|
|
حين يبني القرآن الإنسان - قبل أن يشرّع له
ثامر الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 01:57
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لماذا يبدأ الإصلاح من الداخل؟ يفترض كثيرون أن صلاح المجتمع يتحقق بكثرة القوانين، وتفصيل الأحكام، وتشديد العقوبات، وأن الخلل في حياة الناس إنما يعود إلى نقصٍ في التشريع أو ضعفٍ في تطبيقه. وبناءً على هذا التصور، يصبح إصلاح المجتمع مسألة قانونية في المقام الأول: نضيف حكمًا هنا، ونشدد عقوبة هناك، ونضاعف الرقابة في مكان آخر، ثم ننتظر أن يتغير الإنسان والمجتمع. لكن هذا التصور، إذا تأملناه قليلًا، يكشف عن خلل أعمق في فهم طبيعة الإنسان والإصلاح معًا. إنه يشبه رجلًا أراد إنقاذ بيت آيل إلى السقوط، فبدل أن ينظر إلى أساساته المتصدعة، أخذ يعلّق على جدرانه المتشققة لوحات جميلة، ويعيد طلاء واجهاته، ويضع على أبوابه أقفالًا أكثر صلابة، ثم ظن أن كثرة الزينة والإجراءات ستمنع البيت من الانهيار. ومهما بلغت قيمة اللوحات، ومهما كان الطلاء جميلًا، ومهما كثرت الأقفال، فإنها لن تعالج خللًا يقع في الأساس. فالبيت لا ينهار لأن واجهته تفتقر إلى الزينة، وإنما ينهار لأن بنيته التي تحمل تلك الواجهة لم تعد قادرة على حملها. هذه الصورة تقرّب إلينا، بصورة واضحة، أحد أهم ملامح المنهج القرآني في الإصلاح: القرآن لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل؛ لا يبدأ بالحكم قبل الإنسان، ولا بالتشريع قبل بناء الشخصية القادرة على حمل التشريع. فالأحكام، في البناء القرآني، ليست نقطة البداية التي يُراد منها تشكيل الإنسان بالقوة، وإنما تأتي ضمن عملية أعمق تستهدف الإنسان نفسه: وعيه، ونفسه، وعقله، وإرادته، وموقفه من الخير والشر، ومن نفسه ومن الآخرين. ولذلك لا يبدو التشريع في القرآن وكأنه مجموعة أوامر منفصلة عن مشروع بناء الإنسان، بل كجزء من مشروع أكبر غايته أن يتحول الإنسان من الداخل، ثم ينعكس هذا التحول على سلوكه وعلاقاته ومجتمعه. الإنسان هو نقطة البداية حين يتحدث القرآن عن الفلاح، فإنه لا يبدأ بالسلوك الخارجي وحده، ولا يجعل كثرة الأفعال معيارًا مستقلًا للنجاح، وإنما يذهب مباشرة إلى الداخل، إلى النفس التي تصدر عنها الأفعال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (سورة الشمس، الآيتان 9-10) هنا تتقدم النفس على السلوك، ويصبح إصلاحها أساسًا للفلاح. والتزكية، في هذا السياق، ليست طقسًا شكليًا يؤديه الإنسان ثم ينصرف عنه، وليست مجرد إعلان عن صلاح الذات، وإنما هي عملية إصلاح مستمرة، تتجه فيها النفس من حالة إلى أخرى؛ من سيطرة الأهواء إلى سيادة القيم، ومن الانقياد للنزوات إلى امتلاك القدرة على الاختيار، ومن الخضوع للمصلحة الضيقة إلى إدراك ما يتجاوزها. وفي المقابل، فإن تدسية النفس لا تختزل في ارتكاب المعصية أو الوقوع في الخطأ، بل يمكن أن تُفهم بوصفها إفسادًا لهذا الاستعداد الداخلي، ودفنًا لما في النفس من قابلية للخير تحت ركام الشهوات والعادات والمصالح والتبريرات. وهنا تظهر نقطة أساسية: القرآن لا ينظر إلى الإنسان بوصفه آلة لتنفيذ الأوامر، وإنما بوصفه كائنًا يحتاج إلى بناء داخلي يجعله قادرًا على حمل المسؤولية. فالمشكلة ليست دائمًا في أن الإنسان لا يعرف الحكم، وإنما قد تكون في أنه يعرفه ولا يملك من داخله ما يجعله قادرًا على الالتزام به. ومن هنا يصبح السؤال القرآني أعمق من سؤال: ما الحكم؟ إنه سؤال يتجه قبل ذلك إلى: من هو الإنسان الذي سيحمل هذا الحكم؟ قبل المسؤولية: تكريم الإنسان ولهذا لا يبدأ القرآن بتصوير الإنسان بوصفه كتلة من الخطايا تنتظر الأوامر حتى تنضبط، بل يذكّره أولًا بأصله ومقامه، ويؤسس تصورًا مختلفًا عن طبيعة الإنسان: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ سورة التين، الآية 4 ليست هذه الآية مجرد جملة خبرية عن الخلق، وإنما هي تأسيس لتصور كامل عن الإنسان. فالإنسان، في أصل خلقه، ليس كائنًا ساقطًا بطبيعته، ولا شريرًا في جوهره، وإنما خُلق في أحسن تقويم. لكن هذا المقام ليس ضمانًا أبديًا لا يتأثر بفعل الإنسان، ولذلك يقول القرآن بعد ذلك: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾( سورة التين، الآيتان 5-6) فالإنسان يملك قابلية الارتقاء كما يملك إمكانية الانحدار. والمحافظة على مقامه لا تتحقق بمجرد الانتماء أو الادعاء، وإنما بما يترتب على الإيمان من عمل صالح. وهنا يظهر مرة أخرى الارتباط بين الداخل والخارج: الإيمان حالة داخلية، والعمل الصالح أثر خارجي لها. ولا يقدّم القرآن أحدهما بوصفه بديلًا عن الآخر. فالعمل الذي لا يستند إلى بناء داخلي يمكن أن يتحول إلى عادة أو مظهر، كما أن الادعاء الداخلي الذي لا يثمر عملًا يبقى مجرد دعوى لا تكشف عن تحول حقيقي في الإنسان. النفس ليست صفحة بيضاء ويبلغ هذا التصور ذروته في سورة الشمس، حين يكشف القرآن عن طبيعة النفس الإنسانية وعن الاستعداد الموجود فيها قبل الدخول في تفاصيل التشريع: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (سورة الشمس، الآيات 7-10) فالنفس الإنسانية ليست صفحة بيضاء تمامًا تنتظر التشريع لكي يخبرها لأول مرة بأن هناك خيرًا وشرًا، وليست كذلك كتلة مظلمة لا تعرف شيئًا إلا إذا جاءها القانون من الخارج. إنها نفس سوّاها الله، وجعل فيها قابلية للتمييز بين طريقين: الفجور والتقوى. ومن هنا يمكن فهم وظيفة التشريع بصورة مختلفة. فالتشريع لا يأتي بالضرورة لكي يخلق من الصفر قدرة الإنسان على التمييز، وإنما يأتي ليوقظ هذا الاستعداد، ويهذبه، ويقويه، ويضع له إطارًا عمليًا يحميه من الانحراف. وهذا فارق جوهري. فحين نتصور أن الإنسان لا يتحرك إلا تحت ضغط الحكم والعقوبة، يصبح القانون هو الذي يصنع السلوك. أما حين نفهم أن في الإنسان قابلية داخلية للتمييز والاختيار، فإن التشريع يصبح جزءًا من عملية بناء وتوجيه وترشيد لهذه القابلية. وهنا يبدأ الفرق بين إنسان يخاف القانون وإنسان يفهم لماذا ينبغي أن يفعل الصواب حتى في غياب الرقيب. الأول يمكن ضبطه ما دام الرقيب حاضرًا، أما الثاني فقد أصبح قادرًا على مراقبة نفسه. التغيير يبدأ من النفس هذا الفهم يفسر أيضًا لماذا يربط القرآن التغيير الحقيقي بما يحدث داخل الإنسان قبل أن يحدث حوله. يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد، الآية 11) هذه الآية لا تبدو مجرد توجيه أخلاقي فردي، بل يمكن قراءتها بوصفها قاعدة عامة في حركة الإنسان والمجتمع. فالمجتمع ليس شيئًا منفصلًا عن أفراده. والمؤسسات لا تعمل في فراغ. والقوانين لا تتحرك وحدها. وكل بنية اجتماعية تحمل داخلها الإنسان الذي أنشأها ويشغلها ويمارسها. يمكن للقانون أن يفرض سلوكًا مؤقتًا، ويمكن للعقوبة أن تمنع بعض الأفعال، ويمكن للرقابة أن تقلل مساحة الانحراف، لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة أن الإنسان قد تغير. فقد يتوقف الإنسان عن السرقة لأنه يخشى العقوبة، لكنه لا يصبح بالضرورة إنسانًا نزيهًا. وقد يتجنب الظلم لأنه يخشى القانون، لكنه لا يصبح بالضرورة عادلًا. وقد يلتزم بالسلوك الظاهر لأنه مراقب، بينما يظل داخله كما هو. أما حين تتغير النفس، فإن السلوك يبدأ بالتغير معها، ويصبح القانون معينًا على الخير لا بديلًا عن الإنسان. وهنا تكمن خطورة اختزال الإصلاح في التشريع وحده: يمكنك أن تضاعف القوانين، لكنك لا تستطيع بالقانون وحده أن تصنع الضمير. الصلاة ليست حركة جسدية فقط ومن هنا يمكن فهم طبيعة الأحكام العملية في القرآن. خذ الصلاة مثلًا. لو كانت الغاية من الصلاة مجرد أداء حركات محددة في أوقات محددة، لكان أداء تلك الحركات كافيًا لتحقيق المقصود. لكن القرآن لا يقدم الصلاة بهذه الصورة، وإنما يربطها بأثر يتجاوز فعل الصلاة ذاته: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (سورة العنكبوت، الآية 45) إذن هناك علاقة بين العبادة وما تبنيه في الإنسان. الصلاة وسيلة، والنهي عن الفحشاء والمنكر أحد آثارها المقصودة. ومن هنا يمكن طرح سؤال مهم: ماذا يعني أن يؤدي الإنسان الصلاة، ثم يظل أسير الفحشاء والمنكر في سلوكه وعلاقاته وتعاملاته؟ لا يعني ذلك أن الحكم نفسه فشل، ولا أن الصلاة فقدت قيمتها، وإنما يعني أن هناك خللًا في تحقق الأثر التربوي المقصود، وأن أداء الوسيلة لم يصل بعد إلى غايتها المنشودة. فالقرآن لا يقيس نجاح العبادة بمجرد ظهورها على الجسد، وإنما بما تحدثه في الإنسان. وهذا لا يعني إلغاء الفعل الخارجي، بل يعني رفض الفصل بين الفعل ونتيجته الإنسانية. فالعبادة التي تتحول إلى عادة منفصلة عن بناء الإنسان تفقد جزءًا جوهريًا من معناها، حتى وإن بقي شكلها الخارجي قائمًا. القرآن شفاء قبل أن يكون قائمة أحكام والأمر نفسه يصدق على القرآن ذاته. فالقرآن لا يقدم نفسه أولًا باعتباره كتابًا من الأحكام المجردة، وإنما يقدم نفسه أيضًا بوصفه علاجًا لما يصيب الإنسان من خلل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الإسراء، الآية 82) والشفاء هنا يفتح لنا بابًا مهمًا لفهم طبيعة العلاقة بين القرآن والإنسان. فالإنسان قد يمتلك الحكم الصحيح، لكنه يستخدمه بطريقة خاطئة. وقد يعرف النص، لكنه يوظفه لخدمة غروره. وقد يحفظ الأمر، لكنه يجعله وسيلة للحكم على الآخرين. وقد يرفع شعار الدين، بينما يستخدمه لتعزيز التعصب والاستعلاء والتمييز. لذلك فإن مجرد وصول الحكم إلى الإنسان لا يعني أن الإنسان أصبح صالحًا لحمله. النفس المريضة قد تحول حتى الحكم الصحيح إلى أداة للرياء أو التعصب أو الاستعلاء. أما النفس التي خضعت لعملية إصلاح حقيقية، فإنها تستقبل التشريع بروحه، لا بحرفه وحده؛ وتفهم الحكم باعتباره جزءًا من بناء الإنسان، لا مجرد أداة لإدانة الآخرين. وهنا يظهر معنى أن يكون القرآن شفاءً ورحمة: ليس لأنه يزود الإنسان بالمعلومات فقط، وإنما لأنه يتجه إلى الإنسان الذي يحمل هذه المعلومات، ويعمل على إعادة بناء نظرته إلى نفسه وإلى العالم وإلى الآخرين. حين يتحول الدين إلى قائمة أحكام من هنا فإن اختزال الدين في قائمة من الأحكام، من دون بناء الإنسان الذي سيحملها، ليس مجرد اختزال تربوي، بل هو اختزال يخالف البناء القرآني نفسه. فالقرآن لا يربي إنسانًا مهمته مراقبة الآخرين، وإنما يربي إنسانًا يبدأ بمراقبة نفسه. ولا يصنع مجرد حافظ للأوامر، وإنما يسعى إلى صناعة إنسان يدرك المعنى الذي من أجله شُرعت الأوامر، ويتحول الحكم عنده من نص خارجي إلى وعي داخلي. ولهذا نرى في الواقع ظاهرة متكررة: إنسان يلتزم بكثير من الشعائر، لكنه سريع الغضب، قاسي القلب، ظالم في معاملاته، متكبر على الناس، أو مستعد لإهانة الآخرين بمجرد اختلافهم معه. هنا لا ينبغي أن نقفز إلى نتيجة تقول إن الأحكام فشلت. المشكلة ليست في الحكم بالضرورة، وإنما قد تكون في أن البناء توقف عند القشرة ولم يصل إلى الجذر. أُديت الوسيلة، لكن الغاية التربوية لم تكتمل. ظهر السلوك الخارجي، لكن التحول الداخلي لم يواكبه. وهذا هو الفارق بين إنسان يؤدي العبادة وإنسان تبني العبادة شخصيته. فالأول قد ينتهي من عبادته ليعود كما كان، أما الثاني فيفترض أن يخرج منها مختلفًا عما دخل إليها. القانون لا يستطيع أن يعيش بدل الإنسان وهنا تنقض هذه القاعدة كل تصور يجعل الدين مجرد منظومة قوانين تُفرض على الإنسان من الخارج، بينما يظل عالمه الداخلي على حاله. فالإنسان يمكن أن يعيش تحت آلاف القوانين، ومع ذلك يبحث عن الثغرات التي تسمح له بالتحايل عليها. يمكن أن تضع له مئات العقوبات، ومع ذلك سيبحث عن طريقة لتجنبها. يمكن أن تزيد الرقابة، لكنه قد يتعلم كيف يخفي سلوكه. أما إذا تغير الإنسان نفسه، فإن كثيرًا من السلوكيات التي كان القانون يحتاج إلى مراقبتها تصبح جزءًا من اختياره الطبيعي. وهنا يمكن فهم الفارق بين مجتمع تحكمه القوانين ومجتمع يحمل أفراده القانون في داخلهم بوصفه قيمة. الأول يحتاج إلى رقابة مستمرة، والثاني يعتمد بدرجة أكبر على الضمير. ولهذا فإن الترتيب القرآني للإصلاح يبدو مختلفًا: يبدأ من الداخل، من الإنسان، من نفسه، من وعيه، ثم ينعكس على سلوكه، ثم على علاقاته، ثم على المجتمع. أما الاكتفاء بتكثير الأحكام دون إصلاح الإنسان، فهو يشبه محاولة تقويم ظل الشجرة بينما جذورها تذبل في الأرض. يمكنك أن تجعل الظل مستقيمًا للحظات، لكن الشجرة نفسها لن تستقيم ما لم تُصلح جذورها. الإنسان قبل التشريع هذه الفكرة هي التي تجعل دراسة النفس الإنسانية أمرًا لا ينفصل عن فهم التشريع. ان فهم النفس ليس موضوعًا جانبيًا يمكن عزله عن الأحكام، وإنما هو المدخل الطبيعي لفهم جانب أساسي من طبيعة الخطاب القرآني. فالأحكام لم تُشرع في فراغ. إنها خوطبت بها نفس إنسانية لها دوافعها، ومخاوفها، وشهواتها، وآمالها، وضعفها وقوتها، وقابليتها للخير والشر. ومن دون فهم هذه النفس، يمكن أن يفقد كثير من التشريع معناه التربوي، ويتحول الحكم إلى أمر جامد يُؤدى في الظاهر، بينما لا يحدث في الإنسان التحول الذي يفترض أن يرافقه. ولهذا فإن السؤال عن الحكم لا ينبغي أن يكون نهاية التفكير، بل بدايته. عندما تقف أمام أي حكم قرآني، لا تجعل سؤالك الأول: كيف أطبقه؟ اجعل قبله سؤالًا أعمق: أي إنسان يريد القرآن أن يصنعه بهذا الحكم؟ هذا السؤال ينقلنا من التعامل مع التشريع بوصفه مجموعة أوامر منفصلة إلى التعامل معه بوصفه جزءًا من مشروع متكامل لبناء الإنسان. فإذا عرفت الإنسان الذي يبنيه الحكم، بدأت تقترب من الحكمة التي يقف وراء الحكم. وإذا فهمت الغاية الإنسانية للحكم، لم تعد تنظر إليه بوصفه قيدًا خارجيًا فحسب، بل بوصفه أداة في عملية أوسع لصناعة الإنسان. من الحكم إلى الإنسان إن أخطر ما يمكن أن يحدث للدين هو أن ينفصل الحكم عن الإنسان، وأن يتحول التشريع من وسيلة لبناء الشخصية إلى أداة لتصنيف الناس والحكم عليهم. عندها يصبح السؤال: من التزم؟ ومن خالف؟ ومن فعل؟ ومن ترك؟ ومن يستحق العقوبة؟ ومن يستحق الإدانة؟ لكن السؤال القرآني الأعمق يظل متعلقًا بالإنسان نفسه: ماذا حدث في داخله؟ هل أصبح أكثر قدرة على ضبط نفسه؟ هل أصبح أكثر عدلًا؟ هل أصبح أقل استسلامًا لهواه؟ هل أصبح أكثر وعيًا بمسؤوليته؟ هل انعكس إيمانه على عمله؟ هل صنعت العبادة منه إنسانًا مختلفًا؟ وهذه الأسئلة ليست خروجًا من التشريع، وإنما عودة إلى الغاية التي تجعل التشريع جزءًا من مشروع إصلاحي متكامل. فليس المقصود أن نختار بين الإنسان والحكم، ولا بين الداخل والخارج، ولا بين التربية والتشريع. المقصود أن ندرك العلاقة بينهما، وأن نفهم أن الحكم الذي لا يلامس الإنسان من الداخل يظل معرضًا لأن يتحول إلى مجرد شكل خارجي. فالإنسان هو الذي يحمل الحكم، وهو الذي يفسره، وهو الذي يطبقه، وهو الذي يمكن أن يحوله إلى عدل أو إلى وسيلة للظلم، إلى رحمة أو إلى قسوة، إلى إصلاح أو إلى استعلاء. ولهذا فإن إصلاح التشريع في الواقع لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح الإنسان الذي يتلقاه. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الجذر إن القرآن، حين يتحدث عن النفس، وعن التزكية، وعن الإيمان والعمل الصالح، وعن أثر الصلاة، وعن الشفاء، وعن التغيير الذي يبدأ مما في النفس، يضع أمامنا صورة مختلفة للإصلاح. إنه لا يقول لنا ببساطة: غيّروا السلوك. بل يذهب إلى ما هو أعمق: غيّروا الإنسان الذي يصنع السلوك. فالإنسان إذا صلح، لم تعد القيم بالنسبة إليه أوامر مفروضة من الخارج فحسب، وإنما أصبحت جزءًا من بنيته الداخلية. وعندها يصبح القانون معينًا على الصلاح، لا بديلًا عنه. وتصبح العبادة بناءً للنفس، لا مجرد أداء. ويصبح التشريع وسيلة لحماية القيم، لا وسيلة لصناعة القيم من العدم. ويصبح المجتمع انعكاسًا بدرجة أكبر لما استقر في نفوس أفراده. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يبدأ الإصلاح من الداخل. لأن الخارج هو في النهاية انعكاس بدرجات مختلفة لما استقر في الداخل. ولأنك تستطيع أن تفرض على الإنسان سلوكًا، لكنك لا تستطيع أن تفرض عليه أن يصبح إنسانًا صالحًا بمجرد كثرة الأوامر. وتستطيع أن تراقب يده، لكنك لا تستطيع أن تراقب قلبه في كل لحظة. وتستطيع أن تعاقبه على الجريمة، لكنك لا تستطيع بالعقوبة وحدها أن تزرع فيه حب العدل. وتستطيع أن تجعله يؤدي العبادة، لكنك لا تستطيع أن تضمن بالضغط الخارجي وحده أن تتحول العبادة إلى تزكية. ولهذا فإن المشروع القرآني أعمق من مجرد إنتاج مجتمع كثير الأحكام. إنه يريد إنتاج إنسان قادر على أن يعيش القيم قبل أن يُطلب منه الدفاع عنها، وأن يختار الخير قبل أن يخاف العقوبة، وأن يراقب نفسه قبل أن يبحث عن مراقبة الآخرين. الإنسان أولًا في النهاية، لا يبدو السؤال الأكثر أهمية أمام أي حكم قرآني هو: كم مرة يجب أن نطبقه؟ ولا: كيف نجبر الناس عليه؟ السؤال الأعمق هو: ماذا يريد هذا الحكم أن يفعل بالإنسان؟ ماذا يريد أن يغيّر فيه؟ أي نزعة يريد أن يهذب؟ أي ضعف يريد أن يعالجه؟ أي قيمة يريد أن يبنيها؟ وأي علاقة يريد أن يعيد ترتيبها بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخرين، وبين الإنسان ومجتمعه؟ عندما نطرح هذه الأسئلة، يتغير فهمنا للتشريع كله. نكتشف أن الأحكام ليست جزُرًا منفصلة، وأن العبادة ليست حركة معزولة عن أثرها، وأن القانون ليس بديلًا عن الضمير، وأن الإصلاح الاجتماعي لا يمكن أن يبدأ من المؤسسات وحدها إذا بقي الإنسان الذي يدير تلك المؤسسات على حاله. فالقرآن لا يريد مجرد إنسان يعرف الحكم، وإنما يريد إنسانًا يتغير بالحكم. ولا يريد مجرد مجتمع كثير القوانين، وإنما مجتمعًا يحمل أفراده من الداخل ما يجعل القوانين أقل حاجة إلى القسر وأكثر قدرة على حماية القيم. وهنا يعود بنا الطريق إلى البداية: القرآن يبني الإنسان قبل أن يشرّع له. لأن الإنسان إذا صلح، استقامت أفعاله، وأصبح الحكم جزءًا من بنيته الأخلاقية لا مجرد قيد خارجي عليه. أما إذا بقي فاسدًا من الداخل، فإن كثرة القوانين لن تنقذه. وقد تحاصره الأحكام من كل جانب، لكنه سيظل يبحث عن منفذ يمر منه فساده. فالإصلاح الذي يبدأ من الخارج قد يغيّر المظهر، أما الإصلاح الذي يبدأ من الداخل فيغيّر الإنسان. والقرآن، حين يجعل الفلاح في تزكية النفس، والتغيير في تغيير ما بالنفس، والعبادة مرتبطة بأثرها في السلوك، والقرآن نفسه شفاءً ورحمة، فإنه يضع أمامنا قاعدة لا يمكن تجاوزها: لا تبدأ بإصلاح ما يفعله الإنسان قبل أن تسأل عن الإنسان الذي يفعل. فإذا صلح الإنسان، أصبحت الأحكام حياة. أما إذا لم يصلح، فقد تتحول الأحكام نفسها إلى مجرد قشرة فوق إنسان لم يتغير. وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: من الداخل إلى الخارج، من النفس إلى السلوك، ومن الإنسان إلى المجتمع.
#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التكرار وسيلة لبناء المفهوم
-
الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء
-
بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
-
البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
-
السؤال... أول الطريق إلى الهداية
-
القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
-
القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
-
الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
-
الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن
...
-
الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من
...
-
الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن
...
-
حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا
...
-
الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار
...
-
الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
-
الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
-
رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا
...
-
بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض
...
المزيد.....
-
المجلس المركزي لليهود في ألمانيا: تصريحات بن غفير مخزية للغا
...
-
لُغز الجندي الثالت.. إسرائيل تُعلن العثور على رفات يهودا كات
...
-
“أنصار حزب الله” يعودون إلى الظهور.. ودعوات لإقامة “حكم إسلا
...
-
المقاومة الإسلامية في العراق تجدد شروطها لتنظيم حصر السلاح
-
دول عربية وإسلامية تندد برفض نتنياهو خطة ترمب لغزة
-
ترامب يرد على تقارير نقص الإمداد وانخفاض الروح المعنوية على
...
-
وصفة -عبدول- السرية.. لماذا يفوز المسلمون بالانتخابات في أمر
...
-
طقوس يهودية وكتب صلاة في باحات الأقصى.. الشرطة الإسرائيلية ت
...
-
مرض جلدي يفتك بالأسيرات الفلسطينيات في سجن إسرائيلي
-
نادي الأسير الفلسطيني: تسجيل إصابات بالجرب بين الأسيرات في س
...
المزيد.....
-
حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
-
التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني
/ عمار التميمي
المزيد.....
|