أحمد موسى قريعي
مؤلف وكاتب صحفي سوداني
(Ahmed Mousa Gerae)
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 11:57
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
ليس صحيحًا أن أوطاننا فقيرة بالشخصيات المؤثرة. ففي كل مدينة، وفي كل قرية، وفي كل مؤسسة، عاش رجال ونساء تركوا أثرًا لا يمكن إنكاره. منهم من أسس مدرسة، ومنهم من أنشأ صحيفة، ومنهم من حمل كتابًا إلى جيل كامل، ومنهم من عاش عمره يخدم الناس بصمت. لكن معظمهم رحلوا كما عاشوا... بعيدًا عن الأضواء.
المشكلة ليست في غياب العظماء، بل في غياب من يوثق حياتهم.
أحيانًا أقرأ عن شخصية أوروبية أو آسيوية لم تتجاوز شهرتها حدود مدينتها، فأجد عنها عشرات الكتب والدراسات والرسائل الجامعية. ثم ألتفت إلى شخصيات في السودان أو في العالم العربي كان لها أثر يتجاوز حدود أوطانها، فلا أجد سوى خبر وفاة، أو مقالة رثاء كُتبت تحت وقع الصدمة، ثم انقطعت السيرة.
كأننا لا نعرف قيمة الإنسان إلا بعد أن نفقده، وحتى بعد الفقد، لا نمنحه سوى كلمات عابرة، ثم نترك الزمن يكمل مهمة النسيان.
لقد علمتني تجربة البحث أن كل شخصية ترحل تأخذ معها مكتبة كاملة من الذكريات. بعض تلك الذكريات لا توجد في كتاب، ولا في صحيفة، وإنما في ذاكرة زميل، أو رسالة خاصة، أو صورة قديمة، أو دفتر ملاحظات. فإذا لم تُجمع في وقتها، ضاعت إلى الأبد.
وهنا يكمن الفرق بين الأمم التي تحفظ تاريخها، والأمم التي تكتفي بالحزن عليه.
إن التوثيق ليس احتفالًا بالماضي، بل استثمار في المستقبل. فالطالب الذي يبحث بعد خمسين عامًا عن تاريخ الصحافة، أو الثقافة، أو السياسة، لن يجد الأشخاص أمامه ليسألهم، بل سيجد ما تركه الباحثون من كتب ووثائق وشهادات.
ولعل أخطر ما نفعله بحق أنفسنا، أننا نترك الآخرين يكتبون تاريخنا نيابة عنا. وعندما نفعل ذلك، فإننا لا نخسر الرواية فحسب، بل نخسر زاوية النظر أيضًا. فمن عاش التجربة ليس كمن سمع عنها، ومن كتب من داخل المجتمع ليس كمن نظر إليه من بعيد.
لهذا أزداد يقينًا كل يوم بأن التوثيق ليس ترفًا ثقافيًا، بل واجب وطني. فكل شخصية تُوثق، هي جزء محفوظ من ذاكرة الأمة. وكل شخصية تُترك للنسيان، هي صفحة ممزقة من كتاب تاريخنا.
ربما لن نستطيع أن نكتب عن الجميع، لكن يمكننا أن نبدأ بمن لا يزال في العمر متسع لسماع شهادته، وجمع وثائقه، وإنقاذ سيرته من الضياع.
لقد كنت أظن أنني أكتب عن أشخاص، ثم اكتشفت أنني أكتب عن وطن كامل، يتوزع في سير أفراده، وفي حكاياتهم، وفي ما تركوه من أثر. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما أيضًا بالذاكرة. وإذا ضاعت الذاكرة، فلن يبقى من الوطن إلا اسمه على الخريطة.
#أحمد_موسى_قريعي (هاشتاغ)
Ahmed_Mousa_Gerae#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟