أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عزالدين جباري - هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟















المزيد.....

هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟


عزالدين جباري
(Azeddine Jabbary)


الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 07:56
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


أثار النقاش حول لفظة Ereignis عند هايدغر سؤالا يتجاوز الترجمة نفسها: هل يكفي أن نتتبع تاريخ لفظ ما، ونقلب النظر في اشتقاقاته القديمة، حتى نبلغ حقيقة الشيء الذي يدل عليه؟

يبني طه عبد الرحمن قراءته على تعدد الدلالات التي استثمرها هايدغر في اللفظة الألمانية، ثم يبحث لها عن جامع عربي من مادة العين. يقول:

«فيكون هذا الاسم جامعا بين معاني المعاينة والتعيين والتعين».

طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة، الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 2005، ص 311.

ثم يرتب هذه الدلالات فلسفيا بقوله:

«التعين مقدم على التعيين، والتعيين مقدم على العيان».

المصدر نفسه، ص 317.

أما طارق حنيش، في منشوره الأخير على حائط صفحته الشخصية، فيوسع هذا البناء ويقترح «المعاينة» و«المغاينة»، قائلا:

«فسبكنا لهذه اللفظة صلب اللسان العربي يعتمد المفاكيك الآتية».

ثم يذهب إلى أن الغين تمثل سلب العين، وأن نقطة إعجامها صورة للحجاب والغياب، حتى يصف هذا البناء بأنه «المقابل الصرفي المعصوم لسلب العينية».

بصرف النظر الآن عن مسألة نسبة هذا البناء إلى أصله، لا يمكن إنكار ما في هذه الاشتغالات من خصوبة لغوية وقدرة على فتح إمكانات فلسفية جديدة. فالربط بين العيان والتعين والتعيين قد يحرر مفهوم Ereignis من ترجمته الفقيرة إلى مجرد «حدث».

لكن السؤال يبدأ حين تتحول الإمكانية التي فتحتها اللغة إلى حكم على حقيقة الوجود نفسه.

فالتأثيل يكشف لنا تاريخ الكلمة، ولا يكشف بالضرورة جوهر الشيء الذي تشير إليه. إنه يخبرنا كيف فهمت جماعات بشرية متعاقبة ظاهرة معينة، وكيف سمتها وأعادت تشكيل دلالتها، لكنه لا يثبت أن البنية الصوتية أو الاشتقاقية للفظ تطابق البنية الأنطولوجية للواقع.

كون لفظة قديمة ارتبطت بالعين لا يثبت أن حقيقة الشيء تقوم في المعاينة. وكونها اتصلت بالاختصاص أو الملكية لا يجعل التملك جوهرها الأنطولوجي. أقصى ما تمنحنا إياه هذه الصلات هو نموذج دلالي ممكن، لا حقيقة ضرورية.

وهنا نقع في مغالطتين متداخلتين.

الأولى هي مغالطة التأثيل: الاعتقاد أن المعنى الأقدم للفظ هو معناه الحقيقي، وأن الاستعمالات اللاحقة ليست إلا ابتعادا عن جوهره أو تحريفا له.

والثانية هي مغالطة الامتياز الزمني للأصل: الاعتقاد أن أوائل اليونان أو عرب الجاهلية كانوا أقرب إلى حقيقة الأشياء لأنهم كانوا أسبق زمنا.

لكن لماذا يكون الأول أنقى؟

لم يكن الأوائل يقفون خارج التاريخ، ولم يتلقوا الكلمات من الأشياء في عرائها الخالص. كانوا هم أيضا يعيشون داخل شروط اجتماعية وتجارب حسية وصور دينية وأفق معرفي مخصوص. كانت تسمياتهم تعينات تاريخية محدودة، لا شهادات معصومة صادرة عن جوهر الموجودات.

المعنى الأول ليس الحقيقة قبل سقوطها في التاريخ، بل أول أثر وصل إلينا من تاريخ التشكل الدلالي.

وقد يكون الاستعمال اللاحق أعمق من السابق، كما قد يكون أفقر منه. ولا يحسم السبق الزمني هذه المفاضلة. ما يحسمها هو مقدار ما يفسره المفهوم، ومدى اتساقه، وقدرته على استيعاب الظواهر من دون اختزالها.

تزداد المشكلة وضوحا إذا تصورنا الوجود أساسا بوصفه صيرورة من إمكان لا ينفد.

عندئذ لا يعود اللفظ وعاء يحمل في قعره ماهية أصلية ثابتة ينبغي أن يحفر الفيلسوف حتى يستخرجها. اللفظ نفسه يدخل في الصيرورة: يتشكل داخل استعمالات جديدة، وينفتح على خبرات لم تكن متاحة للأوائل، ويفقد بعض دلالاته ويكتسب غيرها.

ليست الكلمة حقيقة مكتملة تآكلت أطرافها عبر الزمن، بل مسار من التشكلات الدلالية. يكشف كل استعمال وجها، ويحجب وجوها أخرى، ويبقى فائض المعنى مفتوحا على استعمالات لم تتكون بعد.

وكما أن الوجود لا ينفد في ظهوره، لا ينفد الشيء في الاسم الذي أطلق عليه، ولا تنفد الكلمة في أول معنى حملته.

هذا لا يجعل التأثيل عديم القيمة. على العكس، يستطيع التأثيل أن يحررنا من ضيق الاستعمال المألوف، ويكشف طبقات منسية، ويفتح إمكانات جديدة للخلق المفهومي. لكنه ينبغي أن يقول:

يتيح لنا تاريخ هذه الكلمة أن نفكر في الظاهرة من هذه الزاوية.

لا أن يقول:

يثبت أصل الكلمة أن هذه هي حقيقة الظاهرة.

في الحالة الأولى يصبح التأثيل أداة فلسفية خصبة. وفي الثانية يتحول إلى سلطة زائفة تستمد يقينها من قدم اللفظ.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يختزل اعتراضنا عمل هايدغر في مجرد مغالطة معجمية. فهو لا يعود إلى أصول الألفاظ بدافع البحث التاريخي وحده، بل ليستخرج منها إمكانات للتفكير طمستها اللغة اليومية. فالتأثيل عنده ليس غاية، وإنما مدخل إلى زعزعة المفاهيم الميتافيزيقية الموروثة.

لكن الاعتراض عليه يظهر في مستويين.
أولهما اعتراض منهجي: بأي حق ننتقل من إمكان أتاحه تاريخ لفظة Ereignis إلى تقرير حقيقة الكينونة؟ قد يسمح تقاطع معاني الحدوث والظهور والاختصاص ببناء مفهوم فلسفي خصب، لكنه لا يجعل هذه البنية ضرورية في نفس أمر الوجود. فاللغة هنا تقترح طريقا للفهم، ولا تمنح برهانا على أن الواقع مبني وفق اشتقاقاتها.
أما الاعتراض الثاني فهو أنطولوجي: حتى لو سلمنا بأن Ereignis تكشف بنية حقيقية من بنيات الانفتاح، فلماذا ينبغي أن تستغرق حقيقة الكينونة كلها؟ ألا يمكن أن تكون الحدثية طريقة مخصوصة يتشكل بها انفتاح الكينونة في واقعة الظهور، من غير أن تكون الاسم النهائي لكل ما يمكن أن تكونه؟
فقد يكون هايدغر قد أصاب حين رأى أن الإنسان والكينونة لا يقفان طرفين مكتملين يتواجهان من الخارج، وأن الظهور يحدث داخل انتماء سابق بينهما.
لكن صحة هذا الوصف لا تلزمنا بالقول إن هذا الانتماء هو الحقيقة الأخيرة للوجود. يمكن أن تكون Ereignis طورا حقيقيا من أطوار التجلي، يكشف وجها من الوجود، من غير أن يستنفد فائضه.
من منظور الصيرورة الأصيلة، الحدث لا يكون صورة سطحية تلحق بموجود مكتمل وراءها، بل يشارك فعلا في تشكيل هيئة ظهوره. ومع ذلك لا يتطابق الوجود مع هذا التعين الحدثي، لأن كل ظهور يفتح إمكانا ويحجب إمكانات أخرى. فالحدث حقيقي في ما يكشفه، ومحدود في ما لا يستطيع استنفاده.
وبذلك لا يكون اعتراضنا أن هايدغر لم يكشف شيئا عن الوجود، بل أنه ربما رفع بنية من بنيات الانكشاف إلى مرتبة الحقيقة الجامعة للكينونة.
والسؤال الذي نوجهه إليه هو:
هل Ereignis حقيقة الوجود كلها، أم اعتبار أصيل لأحد أنماط ظهوره؟

يمكن لهايدغر أن يستثمر تقاطع الظهور والاختصاص والحدوث في لفظ Ereignis. ويمكن لطه عبد الرحمن أن يعيد بناء هذه الشبكة عربيا عبر المعاينة والتعيين والتعين. لكن غنى البناء اللغوي لا يعفينا من الاختبار الأنطولوجي:

هل تفسر هذه الشبكة ما يقع فعلا في الوجود؟
هل تصف بنية حقيقية من بنيات الانكشاف؟
أم أننا جعلنا الوجود يتخذ شكل المصادفات الاشتقاقية التي حفظتها اللغة؟

التأثيل يكشف ذاكرة الكلمة، لكنه لا يمنحنا وحده ذاكرة الوجود.



#عزالدين_جباري (هاشتاغ)       Azeddine_Jabbary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصراع العالمي المعاصر بين اقتصاد الذاكرة وبنية المسافة: قرا ...
- في الصيرورة الأصيلة
- ما الذي يجعل الشيء مفهوما؟
- بين الوحدة والكثرة: قراءة في مبدأ وايتهيد الصيروري
- من فقه النكاح إلى فلسفة الزواح: دفاع تأويلي عن اجتهادات الحا ...
- من الاستئلاف إلى الرباط مراجعة تأويلية لكتاب -كيف تنقلب سبع ...
- ليس كرهًا للعلم، بل خنقًا لمجراه: مناقشة في تأويل ثقافوي لحك ...
- عتاب إلى خصيم المسيح: من قلب النبض إلى صدى العدم
- ابن تيمية ونقد الكيانات المجردة: من الاسمية التوصيفية إلى ال ...
- من هيوم إلى فلسفة الصيرورة الأصيلة: في نقد الاستقراء وبناء ا ...
- حين يغيب الرباط: سقوط المعنى في أثينا وروما
- في فضاء الغيبة المصنوعة: نقد لمقال مشير باسيل عون عن -الغيبة ...
- من مأزق التسلسل إلى إمكان التعيّن: في تأويل الخلق وفق فلسفة ...
- المتواجِد والدازاين: تأصيلٌ دلاليّ لفارق أنطولوجي بين فلسفة ...
- الإمكان الترددي وشبكة النبض: نحو تجاوز المفهوم الماهوي
- ما بعد القطيعة: نحو صيرورة أصيلة في العلاقات الجزائرية الفرن ...
- ما بعد القطيعة
- فَرْقُ ما بين الأخلاق والأخلاقيات
- لغم الوجود
- منطق الفقهاء


المزيد.....




- وزير الدفاع الأمريكي الأسبق: الولايات المتحدة -متورطة بحرب ل ...
- بعد -أوبن إيه آي-.. -أنثروبيك- تعترف: نماذج الذكاء الاصطناعي ...
- رواج دعوة لرد مصري -عنيف وواضح- على مسيرة دمياط بتدوينة إعلا ...
- داخلية السعودية تكشف ما فعله مواطن بأطفال بمنطقة نائية قبل إ ...
- فلسطين استثناء العالم الوحيد في -فجوة المرض- الآخذة بالاتساع ...
- محمد السادس: إنجازات المغرب ثمرة رؤية استراتيجية واستقراره - ...
- -رويترز-: 25 سفينة تعبر باب المندب مع استمرار الحظر على السف ...
- معهد -سكليفوسوفسكي- الروسي ينجح حيث فشل آخرون.. جراحة لمريض ...
- المحكمة العليا البرازيلية تأذن بالتحقيق مع نجل الرئيس بتهمة ...
- كارثتان جويتان في يوم واحد!


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عزالدين جباري - هل تكشف أصول الكلمات حقيقة الأشياء؟