لأن يروي جانبًا آخر من قصته.
وربما لهذا السبب، أصبحت أؤمن بأن أعظم ما يمكن أن يتركه الباحث بعد رحيله ليس كتابًا ناجحًا، بل سؤالًا جديدًا يدفع باحثًا آخر إلى مواصلة الطريق. فالمعرفة لا تتقدم بالإجابات وحدها، وإنما تتقدم أيضًا بالشجاعة في طرح الأسئلة التي لم يجرؤ أحد على طرحها.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟