|
|
إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوطني(1)
فهد سليمان
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 14:39
المحور:
القضية الفلسطينية
■ مقدمة 1– الخلل البنيوي في منطلقات أوسلو 2- الفرص الضائعة ومقاربة «تجاوز التجاوز» 3- في النظام السياسي القائم ومشروع «الضم والترحيل» 4- أوسلو: هندسة التراجع وتفكيك المشروع الوطني 5- دوافع القيادة الرسمية الفلسطينية 6- محاولات فاشلة لاستعادة مسار المفاوضات 7- الحصاد السلبي والإذعان الرسمي 8- ركائز الإستراتيجية البديلة 9- تداعيات أوسلو على النظام السياسي آب (أغسطس) 2026 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) نص المحاضرة التي ألقيت في معهد العلوم الإجتماعية للجبهة الديمقراطية.
مقدمة ■ القراءة الموضوعية للواقع السياسي الفلسطيني الماثل، يجب أن تبدأ من حقيقة أن عملية أوسلو كانت نقطة تحول هيكلي أعادت هندسة المشروع الوطني، فخلال أكثر من ستة عقود من عمر الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، بدءاً من تأسيس م.ت.ف- 1964، إستحوذت عملية أوسلو بعد التوقيع على «إتفاق إعلان المباديء»- 1993، على أكثر من نصفها، ما يجعل أي تحليل للحالة الفلسطينية، أو تخطيط لمستقبلها أمراً غاية في الصعوبة بمعزل عن تفكيك عملية أوسلو نفسها، وقراءة مقدماتها، وما أطلقته من تداعيات. ■ جوهر الإشكالية نابع من أن أوسلو ليست «إتفاقية» مغلقة بنصوص قاطعة وآليات تنفيذ واضحة، بل هي «عملية سياسية» مفتوحة على الزمن، بدأت بإعلان مباديء فضفاض لا يخلو من الغموض، ومنه تفرعت «دزينة» من الإتفاقات. هذا الغموض المتعمد، خاصة في قضايا جوهرية رُحِّل البحث بها إلى ما سمي بمفاوضات الوضع الدائم (الحدود، القدس، اللاجئين، المستوطنات،..) أخضع كل بند من بنود الإتفاق لمفاوضات خاصة، ما جعل تطبيق النصوص ينصاع بدوره لميزان قوى آني، كانت كفته راجحة لإسرائيل في معظم الأحيان. ومع تراجع الزخم الشعبي والسياسي للإنتفاضة الأولى- 1987، ومعه الإهتمام السياسي الدولي بالقضية الفلسطينية، تحوَّلت إسرائيل تدريجياً من طرف يتفاوض على تعريف مضمون النص قبل التنصل من تطبيقه، إلى طرف يفرض إرادته بناءً على أرجحيته، إن لم يكن تفوقه في الميدان. ■ لذلك، لا يمكن التعامل مع عملية أوسلو بوصفها مجرد محطة أطلقت عملية تفاوضية سياسية في ظرف معيَّن، أو باعتبارها إتفاقاً سياسياً إنتهى مفعوله مع تعثر المفاوضات، أو إنهيار «عملية التسوية»؛... فالحقيقة أن أوسلو شكّلت لحظة تحول بنيوي في طبيعة الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي تعريف المشروع الوطني نفسه، وفي العلاقة بين الفلسطينيين والإحتلال، كما أعادت تشكيل بنية المؤسسات السياسية والأمنية والإقتصادية الفلسطينية بصورة ما تزال آثارها تتحكم بالواقع الفلسطيني حتى يومنا. ■ منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية- 1964، مرّت الحركة الوطنية الفلسطينية بتحولات كبرى، إرتبطت أيضاً بالتحولات العربية والإقليمية والدولية، كان أهمها قاطبة ما ترتب على حرب الـ 67 من نتائج وما أطلقته من تداعيات؛ إلا أن مرحلة أوسلو، بدءاً من العام 1993، تبدو الأكثر تأثيراً وإستمرارية، لأنها لم تُحدث تغييراً في أدوات العمل السياسي فحسب، بل نقلت المشروع الوطني الفلسطيني من منطق حركة التحرر الوطني بهدف الإستقلال الناجز، إلى منطق بناء سلطة الحكم الإداري الذاتي المقيّدة بإتفاقات يتحكم الإحتلال بسقفها الهابط أصلاً. ■ مَرَّت حركة التحرر الوطني الفلسطينية بالعديد من المنعطفات في إطار التحولات التي شهدتها المنطقة والعالم، وكان بعضها كفيلاً بتهديد وجودها، ومنها أحداث الأردن – 1970/1971 التي أنهت الوجود العلني للمقاومة في البلد الأهم للنضال الوطني التحرري الفلسطيني من بين «بلدان الطوق»؛ وكذلك حرب الـ 82 التي أخرجت م.ت.ف ومؤسساتها من لبنان، وحرمتها من التماس المباشر مع حدود الكيان. وفي كل مرة كانت الحركة الوطنية قادرة على النهوض بأوضاعها، وعلى إعادة بناء مؤسساتها؛ إلا أن عملية أوسلو كانت أكثرها خطورة، فالأزمات التي عاشها الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية كانت، في غالبها، أزمات ذات طابع تنظيمي، أو عسكري، أو حتى سياسي، أطاحت أزماتها الأشد بقواعد «الإرتكاز» التي تحتاجها أي حركة تحرر في عملها، وقد ساهمت – لا ريب - في إضعاف الحركة الوطنية، لكنها لم تَكُنْ أزمات جوَّانية، تهدد الأسس التي قامت عليها، ولم تُغيّر جوهر مشروعها السياسي القائم على التحرر الوطني ووحدة الشعب في إطار كيان ومرجعية تمثيلية جامعة هي منظمة التحرير الفلسطينية، وأولوية مشروع المقاومة بأشكالها على ما عداه من عناوين. ■ أما الأزمة الحالية التي نمر بها، بفعل عملية أوسلو فهي مختلفة وتداعياتها أكثر شدة، لكونها أزمة جوّانية، بنيوية تمس المشروع الوطني في الصميم. ومن أبرز عناوين هذه الأزمة: الإنتقال من حركة تحرر وطني لشعب تحت الإحتلال إلى مجرد سلطة حكم ذاتي مقيّدة الصلاحيات، وتجزئة القضية الفلسطينية وتحول الشعب الفلسطيني الموحد إلى مجرد مجموعات سكانية، لكل منها ظروفها وهمومها الخاصة، فضلاً عن قضايا مركزية أخرى لم تحظَ بالإهتمام المطلوب، كالحفاظ على كيانية القدس، ووقف الاستيطان. زد على ذلك إنهيار الكيان الائتلافي المتمثل بـ م.ت.ف، بكل النتائج السلبية التي إنعكست على مكوناتها. ■ لهذا، فإن التوقف أمام عملية أوسلو اليوم ودراسة ما ترتب عليها، ليست إستعادةً للماضي بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر الفلسطيني نفسه؛ إذ يصعب فهم طبيعة السلطة الفلسطينية والمؤسسات المنبثقة عنها، وتحليل أزمة المشروع الوطني، والإنقسام الداخلي، ... دون العودة إلى البنية السياسية التي أنتجتها عملية أوسلو طوال العقود الماضية■ (1) الخلل البنيوي في منطلقات أوسلو وجذور معارضته الوطنية ■ يتكامل الغموض السابق ذكره في «إتفاق إعلان المباديء»، مع ما يسمى بـ «رسائل الإعتراف المتبادل»- 9/9/1993 الموقعة قبل «إعلان المباديء» بأربعة أيام، وهي تسمية مُضللة، إذ لم يقع إعتراف متبادل فعلي؛ فإسرائيل إعترفت بـ «منظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني»، دون أن تعترف بالحقوق الوطنية لهذا الشعب، في حين تضمنت رسالة الجانب الفلسطيني إعترافاً بـ«حق إسرائيل في الوجود»، وهو إعتراف يتجاوز الإعتراف بالأمر الواقع -de facto ، وحتى الإعتراف القانوني- de jure، ليتبنى الإعتراف الأيديولوجي بالرواية الإسرائيلية القائمة على أساطير وتهويمات عقيدية، ويلامس التسليم بـ«ملكية» المشروع الصهيوني لـ «الرواية»، ما يعني تجريد أصحاب «الرواية» الحقيقيين، الأصليين، من ملكيتها، ويضع علامة سؤال على حقهم الراسخ في الأرض، تماشياً مع مقولة محمود درويش «من يملك الرواية يملك الأرض». ■ كما تكمن خطورة «رسالة الإعتراف» الفلسطينية في أنها تضمنت الموافقة على وصم الكفاح المسلح بالإرهاب في سياق الإعلان عن «التخلي (to renounce) عن الإرهاب وأعمال العنف»، والتعهد بملاحقة من يقوم بأعمال تقع تحت هذا المسمى، فضلاً عما تضمنته النصوص من تنازلات مَسَّت المرجعيات القانونية والسياسية، حيث جرى تجاوز موضوع القدس رغم القرارات الإسرائيلية السابقة بضم المدينة( )، وتم لاحقاً تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، لتظل المنطقة الأخيرة (62% من مساحة الضفة و 13% من سكانها) خارج أي صلاحية فلسطينية فعلية وتحت السيطرة الكاملة للإحتلال، ما إختزل إلى حدود بعيدة المسافة التي تفصلها عن الأمر الواقع المتمثل بـ «الضم». ■ ومن هنا، تبلورت أسباب سياسية وقانونية منطقية لمعارضة إتفاق أوسلو على نطاق واسع وطنياً. وفي هذا الإطار، سلطت الجبهة الديمقراطية الضوء على إنتقاد «الحكم الإداري الذاتي المحدود» في المرحلة الإنتقالية لإتفاق أوسلو ولشروطها بالتحديد، التي تجعل من هذه المرحلة جسراً يُديم الإحتلال بوجهة الضم، وليس طريقاً يقود إلى الإستقلال الناجز بمثال الحكم الذاتي في تونس – من شهر 6/1955 إلى شهر 12/1956، أو السودان بين عامي 1954 و 1956، أو الإستقلال المنقوص في مصر- 1923، أو حتى بلدان المشرق العربي التي خضعت لنظام الإنتدابين الفرنسي والبريطاني لما يزيد قليلاً عن عقدين من الزمن، إثر إنتهاء الحرب العالمية الأولى. وعليه، إعتبرت الجبهة الديمقراطية أن إتفاق أوسلو يتحرك في دائرة مغلقة للحكم الإداري الذاتي المحدود على السكان، دون الأرض، وبسقف هابط باعتباره لا ينص على وقف الاستيطان ولا يقيم إعتراضاً على ضم القدس، وذلك على النقيض من مشروع إقامة «سلطة فلسطينية مؤقتة للحكم الذاتي»( )، على طريق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، الذي سبق أن تقدم به الوفد الفلسطيني المفاوض والمتماسك الأداء، في مباحثات واشنطن- 1992/1993، التي وضعت عملية أوسلو نهاية لها. ■ وبالفعل، ففي 2/3/1992 قدم الوفد الفلسطيني (الذي ضم قامات وطنية على غرار حيدر عبد الشافي، وفيصل الحسيني، وحنان عشراوي) مشروعاً مختلفاً للحكم الذاتي يقوم على تأسيس كيان حكومي في فلسطين، منتخب من الشعب في الضفة والقدس والقطاع، تُنقل إليه كافة الصلاحيات من الإدارة المدنية الإسرائيلية المرتبطة بجيش الإحتلال، على أن تتمتع هذه السلطة المنتخبة بالتحكم التام – أي السيطرة، إنما دون مستوى السيادة التامة، على كافة الأراضي المحتلة، بما فيها المستوطنات (باستثناء المستوطنين)، وعلى جميع السكان الفلسطينيين. وسيكون على إسرائيل وقف كل نشاط إستيطاني وسحب قواتها إلى نقاط تمركز جديدة على حدود المناطق الفلسطينية المحتلة. ■ وبما أن ما نتج عن أوسلو جاء مناقضاً لمشروع الوفد الفلسطيني المفاوض بواشنطن، حيث أبقى معظم الأرض تحت الإحتلال، وجعل الولاية القانونية للسلطة مستمدة من الإحتلال نفسه، الذي لا يملك حقاً قانونياً بالمنح أو الحجب، فقد ركزت الجبهة الديمقراطية موقفها المعارض لاتفاقية أوسلو على الصيغة المفتوحة التي تقوم عليها، والغموض الذي يتخلل بنودها، وربط التنفيذ بميزان القوى الآني، ولكونها قائمة على مرحلتين، لا رابط واضح بينهما سوى إطار زمني غير ملزم لمفاوضات لا تقوم على مرجعية قرارات الأمم المتحدة، بل تعتبر أن مخرجات هذه المفاوضات هي التطبيق الأمين(!) للشرعية الدولية؛ وبالتالي، فإن الخروج من هذه البنية الحبيسة للمشروع الوطني، التي أعادت تموضع الحالة الفلسطينية ضمن البنية الإحتلالية الإستيطانية القائمة، هذا الخروج لا يمكن أن يتحقق إلا بتغيير ملموس في موازين القوى. ■ لذلك، لا يمكن القول إن المعارضة الوطنية والديمقراطية الفلسطينية قد خسرت معركتها نهائياً ضد عملية أوسلو؛ فهي ما تزال في خضم هذه المعركة الوطنية، وتواصل نضالها من أجل الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية. غير أن موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية لم تكن تسمح لهذه المعارضة بتحقيق أهدافها، ما حَدَّ من قدرتها على التأثير في مسار الأحداث. ويُشكّل العامل الذاتي أحد أبرز أسباب تعثر فعل المعارضة الوطنية، إذ لم تتمكن من بلورة مشروع وطني جامع يحظى بإجماع قوى الشعب الفلسطيني، كما أخفقت في توحيد صفوفها وبناء حركة شعبية واسعة ومؤثرة قادرة على مواجهة إتفاق أوسلو وتطبيقاته■ (2) الفرص الضائعة ومقاربة «تجاوز التجاوز» ■ خلال عمرها النضالي، إجتازت الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة ثلاث مراحل رئيسية: الأولى- 1964/1967، وتُمثل مرحلة منظمة التحرير الناشئة تحت مظلة النظام الرسمي العربي، دون أن يعني ذلك الإنتقاص من دورها الوطني والتأسيسي بإعتبارها – بعد النكبة - الكيان الرسمي الأول والتمثيلي الشامل للشعب الفلسطيني؛ تلتها فترة إنتقالية – 1967/1969، إنتقلت فيها القيادة إلى فصائل المقاومة مع إنعقاد الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني– 2/1969، لتبدأ مرحلة العمل الفصائلي الائتلافي التي إستغرقت نحو 25 سنة، تميزت بالكفاح المسلح وبناء المؤسسات، وباستعادة فلسطين لهويتها وتاريخها وإعتراف العالم بها، خاصة بعد إقرار البرنامج الوطني المرحلي، وتكريس منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني؛ وصولاً إلى المرحلة الثالثة بدءاً من العام 1993، وهي مرحلة أوسلو التي ما زالت مستمرة حتى يومنا، علماً أن هناك من يرى (ولإعتبارات وجيهة) أن 7 أكتوبر قد أنهى مرحلة أوسلو، لتبدأ مرحلة جديدة لمّا تتضح معالمها بعد بالقدر الكافي. وقد تخللت هذه المرحلة محطات مفصلية كان يمكن عبرها التخلص من إكراهات أوسلو، أو إضعافها بأقله، ما يعني أن العمر المديد لهذه المرحلة لم يكن قدراً مقدراً، حيث كان بالإمكان هز مرتكزاتها، إن لم يكن تقويضها. ■ إن إفتقار مركز القرار في القيادة الفلسطينية الرسمية إلى الإرادة السياسية اللازمة للتغلب على سلبيات أوسلو أو بعضها بالحد الأدنى، أهدر عدد من الفرص التي أتاحها الإتفاق نفسه، لتحجيم أضراره على طريق التخلص من أوزاره، وذلك بسبب الضغوط الأمريكية المتواصلة من جهة، وإستمرار الرهان على إمكانية إضطلاع الجانب الفلسطيني بدور ما في مسار التسوية السياسية يثمر عن نتائج، من جهة أخرى، الأمر الذي حدّ من القدرة على إستثمار تلك الفرص في إعادة الإعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني وترسيخ مقوماته على الأرض. ■ هَلَّت أولى هذه المحطات المهدورة في الرابع من أيار/ مايو عام 1999، عند إنتهاء السنوات الخمس المحددة في إتفاق أوسلو للمرحلة الإنتقالية، كما والتاريخ المفترض لإنتهاء المفاوضات حول الوضع الدائم؛ حيث طرحت الجبهة الديمقراطية مشروعاً يعتبر هذه المرحلة منتهية ويدعو لإعلان تجسيد سيادة دولة فلسطين على كامل أراضيها المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس بناءً على إعلان الإستقلال- 1988( )، الخ..؛ إلا أن مركز القرار الرسمي الفلسطيني رفض ذلك، ووافق على تمديد المرحلة الإنتقالية لأوسلو برمتها وتثبيت المؤسسات الإنتقالية (التي يفترض أن تكون مؤقتة) كالمجلس التشريعي، مقابل وعود باستحثاث العملية التفاوضية وصولاً إلى إنجاز ما يتصل بـ «مرحلة الوضع الدائم». ■ أما المحطة الثانية، فكانت الإنتفاضة الثانية- 2000/2004، التي ظلمها التاريخ بعد أن تعرضت لغدر مبيَّت إثر أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، التي إستغلتها إسرائيل ومعها واشنطن لوصم الإنتفاضة بالإرهاب بهدف تغيير الموقف الدولي منها، والإنقلاب عليها، لجهة محاصرتها وإخماد جذوتها؛ هذا إلى جانب إعتبار رئيسي تمثل بغياب إستراتيجية فلسطينية موحدة لإدارتها وتعدد مرجعياتها وتخبط تكتيكاتها الميدانية. ■ وجاءت المحطة الثالثة، التي تكررت وقفاتها بنفس المضمون على إمتداد عقد من الزمن من خلال قرارات المجلسين المركزي والوطني( )، والتي نَصَّت على إنهاء الإلتزامات الإنتقالية، وتعليق الإعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، والإنفكاك عن بروتوكول باريس الإقتصادي، وهي قرارات شكلت أرضية لقاسم وطني مشترك، كان بالإمكان أن يخدم مسار التقدم نحو تجاوز الإنقسام وأوسلو معاً؛ لكن مركز القرار الرسمي عَطَّل تنفيذها، مرة تلو الأخرى، حتى فقدت قيمتها كإستراتيجية جامعة. ■ أما المحطة الرابعة، فتمثلت بالقرار الفلسطيني الرسمي- 19/5/2020 بالتحلل «من جميع الإتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الأميركية والإسرائيلية ومن جميع الإلتزامات والتفاهمات المترتبة على تلك التفاهمات والإتفاقات، بما فيها الأمنية»، وذلك بعد يومين من قرار الحكومة الإسرائيلية الشروع بخطوات الضم في الضفة الغربية؛ غير أن السلطة الفلسطينية لم تثبت على هذا الموقف، فأعلنت في 17/11/2020 العودة إلى مسار أوسلو وإستئناف الإلتزامات المترتبة عليه. ■ وأخيراً، لا تفوتنا الإشارة إلى محطات الحوار الوطني المتوالية بعد إنقلاب 2007 والإنقسام المؤسسي، لأهمية مخرجاتها، التي رسمت طريق إستعادة الوحدة الداخلية وإعتماد إستراتيجية الخروج من مأزق أوسلو. وفي هذا السياق نخص بالذكر حوارات القاهرة- 4/5/2011 + 9/2 و17/3/2021، وحوار بكين– 23/7/2024 التي عطلت القيادة الرسمية تنفيذ مخرجاتها■ ■■■ ■ تقود هذه المحطات المفوَّتة على خلفية إنتقال دولة الإحتلال والإستعمار الإستيطاني إلى مرحلة تصعيدية نوعية بعد إشهار مخطط الضم والترحيل والشروع بتنفيذه، إلى ضرورة مراجعة المقاربة السياسية؛ القائمة على فكرة «تجاوز أوسلو»، التي دفعت الجبهة الديمقراطية نحو تبنيها، لعلمها وإدراكها صعوبة المعركة التي يخوضها شعبنا، وبالتالي صعوبة «إسقاط» الإتفاق دفعة واحدة، نظراً للغطاء الإقليمي والدولي الذي حظي به. ■ وكان «التجاوز» يعني العمل من داخل البنية القائمة لاختراقها وتفكيكها تدريجياً. أما اليوم، ومع وصول مسار التسوية إلى طريق مسدود وإستنفاذ أوسلو لأغراضه بالنسبة للإحتلال، حيث باتت أوساط بعينها في الحكومة الإسرائيلية تطالب بالتصويت على إلغائه في الكنيست؛ فإن المطلوب الآن هو «تجاوز فكرة التجاوز نفسها» دون التخلي عن مطالب التجاوز (كوقف التنسيق الأمني الذي هو إلى التعاون أقرب، والخروج من بروتوكول باريس الإقتصادي الذي يفرض الغلاف الجمركي الواحد مع إسرائيل، الخ..)، وهو ليس تلاعباً بالألفاظ، أو تغييراً في الهدف المباشر، بل تغيير في المقاربة المطروحة، أي صياغة إستراتيجية عمل جديدة بالكامل لا تُبنى على مجرد فكرة تفكيك إتفاق لم يكن بالأصل مطروحاً للتطبيق على أجندة تل أبيب، بعد إنتقال المشروع الإسرائيلي (بحسب تعريف عالم الإجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلنغ) من السيطرة إلى إعلان «الإعدام» أو «الإبادة» السياسية- politicide( ) للحالة الفلسطينية بالمعنى المادي والمعنوي والرمزي؛ بل تُبنى على إستراتيجية تنطلق من ترتيب أولويات تجعل المقاومة الشعبية بكل أشكالها الإشتباكية المتاحة، التي يحميها ويضيء سبيلها جدار الوحدة الداخلية، بغطاء كثيف من «التدويل»، هي المحور الأساسي الذي تشتق منه وتبنى عليه باقي السياسات والمواقف■ (3) في النظام السياسي الفلسطيني القائم ومشروع «الضم والترحيل» ■ يتكون النظام السياسي الفلسطيني من جسمين متداخلين محكومين بقوانين وإشتراطات معينة نتيجة ربط الحالة الفلسطينية بواقع متصل بالإحتلال والإستعمار الإستيطاني؛ الجسم الأول هو منظمة التحرير الفلسطينية، المؤسسة الأم ومكمن القوة والشرعية القانونية والتمثيلية المرتبطة بحق تقرير المصير والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة. أما الجسم الثاني، فهو السلطة الفلسطينية، التي تمثل بنية إدارية ذات سمات دولانية تعززها شبكة علاقات سياسية موروثة من م.ت.ف، ومكمن قوتها إرتباطها بالأرض وأهلها، ومصدر صلاحياتها مستمد بالأساس من إتفاق أوسلو. وعلى الرغم من مباركة الأمم المتحدة ودول العالم لإتفاق أوسلو، إلا أن الشرعية السياسية للسلطة الوطنية إرتبطت بمصدرين: الإتفاق الثنائي مع إسرائيل، والغطاء الممنوح لها من المنظمة عبر المجلس المركزي، ولاحقاً المجلس الوطني. ومصدر صلاحياتها مستمد من إتفاق أوسلو. إن المصلحة الوطنية تقتضي الحفاظ على هذا «التشكيل» بعلاقاته البينية، إلى أن ينشأ ظرف يسمح بتمليك «المرجعية الفلسطينية» في الضفة (بما فيها القدس) والقطاع شروط التقدم الفعلي نحو الإستقلال والسيادة؛ عندها، يمكن التفكير بإعادة صوغ العلاقة بين «الجسمين» على أسس أخرى. ■ لقد أدى هذا التداخل بين المنظمة والسلطة إلى خلل بنيوي وغير طبيعي تمثل في «تحكم الجسم الأصغر (السلطة) في قرار الجسم الأكبر (المنظمة)»، حيث أدار الطرف المتنفذ بالقرار ظهره للمنظمة معتقداً أن «السلطة الوطنية» (المقيمة بين مواطنيها على جزء من أرض الوطن – وهذا عنصر قوة لا يضاهى)، هي المشروع الإنتقالي المنفتح على مسار الدولة، وإختزل دور المنظمة بوظيفتها المرجعية العليا لإضفاء الشرعية القانونية على الإتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، مما تسبب في تآكل نفوذ ودور الجسمين معاً بأيدٍ فلسطينية إبتداءً، زاد منها وفاقمها على نحو خطير الإنقسام وتعطيل الإنتخابات وحل المجلس التشريعي وفقدان التجديد الديمقراطي للمؤسسات القائمة. ■ يتزامن هذا التآكل الذاتي للسلطة (بما هي حكم إداري محدود الصلاحيات على السكان ومجرد من السيادة على الأرض) مع سعي إسرائيل الدؤوب لتجويف عملية أوسلو وإستخدام «بقاياها» كغطاء لتكريس الوقائع الميدانية؛ وقد حدث التطور النوعي والأكثر خطورة على المستوى القانوني والسياسي مع تشكيل الحكومة الإسرائيلية اليمينية النازعة بالعمق للفاشية- 12/2022، حيث إنتقل الإحتلال – بالتوازي مع مواصلة حرب الإفناء والإبادة في قطاع غزة - من طور إدارة الصراع بوجهة مراكمة المزيد من عناصر السيطرة بواسطة مصادرة الأراضي وتطوير البنية التحتية ذات الصلة وتوسيع الإستيطان والتهويد حيث أمكن،.. إلى تطبيق منهجي لمخطط «الضم والتطهير العرقي والترحيل» في الضفة الغربية وتهويد القدس وتغيير جغرافية الأرض عبر بؤر الاستيطان والطرق الإلتفافية وتشريعات متعددة مثل قانون الأراضي( ) وغيره من تشريعات هدفت إلى تكريس واقع الضم المتسارع للضفة الغربية. ■ كما تمثل هذا التطور في تعيين وزير المالية سموتريتش وزيراً مدنياً مقيماً في وزارة الدفاع، ونقل صلاحيات الإدارة المدنية المتعلقة بالأرض والاستيطان والخدمات من قيادة الجيش الإسرائيلي (التي تمثل سلطة الإحتلال العسكري المؤقت بموجب القانون الدولي) وإحالتها إلى مؤسسات وهيئات تتبع – بالنتيجة - الحكومة الإسرائيلية، وهو ما يشكل بالمعنى القانوني خطوة كبرى وخطيرة باتجاه الضم القانوني والسيادي للضفة الغربية وإلغاء المرجعيات القانونية السابقة كالقانون الأردني، والعمل على تحويل بقايا السلطة إلى إدارات محلية معزولة تعيد إلى الأذهان مشاريع «روابط القرى» سيئة الصيت بصيغة متجددة، بالتوازي مع طرح مشاريع دولية مشبوهة تتحدث عن إدارة مختلفة للضفة وغزة عبر كيانات ومجالس مرتبطة بجهات خارجية، كـ «مجلس السلام» على سبيل المثال■ (4) أوسلو: هندسة التراجع وتفكيك المشروع الوطني ■ تكمن إشكالية أوسلو في أن مخرجاته لم تكن مرتبطة بأسلوب إدارة المفاوضات أو بقدرات المفاوض الفلسطيني على أهميتها، بل بطبيعة الإطار السياسي الذي حددته الإتفاقيات نفسها؛ فقد جرى إستبعاد المرجعية الملزمة لقرارات الشرعية الدولية، وأصبحت العملية السياسية محكومة بالسقف الإسرائيلي وبموازين قوى مختلة لصالح الإحتلال. كما أُخضعت المفاوضات لنهج تراكمي يقوم على إنتقال كل مرحلة من نقطة التنازلات التي سبقتها، ما أدى إلى إستنزاف تدريجي للموقف الفلسطيني وإضعاف قدرته على التمسك بثوابته الوطنية. ■ أما فيما يتعلق بالمرحلة الإنتقالية، فقد فرضت الإتفاقيات على الجانب الفلسطيني سلسلة من الإلتزامات السياسية والأمنية والإقتصادية، شملت وقف أشكال المقاومة، والتعاون الأمني مع الإحتلال، وسيطرته المنفردة على سجل السكان، التي تجعله يقرر من له حق المواطنة وأين يحق له العيش، والتخلي عن أدوات الضغط الشعبية التي جسدتها الإنتفاضة، فضلاً عن تكريس التبعية للإقتصاد الإسرائيلي وفرض الغلاف الجمركي الواحد،.. وصولاً إلى تأجيل البت بالقضايا الجوهرية إلى مفاوضات لاحقة. ونتيجة لذلك، جُرّد الشعب الفلسطيني من أهم عناصر القوة التي كان يمتلكها في مواجهة الإحتلال، بينما تعمقت الإنقسامات السياسية الداخلية وتعرض البرنامج الوطني المشترك للإهتزاز، بالتوازي مع تراجع التنسيق العربي(الأصح هبوط السقف العربي الرسمي) الداعم للقضية الفلسطينية. ■ وفي المقابل، إستفادت إسرائيل من هذه المعادلة إلى الحد الأقصى؛ فمن خلال السيطرة على الأرض والموارد وإستثمار إختلال ميزان القوى، إستطاعت فرض قراءتها الخاصة للإتفاقيات، والتهرب من إلتزاماتها، ومراكمة المكاسب السياسية والأمنية والاستيطانية. وتحولت المرحلة الإنتقالية عملياً إلى مرحلة مفتوحة زمنياً، ومنفلتة من أية ضوابط، أتاحت للإحتلال توسيع نطاق السيطرة الإستعمارية على الأراضي الفلسطينية. أما القضايا المصيرية المرتبطة بالقدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والسيادة، فقد جرى ترحيلها إلى ما سُمي بمفاوضات الوضع الدائم. لكن هذا التأجيل لم يكن حيادياً، أو محض زمنياً، إذ إستغلته إسرائيل لخلق وقائع ميدانية وقانونية جديدة من شأنها التأثير الحاسم في نتائج أي مفاوضات مستقبلية؛ إذ تسارعت عمليات تهويد القدس، وتوسعت المستوطنات بصورة غير مسبوقة، وتعززت محاولات دمج إسرائيل في محيطها الإقليمي عبر مسارات تطبيع مختلفة، «إبراهيمية» أو غيرها. وبهذا المعنى، لم يكن تأجيل الحل النهائي سوى من أجل منح الإحتلال الوقت الكافي لإعادة تشكيل الواقع السياسي والجغرافي، وإستتباعاً السكاني، بما يخدم أهدافه الإستراتيجية. ■ ومن بين أخطر النتائج التي أفرزها إتفاق أوسلو أنه نقل مكانة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 من كونها أراضٍ محتلة وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة إلى أراضٍ يجري التعامل معها سياسياً بوصفها موضع نزاع بين طرفين يقفان على سوية واحدة بميزان القانون وأحكام الشرعية الدولية، وليس بين مُحتَل ومُحتِل. وقد وفر هذا التحول غطاءً سياسياً لإسرائيل للإستمرار في المطالبة بأجزاء واسعة من هذه الأراضي، إن لم يكن كلها، ومهّد لاحقاً لمحاولات فرض حلول تقوم على التجزئة والتقسيم بدلاً من إنهاء الإحتلال بصورة كاملة■ (5) دوافع القيادة الفلسطينية الرسمية [■ ويبقى السؤال المركزي: ما الذي دفع القيادة الفلسطينية الرسمية إلى تبني هذا الخيار – خيار أوسلو - رغم ما إنطوى عليه من إجحاف ومخاطر واضحة؟ وعلى هذا نقدم إجابة لا تدعي الإحاطة الكاملة، إنما تغطي جوانب رئيسية من الدوافع المباشرة، كما والدوافع الأبعد مدى:] الدوافع المباشرة، نلخصها بثلاثة أمور: 1– تراجع وضع م.ت.ف جرّاء وقوف قيادتها الرسمية إلى جانب النظام العراقي( ) إثر إجتياحه للكويت – 2/8/1990، ما تسبب بتشديد العزلة على المنظمة وتجفيف مواردها المالية، وإلحاق الضرر بالجاليات الفلسطينية في بلدان الخليج، المعتبرة بمكانتها الوطنية والإقتصادية النافذة؛ كما تسبب بتصنيف هذه القيادة والجهة التي تمثل ضمن نسق المهزومين – أسوة بالنظام العراقي – ما أسهم بالإجحاف بالوضع التمثيلي والسياسي للجانب الفلسطيني في مؤتمر مدريد للسلام- 30/10/1991، الذي أطلق مفاوضات واشنطن، ولاحقاً قناة أوسلو الخلفية، والأرجح قنوات خلفية أخرى لم تُعلن، بحثت بالترتيبات الأمنية. 2- خشية المركز القيادي في تونس، من أن يجد تصدر الوفد الفلسطيني لمفاوضات واشنطن، الذي يضم قادة الإنتفاضة المخضرمين، إمتداده المنطقي لاحقاً بتقلد هؤلاء القادة لمواقع المسؤولية في الأراضي المحتلة. ومن هنا، حالة التوتر الشديد التي نشأت بين تونس والوفد المفاوض في واشنطن، ما جعل القيادة الرسمية تؤثر قنوات التفاوض الخلفية على مفاوضات واشنطن، التي أُديرت بِحِرفية وإقتدار على إمتداد عشر جولات إستغرقت عام ونصف العام. 3- على خلفية هذين الإعتبارين، تشق طريقها فرضية عدم إدراك القيادة الرسمية في تونس للأهمية الإستثنائية للإنتفاضة كظاهرة نوعية وغير مسبوقة في أسلوب إدارة حرب الشعب ضد الإحتلال، ظاهرة تستبطن عناصر قوة ومقومات توفر شروط التقدم الفعلي نحو إنجاز الحقوق؛ هذا إلى جانب عدم قدرة مركز تونس وعدم إمتلاكه الوعي والمهارات القيادية (خاصة بعد إستشهاد خليل الوزير– 4/1988)، التي تضمن إعتماد أسلوب عمل قيادي بمستوى توفير شروط إستمرار الإنتفاضة وتصاعدها. إن كل هذا جعل هذه القيادة تسارع، لا بل تتسرع في إلتماس نتائج سريعة لمفاوضات كان بالإمكان – بمزيد من الصبر وطول الأناة والحرص على وحدة قوى الإنتفاضة – أن تخرج بنتائج أرقى من تلك التي تمخض عنها «جبل» أوسلو. الدوافع الأبعد مدى ■ لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى التحولات التي شهدتها بنية الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها. فقد نشأت حركة التحرر الفلسطينية المعاصرة في ظل مرحلة صعود حركات التحرر الوطني عالمياً، وإستندت إلى توازنات دولية وإقليمية وفَّرت لها هامشاً مقبولاً للمناورة؛ إلا أن التحولات التي شهدها النظام الرأسمالي العالمي، وما رافقها من تعاظم نزعات العولمة والإندماج التبعي في السوق العالمية، إنعكست على شرائح من البورجوازية الفلسطينية والعربية (بتكوينها الكومبرادوري الغالب)، التي بدأت ترى مصالحها مرتبطة أكثر فأكثر بمسار الإلتحاق بالنظام الدولي القائم. ■ في هذا السياق، أخذ التيار المهيمن على مركز القرار في م.ت.ف يقترب تدريجياً من مشاريع التسوية الأمريكية المطروحة منذ نهاية سبعينيات ق 20، بدءاً من إتفاقيات كامب ديڤيد - 1978، وصولاً إلى المبادرات الأمريكية اللاحقة. وقد ظل هذا النزوع مُقَيَّداً لفترة طويلة بفعل التوازنات الداخلية داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، وبفعل وجود نظام دولي ثنائي القطبية يوفر دعماً سياسياً لحركات التحرر الوطني، لكن إنهيار الإتحاد السوڤياتي وإنفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، إلى جانب تداعيات حرب الخليج الثانية- 1991، وإنهيار النظام العربي الأمني الرسمي، أحدثت تحولات عميقة في موازين القوى. ■ وفي ظل هذه الظروف، رأى التيار المهيمن على القرار الفلسطيني (والمتحالف مع شرائح الكومبرادور)، أن مستقبله السياسي ومصالحه الخاصة يقتضيان الإندماج في الترتيبات الإقليمية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة، فجاء الإستعداد للتخلي عن الكثير من مرتكزات البرنامج الوطني المشترك والإنخراط في عملية التسوية وفق شروطها المنحكمة – بشكل رئيسي – بالرؤية الأميركية، المتأثرة – بدورها – بأولويات السياسة الإسرائيلية. ■ من هذا المنظور، لم يكن أوسلو نتيجة حتمية فرضتها الظروف الدولية والإقليمية وحدها، بل كان أيضاً يعبر عن خيار سياسي وإجتماعي تبنته قوى معيَّنة داخل القيادة الفلسطينية، رأت في التسوية، وإن بشروط مجحفة، المدخل الأنسب لصون دورها القيادي على رأس الحركة الفلسطنية، ولضمان موقعها ضمن النظام الإقليمي الجديد. ولذلك، فإن التفريط بأوراق القوة الفلسطينية لم يكن قدراً لا يمكن تجنبه، بل كان إنعكاساً لخيارات سياسية واعية، إرتبطت بمصالح طبقية وفئوية محددة■ ■■■ ■ لقد أثبتت التجربة العملية، بعد سنوات طويلة من توقيع الإتفاق، أن أوسلو لم يكن الطريق الوحيد المتاح أمام الشعب الفلسطيني، ولم يكن ممراً إجبارياً – كما إعتقد البعض واهماً - نحو الحرية والإستقلال؛ بل إن حصيلة الإتفاقيات وتطبيقاتها أظهرت أن هذا المسار قاد، عملياً، إلى تعميق مرتكزات الإحتلال وزوَّدها بأشكال جديدة، وأضعف عناصر القوة الفلسطينية، وفتح المجال أمام إسرائيل لفرض وقائع سياسية وميدانية تستجيب لمخططها في «ضم الأراضي بأقل عدد من أبنائها الضاربين جذورهم في ترابها على مر التاريخ». لذلك، فإن تقييم هذه التجربة يقود إلى إستنتاج أساسي مفاده أن إتفاق أوسلو، في بنيته ومرجعياته ونتائجه، مثّل الخيار الأكثر كلفة على المشروع الوطني الفلسطيني، حتى لو إستدعينا الظروف الصعبة التي دفعت نحوه، وأحاطت بتوقيعه■ (6) محاولات فاشلة لاستعادة مسار المفاوضات ■ شكل المشروع الأميركي المعروف بـ«صفقة القرن» تتويجاً لمسار طويل من الإنحياز الأميركي لإسرائيل، كما مثّل إعلاناً سياسياً واضحاً بانتهاء المرحلة التي دشنتها إتفاقات أوسلو، في ظل التخلي العملي عن مرجعيات الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة باعتبارها الأساس الناظم لأي تسوية سياسية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. فبعد سنوات من إحتكار الولايات المتحدة لرعاية المفاوضات الثنائية، جاءت إدارة ترامب الأولى لتنتقل من موقع الوسيط المنحاز إلى موقع الشريك المباشر في صياغة المشروع الإسرائيلي وفرضه على الشعب الفلسطيني باعتباره أمراً واقعاً. ■ ورغم أن إتفاق أوسلو كان قد وصل إلى مأزقه التاريخي منذ فشل مفاوضات كامب ديڤيد الثانية – 7/2000، التي لم يُقِلْها من عثرتها مؤتمر أنابوليس– 27/11/2007 والمفاوضات التي تبعتها في العام 2008، إبّان ولاية بوش الإبن الثانية؛ فإن القيادة الرسمية الفلسطينية واصلت التمسك بأوسلو وبمخرجاته السياسية، وإستمرت في التعامل مع المفاوضات باعتبارها الخيار الوحيد الممكن، متجاهلةً الدعوات المتصاعدة لإعادة النظر في هذا المسار، والبحث عن بدائل وطنية تستند إلى عناصر القوة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني. وقد إرتبط هذا التمسك بجملة من المصالح السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي نشأت في ظل السلطة الفلسطينية، وتحولت مع مرور الوقت إلى عامل مؤثر في صياغة القرار السياسي، بما جعل الحفاظ على البنية القائمة، ومصالح القيِّمين عليها، أولوية بالنسبة لمركز القرار في السلطة، تتقدم على مراجعة الخيارات السياسية الفاشلة. ■ لقد حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة، قبل مجيء إدارة ترامب الأولى– 2017، وبخاصة أثناء ولايتي أوباما– 2009/2017 إبقاء عملية أوسلو على قيد الحياة، من خلال إطلاق مبادرات، بهدف إنعاش المفاوضات( ) وإعادة بث الروح فيها لاستئنافها من جديد. غير أن تلك المحاولات لم تستطع إخفاء حقيقة التآكل المستمر في أسس العملية السياسية، ولا حقيقة إستمرار إسرائيل في فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال التوسع الاستيطاني وتهويد القدس وتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، فجاءت «صفقة القرن»- 28/1/2020 في مطلع العام الأخير لولاية ترامب الأولى، لتكشف بصورة نهائية حدود هذا المسار، ولتضع القيادة الفلسطينية أمام واقع جديد يقوم على فرض الحل الإسرائيلي من جانب واحد، دون الحاجة إلى مفاوضات أو تنازلات متبادلة■ (7) الحصاد السلبي والإذعان الرسمي ■ في مواجهة هذه التطورات برز إتجاهان في صفوف القوى المنضوية تحت لواء م.ت.ف، تمثل الأول في سياسة مركز القرار في القيادة الرسمية، التي رغم إدراكها لخطورة التحولات الأميركية والإسرائيلية، واصلت الرهان على إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات من خلال إيجاد صيغة جديدة للرعاية الدولية، أملاً في الحفاظ على ما تعتبره الحد الأدنى من المشروع السياسي القائم على «حل الدولتين». أما الإتجاه الثاني فقد عبّرت عنه عديد القوى الوطنية والديمقراطية الفلسطينية، التي دعت إلى القطع مع أوهام أوسلو والإنتقال إلى إستراتيجية وطنية جديدة تستند إلى قرارات الإجماع الوطني ووثائق الوفاق الوطني ومقررات المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني، وتقوم على المقاومة الشعبية الشاملة وتدويل القضية الفلسطينية وإستعادة دور المؤسسات الوطنية الجامعة. ■ إن موافقة القيادة الرسمية على قرارات دورات المجلس المركزي (من الدورة 27 ومن الدورة 31) المتعلقة بإعادة النظر في العلاقة مع الإحتلال، مقابل إستمرارها في تعطيل تنفيذ هذه القرارات أو الإلتفاف عليها، يعكس حجم الأزمة التي تواجهها هذه القيادة؛ فهي من جهة، باتت تعترف ضمناً (وأحياناً في العلن، كما فعلها د. صائب عريقات) بفشل الرهان على المفاوضات الثنائية؛ وهي، من جهة أخرى، لا تزال عاجزة عن مغادرة هذا الخيار بسبب إرتباطه بمصالح سياسية وإقتصادية وبيروقراطية تشكلت خلال العقود الماضية. ولذلك إستمرت – دون جدوى - في البحث عن صيغ جديدة لإحياء العملية السياسية رغم إنسداد أفقها الفعلي. ■ لقد كشفت تجربة أوسلو عن حصيلة سياسية ووطنية شديدة السلبية؛ فبدلاً من أن يؤدي الإتفاق إلى تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، ساهم في تعميق حالة التجزئة بين تجمعاته المختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس والداخل الفلسطيني- 1948 والشتات؛ كما جرى تهميش العديد من مكونات القضية الوطنية، وفي مقدمتها قضية اللاجئين والنازحين، التي أُحيلت إلى مفاوضات مؤجلة لم تصل إلى أي نتيجة، فيما تعرضت تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في بلدان اللجوء، وخاصة في لبنان، إلى ضغوط متزايدة ومخاطر تمس أوضاعها القانونية والإجتماعية، ما أَثَّرَ سلباً على قدرتها على مواصلة دورها في الدفاع عن حقوقها الوطنية، لا سيما ما يتعلق بالدفاع عن حق العودة إلى الديار والممتلكات. ■ أما على المستوى الميداني، فلم يؤدِ الإتفاق إلى وقف الإستيطان كما وعد أصحابه، بل وفر لإسرائيل الوقت والغطاء السياسي اللازمين لتوسيع مشروعها الإستيطاني بصورة غير مسبوقة، حيث تضاعف عدد المستوطنات والمستوطنين، وإستمرت عمليات مصادرة الأراضي وشق الطرق الإلتفافية وعزل المدن والقرى الفلسطينية بعضها عن بعض. كما إستُخدمت المرحلة الإنتقالية لتكريس السيطرة الإسرائيلية على القدس المحتلة وتسريع مشاريع تهويدها، من خلال مصادرة الأراضي، وسحب الهويات، ومحاصرة المؤسسات الفلسطينية، والعمل على فصل المدينة عن إمتدادها الطبيعي في الضفة الغربية، إضافة الى محاصرتها بالكتل الإستيطانية والإجراءات الأمنية، كما أكدت عليها مؤخراً عملية «درع العاصمة»- 12/1/2026 لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والإدارية في محيط القدس وخط التماس من حولها. ■ وكذا الأمر على المستوى الأمني، فقد أثبتت التجربة أن الإتفاق لم يحقق الأمن للفلسطينيين، بل زاد من حجم معاناتهم؛ فاستمرت الإعتقالات والإغتيالات والإجتياحات العسكرية والحصار والإغلاقات الجماعية، في الوقت الذي بقيت فيه إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الفعلية على الأرض والموارد والمعابر والحدود. وفي المقابل، نشأت منظومة أمنية فلسطينية إرتبطت بالوفاء لإلتزامات أوسلو، والإستجابة لمتطلباته، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً حول دورها ووظيفتها ومدى علاقتها بأولويات النضال الوطني. ■ وفي المجال الإقتصادي، أخيراً، لم تتحقق الوعود التي رافقت الإتفاق حول التنمية والإزدهار وتحسين مستوى المعيشة، فقد تعزز إعتماد الإقتصاد الفلسطيني على إيرادات المقاصة (التي تتحكم إسرائيل بتوريدها) والمساعدات الخارجية. أما بروتوكول باريس الإقتصادي فقد ربط الإقتصاد الفلسطيني بالإقتصاد الإسرائيلي بصورة جعلته تابعاً له في معظم المجالات الحيوية. وبدلاً من بناء إقتصاد وطني مستقل، إزدادت معدلات البطالة والفقر والتبعية الإقتصادية، وتراجعت القطاعات الإنتاجية في الزراعة والصناعة، بينما إستفادت من الواقع الجديد فئات محدودة من الوسطاء والسماسرة والبيروقراطيين المرتبطين بمؤسسات السلطة ومشاريع التمويل الخارجي والقطاعات الخدمية■ (8) ركائز الإستراتيجية البديلة ■ أمام هذا المشهد الصعب، يتضح تماماً أن مركز القرار المهيمن على السلطة الفلسطينية، ليس في وارد تبني إستراتيجية خروج ومواجهة الواقع الحالي الذي تشكل بعد أوسلو، بل تتجه ممارساته إلى تأهيل نفسه ليدير بقايا الحكم الذاتي في الضفة الغربية، وإن أمكن في قطاع غزة؛ وبما أن شروط التحالفات السياسية التقليدية القائمة على قاسم وطني مشترك وبرنامج عمل موحد غير متوفرة حالياً بين الفصائل، فإن البديل المتاح والواقعي في آن، لترجمة فكرة العمل المشترك هو إعتماد صيغة «التشبيك»، أي التعاون وبناء أشكال العمل الممكنة مع مختلف القوى والفعاليات حول عناوين محددة ومتقاطعة يطرحها البرنامج الوطني، إلى أن تتوفر شروط تأسيس إستراتيجية العمل الجديدة والمطلوبة للمرحلة القادمة على ركائز أساسية ومترابطة تتجاوز المرجعية الأمريكية - الإسرائيلية المطروحة تحت مسمى «مجلس السلام»، أو غيرها من المسميات: • الركيزة الأولى هي إستعادة الوحدة الداخلية بصياغة علاقات جديدة ونوعية تقرب السياسة من المجتمع وتدخلها في نبض الجماهير لكسر حالة الإحباط، بدلاً من الإختزال التقليدي للوحدة بصيغة محاصصة وتجميع فصائلي. وفي هذا السياق، من الواضح أن الأسلوب الأفضل لإعادة بناء الوحدة الداخلية يمر عبر آلية تجمع ما بين الإحتكام إلى مخرجات صندوق الإقتراع كخيار أول، وبين التوافق الوطني عندما يتعذر إجراء الإنتخابات. • الركيزة الثانية هي وضع المقاومة الشعبية الشاملة بكل أشكالها في مقدمة النشاط كقانون ومحور أساسي تُبنى عليه وتُشتق منه باقي المواقف السياسية، بما في ذلك ضبط العلاقة مع السلطة وفق شعار «مع الشعب في مواجهة تغول السلطة، ومع السلطة في كل الحالات بمواجهة إسرائيل»، لحمايتها عندما تكون مستهدفة، من جهة، ومن جهة أخرى، رفض إنحرافها وتحولها لـ «روابط مدن»(!) منصاعة لقرار المحتل. • أما الركيزة الثالثة والملحة فهي إنقاذ غزة وإعادة صياغة وضع القطاع وتمكين الشعب من إستعادة دورة الحياة المجتمعية والمدنية ليعود قاعدة أساسية في النضال الوطني، بالتوازي مع مواصلة ملاحقة ومقاضاة إسرائيل في المحافل الدولية وتثبيت الإستقلال والسيادة على الأرض بالمقاومة والصمود وعدم الإكتفاء بانتظار الإعترافات الدبلوماسية. إن كل هذا ينبغي أن ينطلق من إدراك لحقيقة الأعطاب الهيكلية، التي لحقت بإدارات سلطة حماس جرّاء حرب الإبادة الممتدة، وما أحدثته من فراغ في آليات إدارة الشأن المعيشي والأمن الداخلي للمجتمع في ظل تآكل الموارد وشحة وصول المساعدات، ما وضع المجتمع المحلي أمام إستحقاق تنظيم الذات بالإعتماد على التشكيلات المجتمعية السائدة والقائمة على رابطة الجوار والعائلة الممتدة. وعلى هذا يترتب إعتماد أقصى درجات التعاون بين مختلف المكونات المجتمعية والإدارات قيد الإنشاء أو الترميم لفترة زمنية قد تطول، ما يقتضي مأسستها على قاعدة تعاونية، تشاركية، منفتحة ديمقراطياً. ■ أما الركائز الأخرى، فموضوعها هو الدفاع عن الأرض ومقاومة التهويد والإستيطان، وميدانها هو الضفة الغربية، بما فيها القدس، حيث الأولوية لتطوير أشكال المواجهة الشعبية المجدية لقطعان الإستيطان التي تزداد سُعاراً في سعيها لنهب الأرض وترحيل أصحابها؛ كما أن موضوعها هو الدفاع عن حق عودة اللاجئين إلى الديار والممتلكات؛ وأحد مداخلها الرئيسية هو الدفاع عن وكالة الغوث بولايتها أولاً وتقديماتها■ ■■■ ■ إن ركائز الإستراتيجية البديلة من أجل تجديد بناء المشروع الوطني يجب أن تأخذ بالإعتبار الأهمية المتزايدة للعمل في الحيِّز العام الفلسطيني بفعل تراجع دور وتقديمات مؤسسات السلطة والمنظمة والوكالة من جهة، ومن جهة أخرى لوجود إحتياجات وطنية وإجتماعية وثقافية، ... لم تكن الجهات الدولانية تغطيها أصلاً. إذا أضفنا إلى كل هذا الواقع الموضوعي للشعب الفلسطيني الذي لا تجمعه سوق إقتصادية واحدة، ولا منظومة قانونية واحدة، ... بفعل توزعه مناصفة بين داخل وخارج، وتوزع الداخل إلى دواخل، والخارج إلى خوارج، تتأكد ضرورة وجود منظومة مؤسسات فاعلة، يغطي برنامجها كل مجالات العمل المتعلقة باحتياجات المجتمعات الفلسطينية بجميع جوانبها، بما فيها تلك التي لم يعد بمقدور المراجع الدولانية الآنف ذكرها أن تغطيها، أو تلبيها بالمستوى الواجب■ (9) تداعيات أوسلو على النظام السياسي ■ أفضى أوسلو إلى تحولات عميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني، فقد تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إطاراً إئتلافياً جامعاً للشعب الفلسطيني، مقابل صعود مؤسسات السلطة الفلسطينية التي نشأت بموجب الإتفاق. وأدى ذلك – معطوفاً على الخلاف السياسي الناشب - إلى إضعاف مبدأ الشراكة الوطنية والتوافق الذي حكم عموماً الحياة السياسية الفلسطينية لعقود طويلة، وإلى بروز أزمات تنظيمية وأخرى متصلة - خاصة بعد الإنقسام - بمرجعيات التمثيل، إنعكست على مجمل أوضاع حركتنا الوطنية. وكما سبقت الإشارة، فإن أزمة أوسلو لا ترتبط بأخطاء تفاوضية فحسب، أو سوء إدارة سياسية، بل تكمن في طبيعة الإتفاق نفسه والآليات التي قام عليها؛ فقد إشترط الإتفاق على الجانب الفلسطيني التخلي عن عناصر القوة والضغط التي يمتلكها، ورُبط أي تقدم سياسي (نادر الحصول) بموافقة إسرائيل وإرادتها المنفردة، ما أدى إلى إختلال متزايد في موازين التفاوض وإلى تحويل العملية السياسية إلى مسار مفتوح بلا سقف زمني، أو ضمانات ملزمة، أو جهات تحكيمية نافذة. ■ ومن هنا، إزدادت قناعة قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني وقواه السياسية بأن تجاوز الأزمة يتطلب التحرر من القيود التي فرضها أوسلو، وبناء إستراتيجية وطنية جديدة. هذا مع التأكيد على أن شعار «تجاوز أوسلو»، الذي إعتمدته الجبهة الديمقراطية لم يكن يعني للحظة العودة إلى ما قبل عام 1993، بقدر ما كان يعني الإنتقال إلى مرحلة سياسية جديدة تستفيد من دروس التجربة السابقة، وتُبنى على عناصر الصمود والقوة التي يمتلكها الشعب الفلسطيني؛ كما يعني الإنتقال من إدارة الصراع إلى إعادة صياغة المشروع الوطني على قاعدة الحقوق غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على خطوط 4 حزيران/ يونيو 1967. ■ ورغم كل ما تعرض له من إساءات، وما لحق به من تجاوزات، وما واجهه من حملات ممنهجة تهدف إلى إنكار إسهامه التاريخي في حماية الحركة الوطنية الفلسطينية وصون منجزاتها، إلا أن البرنامج الوطني المرحلي، ما زال البرنامج الأهم الذي يقارع برنامج الحركة الصهيونية، وهو البرنامج القادر على تجسيد المشروع الوطني الفلسطيني سياسياً، وتوجيه حركة النضال في ميدان المواجهة المباشرة مع تطبيقات المشروع الصهيوني. وثمة حاجة للعمل من أجل رد الإعتبار لهذا البرنامج وإسترداد هيبته بعد كل ما لحق به من نكران للجميل وإساءات، حتى من قبل أقرب المقربين إليه. ■ إن التمييز بين البرنامج الوطني المرحلي وبين السياسة، التي قادت إلى إتفاق أوسلو يمثل ضرورة سياسية وفكرية لفهم تطور الحركة الوطنية الفلسطينية؛ فالبرنامج المرحلي الذي أقرته م.ت.ف- 1974 لم يكن مجرد برنامج تسوية سياسية كما جرى تصويره أحياناً، بل برنامجاً نضالياً يهدف إلى توحيد مختلف أشكال الكفاح الوطني، وتهيئة الظروف لتطوير الإنتفاضة الشعبية والمقاومة الوطنية وصولاً إلى العصيان الشامل، ضمن إطار إستراتيجية التحرر الوطني. وقد أسهم هذا البرنامج في توحيد الشعب الفلسطيني خلف أهداف وطنية مشتركة، وفي توفير الغطاء السياسي للنضال الفلسطيني، الأمر الذي ساعد منظمة التحرير على تحقيق إعتراف عربي ودولي واسع باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ■ لقد أثبتت العقود الماضية أن الرهان على المفاوضات وحدها لم يؤدِّ إلى إنهاء الإحتلال أو وقف الاستيطان أو حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية. ولذلك، فإن المهمة المركزية المطروحة اليوم تتمثل في بلورة إستراتيجية وطنية موحدة، إستراتيجية تحرر وطني تستند إلى النضال الشعبي والسياسي والقانوني والدبلوماسي، وتعيد الإعتبار لمؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية ودورها الكفاحي، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من النضال الوطني قادرة على مواجهة المشروع الإستعماري الإسرائيلي وإنتزاع الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، تأكيداً على الوحدة الكيانية، ووحدة الولاية السياسية والقانونية لأراضي الدولة الفلسطينية، وفقاً لما إعترفت به الأمم المتحدة في القرار 19/67-2012■ ■■■ ■ إنطلاقاً مما سبق، فإن معالجة الحالة الموصوفة يجب أن تبدأ أولاً بالإقرار بوجود أزمة سياسية حقيقية تواجه الحركة الوطنية الفلسطينية، ثم الإنتقال إلى إعادة تحديد أدوار ووظائف الأطر والمؤسسات الفلسطينية المختلفة ضمن رؤية وطنية شاملة؛ فالحركة الوطنية تواجه اليوم تحديين مترابطين: الأول يتمثل في إستعادة زمام المبادرة والفعل السياسي والنضالي؛ والثاني يكمن في إعادة بناء الوحدة الداخلية والنظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية حقيقية، تستند إلى شراكة وطنية توحد مساهمة أوسع القوى السياسية والإجتماعية في صنع القرار الوطني. ■ وإدراكاً لصعوبة الوصول إلى حلول جذرية وفورية للأزمة الراهنة، فإن الجبهة الديمقراطية دعت فيما مضى، وما زالت تدعو إلى تبني حلول إنتقالية تحول دون إستمرار حالة التآكل والإنهيار. وفي هذا الإطار تندرج فكرة تشكيل حكومة إنتقالية توافقية تتولى الإشراف على إنتخابات شاملة لمؤسسات م.ت.ف والسلطة الفلسطينية وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، بما يتيح إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعيته على أسس ديمقراطية؛ آخذين بالإعتبار أهمية عدم الشروع بالعملية الإنتخابية قبل التيقن من بدء مسار معافاة الأوضاع في قطاع غزة بجانبيها الإنساني (المعيشي)، والأمني (إنسحاب إسرائيل)، بجهد مشترك بين المرجعية الإدارية المعتمدة والمجتمع المحلي بكل تعبيراته، التقليدي منها، والحديث. ■ من هنا، أهمية أن يسبق الحوار الوطني الإنتخابات، وليس العكس. وبهذا المعنى، فإن الإنتخابات الفلسطينية (أو ما يصب في مجراها كتشكيل «المُجمعات الناخبة» في عدد من بلدان الشتات) يجب أن تنحكم لمنطق التجميع، وليس الفرز؛ فإن كانت الإنتخابات في الديمقراطيات الليبرالية هي وسيلة لإدارة الخلاف (بين برامج تعبر عن مصالح) بأفق البت بمن يتولى السلطة ومن يعارضها؛ فالإنتخابات في الحالة الفلسطينية يجب أن تكون وسيلة لإدارة التوافق بوجهة إستخلاص موقع ودور كل طرف في تشكيل الهيئات الوطنية الجامعة، بواسطة صندوق الإقتراع، وبما ينسجم مع «فلسفة» نظام التمثيل النسبي الكامل، الذي يعطي لكل ذي حق ما يستحق، إنما في إطار الصيغ القيادية الموحِّدة للجهد على المستوى الوطني. ■ وفي المحصلة، فإن نجاح أي مشروع وطني للخروج من الأزمة الحالية يبقى رهناً بتوافر إرادة سياسية جامعة تمتلك القدرة على نقل الحركة الوطنية الفلسطينية إلى مرحلة جديدة أكثر فاعلية وقدرة على مواجهة التحديات. ولذلك، فإن إستعادة الوحدة الداخلية تشكل المدخل الأساسي لأي نهوض وطني حقيقي، إذ إن إعادة بناء الحركة الوطنية على أسس الشراكة والتعددية والديمقراطية من شأنه أن يرفدها بعناصر قوة جديدة، ويعزز قدرتها على مواجهة مشروع إستعماري إستيطاني لا يستهدف الشعب الفلسطيني وحده، بل يسعى إلى إخضاع المنطقة بأسرها – وبرؤية إعادة تشكيل الإقليم - لمنظومة طويلة الأمد من الهيمنة والتبعية والتجزئة والتخلف■ المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات-«ملف»
#فهد_سليمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هكذا تعرفت إليه، وهكذا عرفته
-
3 حروب يخوضها شعبنا في آن، دفاعاً عن الوجود والحقوق الوطنية
-
النظام السياسي الفلسطيني والإستحقاق الديمقراطي المفوَّت
-
لا نراهن على الموقف الأمريكي في غزة والضفة والجدال حول مآلات
...
-
في الذكرى ال 56 لتأسيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كلمة
...
-
الحوار الوطني الفلسطيني 2020-2024
-
في ذكرى الرحيل..
-
الياس خوري.. اللبناني، الذي اختار فلسطين قضية
-
على خلفية إستراتيجية «التطبيع» ، المقاومة في مواجهة «حرب الإ
...
-
على خلفية إستراتيجية «التطبيع» المقاومة في مواجهة «حرب الإست
...
-
فهد سليمان : نخوض حرب إستنزاف، ستشكل نتائجها عنصراً رئيسياً
...
-
فهد سليمان: نخوض حرب إستنزاف، ستشكل نتائجها عنصراً رئيسياً ف
...
-
تمر قضيتنا بمرحلة مشارفة آفاق الحرية والإستقلال
-
طلال أبو ظريفة: لسنا هوية تبحث عن مكان، بل مناضلون من أجل حر
...
-
ثلاثة شروط لصمودنا ونجاحنا في كسر العدوان: المقاومة والوحدة
...
-
اجتياح رفح لن يغيّر من حقيقة الميدان، إلا بزيادة أعداد الشهد
...
-
فهد سليمان: سننتصر على العدوان في غزة، ومستقبل القطاع أمر وط
...
-
نحن في حالة حرب مع الاحتلال ما زالت تداعياتها الكبرى تتوالى
...
-
في الحرب والسياسة فلسطين والإقليم بعد «طوفان الأقصى» - حرب ت
...
-
فهد سليمان: حرب «طوفان الأقصى» (7/10/2023) هي الحرب الإقليمي
...
المزيد.....
-
400 قطعة يوميًا وسعر القالب 360 دولارًا.. كيف تحوّلت كعكة ور
...
-
-كل قوتي وحبي لوطني-.. شاكيرا تعبر عن تضامنها مع ضحايا زلزال
...
-
ما علاقة شخصية في -هاري بوتر- بتغيير مسار كابل كهرباء بحري ق
...
-
إيران تسارع الزمن لإصلاح منشآت غاز تضررت خلال الحرب
-
-روسيا ستنتصر-.. سكان موسكو يحرجون مراسل بي بي سي خلال استطل
...
-
ترامب غادر تركيا على متن طائرة سرية خوفاً من تهديد إيراني با
...
-
روسيا تشن قصفًا ليليًا مكثفًا على أوكرانيا يوقع 9 قتلى
-
تقرير إسرائيلي: تل أبيب تبلغ واشنطن استعدادها لوقف الاغتيالا
...
-
وزير العدل المغربي لـ DW: نطالب إسبانيا بإعادة القُصّر
-
كوريا الجنوبية تعتقل ضابطين صينيين سابقين بشبهة تجسس
المزيد.....
-
إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط
...
/ فهد سليمان
-
في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48
/ محمد السهلي
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
/ محمود الصباغ
-
خطة ترامب: بين النص والتطبيق
/ معتصم حمادة
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
/ غازي الصوراني
-
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
/ محمود الصباغ
-
بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف
...
/ غازي الصوراني
-
قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة
/ معتصم حمادة
-
مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني
/ غازي الصوراني
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي
...
/ غازي الصوراني
المزيد.....
|