أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني















المزيد.....

الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 18:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هل آن الأوان لبناء نموذج معرفي جديد؟
على امتداد حلقات هذه السلسلة، لم يكن هدفنا نقد مدارس علم النفس الحديثة لمجرد النقد، ولا التكلف في استخراج آيات قرآنية نلوي أعناقها لتؤيد نظريات معاصرة، كما لم تكن غايتنا البتة استبدال الرصانة المنهجية للعلم بالوعظ الديني المباشر. بل كان الهدف أعمق غورا من ذلك بكثير؛ وهو إعادة طرح سؤال جوهري ربما تأخرنا في مقاربته أكثر مما ينبغي: هل يقدم القرآن الكريم تصوراً متكاملاً عن النفس الإنسانية، يمكن أن يشكل حجر الأساس لنموذج معرفي مستقل؟
قد يبدو هذا التساؤل للوهلة الأولى وليد اللحظة، لكنه يضرب بجذوره في عمق التاريخ الفكري. فمنذ بواكير الحضارة الإسلامية، انشغل العلماء بسبر أغوار الإنسان؛ فدوّن الفقهاء في تقويم السلوك، وخاض المتكلمون في جدليات الإرادة والتكليف، وتعمق الفلاسفة في ماهية النفس، بينما حلّق المتصوفة في آفاق وصف التجربة الروحية. ولكن، مع ولوجنا العصر الحديث، زحف علم النفس الغربي ليحتل صدارة المشهد الأكاديمي في جامعاتنا، وبات هو الإطار المرجعي الأوحد الذي نقرأ من خلاله الإنسان. ونتيجة لذلك، صرنا إذا ما أردنا استنطاق القرآن، نكتفي في الغالب بالبحث الخجول عن آية تسند نظرية "فرويد"، أو نص يتوافق مع هرم "ماسلو"، أو شاهد يقترب من أطروحات "العلاج المعرفي".
ولكن، هل هذه هي المنهجية السليمة لقراءة النص القرآني؟
إن هذا المنهج التبريري، على ما قد يحمله من أهمية، يجعل القرآن تابعاً لنظريات ولدت في حواضن وبيئات معرفية مغايرة، بدلاً من أن يُقرأ بوصفه نصاً مؤسِساً لرؤية مستقلة. فالبون شاسع، والفرق جوهري، بين أن نستشهد بالقرآن لتأكيد نظرية، وبين أن نتخذه منطلقاً راسخاً لبناء نظرية.
لقد آلت هذه السلسلة على نفسها أن تسلك الطريق الثاني.
شظايا الحقيقة في المدارس الحديثة
انطلقنا في رحلتنا بالتساؤل عن سر التشظي والاختلاف بين المدارس النفسية الحديثة. فتجلى لنا أن كل مدرسة قد قبضت على جانب من الحقيقة، لكنها بالغت حين نصّبتها حقيقة مطلقة. فـ "التحليل النفسي" غاص في أعماق الدوافع الداخلية، و"السلوكية" سلطت الضوء على أثر البيئة والتعلم، في حين أعادت "المدرسة المعرفية" الاعتبار لسلطة الأفكار، ووقفت "الإنسانية" مدافعة عن قيمة الإنسان وطاقته الكامنة للنمو. لم تكمن خطيئة هذه المدارس في ملاحظاتها، بل في تحويل الملاحظة الجزئية إلى تفسير شمولي للإنسان.
المفاتيح القرآنية: شبكة المفاهيم الدقيقة
ثم يممّنا شطر القرآن، فاكتشفنا أن أول ما يأسر الألباب ليس الإجابات، بل "اللغة" ذاتها. فالقرآن لا يختزل الإنسان في مصطلح يتيم، بل ينسج شبكة دلالية بالغة الدقة من المفاهيم: النفس، والروح، والفؤاد، والقلب، واللب، والعقل، والصدر. وكل مفردة تنهض بوظيفة لا تسد مسدها غيرها.
ولو كان هذا التنوع اللفظي مجرد تنويع بلاغي، لما تمخض عنه أثر معرفي. غير أن تتبع الجذور اللغوية والسياقات القرآنية، يميط اللثام عن حقيقة أن هذه الألفاظ ليست مترادفات، بل هي مفاتيح لفك شفرة البنية الداخلية للإنسان. ومن هنا، بدأ يتشكل أمامنا نموذج مغاير.
فالإنسان، في كنف الرؤية القرآنية، ليس نتاج بيئته وحدها، ولا أسيراً لغرائزه، ولا مجرد آلة للتفكير؛ بل هو كائن يبدأ تاريخه قبل ميلاده الأرضي. إنه يحمل في تكوينه الطين والنفخة، ويحمل في أعماقه الفطرة والعهد الأول. ولأجل هذا، يعيش توتراً دائم المكابدة بين ثقل الأرض وشوق السماء.
بعدها، تتبعنا حركة النفس من الداخل، فرأينا أن القرآن لا يقف عند حدود الحكم على السلوك بعد وقوعه، بل يكشف المراحل الخفية التي تسبقه؛ من الوسوسة، إلى التسويل، إلى الأمر، ثم إلى اللوم، قبل أن تتدخل أدوات العلاج عبر إحياء الفؤاد، وتنمية البصيرة، واستعادة الذكر، وترسيخ التقوى، حتى تبلغ النفس غايتها المنشودة في "الطمأنينة".
إن هذا الترابط لم يُقصد به جمع أفكار متفرقة تحت عنوان واحد، بل الكشف عن أن القرآن يقدم بنية مترابطة، تبدأ من أصل الإنسان لتنتهي بمصيره.
من الرؤية إلى النموذج المعرفي
وهنا يبرز سؤال منهجي مهم: هل يكفي وجود هذا الترابط لنُعلن قيام "علم نفس قرآني"؟
الجواب: لا.
فالعلوم لا تُبنى بالشعارات، ولا بالرغبات، ولا بمجرد جمع النصوص، وإنما تُبنى حين تتحول الرؤية إلى "نموذج معرفي" قابل للبحث، والنقد، والاختبار، والتطوير.
ولهذا، فإن المقصود بعلم النفس القرآني ليس إنشاء علم بديل يلغي علم النفس الحديث، ولا رفض منجزاته، ولا العودة إلى خطاب يكتفي بالمواعظ العامة. كما أنه ليس محاولة لـ "أسلمة" المصطلحات، عبر إطلاق أسماء قرآنية على نظريات غربية دون مراجعة أسسها الفلسفية.
المقصود شيء آخر تماماً. المقصود هو أن يكون القرآن هو نقطة الانطلاق في بناء النموذج، ليأتي الحوار مع العلوم الإنسانية بعد ذلك. فالقرآن يحدد طبيعة الإنسان، وعناصر تكوينه، وغاية وجوده، وآليات انحرافه، ووسائل إصلاحه. أما العلوم النفسية الحديثة، فتقدم أدوات الملاحظة، والقياس، والدراسة التجريبية، والعلاج السريري؛ وهي أدوات يمكن الاستفادة منها ما دامت لا تُفرض بوصفها الإطار الفلسفي الوحيد لفهم الإنسان.
إن العلاقة التي ندعو إليها ليست علاقة صراع أو إقصاء، ولا علاقة تبعية، وإنما هي علاقة تكامل نقدي. فالقرآن ليس كتاباً في الاختبارات النفسية، ولا في الإحصاء وتصميم التجارب، كما أن علم النفس ليس مرجعاً في تحديد الغاية النهائية للإنسان أو تفسير أبعاد وجوده الغيبية. وحين يلتزم كل منهما بمجاله، يصبح الحوار بينهما أكثر ثراءً وأقل توتراً.
تجاوز الثنائية نحو مشروع ثالث
وربما كان من أسباب تأخر هذا المشروع أننا ورثنا اتجاهين متقابلين:
• اتجاه يرفض: يرى أن كل ما جاء به علم النفس الحديث باطل، لأنه لم ينطلق من الوحي.
• اتجاه يبرر: يرى أن القرآن لا يملك إلا أن يؤيد ما تنتهي إليه المختبرات الحديثة.
وكلا الاتجاهين، في تقديري، يحرماننا من فرصة بناء معرفة جديدة. فالقرآن غني عن إثبات صدقه عبر نظريات علمية متغيرة، والعلوم الإنسانية، بدورها، لا ينبغي أن تُرفض لمجرد نشأتها خارج البيئة الإسلامية.
إن المشروع الذي ننشده هو مشروع ثالث؛ يبدأ من القرآن، ويحاور العلم، ويستفيد من أدواته، دون التفريط في استقلاله المنهجي. وأحسب أن هذا يقتضي برنامجاً بحثياً طويل النفس، تتضافر فيه تخصصات متعددة:
اللسانيات العربية. علم النفس. علوم الأعصاب. فلسفة العلم. وغيرها
وذلك حتى تُختبر الفرضيات، وتُنقد، وتُصحح، وتتطور.
خاتمة المَطاف وبداية الأسئلة
لا أدّعي أن الصفحات السابقة قد أنجزت هذا المشروع الباذخ، ولا أنها قدمت نظرية مكتملة الأركان، وإنما حاولت أن تضع حجر الأساس في طريق طويل. وإذا كان لهذه السلسلة من قيمة، فليست في أنها قدمت أجوبة نهائية، بل في جرأتها على إعادة فتح أسئلة كان ينبغي ألا تُغلق:
• هل يمكن قراءة القرآن بوصفه مصدراً لنظرية في النفس؟
• هل كل مصطلح قرآني يؤدي وظيفة مستقلة؟
• هل يمكن إعادة بناء النموذج النفسي انطلاقاً من اللسان العربي والقرآن، ثم مقارنته بالنماذج الحديثة؟
• وهل نستطيع أن ننتقل من مربع "الاستشهاد" بالقرآن إلى فضاء "الإنتاج المعرفي" انطلاقاً منه؟
قد يختلف الباحثون في الإجابة عن هذه الأسئلة، وهذا أمر طبيعي بل ومطلوب؛ فالمعرفة لا تنمو إلا في مناخ الحوار والنقد. لكن ما لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان هو أن القرآن نفسه يستحق أن يُقرأ قراءة جديدة، لا بوصفه كتاب هداية روحية فحسب، بل بوصفه سفِراً يقدم رؤية متماسكة للإنسان الذي يخاطبه.
ولعل هذا هو التحدي الحقيقي أمام الباحث المسلم اليوم. التحدي ليس أن يثبت أن القرآن سبق فرويد أو ماسلو أو بيك، فهذه معركة لا تضيف شيئاً إلى المعرفة، وإنما أن يسأل بشجاعة: ماذا يقول القرآن حين يُقرأ من داخله؟
فإذا استطعنا أن نجيب عن هذا السؤال بمنهج علمي رصين، فربما نكون قد وضعنا اللبنة الأولى في بناء "علم نفس قرآني"، لا ينافس العلوم الإنسانية بل يثريها، ولا ينعزل عنها بل يدخل معها في حوار يليق بعظمة القرآن، ويليق كذلك بكرامة الإنسان الذي جاء القرآن ليهديه، ويفهمه، ويعينه على أن يعرف نفسه قبل أن يعرف العالم من حوله.
وربما تكون هذه السلسلة قد بلغت منتهاها، لكن السؤال الذي بدأت به لم ينتهِ بعد، بل لعله يبتدئ الآن:
إذا كان القرآن قد عرّفنا بالإنسان، فهل آن الأوان أن نعيد تعريف علم النفس؟



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن ...
- الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من ...
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...


المزيد.....




- الإفتاء الفلسطيني: إحراق المساجد بالضفة سياسة إسرائيلية ممنه ...
- -الإرهاب اليهودي-.. هكذا سيطرت مليشيات بن غفير على مليون دون ...
- موجة -الرفاهية الروحية- تجتاح الصين والعلامات التجارية أمام ...
- منظمات وشخصيات مسيحية تتخوف من تغيير ديموغرافي في مناطقهم بس ...
- فرنسا.. اعتقال 6 أشخاص للاشتباه بتخطيطهم لاستهداف كنيس يهودي ...
- شيخ الأزهر يفاجئ طلابه باتصالات تهنئة ويواجه أسئلة مفاجئة (ف ...
- اكتشف الجنة الغامضة المخفية في قلب أكبر بحيرة بإفريقيا
- الإسلامية المسيحية: مجزرة -تل- تفضح عجز المجتمع الدولي وتجعل ...
- عقوبات أمريكية تطال قيادياً في الإخوان المسلمين و3 أفراد و3 ...
- -من سيدخل الجنة؟-.. ساويرس يرد على سؤال مفاجئ


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني