أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 10:31
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
لا أؤمن أن الكتابة مجرد وسيلة للتعبير عن الرأي، أو لنقل المعرفة، أو لتسجيل الأحداث. هذه كلها وظائف مهمة، لكنها ليست الوظيفة الأعمق. كلما تقدمت بي السنوات، ازددت اقتناعًا بأن الكتابة، في جوهرها، هي مقاومة للنسيان.
فالنسيان لا يبدأ عندما يموت الإنسان، بل يبدأ عندما يتوقف الناس عن رواية قصته. وعندما تضيع أوراقه، وتتلف صوره، وتتفرق رسائله، ويصبح اسمه مجرد ذكرى باهتة في ذاكرة من عرفوه.
لهذا لا أستطيع أن أنظر إلى الكتاب بوصفه مجموعة من الصفحات. إنه محاولة لتمديد عمر الذاكرة، ومنحها فرصة أخرى لتتحدث إلى من لم يعاصرها.
لقد عشت سنوات طويلة في الصحافة، ورأيت كيف تملأ بعض الأحداث الصفحات الأولى، ثم تختفي بعد أيام، كأنها لم تقع. ورأيت أيضًا أشخاصًا كان لهم أثر كبير في حياة الناس، لكنهم رحلوا دون أن يتركوا خلفهم سوى أخبار متناثرة لا تكفي لفهم تجربتهم.
عندها أدركت أن الزمن لا يهزم الإنسان مرة واحدة، بل يهزمه مرتين؛ الأولى حين يرحل، والثانية حين يُنسى.
ومن هنا بدأت أرى الكتابة على أنها فعل مقاومة. مقاومة ضد التلاشي، وضد اختزال البشر في سطور قليلة، وضد فقدان الذاكرة الجماعية التي تمنح المجتمعات إحساسها بالاستمرار.
ولعل أكثر ما تعلمته من تجربتي في التوثيق، أن كل وثيقة يتم إنقاذها، وكل شهادة تُسجل، وكل صورة تُحفظ، ليست إضافة إلى أرشيف، بل انتصار صغير على النسيان.
لا يعني ذلك أن الكتابة تستطيع أن توقف الزمن، فهي لا تملك هذه القدرة. لكنها تستطيع أن تحفظ أثر الزمن، وأن تمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم من سبقها، لا من خلال الشائعات، ولا من خلال الروايات المبتورة، وإنما من خلال ما تركه أصحاب التجربة أنفسهم، وما جمعه الباحثون بأمانة وصبر.
إن الأمم لا تبقى لأنها أقوى من غيرها، بل لأنها تعرف كيف تحفظ ذاكرتها. فالذاكرة ليست ترفًا ثقافيًا، بل أحد شروط البقاء. وكل كتاب صادق هو لبنة في هذا البناء الطويل.
ولهذا لم أعد أسأل نفسي: كم كتابًا سأكتب؟ بل أصبحت أسأل: كم قصة يمكن إنقاذها قبل أن تضيع؟ وكم إنسانًا يمكن أن يعود إلى الذاكرة العامة بعد أن كاد يختفي منها؟
ربما لن تغير الكتابة العالم دفعة واحدة، لكنها تمنع العالم من أن يفقد ذاكرته. وهذا، في تقديري، ليس دورًا هامشيًا، بل أحد أنبل الأدوار التي يمكن أن يؤديها الكاتب.
ولهذا سأظل أؤمن بأن الكلمة ليست حبرًا على ورق، بل أثرًا يقاوم الفناء. وأن الكاتب، مهما بدا وحيدًا أمام صفحته البيضاء، إنما يخوض معركة هادئة ضد أقوى خصم عرفه الإنسان: النسيان.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟