أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - الطيبات التي لا تؤكل















المزيد.....

الطيبات التي لا تؤكل


هيثم ضمره

الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 18:51
المحور: كتابات ساخرة
    


زمان كان عندي عقدة من الناس اللي بتحكي كثير.

كنت أعتقد أن المشكلة في كثرة الكلام نفسها، وأن الإنسان كلما أطال الحديث صار أكثر إزعاجًا. ثم اكتشفت أنني كنت مخطئًا.

هناك أشخاص يمكن أن يتحدثوا لساعات، وأنت لا تشعر بالوقت. تظل عطشانًا لكلامهم، تنتظر الجملة التالية، لأن وراء الكلام فكرة، أو تجربة، أو معرفة، أو حتى روحًا جميلة تستحق أن تُسمع.

وهناك أشخاص آخرون لا يحتاجون إلا إلى كلمتين.

يفتح فمه…

فتبدأ أنت بالنظر إلى الباب.

ثم إلى الساعة.

ثم تبحث في رأسك عن أي عذر محترم.

عندك موعد… لازم تروح… نسيت شيئًا في السيارة…

أو تعمل الحركة الشبابية المعروفة.

تطلع تلفونك بسرعة، وتبعت لصاحبك رسالة:

«اتصل فيّ حالًا.»

يرن التلفون.

تمسكه:

«ألو؟»

«مين؟… آه… طيب… طيب… هيني جاي.»

وتقوم من مكانك، وتمشي بسرعة، والتلفون على أذنك.

«شو؟… لا، لا… هيني جاي… دقيقتين.»

تسرّع خطواتك.

وهو لسه فاتح فمه وبدّه يكمل.

«آه… طيب… لا، لا… هيني جاي.»

وتكمل طريقك، وتتركه وراءك واقفًا، فاتح فمه، لا يعرف حتى لمن كنت تتحدث.

إذن المشكلة ليست في كثرة الكلام.

المشكلة في جودة الكلام.

وهذا استنتاج خطير بالنسبة إليّ، لأنني قد أكون في المستقبل واحدًا من هؤلاء الذين يحكون كثيرًا ويُتعبونكم بمقالاتهم.

وفي النهاية، ما الكتابة إلا كلامٌ مؤجل؛ كلام لا يصل إلى الأذن، بل يصل إلى العين.

أنا لا أكره الإنسان الذي يتحدث كثيرًا.

أنا أكره الكلام الذي لا يحمل شيئًا.

الذي عنده علم، تجربة، فكرة حقيقية، قصة تستحق أن تُروى، أو حتى سؤال صادق يريد أن يفهم من خلاله العالم؛ هذا على الرأس والعين.

أما أن تفتح هاتفك وتقلب بإصبعك إلى الأعلى، فتجد واحدًا يقول لك: كل قليلًا.

وبعده واحد يقول لك: لا، لا تأكل قليلًا.

هذا يحذرك من السكريات.

وهذا يخبرك أن السكريات ضرورية.

هذا صار خبير تغذية.

وهذا صار طبيبًا.

وبعد قليل يظهر لك الباحث السياسي، والاستراتيجي، وخبير الأمن القومي، والمحلل العسكري.

جالس على سطح بيته.

أمامه كاسة قهوة ورقية، يضعها بجانبه، ويفتح البث المباشر، ويعدل الكاميرا حتى يظهر وجهه جيدًا.

ينظر إلى الشاشة بنظرة الخبير.

«طبعًا، اللي إحنا شايفينه الآن هو تحركات عسكرية مهمة جدًا…»

يمر ابنه الصغير من أمامه، فيركله بقدمه بخفة حتى يبعده عن الكاميرا.

«ابعد يا ولد… ابعد.»

ثم يعود إلى الشاشة بنفس الهدوء:

«نعم، مثل ما كنت بقول لكم، هناك تحركات لا يمكن فصلها عن التطورات الأخيرة…»

وفجأة يلف وجهه ناحية البيت:

«جيبوا الطشت الأخضر!»

ثم يعود إلى الكاميرا، وكأن شيئًا لم يحدث:

«المهم… هذه التحركات تشير إلى أن الساعات القادمة قد تكون حاسمة.»

يرشف من قهوته.

يتوقف لحظة.

ينظر إلى الشاشة.

ثم يبدأ يتذكر أين كان:

«وين وصلنا؟ آه… نعم… التحركات العسكرية.»

ويكمل.

يتحدث عن الأقمار الصناعية، والخرائط، ومواقع القوات، وما يجري خلف الكواليس، ومن سيضرب من، ومن سيرد، وما الذي سيحدث خلال الساعات القادمة.

ثم ينسى الفكرة التي كان يتحدث عنها أصلًا.

فيقول:

«وبالمناسبة، موضوع الاقتصاد العالمي كمان مهم جدًا…»

ويدخل في الاقتصاد.

ثم فجأة ينتقل إلى الانتخابات.

ثم إلى أسعار النفط.

ثم إلى الذكاء الاصطناعي.

ثم يعود مرة أخرى إلى التحركات العسكرية.

وأنت تتابع البث ولا تعرف هل الرجل يحلل العالم، أم يحاول فقط أن يتذكر أين وضع الطشت الأخضر.

ومع ذلك، يتحدث بثقة كاملة.

ثقة تجعلك تشعر أن خلفه غرفة عمليات، وشاشات ضخمة، وأقمار صناعية، وضباطًا ينتظرون تعليماته.

بينما في الحقيقة…

ابنه قبل دقيقتين كان يشوطه من أمام الكاميرا.

وهو نفسه كان يسأل أهل بيته عن الطشت الأخضر.

يا أخي… ارحموا آذاننا.

لقد أصبح الإنسان الحديث يعيش وسط جيش هائل من الأصوات التي تريد أن تدخل رأسه.

ولم تعد المشكلة أن الأصوات كثيرة فقط.

المشكلة أننا فقدنا القدرة على السؤال: هل أريد أصلًا أن أسمع هذا؟

وهنا بدأت أقارن كل هذا بالطبيعة.

وهنا اكتشفت شيئًا غريبًا:

الطبيعة لا تكاد تكون مزعجة.

صوت الماء لا يحاول إقناعك بشيء.

حفيف الشجر لا يريد منك أن تشتري شيئًا.

العصافير لا تفتح بثًا مباشرًا لتشرح لك لماذا تغني.

البحر لا يعطيك نصائح في العلاقات.

والحصان حين يصهل لا يبدأ بعدها بمحاضرة مدتها ساعتان.

حتى الرعد…

الرعد نفسه عنده أدب.

تتغير السماء.

تظهر الغيوم.

يأتي البرق.

ثم يبدأ الصوت بالتدرج.

وكأن الطبيعة تقول لك:

انتبه… هناك شيء قادم.

حتى حين تصرخ الطبيعة، تشعر أن لصراخها معنى.

أما الإنسان أحيانًا، فيصرخ فقط لأنه يستطيع.

يتحدث في الهاتف بصوت مرتفع في مكان عام.

يشغل الموسيقى دون أن يسأل نفسه إن كان الناس من حوله يريدون سماعها.

يضحك بأعلى ما عنده.

ينادي شخصًا من آخر المكان.

ويتصرف وكأن وجود الآخرين يعني أن عليهم جميعًا أن يعيشوا داخل مزاجه الشخصي.

الحياة ليست مضطرة أن تكون فوضى صوتية.

ليس كل فراغ يحتاج إلى كلام.

وليس كل لحظة صمت تحتاج إلى موسيقى.

وليس كل إنسان يجلس بجانبك يحتاج أن يعرف ماذا حدث معك منذ الصباح.

أحيانًا أجمل خدمة يمكن أن تقدمها للإنسان هي أن تتركه وشأنه.

أن تمنحه شيئًا نادرًا جدًا في هذا العصر:

الهدوء.

ومن هنا بدأت أفكر في «نظام الطيبات».

نحن انتبهنا إلى ما يدخل أفواهنا.

نقرأ المكونات.

نحسب الطعام.

نبحث عن الطيب ونترك الخبيث.

لكن ماذا عن الأشياء التي تدخلنا من طريق آخر؟

ماذا عن الكلام؟

ماذا عن الأصوات؟

ماذا عن ملايين الجمل التي تدخل إلى رؤوسنا كل يوم دون أن نسأل أنفسنا إن كنا نريدها أصلًا؟

نحن نعامل الطعام وكأنه شيء يحتاج إلى رقابة، لأننا نعرف أن ما يدخل أجسادنا يترك أثرًا فيها.

لكننا ننسى أن ما يدخل آذاننا يفعل شيئًا مشابهًا.

بعض الكلام يغذيك.

وبعضه يلوثك.

بعض الأصوات تمنحك راحة.

وبعضها يترك في رأسك ضجيجًا لا تعرف كيف تطفئه.

وهنا تظهر المفارقة العجيبة:

العين أعطاها الله جفنًا.

إذا لم يعجبك المشهد…

أغمض عينيك.

والفم له شفاه.

يمكنك أن تغلق فمك وينتهي الأمر.

والأنف تستطيع أن تكتم نفسك حتى لا تشم ما لا تريد أن تشمه.

لكن الأذن؟

الأذن لا جفن لها.

لا تستطيع أن تنظر بعيدًا عن الصوت.

لا تستطيع أن تغمضها للحظة عندما يبدأ شخص ما بالصراخ.

لا تستطيع أن تقول للعالم: انتظر، أنا لا أريد أن أسمعك الآن.

وهذا يجعل الأذن أكثر حواسنا تعرضًا للعالم.

فالعين تستطيع أن تغلق بابها.

والفم تستطيع أن تغلقه.

والأنف تستطيع أن تحجبه.

أما الأذن، فبابها مفتوح.

ولهذا ربما نحتاج إلى أن نصنع للأذن جفنًا من نوع آخر.

جفنًا اسمه الوعي.

أن تعرف ماذا تسمح له بالدخول إلى رأسك، وماذا تتركه يمر دون أن تمنحه مكانًا فيك.

فالأذن بلا جفن.

لكن الإنسان…

يستطيع أن يتعلم كيف يغمضها.



#هيثم_ضمره (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظام طيبات السمع
- السائح يضحك… ونحن لا نفهم لماذا
- من نظام الطيبات إلى الطيزات
- هناك، حيث تغني الجبال
- ماتَ الذي كنته… فمن الذي استيقظ مكانك؟
- ذئبٌ من الجبال… ومهرةٌ من الصحراء
- نقلنا كل شيء… إلا أسباب النجاح
- حين يصبح العشب قضية
- ليس كل من يصرخ مخلصًا للوطن
- الإمارات كما عرفتها أنا
- بيان الاعتذار… من الاشتراكية إلى معسكر الواقع
- لا شيء أغلى من حياة الإنسان
- لعلّ الشباب
- من الكاتب إلى المفكّر…
- ترامب… حين تتحول الرئاسة إلى منصة مضاربة عالمية
- سقوط الدولار ونهاية الاقتصاد الوهمي
- الدول التي لا تصرخ تقود: قراءة في الدور الكندي القادم
- نهاية النظام العالمي القديم: ماذا بعد الدولار؟
- القارة العجوز في زمن الأوغاد
- فنزويلا، الردع النووي، وانهيار وهم القيادة العالمية


المزيد.....




- هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال ...
- سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو ...
- -شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع ...
- مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين
- من مرسوم كاترين الثانية إلى حرب دونباس.. معرض يوثق تاريخ نوف ...
- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...
- -الولاء والخيانة-.. إطلاق الإعلان التشويقي لفيلم تاريخي عن ا ...
- -برامج القراءة الأدبية- يعود بموسم جديد لتطوير مهارات القراء ...
- من هو الشخص الذي مُنح وسام -يهوذا- الخائن في روسيا؟
- أمريكا تسلم مصر 48 قطعة أثرية مهربة تعود لـ3 عصور مختلفة


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - هيثم ضمره - الطيبات التي لا تؤكل