|
|
تلفيقات ومغالطات نظرية أفعال الخطاب في علم التعارب (4)
حسين علوان حسين
أديب و أستاذ جامعي
(Hussain Alwan Hussain)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 02:54
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
اللغة والفلسفة و"فلسفة اللغة" بدأ البحث في ما سمي بفلسفة اللغة مع نشر فنغنشتاين لكتابه "التحقيقات الفلسفية" بجزأين، عام 1953. وفيه، دعى القارئ إلى التفكير في اللغة على أنها مجموعة من الألعاب اللغوية التي تتطور أجزاء اللغة وتؤدي وظائفها ضمنها. كما زعم بأنّ معضلات المشكلات الفلسفية تنشأ من محاولات الفلاسفة الخاطئة للنظر في معنى الكلمات بمعزل عن سياقها وعن استخدامها وعن قواعدها النحوية، وهو ما أسماه بـ "ذهاب اللغة في إجازة". وكتب يقول: "بالنسبة لفئة كبيرة من حالات استخدام كلمة "المعنى" - وإن لم يكن ذلك ينطبق على جميعها - يمكن تفسير هذه الكلمة على النحو التالي: أن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة. المصدر: https://en.wikipedia.org/wiki/Ludwig_Wittgenstein أذاً، وفقاً لفتغنشتاين، فإن كل المشكلات الفلسفية إنما هي لغوية ناجمة من عدم فهم الفلاسفة لحقيقة كون اللغة إنما هي استعمال (use)! وعند الغوغلة عن السؤال : "من هو المفكر الأول الذي اعتبر أن اللغة هي "استعمال" ؟ Who was the first thinker who considered language is use? ستطالعنا هذه الاجابة من الذكاء الصناعي: "يُعد الفيلسوف النمساوي البريطاني لودفيج فيتغنشتاين المفكر الرئيسي الذي وضع المفهوم الشهير القائل بأن اللغة تُعرَّف من خلال استعمالها، معلناً أن معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة." إذن فمفهوم أن اللغة هي "الإستعمال" (use) إنما يعود للفيلسوف النمساوي البريطاني فيتغنشتاين وفقا لغوغل.. (سأعود لمفهوم "السياق" أو "المقام"). طيب، هل صحيح أن فيتغنشتاين هو أول من قال بأن المعنى إنما هو الاستعمال وفق ما هو متوفر لدينا من الأدلة المكتوبة والموثوقة والموثَّقة؟ الجواب هو أن هذا المفهوم - والكثير الكثير غيره من أهم وأشهر المفاهيم اللغوية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والانثروبولوجية والعلمية ... الخ الخ التي تُنسب كذباً وبهتاناً لمفكرين غربيين - إنما يعود أصله لمفكرين إسلاميين . وكنت قد اثبت كيف أن نحاة العربية وعلماءها هم أول من قال ووصف في علم اللغة مفاهيم "الإتسام" (markedness) و"البنية المعلوماتية للجملة" (sentence information structure) و" بنية المنظور للجملة" (sentence perspective) وفعل الكلام (speech act) و(البنية العميقة للجمل) (deep structure) وغيرها، وذلك في القسم الخاص بالإرث اللغوي لسيبويه في اطروحتي للدكتوراه (2004)، المتوفرة على الرابط: https://www.ahewar.org/eng/files/3423.pdf واتمنى ان يطول بي العمر للكشف عن بعض بعضها الأخر، على الأقل. طيب، لنعد إلى إبن خلدون (1332-1406م)– صاحب أعظم عبقرية في العلوم الاجتماعية عرفتها البشرية – لنقرأ في "مقدمته" هذه النصوص المؤكدة مراراً وتكراراً لمبدأ أن "اللغة هي الاستعمال" من المصدر: https://shamela.ws/book/12320/754#p1 ص (756): "علم اللغة هذا العلم هو بيان الموضوعات اللّغويّة وذلك أنّه لمّا فسدت ملـكة اللّسان العربيّ في الحركات المسمّاة عند أهل النّحو بالإعراب واستنبطت القوانين لحفظها كما قلناه. ثمّ استمرّذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتّى تأدّى الفساد إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعة عندهم ميلا مع هجنة المستعربين في اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية" وفي الصفحة (758): "واختصّ بالتّأليف في هذا المنحى الثّعالبيّ وأفرده في كتاب له سمّاه فقه اللّغة وهو من أكد ما يأخذ به اللّغويّ نفسه أن يحرّف استعمال العرب عن مواضعه. فليس معرفة الوضع الأوّل بكاف في التّرتيب حتّى يشهد له استعمال العرب لذلك. " وفي الصفحة (759): "وأمّا المختصرات الموجودة في هذا الفنّ المخصوصة بالمتداول من اللّغة الكثير الاستعمال تسهيلا لحفظها على الطّالب فكثيرة مثل الألفاظ لابن السّكّيت والفصيح لثعلب وغيرهما. وبعضها أقلّ لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الأهمّ على الطّالب للحفظ. والله الخلّاق العليم لا ربّ سواه. فصل: واعلم أنّ النقل الّذي تثبت به اللّغة، إنّما هو النقل عن العرب أنّهم استعملوا هذه الألفاظ لهذه المعاني، لا تقل إنّهم وضعوها لأنّه متعذّر وبعيد، ولم يعرف لأحد منهم. وكذلك لا تثبت اللّغات بقياس ما لم نعلم استعماله، على ما عرف استعماله في ماء العنب، باعتبار الإسكار الجامع. لأنّ شهادة الاعتبار في باب القياس إنّما يدركها الشّرع الدالّ على صحّة القياس من أصله. " وفي الصقحة (765) يرد بالحرف الواحد المبدأ القائل بكون معنى الألفاظ إنما هو استعمالها .. المنسوب انتحالاً لفيتغنشتاين: "فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللّغة العربيّة موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطباتهم وكيفيّة تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصّبيّ استعمال المفردات في معانيها فيلقّنها أوّلا ثمّ يسمع التّراكيب بعدها فيلقّنها كذلك. ثمّ لا يزال سماعهم لذلك يتجدّد في كلّ لحظة ومن كلّ متكلّم واستعماله يتكرّر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم." وفي الصفحة (771-2) نجد بوضوع حقيقة ان امتلاك اللغة مرهون بكثرة تكرار استخدامها: "ووجه التّعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث وكلام السّلف ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولّدين أيضا في سائر فنونهم حتّى يتنزّل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقّن العبارة عن المقاصد منهم. ثمّ يتصرّف بعد ذلك في التّعبير عمّا في ضميره على حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم وما وعاه وحفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحصل له هذه الملكة بهذا الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوّة." وفي الصفحة (772) "وعلى قدر المحفوظ وكثرة الاستعمال تكون جودة المقول المصنوع نظما ونثرا." وفي الصفحة (781) "ومنه المرسل وهو الّذي يطلق فيه الكلام إطلاقا ولا يقطّع أجزاء بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها. ويستعمل في الخطب والدّعاء وترغيب الجمهور وترهيبهم." وفي الصفحة (781-2) تترد كلمة "استعمال" ومشتقاتها أربع مرات: "واعلم أنّ لكلّ واحد من هذه الفنون أساليب تختصّ به عند أهله ولا تصلح للفنّ الآخر ولا تستعمل فيه مثل النّسيب المختصّ بالشّعر والحمد والدّعاء المختصّ بالخطب والدّعاء المختصّ بالمخاطبات وأمثال ذلك. وقد استعمل المتأخّرون أساليب الشّعر وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التّقفية وتقديم النّسب بين يدي الأغراض. وصار هذا المنثور إذا تأمّلته من باب الشّعر وفنّه ولم يفترقا إلّا في الوزن. واستمرّ المتأخّرون من الكتّاب على هذه الطّريقة واستعملوها في المخاطبات السّلطانيّة وقصروا الاستعمال في المنثور كلّه على هذا الفنّ الّذي ارتضوه وخلطوا الأساليب فيه وهجروا المرسل وتناسوه وخصوصا أهل المشرق. " وفي هذه الفقرة من (ص 788) تتكرر مفردة "الاستعمال" ومشتقاتها ستة مرات: "لأنّا نقول قوانين البلاغة إنّما هي قواعد علميّة قياسيّة تفيد جواز استعمال التّراكيب على هيئتها الخاصّة بالقياس. وهو قياس علميّ صحيح مطّرد كما هو قياس القوانين الإعرابيّة. وهذه الأساليب الّتي نحن نقرّرها ليست من القياس في شيء إنّما هي هيئة ترسخ في النّفس من تتبّع التّراكيب في شعر العرب لجريانها على اللّسان حتّى تستحكم صورتها فيستفيد بها العمل على مثالها والاحتذاء بها في كلّ تركيب من الشّعر كما قدّمنا ذلك في الكلام بإطلاق. وإنّ القوانين العلميّة من العربيّة والبيان لا يفيد تعليمه بوجه. وليس كلّ ما يصحّ في قياس كلام العرب وقوانينه العلميّة استعملوه. وإنّما المستعمل عندهم من ذلك أنحاء معروفة يطّلع عليها الحافظون لكلامهم تندرج صورتها تحت تلك القوانين القياسيّة. فإذا نظر في شعر العرب على هذا النّحو وبهذه الأساليب الذّهنيّة الّتي تصير كالقوالب كان نظرا في المستعمل من تراكيبهم لا فيما يقتضيه القياس. ولهذا قلنا إنّ المحصّل لهذه القوالب في الذّهن إنّما هو حفظ أشعار العرب وكلامهم. وهذه القوالب كما تكون في المنظوم تكون في المنثور فإنّ العرب استعملوا كلامهم في كلا الفنّين وجاءوا به مفصّلا في النّوعين. ففي الشّعر بالقطع الموزونة والقوافي المقيّدة واستقلال الكلام في كلّ قطعة وفي المنثور يعتبرون الموازنة والتّشابه بين القطع غالبا وقد يقيّدونه بالأسجاع. وقد يرسلونه وكلّ واحدة من هذه معروفة في لسان العرب. والمستعمل منها عندهم هو الّذي يبني مؤلّف الكلام عليه تأليفه ولا يعرفه إلّا من حفظ كلامهم."
أكتفي بهذا القدر للتدليل على كون إبن خلدون هو الذي قال بكون اللغة هي الإستعمال، وذلك قبل فيتغنشتاين على الأقل بستمائة سنة.
طيب، في النص المقبس الأول أعلاه، يتحدث ابن خلدون عن العنوان "علم اللغة". نغوغل عن أسم أول من صاغ هذا العنوان: Who coined the term: the science of language? فنحصل على الجواب أنه: ماكس مولر، عام 1861 ! ونجد في المقتبسات أعلاه نظرية أن تعلم اللغة إنما تستوجب تكرار استعمالها (iterated learning). نغوغل عن الرائد في القول بهذه النظرية، فنجد أنها تعود لسايمن كيربي وكينث سمث (2003)! علوم أنغلوسكسونية حصرية؛ وفلاسفة لغة أنغلوسكسون، وبس! هكذا يتم زق دارسي علم اللغة العرب وغيرهم بمبادئ هذا العلم باللغات الأجنبية، فيحصلون على الشهادات العليا الناكرة لعلوم غير الغرب بها (لا بد أنها سقطت ضحية "للترجمة" الغربية للعلوم التي غالبا ما تقتصر على الأدبيات المؤلفة باللاتينية والأغريقية!)، ويعلّمونها لطلابهم بلا أدنى تفكير ناقد، ويدبجون المقالات عنها كما لو كانت فتوحات علمية جديدة. ومنهم من لايستحي أن يسمي علم التعارب (pragmatics) بعلم "الذرائعية"، ثم يتنطع فاضحاً جهله على رؤوس الإشهاد في استيعاب أول وأهم أسس هذا العلم: رد التحية للمقابل، على الأقل بمثلها! معلوم أن كل ناطق باللغة يدرك إدراكاً بديهياً من محاوراته اليومية أن لكل مقام مقال؛ ويعبر ابن خلدون عن هذه الحقيقة اللغوية - وليست الفلسفية مثلما يلفق فتغنشتاين - بالقول في الصفحة (782) من مقدمته: "يلاحظ في تطبيق الكلام على مقتضى الحال من أحوال المخاطِب والمخاطَب." و "إعطاء الكلام حقّه في مطابقته لمقتضى الحال فإنّ المقامات مختلفة ولكلّ مقام أسلوب يخصه". ما ذا يعني هذا الكلام الذي يعود تاريخه الى ما قبل أكثر من سبعمائة عام؟ إنه يعني ان الخطاب محكوم بمشاريط مقاماته وليس بأفعال الخطاب الثلاثة لأوستن التي لطشها من قوانين الميكانيك الثلاثة لنيوتن، ولا بدلالات الكلمات المنطوقة وجمل المنفردة كما لو كان الناس لا يتكلمون إلا مع أنفسهم. وأن النظرية اللغوية – أي نظرية لغوية بالمطلق – التي تتجاهل تجاهلا تاماً التفاعل الحاصل بين اللغة ومشاريط المقام الحاكمة لاستخداماتها لا قيمة علمية لها البتة. ولكن ماهي متغيرات المقام الحاكمة للخطاب؟ إنها عديدة، ولكن من أهمها: زمكان الحوار، طبيعة الحادثة الكلامية وموضوعها وملابساتها وشروطها الإثنوغرافية والانثروبولوجية، عدد المشاركين فيها والأوضاع الإجتماعية لكل واحد منهم، طبيعة العلاقات الرابطة القائمة بين المتحاورين المخاطِبين والمٌخاطَبين، المعلومات المشتركة وغير المشتركة بينهم، ما قد حصل قبل الحادثة وبعدها، مدى وكيفية سيطرة كل ناطق على لغته، التطورات الحاصلة في ثنايا تجاذب أطراف الحديث وسيطرة كل واحد منهم على إدراك تعددية المعاني لأي خطاب واحد ... سأعطي مثلاً عراقياً واحداً على تحكم المقام بمعنى المقال: في مضيف سين بالريف الفراتي العراقي، ظهراً، يجلس الضيف صاد، فيحييه مضيّفه س بالقول: - صبَّحكم الله بالخير. فيرد عليه الضيف ص بالقول. - صبَّحكم الله بالخير. فكم فعل خطابي لدينا هنا في هذا المقام لهذه التحية وردها؟ أولاً: لدينا فعل التحية الأول المعبِّر عن الإحترام والاعتبار الإجتماعي المتبادل بين المتحاورين. ثانياً: لدينا تضمين سين لتحيته تلك في وقت الغداء للسؤال الإثنوغرافي: هل أنت متناول لطعام الغداء؟ ثالثاً: والتضمين أعلاه يفترض مسبقاً أنه سيتوجب علي المضيّف أداء واجبه الاجتماعي تجاه الضيف بتقديم طعام الغداء له في مكان جلوسه، وليس تقديم الشاي أو القهوة. وكم فعل خطابي يتصمنه خطال رد التحية؟ أولاً: رد التحية بمثلها. ثانياً: إبلاغ المضيِّف ضمنياً بمعلومة: أنا لم أتناول بعد طعام الغداء. ثالثاً: إبلاغ المضيف ضمنياً بامكانية استضافته على طعام الغداء. ولو كان رد الضيف للتحية بالقول: - مسّاكم الله بالخير، لكان معنى خطابه هو رد التحية واعلام المخاطب بتناوله طعام الغداء مسبقاً وأن على مضيفه تقديم الشاي أو القهوة له. لنغير المقام إلى المقهى، بنفس منطوق التحية وردها بين صاحب المقهى وزبونه. هنا سيقتصر المعنى على إلقاء التحية وردها فقط، وليس أبداً على المعاني (ثانياً) و(ثالثا) أعلاه. الكلام هو نفسه في الحادثتين الخطابيتين؛ مالذي تغيَّر؟ المتغير هنا هو المكان، وطبيعة العلاقات القائمة بين المتحاورين، والمشاريط الإثنوغرافية والأنثروبولوجية القائمة عندهما. لنغير المتحاورين في نفس المقهى بين القهواتي وعامل مصري وافد تواً للعراق: - صبَّحكم الله بالخير. - الله؟ هو ربنا سبحانه وتعالى قاعد معانا بردو هنا؟ / آه ومالو!/ أيوه، يا سِيْدي/ عال/ كويّس / بتقول إيه؟..... ما معنى جواب العامل المصري أعلاه ؟ لا علاقة لمعنى جوابه بدلالات مفردات فعل استفساره الفكاهي ولا ما بعده من جمل. معناه التعاربي هو: أنا لا أعرف معنى كلامك هذا! كما يعني في نفس الوقت: أنا لست من أهل العراق. كان جوهر فكر فيتغنشتاين يرتبط بتصوراته عن طبيعة اللغة ودورها في عملية التفلسف، ولكن عدم ثقته العميقة بأي نظرية جعل من المضلل تصنيفه كـ"فيلسوف". ولقد بقي فيتغنشتاين يؤمن طوال حياته بصعوبة بلوغ وضوح الفكر والتعبير لإعتقاده بأننا نغفل عن حقيقة كوننا نستعمل اللغة باستمرار؛ واعتبر أن: "الفلسفة هي معركة ضد سحر اللغة الذي يُضلّل عقولنا"؛ وأن السعي وراء الأطروحات الفلسفية والدفاع عنها إنما هو عرض من أعراض الالتباس الفلسفي لأن التأكيدات الفلسفية ذات المعنى حول "كيف هي الأشياء" لا يُمكن تقديمها بدقة ناجزة إلا في العلوم والتخصصات التجريبية الأخرى. وقد ساهم مبدأه المنهجي هذا - إلى جانب عدم اهتمامه بتقديم الحجج المقنعة على أطروحته تلك – في تعسر استيعابه داخل أي مجتمع فكري مهني، بما في ذلك تخصص الفلسفة. لذا يمكن وصف "موقفه" الفلسفي بأنه عابر. المصدر: https://philosophersmag.com/wittgenstein-in-800-words/ ولكن مفهوم "فيلسوف اللغة" يقتضي حتماً الفصل بين اللغة والفلسفة؛ فهل هذا ممكن؟ الجواب هو: قطعاً لا! لماذا؟ لأن الفلسفة واللغة هما وجهان لشيء واحد. والباحث في اللغة - مثل أوستن وسيرل - هو باحث لغوي وليس فيلسوفاً البتة؛ مثلما أن الباحث في الفلسفة يشتغل في ميدان تخصصه الفلسفي وليس في البحث اللغوي، ثم يدعي أنه فيلسوف لغة. هنا، لا بد لنا أن نعود لهيغل، الذي أعتبر اللغة هي التعبير الخارجي والأداء للروح البشرية، ووعي الوسيلة التي يتفاعل من خلالها الوعي الذاتي مع الواقع الاجتماعي، فيتعرفان على بعضيهما. إللغة هي التعبير عن العقل والفكر عندما تُحول الأفكار والمشاعر الداخلية والخاصة للإنسان إلى أشياء ثابتة وعالمية وموضوعية يمكننا مشاركتها. بالنسبة لهيغل، فإن كل الفكر هو لغوي، حيث أن كل "أشكال الفكر تُعرض وتُخزن في المقام الأول في اللغة البشرية"، ولا تُعبِّر عنها إلا الأشياء التي نقولها، فحسب. وهذا يعني أن العلاقة بين الفكر واللغة هي تلازمية وتفاعلية لأننا لا يمكننا تصوير الأفكار أو الشعور بها إلا بتسميتها وشرحها لغوياً لكي تتخذ كياناً موضوعياً محدداً. وبكلمة أخرى، ولكون اللغة هي الأداة الملازمة للتكوين الفكري، فإننا لا نستطيع ان نعرف ونمتلك أفكارنا المحددة والحقيقية إلا عندما نمنحها شكلها اللغوي الموضوعي، أي شكل وجود متميز عن دواخلنا، وبالتالي تحققاً خارجيًا يحمل في الوقت نفسه بصمةَ عقلنا وفكرنا. إذاً، فإن العرض الكامن للبنية الحقيقية لمقولاتنا لا يمكنه أن يتجاوز اللغة المقولِبة له ولا تفادي دمغة مياسم القيم اللغوية العشرة لأبنيتها التي وصفناها في الحلقة السابقة ، بل سنستخدمها لتمنحنا فهمًا أدق وأعمق للمقولات مما نستخدمه عادةً في خطابنا. وهذا هو سبب استهجاني لمصطلح "فيلسوف اللغة العادية" (ordinary language philosopher) الذي يُطلق على أوستن، لكونه ينفي نفسه بنفسه على الفور في ضوء التوضيح الديالكتي أعلاه لطبيعة العلاقة الوجودية القائمة بين الفكر واللغة. صحيح أن اللغة تُتيح لنا ممارسة الفلسفة، لكنها لا يجوز أن تُحدَّد مُسبقًا، ولا أن تَضَعَ حدودًا مُسبقة لما يُمكننا التفكير فيه وفهمه. وهذا ما يقتضي وجوب أن لا تكون المفاهيم ومعاني الكلمات التي يفترضها الفيلسوف ويستخدمها في نظريته هي التي تقرر مسار إشتقاقه لمقولاته الفلسفية؛ بل أن فكرة الوجود الخالص وحدها هي التي تحدد مفاهيمه اللغوية. لماذا؟ لأن عملية التبرير (justification) المطلوبة للفلسفة ستدور عندئذ في حلقة مفرغة: المفاهيم ومعاني المفردات المأخوذه إبتداءً من "اللغة" تصبح هي التي تحدد مسار اشتقاق "النظرية اللغوية لنفس تلك اللغة" بمعزل عن الوجود. غير أن اللغة تفشل في تشكيل الفرضيات الأساسية للفلسفة التأملية عندما تُعزل عن الوجود، لكون التأمل الفلسفي مستقلٌ تماماً عن اللغة. ولقد مر بنا سابقاً زعم اوستن بأن استخدام الناطق لأي واحد من صيغ العشرة آلاف فعل الموجود في قاموس اللغة الإنجليزية في خطابه إنما هو الانجاز لفعل الخطاب؛ وأنه يجب تمييز الفعل بكونه خطابيا لكون الخطاب يتميز بوجود الفعل! ولكن تمييز الخطاب بكونه فعلاً لا يعني أكثر من تمييز الفعل بكونه خطابياً! إكتشاف عظيم وفلسفة لغوية دائرية عميقة! وعليه، فإن الوصف المهني الدقيق لأوستن - مثل فيتغنشتاين - لا علاقة له بالفلسفة، البتة. المصادر: https://redsails.org/hegels-views-on-language/ S. Houlgate (2006). The Opening of Hegel’s Logic. R. Winfield (1989). Overcoming Foundations: Studies in Systematic Philosophy (New York: Columbia University Press.), pp. 63, 87-8. في كتابه "الكلمات والأشياء" الصادر عام 1959 ، شنّ الفيلسوف المادي في اوكسفورد إرنست غيلنر - بتأييد قوي من بيرتراند راسل الذي كتب المقدمة لذلك الكتاب - نقدًا لاذعًا وشهيرًا ضد جون أوستن، متهماً إياه بـ "التفاهة" والولع "بكسب الجدالات والسيطرة على الناس" بدلاً من معالجة المشكلات الفلسفية الحقيقة. وجادل غيلنر بأن تركيز أوستن الشديد على الفروق الدقيقة في المحادثات اليومية لا يرقى إلى أكثر من "التعداد اللاهوتي للملائكة". واتهم أوستن، ومن بعده اللغويين المتأثرين بفيتغنشتاين، بالفشل في التقييم النقدي أو التساؤل عن مشروعية أساليبهم الفلسفية الخاصة. كما اعتبر غيلنر فلسفة اللغة العادية بمثابة الانسحاب الفكري من العالم الحقيقي، حيث يتم التعامل مع الفكر كعلاج بدلاً من الانخراط في المشكلات المجتمعية الفعلية. وتندر عليهم بالقول: " عندما يفقد رجل الدين إيمانه فإنه يتخلى عن دعوته؛ أما الفيلسوف الذي يفقد إيمانه بالفلسفة فإنه يعيد تعريف موضوعه". وختم غيلنر تقييمه هذا باتهام أوستن بالنفاق وبخداع الطلبة: "لقد كان لاعبًا بارعًا في فن الجدل، ولا يُضاهى في إيهام الناس بأن خدعتهم قد انكشفت بينما هم في الحقيقة لا يَخدعون، وفي عرقلة أي محاولة لكشف خدعته. وسيكون من النفاق عدم ذكر كل هذا. قد لا يكون النفاق مهمًا، ولكنه سيكون أيضًا ظلمًا للطلاب الذين ما زالوا يُخدعون بالاعتقاد بأن هذا النوع من التفلسف له قواسم مشتركة مع المسعى الفكري الجاد". المصدر: https://en.wikiquote.org/wiki/Ernest_Gellner
يتبع، لطفاً.
#حسين_علوان_حسين (هاشتاغ)
Hussain_Alwan_Hussain#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأيدز وقطع الأرزاق ونَعْنَعة الضلوع
-
تلفيقات ومغالطات نظرية أفعال الخطاب في علم التعارب (3)
-
تلفيقات ومغالطات نظرية أفعال الخطاب في علم التعارب (2)
-
تلفيقات ومغالطات نظرية أفعال الخطاب في علم التعارب (1)
-
تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (8)
-
سقوط إمبراطورية الشر الأمريكية
-
شياطين الحُطَمة
-
أعلام عراقية شامخة: الأستاذ المتمرس الدكتور عبد اللطيف علوان
...
-
المستلزمات الستة للشيوعية
-
صنمية الذكاء الأصطناعي (4-4)
-
صنمية الذكاء الأصطناعي (3)
-
صنمية الذكاء الأصطناعي (2)
-
صنمية الذكاء الأصطناعي (1)
-
أعلام عراقية شامخة: الأستاذ المتمرس الدكتور عبد اللطيف علوان
...
-
خوش فكرة
-
تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (7)
-
تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (6)
-
تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (5)
-
تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (4)
-
تشومسكي: تزييف الدرس اللغوي وعقلنة السمسرة (3)
المزيد.....
-
بوتين يهدد.. سنرد بالمثل على مصادرة دول غربية سفننا
-
أمريكا.. مصرع طيارين في تحطم مروحية -أباتشي- في ولاية تكساس
...
-
-شربوا معهم الشاي ثم أسروهم-.. كيف حررت القوات الروسية بلدة
...
-
ليبيا … عدسة RT توثق عملية تبريد الخزان 402 في مجمع الزاوية
...
-
وزير الخارجية البولندي يهدد بوقف تمويل -ستارلينك- في أوكراني
...
-
الداخلية العراقية: ضبط أكثر من 20 طائرة مسيرة محلية الصنع في
...
-
باريس سان جرمان يهزم أستون فيلا ويحتفظ بكأس السوبر الأوروبية
...
-
إجلاء نحو 1200 شخص بسبب حرائق غابات في شمال فرنسا
-
بين صفقات النفوذ وبناء الدولة.. إلى أين تتجه المبادرة الأمري
...
-
مناطق أمنية وضربات دورية.. إلى أين تتجه خطط إسرائيل في غزة و
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|