|
|
الثورة الرقمية وتحولات الطبقة العاملة العالمية
الناصر بن رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 23:10
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
1) مقدمة: هل تراجعت الطبقة العاملة أم تراجعت أشكال تنظيمها؟ منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، دخلت الرأسمالية العالمية مرحلة إعادة هيكلة عميقة لم تقتصر على تقنيات الإنتاج والأسواق، بل طالت البنية الاجتماعية والمهنية والجغرافية للطبقة العاملة نفسها. فقد انتقل جزء مهم من الإنتاج الصناعي من المراكز الرأسمالية القديمة إلى بلدان الجنوب العالمي، وتفككت أشكال العمل المستقر، واتسع العمل المؤقت وغير الرسمي، ثم ظهرت خلال العقدين الأخيرين أشكال واسعة من العمل المرتبط بالمنصات الرقمية والخوارزميات. وقد ولّد هذا التحول تشويشا فكرياً وسياسياً واسع الانتشار: إذا كان المصنع الكبير قد فقد جزءاً من مركزيته السابقة، وإذا كانت النقابات التقليدية قد تراجعت، وإذا كان العامل لم يعد يجتمع يومياً مع آلاف العمال الآخرين في مكان إنتاج واحد، فهل يعني ذلك أن الطبقة العاملة نفسها تتراجع تاريخياً فما بالك بالأطروحة الماركسية حول الدور القيادي للبروليتاريا؟ الجواب الذي تقدمه هذه القراءة المادية التاريخية هو قطعيا لا. لأن ما يتراجع هو قبل كل شيء، الموقع السياسي والتنظيمي لأشكال معينة من الحركة العمالية، وليس وجود الطبقة العاملة أو التناقض الرئيسي بينها وبين رأس المال. بل إن المفارقة الكبرى تكمن في أن الرأسمالية - وهي تفكك الأشكال القديمة لتمركز العمال - تعيد في الوقت نفسه إنتاج طبقة عاملة عالمية أكثر اتساعاً وترابطاً من أي وقت مضى، ولكن في مواقع إنتاجية جديدة جغرافية ومهنية متباينة، وبأشكال تشغيل تجعل تنظيمها أكثر صعوبة. ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال: «هل انتهت الطبقة العاملة؟»، وإنما: كيف أعادت الرأسمالية تركيبها، ولماذا تأخرت الحركة العمالية في اكتشاف الأشكال التنظيمية والسياسية الملائمة لهذا التركيب الجديد لعصر الرقمنة ؟
2) إعادة هندسة الطبقة العاملة العالمية: لم تعد الطبقة العاملة العالمية منذ التحولات التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي هي الكتلة الصناعية المركزة أساساً في المصانع الكبرى بأوروبا وأمريكا الشمالية. فقد أعاد رأس المال- في سعيه إلى استعادة الربحية وخفض تكاليف الإنتاج- توزيع الإنتاج على نطاق عالمي ، انتقلت بموجبه قطاعات واسعة من الصناعة إلى الصين وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها من مناطق الجنوب العالمي، حيث وجد رأس المال قوة عمل أقل كلفة وأقل حماية نقابية، بينما شهدت المراكز الرأسمالية القديمة عمليات نزع للصناعة واتساعاً لقطاعات الخدمات والعمل الهش. لكن المسألة لم تكن مجرد انتقال جغرافي للمصانع. فقد رافقها تفكيك تدريجي لعقد العمل المستقر: الأجر المنتظم، والعقد غير محدد المدة، والضمانات الاجتماعية، والمهنة المستقرة، ومكان العمل الثابت. وحل محل ذلك - بدرجات متفاوتة- العمل المؤقت، والعمل الجزئي، والعمل المنزلي، والعمل غير الرسمي، والعمل عبر المقاولة من الباطن، والعمل المنصاتي. وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يضم أكثر من ملياري عامل، بما يقارب 58% من القوة العاملة العالمية. وهذا الرقم وحده يكشف أن جزءاً هائلاً من الطبقة العاملة العالمية لا يوجد أصلاً داخل الإطار التنظيمي التقليدي الذي نشأت فيه النقابات الحديثة. ثم جاءت المنصات الرقمية لتضيف دفعة جديدة من التعقيدات. فهناك ملايين العمال الذين يبيعون قوة عملهم عبر منصات النقل والتوصيل والخدمات والعمل عن بعد، من دون عقد عمل تقليدي أو مكان إنتاج مشترك أو علاقة واضحة ومباشرة مع صاحب العمل. وهكذا أصبحت البروليتاريا العالمية أكثر تشتتاً من الناحية المكانية والمهنية، لكن هذا التشتت لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره اختفاءً للطبقة. إنه إعادة تركيب لها وفق منطق جديد لتقسيم العمل الرأسمالي العالمي.
3) تراجع الحركة النقابية لا يعني خمود الصراع الطبقي: كان من نتائج هذا التحول تراجع القوة التنظيمية للنقابات التقليدية. ففي الولايات المتحدة مثلاً، انخفضت نسبة الانتساب النقابي من 20.1% سنة 1983 إلى 9.9% سنة 2024. وعلى مستوى بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، انخفض متوسط الكثافة النقابية من نحو 30% في منتصف الثمانينيات إلى نحو 15% في 2024. هذه الأرقام مهمة، لكنها لا تعني أن الصراع الطبقي فقد علة وجوده. إنها تعكس، في جانب أساسي منها، نجاح رأس المال في تفكيك الشروط المادية التي كانت تسهّل التنظيم العمالي التقليدي. فالعامل الذي كان يعمل مع آلاف العمال في مصنع واحد، ويخضعون جميعاً لصاحب عمل واحد، ويعيشون في مدينة صناعية واحدة، ويملكون ساعات عمل ومشكلات مهنية مشتركة، كان يملك شروطاً موضوعية تساعده على التنظيم والإضراب. أما العامل المنصاتي الذي يعمل منفرداً، أو العامل المؤقت الذي يخشى فقدان عقده، أو العامل الموزع ضمن سلسلة توريد عالمية، فإنه يواجه رأس المال في شكل أكثر تجريداً وتشتتاً. لكن رأس المال لم يلغ بذلك علاقة الاستغلال؛ بل أعاد تنظيمها. وتكشف الأرقام المتعلقة بحصة العمل من الدخل العالمي عن المفارقة نفسها: فقد انخفضت حصة دخل العمل من نحو 53% سنة 2014 إلى 52.4% سنة 2024، رغم الارتفاع الكبير في الإنتاجية. أي أن التطور التقني لم يؤد تلقائياً إلى توزيع أكثر عدالة للثروة المنتجة. فالتراجع النقابي ليس إذن دليلاً على زوال التناقض الطبقي، وإنما هو أحد مظاهر اختلال ميزان القوى بين الطبقات في مرحلة تاريخية معينة. وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين ثلاثة مسائل كثيراً ما تختلط فيها الأمور : وجود الطبقة العاملة، وقوتها التنظيمية، وقدرتها السياسية. قد يحصل أن تظل الطبقة واسعة وممركزة في إنتاج القيمة بينما تتراجع لفترات قدرتها على التنظيم والمبادرة السياسية . 4) من تفكك المصنع إلى إعادة تركيب البروليتاريا: هنا تظهر إحدى أهم مفارقات الرأسمالية المعاصرة ، ذلك أن رأس المال قد ساهم في تفكيك تجمع العمال في المصنع، لكنه في الوقت نفسه خلق شبكات إنتاج عالمية أكثر ترابطاً وتعقيداً. فالهاتف الذكي الذي يصل إلى المستهلك، على سبيل المثال، هو نتاج عمل موزع بين عمال استخراج المعادن، وعمال التصنيع والتركيب، وعمال النقل والموانئ والمخازن، وعمال البرمجيات والخدمات والتوزيع. كما أن العامل الذي ينتج جزءاً من السلعة في آسيا، والعامل الذي يخزنها في أوروبا، والعامل الذي ينقلها، والعامل الذي يوصلها إلى المستهلك، ليسوا عمالاً معزولين عن بعضهم في المنطق الاقتصادي للرأسمالية؛ إنهم حلقات مختلفة في عملية اجتماعية واحدة لإنتاج القيمة وتحقيقها. وهنا يتغير معنى «التمركز» الذي لم يعد بالضرورة تجمع آلاف العمال داخل فضاء فيزيائي واحد، بل أصبح في جزء متزايد منه تمركزاً وظيفياً ورقمياً وشبكياً. وهذه نقطة أساسية في الرأسمالية التي لم تشتت الطبقة العاملة فقط، بل أعادت توحيدها موضوعياً عبر سلاسل القيمة العالمية والبنى الرقمية، في حين بقي وعيها وتنظيمها السياسي إلى حد كبير محلياً أو وطنياً. ومن هنا تنشأ واحدة من أكبر مفارقات الحركة العمالية المعاصرة: رأس المال أصبح عالمياً أكثر فأكثر، بينما بقي التنظيم العمالي في قطاعات واسعة أسير الحدود الوطنية. 5) "البروليتاريا الرقمية" ليست طبقة جديدة: في هذا السياق يمكن استخدام مفهوم «البروليتاريا الرقمية»، ولكن بحذر بشديد ومن باب الاستعارة. فالعمال المنصاتيون ليسوا طبقة اجتماعية مستقلة عن الطبقة العاملة، كما أن العامل الصناعي لا ينتمي إلى طبقة مختلفة جوهرياً عن عامل التوصيل أو العامل في مستودع التجارة الإلكترونية. إن «البروليتاريا الرقمية» هي بالأحرى أحد أشكال إعادة تشكل البروليتاريا العالمية في ظل الرأسمالية المعولمة والثورة الرقمية. ما يجمع هؤلاء العمال هو أنهم يبيعون قوة عملهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في سوق تهيمن عليها علاقات الملكية الرأسمالية. والفارق يكمن في الشكل الذي تتخذه هذه العلاقة: فالمدير التقليدي قد استُبدل أحياناً بالخوارزمية، ومكان العمل الموحد بالمنصة، وجدول العمل الثابت بنظام الطلب الفوري، والرقابة البشرية المباشرة بالتقييم الآلي. لكن الخوارزمية لا تلغي العلاقة الطبقية؛ إنها تؤتمت( من الأتممة) بعض أدواتها. كما أن العامل الذي تقرر الخوارزمية عدد الطلبات التي يحصل عليها، أو مستوى تقييمه، أو شروط دخله، أو إمكانية وصوله إلى العمل، لا يصبح أقل خضوعاً لرأس المال لأنه لا يرى المدير أمامه. إنما يصبح الاستغلال أكثر تجريداً وأقل ظهوراً. 6) التكنولوجيا سلاح ذو حدين: هنا تكمن المفارقة الجدلية الكبرى في الثورة الرقمية. لقد استخدم رأس المال التكنولوجيا الرقمية لتكثيف الرقابة، ومراقبة الأداء لحظة بلحظة، وتفتيت قوة العمال، ونقل المخاطر من المؤسسة إلى العامل، وإخفاء علاقة العمل خلف مصطلحات مثل «المقاول المستقل» و«الشريك» و«مقدم الخدمة».لكن الأداة التكنولوجية نفسها تخلق إمكانات جديدة للمقاومة ، إذ العمال المتباعدون جغرافياً يستطيعون التواصل فوراً، وتبادل المعلومات حول الأجور وشروط العمل، وتنظيم حملات جماعية، وتنسيق الإضرابات، وكشف أساليب الاستغلال، وبناء شبكات تضامن تتجاوز حدود المؤسسة والمدينة والدولة. لقد رأينا بالفعل أشكالاً من الاحتجاج والإضراب والتنظيم بين عمال المنصات، كما ظهرت محاولات لتنظيم عمال المستودعات والمنصات باستخدام أدوات الاتصال الرقمية نفسها التي تستخدمها الشركات في إدارة هؤلاء العمال. وهنا لا ينبغي أن ننسب إلى التكنولوجيا فضيلة تحررية ذاتية، إذ التكنولوجيا ليست ثورية في ذاتها بل الأمر يتوقف على قيمتها الإستعمالية. إنها تدخل في علاقات الإنتاج القائمة. ويمكن لرأس المال أن يستخدمها للمراقبة والاستغلال، كما يمكن للعمال أن يستخدموها للتواصل والتنظيم. والمسألة الحاسمة ليست التكنولوجيا بذاتها، بل علاقة القوى الاجتماعية التي تحدد من يملكها ومن يتحكم في استخدامها ولأي غرض. 7) من «الطبقة في ذاتها» إلى «الطبقة لذاتها»: هنا نصل إلى العقدة النظرية والسياسية الأساسية، إذ "الطبقة العاملة الرقمية" موجودة موضوعياً قبل أن تعي نفسها كقوة سياسية، فالعمال المرتبطون بالمنصة أو سلسلة التوريد أو الخوارزمية يشكلون- من حيث موقعهم في عملية الإنتاج- جماعات متشابكة داخل علاقة اجتماعية واحدة، حتى لو لم يعرف بعضهم بعضاً. لكن الوجود الإجتماعي لا ينتج تلقائياً الوعي الطبقي. قد يكون ملايين العمال خاضعين للشروط الرأسمالية نفسها دون أن يتحولوا إلى قوة جماعية. وقد يستخدمون المنصات للتواصل دون أن يمتلكوا تنظيماً قادراً على تحويل التواصل إلى إضراب، وتحويل الإضراب إلى قوة تفاوضية، وتحويل المطالب الاقتصادية إلى مشروع سياسي. وهنا يبقى الفرق بين «الطبقة في ذاتها» و«الطبقة لذاتها» حاسماً. المشكلة التاريخية للحركة العمالية المعاصرة ليست إذن العثور على الطبقة العاملة؛ إنها العثور على الشكل التنظيمي الذي يستطيع تحويل وجودها الاجتماعي الموضوعي إلى قوة واعية ومنظمة. 8) إلغاء النقابات أو تجديدها؟ : بكل بساطة فإن التحول الرقمي لا يعني أن النقابة أصبحت شيئاً من الماضي، لأن العكس هو الصحيح: الحاجة إلى التنظيم النقابي تصبح أشد، لكن النقابة نفسها تحتاج إلى تجديد ، فالنقابة التي ترتبط حصراً بمؤسسة واحدة وبمكان عمل واحد وبعلاقة عمل مستقرة تواجه اليوم صعوبات متزايدة أمام رأس المال الذي ينقل الإنتاج، ويستعين بالمقاولين، ويستخدم العمال المؤقتين والمنصات، ويفصل العامل عن المؤسسة قانونياً وفعلياً. لذلك يحتاج التنظيم الجديد إلى الجمع بين النقابة التقليدية والأشكال الرقمية والعابرة للحدود، وإلى تنظيم العمال داخل سلاسل الإنتاج لا داخل المؤسسات المنفردة فقط. كما ينبغي تجاوز الفصل المصطنع بين عمال الشمال وعمال الجنوب. فالأتممة التي تهدد عاملاً في بلد رأسمالي متقدم، وسلاسل التوريد التي تضغط على أجور عامل في بلد نام، ليستا ظاهرتين منفصلتين؛ إنهما وجهان لإعادة توزيع القيمة والاستغلال على المستوى العالمي. وهنا يصبح التضامن الأممي للطبقة العاملة ليس شعاراً أخلاقياً، بل ضرورة مادية تاريخية يفرضها الطابع العالمي للإنتاج نفسه.
9) : من النضال النقابي إلى الصراع على السلطة الرقمية: إنه لا يكفي أن يطالب العمال بتحسين شروط العمل داخل النظام الرقمي؛ بل ينبغي أن يمتد الصراع إلى السؤال الأعمق: من يملك البنية التحتية الرقمية ومن يتحكم فيها؟ فإذا كانت المنصات والخوارزميات والبيانات والبنى السحابية قد أصبحت جزءاً من وسائل الإنتاج المعاصرة، فإن تركها بالكامل تحت سيطرة الاحتكارات الخاصة يعني ترك جزء متزايد من شروط العمل والإنتاج الاجتماعي في يد رأس المال. ومن هنا يمكن أن تتطور المطالب العمالية من الأجر وساعات العمل والحماية الاجتماعية إلى المطالبة بالشفافية الخوارزمية، وحق العمال في معرفة كيفية اتخاذ القرارات الآلية التي تؤثر في عملهم ، والمشاركة في إدارة أنظمة العمل الرقمية، وصولاً إلى السؤال الأبعد: هل ينبغي أن تبقى البنية التحتية الرقمية الأساسية ملكية خاصة لاحتكارات التكنولوجيا؟ ومنظور إلى المسألة بالمنظار الاشتراكي، فإنه لا يمكن فصل النضال من أجل السيطرة الديمقراطية على التكنولوجيا عن الصراع الأوسع حول ملكية وسائل الإنتاج.
10) ما بعد المصنع الواحد الكبير : من السهل الوقوع في الحنين إلى العصر الذي كانت فيه الطبقة العاملة مجتمعة في المصانع الكبرى والنقابات قوية والأحزاب العمالية جماهيرية. لكن التاريخ لا يعود إلى الوراء ، والمطلوب ليس استعادة شروط القرن العشرين، وإنما استخلاص الدروس من ذلك من أجل بناء أدوات تتلاءم مع شروط القرن الحادي والعشرين. فإذا كان المصنع قد شكّل في الماضي فضاءً مادياً لتكثيف العمال وتنظيمهم، فإن شبكة الإنتاج العالمية والمنصة الرقمية وسلسلة التوريد والبنية اللوجستية يمكن أن تصبح اليوم مواقع جديدة للصراع. وإذا كان العامل يحتاج في الماضي إلى نقابة داخل المصنع، فإنه يحتاج اليوم إلى تنظيم يستطيع أن يعبر المصنع والمنصة والدولة والقارة. وإذا كان رأس المال قد نجح في عولمة الإنتاج، فإن أحد الشروط الأساسية لاستعادة المبادرة العمالية هو عولمة التنظيم نفسه. 11) تراجع الحركة العمالية ليس حكماً نهائياً: ليس هناك في التاريخ ما يضمن انتصار الطبقة العاملة عدى الوعي والتنظيم والنضال، لكن ليس هناك أيضاً ما يبرر إعلان هزيمتها النهائية. صحيح : لقد تراجعت الحركة العمالية في العقود الأخيرة، وتراجعت الكثافة النقابية، وتفككت قطاعات من التنظيم التقليدي، وتراجعت القدرة على فرض المطالب في العديد من البلدان. لكن ذلك كله ينبغي فهمه باعتباره وضعاً تاريخياً قابلاً للتغير، لا قانوناً أبدياً.فالرأسمالية نفسها التي أضعفت الأشكال القديمة للتنظيم تواصل خلق أعداد هائلة من العمال الذين لا يستطيع النظام أن ينتج القيمة من دون عملهم. والتناقض الذي أشار إليه ماركس بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج لم يختف؛ بل اتخذ أشكالاً أكثر عالمية ورقمية. واليوم تنتج ملايين الأيدي والعقول والآلات والبيانات والخدمات قيمة داخل شبكة اجتماعية عالمية واحدة، بينما تبقى ملكية القسم الأكبر من البنية التي تنظم هذه العملية مركزة في أيدي عدد محدود من الشركات والمالكين. وهذه هي المفارقة التاريخية التي ينبغي للحركة العمالية أن تستوعبها.
خاتمة: من التشتت الظاهر إلى القوة الممكنة: إن الطبقة العاملة العالمية لا يمكن أن تعيش إضمحلالا ، وإنما الآن تعيش مرحلة تراجع مؤقت في قوتها التنظيمية والسياسية التقليدية بالتزامن مع إعادة تركيب عميقة لبنيتها الاجتماعية والمهنية والجغرافية. لقد نجح رأس المال في تفكيك جزء مهم من شروط التمركز التي صنعت قوة النقابات والحركات العمالية في القرن العشرين. لكنه، في سعيه المحموم لتشديد وتيرة الاستغلال وخفض التكاليف وتوسيع السوق، خلق في الوقت نفسه شبكة إنتاج عالمية لم يسبق لها مثيل، وربط ملايين العمال بعلاقات إنتاج واحدة تتجاوز الحدود الوطنية. وهنا تكمن المفارقة التي تحمل في داخلها إمكاناً تاريخياً جديداً: كلما أصبح الإنتاج أكثر اجتماعية وعالمية ورقمنة، أصبح التناقض مع الملكية الخاصة المركزة أكثر حدة؛ لكن هذا التناقض لا يتحول من تلقاء نفسه إلى وعي أو تنظيم أو ثورة. فالطبقة العاملة لا تصبح قوة تاريخية لمجرد أن الرأسمالية تستغلها أو تضاعف استغلالها . ولا تصبح البروليتاريا الرقمية قوة سياسية لمجرد أن ملايين العمال يخضعون للخوارزميات نفسها. ولا يكفي امتلاك أدوات الاتصال الرقمية لتحويل التشتت إلى وحدة. الانتقال من الطبقة في ذاتها إلى الطبقة لذاتها يظل فعلاً تاريخياً واعياً، يحتاج إلى التنظيم والنظرية والبرنامج والقيادة السياسية القادرة على الربط بين النضالات اليومية والأفق الاستراتيجي. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الرأسمالية قد طوعت وأخضعت الطبقة العاملة، بل ما إذا كانت الحركة العمالية قادرة على إعادة اكتشاف نفسها في قلب الرأسمالية التي تغيرت. فالمصنع لم يعد وحده مركز الصراع. والمنصة ليست مجرد تطبيق. والخوارزمية ليست مجرد تقنية. وسلسلة التوريد ليست مجرد مسار تجاري.إنها كلها مواقع جديدة للصراع بين العمل ورأس المال. وإذا كان رأس المال قد أعاد تنظيم أدوات استغلاله، فإن المهمة التاريخية للطبقة العاملة هي أن تعيد تنظيم أدوات مقاومتها. ليست المسألة إذن نهاية دور الطبقة العاملة، بل تجاوز تراجعها التنظيمي والسياسي، وتحويل الترابط الموضوعي الجديد بين ملايين العمال إلى قوة طبقية واعية ومنظمة وأممية. وفي هذه النقطة تحديداً، تظل المسألة التي طرحها ماركس ذات راهنية ومفتوحة على المستقبل: إن حفّار قبر الرأسمالية ليس قوة آلية تعمل خارج التاريخ، بل طبقة لا تصبح قادرة على تغيير العالم إلا عندما تتحول من وجود اجتماعي موضوعي إلى قوة سياسية واعية بذاتها.
#الناصر_بن_رمضان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من آدم سميث وريكاردو إلى ماركس : كيف انتقل الصراع الطبقي من
...
-
أزمة المياه في تونس : عطش الفقراء وثراء اللوبيات
-
الهجرة والتبعية في تونس
-
في ذكرى ميلاد جورجي ديمتروف : تلخيص لكتابه - الجبهة الوطنية
...
-
الحركة النقابية الكندية( الجزء الثاني )
-
الحركة النقابية الكندية
-
تلخيص لكتاب - عن النقابات - لينين.
-
في ذكرى ميلاد الشاعر العظيم بابلو نيرودا
-
أزمة منظومة التغطية الإجتماعية في تونس
-
الفيفا : من هيئة رياضية إلى جهاز للرأسمالية المعولمة
-
أي دولة هذه التي تفشل حتى في توفير الماء الصالح للشراب؟
-
الرياضة بين الإنسان والسلعة : هل من بديل لهيمنة السوق؟
-
ثالوث الفقر والبطالة والحرب
-
التضامن مع إضراب موظفي البنوك دفاع عن الحق النقابي
-
الوضع النقابي على مشارف عيد الشغل
-
سوق السيارات في عصر الاحتكارات العالمية: حرب العمالقة وتوحّش
...
-
مافيا سوق السيارات وبرلمان الدمى يسيجان قانون سيارة العائلة
-
السلطة الشعبوية والتحركات الإحتجاجية
-
أي أفق لأزمة البيروقراطية النقابية؟
-
في تلازم حرية الطبقة العاملة مع حرية المرأة
المزيد.....
-
كلمة جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب بمناسبة المؤتمر ال
...
-
تهنئة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمناسبة المؤتمر الوطني
...
-
حزب التجمع يعقد المؤتمر الانتخابي لقسم ثاني العريش بشمال سين
...
-
Argentina: The Streets Put a Stop to Milei’s Plundering
-
Cuba after Six Months of the Oil Blockade: Crisis and the Ro
...
-
The International Monetary Fund’s Africa Policy is Underdeve
...
-
Revolution or Silent Servitude? How Algorithms Are Reshaping
...
-
Countervailing Weapons: The Fiftieth Anniversary of the NAM
...
-
انقسام حزب الشعب الجمهوري.. كيف سقطت قلعة أتاتورك من الداخل؟
...
-
مولدوفا.. رئيس كنيسة بيسارابيا يعترف بأن رومانيا تدفع 500 يو
...
المزيد.....
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
المزيد.....
|