أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صكوك الغفران- في العراق















المزيد.....

مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صكوك الغفران- في العراق


عدي حاتم
صحفي وكاتب عراقي يعيش في المنفى

(Oday Hatem)


الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 23:20
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا تسقط الأوطانُ بغزو البرابرة، بل تسقط حين يتسلّل الجرادُ إلى المحاريب. إن الانهيار الحقيقي للشعوب لا يبدأ من خسارة معركة عسكرية أو تراجع مؤشر اقتصادي، بل يولد من تلك اللحظة التراجيدية التي يُفرغ فيها الدين من روحه، ليتحول من قنديل يضيء عتمة الروح إلى سوط يقهر الجسد، وسلطةٍ باطشة تشرعن الفساد. حينها، يرتدي الخرابُ عباءة القداسة، ويبدأ الأفول.
إن ما تعيشه المجتمعات التي ابتُليت بجماعات الإسلام السياسي اليوم، ليس بدعة في التاريخ، بل هو تكرار حرفي لسيناريو مظلم عاشته أوروبا في العصور الوسطى تحت وطأة استبداد الكنيسة. في تلك الحقبة، تحالفت السلطة الدينية مع الإقطاع لاستعباد الشعوب، وصيغت "صكوك الغفران" لبيع الجنة للفقراء مقابل صمتهم على جحيم الأرض. كان الصك الكنسي غطاءً لنهب أموال الفلاحين، وتم تصوير كل ثورة ضد الطغيان على أنها "هرطقة" وخروج عن أمر الله.
سيكولوجية النفوس الجبانة والتنكر الديني
هذا التوظيف النفعي للمقدس هو ذاته السلاح الذي تشهره جماعات الإسلام السياسي المعاصر؛ حيث تحول التدين من تزكية للنفس إلى استعراض مسرحي فج، وباب عريض للنفاق الاجتماعي والوجاهة العشائرية والحزبية. في هذه البيئة المشوهة، غدت السجادة والسبحة والشعائر أدوات للترقي الطبقي والسياسي، ووسيلة تكسب يتزلف بها الصغار لأصحاب النفوذ.
إنها سيكولوجية النفوس الجبانة المريضة بالحسد والكراهية، التي تعوض نقصها الأخلاقي بالتمسح بأعتاب المقامات، فتصنع لنفسها "ديناً موازياً" هجيناً سُرقت منه قيم العدالة والرحمة، ولم يتبقَ منه سوى هياكل جوفاء من الطقوس الظاهرية، التي تُمارس ليل نهار لذر الرماد في العيون.
دروس التاريخ: من حروب أوروبا إلى مأساة الشرق
التاريخ الإنساني يفيض بالشواهد التي تؤكد أن مزج الدين بالسياسة لا ينتج إلا الحروب المذهبية والتخلف. تأملوا "حرب الثلاثين عاماً" (1618-1648) في أوروبا، التي طحنت شعوباً بأكملها وأبادت ثلث سكان ألمانيا نتيجة الصراع الطائفي بين الكاثوليك والبروتستانت؛ حيث كان الملوك والأمراء يذبحون الأبرياء باسم الرب، بينما كان الهدف الحقيقي هو السيطرة على خطوط التجارة ومقدرات الشعوب.
وفي الشرق، نجد كيف وظفت الإمبراطوريات الصراعات المذهبية لتثبيت عروشها، ونشر الجهل لمقاومة أي فكر تنويري قد يهدد كراسي الحكم. إن إشاعة التخلف والجهل الديني الممنهج ليست نتاجاً عفوياً، بل هي استراتيجية خبيثة تعتمدها السلطات الدينية الفاسدة؛ لأن العقل المستنير يتساءل ويحاسب، بينما العقل المغيب يكتفي بالإذعان والدعاء لجلاده.
الواقع العراقي بعد 2003: ميزانيات فلكية وفقر مدقع
هذا السيناريو التاريخي المرعب وجد تجسيده الأشد تراجيدية في العراق منذ عام 2003 وحتى اليوم. فمنذ سقوط النظام السابق، صعدت إلى سدة الحكم جماعات تتدثر بعباءة الإسلام السياسي، فجعلت من المحاصصة الطائفية والمذهبية ديناً يُعبد، وقسمت الوطن إلى غنائم ومغانم حيوية. باسم الدفاع عن المذهب والطائفة، أُشعلت الحروب الأهلية، ومُزق النسيج الاجتماعي، وذُبح الجار جاره على الهوية، بينما كان قادة هذه الجماعات يوقعون عقود النفط الوهمية ويهربون المليارات إلى البنوك الخارجية.
وتكشف الأرقام الصادمة عن حجم الفساد المرعب؛ حيث تشير تقديرات رسمية للمستشارين القانونيين في الحكومة العراقية إلى أن حجم الأموال المنهوبة والمهدورة في العراق منذ عام 2003 قد تجاوز حاجز تريليوني دولار. وهو رقم يفوق العقل والمنطق، ويؤكد خبراء الاقتصاد أنه يعادل ميزانيات عشرات الدول مجتمعة، وكان كافياً ليس فقط لبناء العراق، بل لـ "بناء خمسة بلدان بحجم العراق" من نقطة الصفر وتأمين مستقبل أجيالها بالكامل. لقد تحولت هذه الثروات الأسطورية وعائدات النفط إلى غنائم لـ"المكاتب الاقتصادية" التابعة للأحزاب الحاكمة، وصار اللصوص يتقدمون الصفوف في المناسبات الدينية، مستخدمين العاطفة الروحية للشعب والطائفية كدرع يحميهم من الحساب والمساءلة.
جريمة قطاع الطاقة: الموت تحت لهيب الـ 50 مئوية
وتتجلى بشاعة هذه المأساة في قطاع الخدمات، وتحديداً في ملف الطاقة الذي يمثل كبرى بوابات الاستنزاف. تشير البيانات والتقارير الاقتصادية الموثقة إلى أن العراق أنفق على قطاع الكهرباء وحده منذ عام 2003 مبالغ طائلة تتراوح بين 120 إلى 200 مليار دولار.
ورغم هذا الإنفاق الفلكي الذي يكفي لتأسيس شبكات طاقة حديثة لقارة بأكملها، يعيش المواطن العراقي مأساة حقيقية؛ ففي صيف لاهب تتعدى فيه درجات الحرارة حاجز الـ 50 درجة مئوية، تواجه البلاد عجزاً هائلاً يقترب من 40 ألف ميغاواط، حيث يحتاج العراق إلى 62 ألف ميغاواط بينما لا يغطي الإنتاج الفعلي سوى ثلث هذه الحاجة. وفوق هذا العجز، تضيع نسبة تصل إلى 60% من الطاقة المُنتجة داخل شبكات النقل والتوزيع المتهالكة قبل أن تصل للمستهلك.
بسبب هذا التدمير الممنهج، تصبح الكهرباء الوطنية شبحاً عابراً يغيب لأسابيع عن منازل الفقراء الذين يضطرون لاستنزاف مدخراتهم البسيطة لشراء الطاقة من المولدات الأهلية، في حين تنعم القصور والمنشآت الحزبية بالطاقة المستمرة والتبريد. إن انقطاع الكهرباء في هذا القيظ القاتل ليس مجرد خلل فني، بل هو جريمة إنسانية متعمدة ونتاج مباشر لمنظومة استبداد ديني وسياسي ترفض إصلاح قطاع الطاقة لتبقي الشعب غارقاً في البحث عن أساسيات البقاء، مستنزفاً مالياً وجسدياً، فلا يجد وقتاً للتفكير في التغيير أو الثورة، بينما ترزح غالبية الشعب تحت خط الفقر بلا أدنى خدمات عامة.
ذروة التراجيديا: هتاف الضحية للجلاد
هنا تكتمل فصول التراجيديا وتصل إلى ذروتها المؤلمة، تصوير الشرور والجرائم على أنها خير مطلق ونسبها إلى أوامر الله. عندما يمتزج الجهل المقدس بالخوف والحاجة، تضيع المجتمعات وتفقد بوصلتها الإنسانية، لتتحول الجموع بفعل التجهيل الممنهج إلى ما يشبه قطيع الأغنام المنتظر لدوره في الذبح؛ حيث تهتف الضحية بحياة الذباحين، وتدافع عن جلادها الذي يسلبها الخبز والكرامة ويترك أطفالها في الظلام والحر، لمجرد أنه يوهمها بأنه حامي العقيدة والطائفة.
إن الأوطان المفجوعة لا تسترد عافيتها بالصلوات الجوفاء ولا بالانحناء أمام قياصرة الوهم، بل بزلزال من الوعي يقتلع جذور الدجل من الضمائر. وإلى أن يدق قطار التنوير جدران هذا الخزان المظلم، ستظل بلاد الرافدين تبحث عن ملامحها في وجوه ضحاياها؛ حيث يمتزج صمت الموتى بأنين الأحياء تحت سياط الهجير. ما لم تُهتك حجب القداسة الزائفة عن شياطين المحاصصة وأمراء الطوائف، سيبقى العراق أسيراً ينتظر نوبة ذبحه، وتظل عذابات الجياع القابعين في العتمة صك الإدانة الأبدي لقرنٍ من الزمان سُرقت فيه تريليونات الأمل، وجُففت فيه الأنهار، ليغتني القاتل.. ويموت الوطن.



#عدي_حاتم (هاشتاغ)       Oday_Hatem#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العلمانية: احترام للفكر وحماية للدين
- من غيبوبة المنفى… ليست كل الجراح تنزف دمًا، ولا كل الندوب تر ...
- فاروق هلال: سيمفونية الرافدين والجسر النغمي إلى روح العصر
- ابداع جولييت بينوش والسينما الفلسفية للمخرج عباس كيارستمي
- أسوأُ ما في الألم..
- تشييع خامنئي في العراق... إهانة لدماء الشهداء وتجسيد لغياب ا ...
- في عيد الأب: لماذا قد يكون الأمان العاطفي أثمن من الثراء؟
- إلى أمي... الوطن الذي لم أغادره يومًا
- أحمد الربيعي… ومرارة غياب الكرامة الوطنية
- الإعلام المأسور والصراع على الهوية الوطنية في العراق: قراءة ...
- أثر الشعر في اتخاذ القرار السياسي
- بنيان
- تراتيل الهزيمة / نص أول (طرائد بلا ذخيرة)
- ما أهمل حمله
- فرار/هزيمة
- الاهمية تتجلى بعد السكون!
- العظام اليابسة لا تؤذي أحداً
- هل قلت انه يساعد ؟
- راية المجاز في حقيبة الظهر
- المالكي زعلان!!


المزيد.....




- -كأننا عدنا لما بعد 11 سبتمبر -.. كير تكشف تصاعد الاعتداءات ...
- هل بدأت نهاية الملاذ الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين؟
- مقترح تركي لإنشاء قوة عربية إسلامية إقليمية لحماية الحدود بي ...
- سوريا.. اتهامات بالابتزاز في قضايا المعتقلين تطال مفتي الجمه ...
- كاتب أمريكي: تحالف الإنجيليين مع ترمب ينفّر الشباب من الكنيس ...
- -إنه المسيح الدجال-..  تطور -دراماتيكي- في قضية قتل حاخام إس ...
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا يفتي بعدم جواز بيع أو استبدال ا ...
- حراس الحضور المسيحي في فلسطين: تكامل الأدوار بين الكنيسة وال ...
- 270 عاما على تدشين كنيسة قيامة المسيح.. شاهد على تاريخ القيا ...
- حزب عربي يهودي جديد يستهدف الشباب في انتخابات إسرائيل


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدي حاتم - مرثية وطن مستباح.... جماعات الإسلام السياسي وإعادة إنتاج -صكوك الغفران- في العراق