أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مدحت قلادة - العظمة حين تجسدت















المزيد.....


العظمة حين تجسدت


مدحت قلادة

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


“والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيدٍ من الآب، مملوءًا نعمة وحقًا.”
(يوحنا 1: 14)

البحث عن معنى العظمة

منذ أن بدأ الإنسان يدوّن تاريخه، وهو يبحث عن العظمة.

بحث عنها في الملوك الذين امتلكوا التيجان، وفي القادة الذين فتحوا البلاد، وفي أصحاب النفوذ الذين استطاعوا أن يغيّروا مجرى الأحداث.

لكن الإنسان، عبر العصور، كثيرًا ما خلط بين العظمة والقوة، وبين المجد والسلطان، وبين الانتصار الحقيقي والانتصار الظاهري.

فالعين تنجذب إلى البريق، والأذن تُفتن بصوت المنتصرين، والتاريخ غالبًا يحفظ أسماء من امتلكوا القوة أكثر ممن امتلكوا المحبة.

ولهذا امتلأت صفحاته بأسماء ملوك وفاتحين، لكن بقي السؤال الأكبر بلا إجابة:

ما هي العظمة الحقيقية؟

هل هي أن تجعل الملايين يخضعون لإرادتك؟

أم أن تستطيع أن تنتصر على نفسك؟

هل هي أن تمتلك السلطة؟

أم أن تستخدمها لخدمة الآخرين؟

هل العظيم هو من تُفتح أمامه أبواب المدن؟

أم من تُفتح أمامه أبواب القلوب؟

فكم من إمبراطور ظن أن اسمه سيبقى خالدًا، ثم مرّت القرون ولم يبقَ منه إلا ذكرى باهتة على صفحات التاريخ.

وكم من قائد أخضع أممًا، ثم أصبح مجرد اسم في كتاب.

لأن الزمن يستطيع أن يمحو آثار القوة، لكنه لا يستطيع أن يمحو أثر المحبة.

فالسلطة قد تُجبر الإنسان على الطاعة، لكنها لا تستطيع أن تخلق الحب.

والخوف قد يصنع أتباعًا، لكنه لا يصنع قلوبًا جديدة.

أما المحبة الحقيقية، فهي القوة الوحيدة التي تستطيع أن تغيّر الإنسان من الداخل.

وهنا يكمن سر العظمة.

فالعظيم ليس من يترك خلفه آثار أقدامه على الأرض فقط…

بل من يترك أثره في أعماق الإنسان.

المقياس الذي لا يتغير

لذلك، قبل أن نسأل:

من هو أعظم من وطئت قدماه الأرض؟

علينا أولًا أن نسأل:

ما هو المقياس الذي نحكم به على العظمة؟

فإن كان المقياس هو القوة، فسيظهر دائمًا من هو أقوى.

وإن كان المقياس هو الثروة، فسيتغير الحكم مع تغير الزمن.

وإن كان المقياس هو الشهرة، فسوف يصبح الأكثر ظهورًا هو الأكثر عظمة.

لكن العظمة الحقيقية لا تُقاس بما يملكه الإنسان، بل بما يمنحه.

لا تُقاس بعدد الذين خافوا منه، بل بعدد الذين تغيروا بسببه.

لا تُقاس بما أخذه من العالم، بل بما قدمه للعالم.

ولهذا فإن أعظم المعايير هي:

الحقيقة.

المحبة.

الرحمة.

القداسة.

والاتساق الكامل بين الكلمة والحياة.

فكم من إنسان علّم الآخرين ولم يستطع أن يعيش ما علّمه؟

وكم من شخص تحدث عن الخير بينما كانت حياته بعيدة عنه؟

لكن أعظم إنسان هو من كانت حياته هي الرسالة، وكانت أفعاله تفسيرًا لكلماته.

وهنا تبدأ رحلتنا نحو العظمة التي تتجاوز حدود الإنسان.

حين اقترب المجد من الإنسان

عرف العالم فلاسفة علّموا الحكمة.

وعرف ملوكًا صنعوا مجدًا أرضيًا.

وعرف قادة غيّروا خرائط الأمم.

لكن العالم لم يعرف إنسانًا استطاع أن يغيّر طبيعة القلب البشري.

فالإنسان يستطيع أن يضع القوانين، لكنه لا يستطيع أن يخلق المحبة.

ويستطيع أن يبني الحضارات، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع إنسانًا جديدًا.

ويستطيع أن يفرض النظام، لكنه لا يستطيع أن يمنح النفس سلامها الحقيقي.

لأن تغيير القلب ليس مجرد إصلاح خارجي…

بل هو عمل يمس أعماق الكيان.

ولهذا، عندما نتأمل في رب المجد يسوع المسيح، فنحن لا نقف أمام مجرد معلم أخلاقي، أو فيلسوف صاحب أفكار سامية، أو مصلح اجتماعي غيّر بعض المفاهيم.

بل نقف أمام سر أعظم من ذلك كله.

نقف أمام الكلمة الأزلي الذي دخل الزمن.

أمام الخالق الذي اقترب من خليقته.

أمام المحبة الإلهية التي لم تكتفِ بأن تُعلن نفسها، بل جاءت لتُرى وتُلمس وتُعاش.

لقد كان التجسد أعظم إعلان في التاريخ.

لم يعد الإنسان يبحث عن الله في البعيد فقط…

بل اقترب الله من الإنسان.

لم تعد المحبة فكرة نتأملها…

بل صارت حياة أمام أعيننا.

لم يرسل الله رسالة عن المحبة فحسب…

بل جاء هو بنفسه ليعلنها

التجسد… حين صار غير المنظور منظورًا

إن أعظم ما يميز رب المجد يسوع المسيح ليس فقط ما فعله، بل من هو.

فالعالم عرف عبر التاريخ أشخاصًا قدموا تعاليم عظيمة، ودعوا إلى الرحمة والعدل والسلام، لكن الإيمان المسيحي يرى في المسيح أمرًا يتجاوز حدود الإنسان الكامل.

فنحن لا نتحدث فقط عن إنسان اقترب من الله…

بل عن الله الذي اقترب من الإنسان.

لا نتحدث فقط عن شخص حمل رسالة من السماء…

بل عن الكلمة الذي صار جسدًا.

وهنا يكمن سر التجسد.

فالله لم يظل بعيدًا عن آلام الإنسان، ينظر إلى ضعفه من علو مجده، بل اقترب بمحبة لا تُدرك.

دخل إلى عالمنا.

شارك الإنسان حياته.

عرف الجوع والتعب والدموع والألم.

ليس لأنه كان عاجزًا، بل لأنه أحب.

فالمحبة الحقيقية لا تكتفي بالمشاهدة من بعيد.

المحبة تقترب.

المحبة تحمل.

المحبة تبذل.

لم يكن التجسد مجرد حدث تاريخي نضيفه إلى صفحات الزمن.

بل كان إعلانًا عن قلب الله.

ففي شخص رب المجد يسوع نرى أن الله ليس فكرة مجردة، ولا قوة بعيدة، ولا سلطانًا مخيفًا فقط.

بل نرى أبًا يقترب من أبنائه.

وراعيًا يبحث عن خرافه الضالة.

وطبيبًا يأتي إلى المرضى.

ومخلصًا يمد يده للإنسان الساقط.

ولهذا قال المسيح:

“من رآني فقد رأى الآب.”

لم تكن هذه مجرد عبارة عن التشابه الأخلاقي، بل إعلان عن علاقة فريدة بين الابن والآب، كما يؤمن المسيحيون.

ففي المسيح ظهر مجد الله في صورة يمكن للإنسان أن يقترب منها.

صار غير المنظور منظورًا.

وصار البعيد قريبًا.

وصارت السماء تلامس الأرض.

إن عظمة المسيح ليست فقط أنه علّم الإنسان كيف يحب…

بل أنه كشف للإنسان أن المحبة هي قلب الله.

فالمحبة في المسيح لم تكن صفة من صفاته فقط، بل كانت طريق ظهوره للبشر.

كل خطوة في حياته كانت إعلانًا عنها.

عندما اقترب من المهمشين، أعلن محبة الله.

عندما لمس المرضى، أعلن رحمة الله.

عندما غفر للخطاة، أعلن قلب الله.

عندما حمل الصليب، أعلن بذل الله.

كان العالم في كثير من الأحيان يقيس قيمة الإنسان بما يملك:

بمكانته.

بثروته.

بقوته.

أما رب المجد يسوع فقد قلب هذا المقياس كله.

فالعظيم في نظره ليس من يجلس فوق الآخرين، بل من ينحني لخدمتهم.

ولهذا نراه في مشهد غسل أرجل التلاميذ.

المعلم يغسل أقدام تلاميذه.

السيد يخدم عبيده.

والذي له كل المجد يختار طريق التواضع.

لم يكن ذلك مجرد درس أخلاقي.

بل كان كشفًا عن طبيعة المحبة الإلهية.

فالله لا يقترب من الإنسان لأنه محتاج إليه، بل لأن الإنسان محتاج إلى محبته.

وعندما سار رب المجد يسوع بين البشر، لم يبحث عن أصحاب النفوذ فقط.

لم تكن قصور العظماء هي مكانه الأول.

بل ذهب إلى الذين لا يلتفت إليهم العالم.

اقترب من المريض.

ومن الحزين.

ومن المرفوض.

ومن الذي فقد الأمل.

كان يرى الإنسان قبل سقوطه.

ويرى الصورة الإلهية قبل أن تغطيها آثار الخطية.

العالم كان ينظر إلى الإنسان من خلال ماضيه.

أما المسيح فكان ينظر إليه من خلال ما يمكن أن يصير إليه بنعمة الله.

رأى زكا العشار، الذي كان مرفوضًا من المجتمع، فلم يرَ فيه مجرد إنسان خاطئ، بل إنسانًا قادرًا على التغيير.

ورأى المرأة الخاطئة، فلم يختصرها في خطئها، بل رأى نفسًا تحتاج إلى الغفران.

ولم يكن اقترابه من الخطاة موافقة على الخطية، بل إعلانًا أن النعمة أقوى من السقوط.

فالطبيب لا يذهب إلى الأصحاء، بل إلى المرضى.

وهكذا قال:

“لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى.”

لقد كانت معجزات رب المجد يسوع إعلانًا عن سلطانه.

لكن المحبة كانت الإعلان الأعمق عن شخصه.

فالمعجزة تجعل الإنسان يتعجب…

أما المحبة فتجعل الإنسان يتغير.

والقوة قد تدهش العقل…

لكن الحب يلمس القلب.

ولهذا كانت أعظم معجزات المسيح هي إعادة الإنسان إلى صورته التي قصدها الله.

أن يتحول الخائف إلى شاهد.

والقاسي إلى رحيم.

والأناني إلى خادم.

والبعيد إلى ابن.

وعندما نصل إلى هذه النقطة نفهم أن التجسد لم يكن فقط نزولًا إلى الأرض…

بل كان صعودًا بالإنسان.

فالله لم يتجسد ليجعل الإنسان أقل، بل ليعيد إليه كرامته.

لم يأتِ ليكشف ضعف الإنسان فقط، بل ليعلن إمكانية تجديده.

لم يأتِ ليقول للإنسان: انظر إلى سقوطك.

بل جاء ليقول له: انظر إلى الحب الذي يرفعك.

الصليب… حين أصبحت المحبة أقوى من الموت

هناك لحظات في التاريخ لا تُقاس بطولها، بل بعمق معناها.

لحظات لا تنتمي فقط إلى زمنها، بل تمتد آثارها إلى كل الأزمنة.

ولعل أعظم لحظة عرفتها البشرية ليست لحظة انتصار جيش، ولا لحظة تتويج ملك، ولا لحظة سقوط إمبراطورية…

بل لحظة ارتفع فيها رب المجد يسوع المسيح على الصليب.

في نظر العالم كان الصليب رمزًا للعار والضعف.

كان نهاية إنسان رفضه الناس.

لكن السماء كانت ترى حقيقة أعمق.

فما ظنه العالم هزيمة، كان في الإيمان المسيحي إعلانًا للانتصار.

وما ظنه البشر نهاية، كان بداية لخلاص.

لأن المحبة الحقيقية لا تُعرف فقط بما تقوله…

بل بما تستطيع أن تبذله.

لم يذهب رب المجد يسوع إلى الصليب لأنه فقد القدرة على النجاة.

ولم يكن أسيرًا لظروف أقوى منه.

بل ذهب بإرادته، مقدمًا ذاته حبًا للبشر.

فالمحبة التي يبحث عنها الإنسان عادةً تطلب مقابلًا.

أما محبة المسيح فتظهر في العطاء.

محبة لا تنتظر أن يصبح الآخر مستحقًا.

بل تمنح لكي تصنع في الآخر حياة جديدة.

ولهذا قال:

“ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه.”

وهنا يظهر سر العظمة.

فالبشر قد يضحون من أجل من يحبونهم.

أما المسيح، ففي الإيمان المسيحي، قدم ذاته من أجل العالم كله، حتى من رفضوه وأساؤوا إليه.

عند الصليب ظهرت أعظم مفارقة:

الذي بيده سلطان الحياة، دخل إلى اختبار الموت.

والذي خلق الإنسان، حمل ألم الإنسان.

والذي لا يحتاج إلى أحد، احتضن احتياج البشرية كلها.

لم يكن الصليب ضعفًا…

بل كان قوة من نوع مختلف.

قوة لا تقوم على سحق الآخر، بل على غلبة الشر بالمحبة.

قوة لا تنتقم من الإساءة، بل تغلب الإساءة بالغفران.

ولهذا خرجت من على الصليب كلمات لا يستطيع المنطق البشري بسهولة أن يفسرها:

“يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون.”

في لحظة كان الإنسان فيها يتوقع الغضب…

أعلن المسيح الغفران.

وفي لحظة كان العالم يرى الألم…

كشف المسيح قلب الله.

إن أعظم انتصارات البشر غالبًا كانت انتصارات على الآخرين.

أما انتصار المسيح فكان انتصارًا على ما يستعبد الإنسان من الداخل:

على الخطيئة.

على اليأس.

على الخوف.

على الموت.

لقد دخل إلى أعمق نقطة في مأساة الإنسان، لكي يفتح منها طريق الرجاء.

وهنا يظهر معنى التجسد بكماله:

فالذي جاء إلى الأرض لم يأتِ فقط ليشارك الإنسان ضعفه…

بل ليحمل عنه ما لا يستطيع حمله.

لكن قصة المسيح لا تنتهي عند الصليب.

فلو كان الصليب مجرد نهاية، لكان حدثًا مؤلمًا مثل أحداث كثيرة عرفها التاريخ.

أما جوهر الإيمان المسيحي فهو القيامة.

فالقبر الذي استقبل جسد المسيح لم يستطع أن يحتفظ به.

والذي ظنه العالم منتهيًا، أعلن أن الحياة أقوى من الموت.

فالقيامة ليست مجرد عودة إلى الحياة، بل إعلان أن الموت نفسه لم يعد الكلمة الأخيرة.

ومن هنا بدأت صفحة جديدة في تاريخ البشرية.

لم يخرج التلاميذ بعد القيامة كجماعة تحمل فكرة نظرية، بل كشهود اختبرت حياة المسيح.

لقد عاشوا معه.

سمعوا تعاليمه.

رأوا أعمال محبته.

وشاهدوا تواضعه.

وعرفوا قلبه.

ولهذا لم تكن شهادتهم مجرد كلمات، بل كانت حياة كاملة.

ما الذي جعل هؤلاء الرجال البسطاء يتركون كل شيء؟

ما الذي جعل صيادين من الجليل يقفون أمام الحكام والملوك دون خوف؟

ما الذي جعلهم يقبلون الاضطهاد بدل أن ينكروا ما آمنوا به؟

لأنهم لم يكونوا يدافعون عن فلسفة سمعوها فقط…

بل عن شخص عرفوه.

فالمسيحية، في جوهرها، ليست مجرد أفكار عن المسيح…

بل علاقة مع المسيح.

ولهذا كان أعظم دليل على تأثير المسيح هو ما صنعه في حياة تلاميذه.

فهو لم يترك خلفه أتباعًا يبحثون عن سلطة أرضية.

لم يحملوا سيفًا لنشر رسالته.

ولم يسعوا إلى مجد شخصي.

بل حملوا المحبة التي تعلموها منه.

صار الضعيف قويًا.

والخائف شجاعًا.

والصياد رسولًا.

والإنسان البسيط حاملًا رسالة غيّرت العالم.

وبحسب التقليد المسيحي، سار معظم الرسل في طريق البذل حتى النهاية، مقدمين حياتهم شهادة لما آمنوا به.

لم يكن موتهم بحثًا عن بطولة، بل نتيجة طبيعية لإنسان عاش مقتنعًا أن ما يحمله أغلى من حياته.

فالإنسان قد يموت من أجل فكرة لم يختبرها…

أما هؤلاء، فقد عاشوا مع من أعلنوا عنه.


وكان يوحنا حالة خاصة بينهم.

فهو التلميذ الذي بقي شاهدًا حتى سنوات متقدمة من عمره.

عاش زمن الاضطهاد، ونُفي إلى جزيرة بطمس، وهناك كتب رؤياه بحسب التقليد المسيحي.

ثم أكمل شهادته للمسيح حتى رقد في شيخوخة متقدمة قارب فيها عمر المائة عام.

وكأن حياته كلها كانت إعلانًا:

أن من يلتقي بالمسيح لا يحمل مجرد ذكرى…

بل يحمل حياة.

المسيح… ليس أعظم العظماء بل مقياس العظمة

بعد أن نتأمل في رحلة المسيح على الأرض، نكتشف أن السؤال الأول قد تغيّر.

فلم يعد السؤال:

من هو أعظم من وطئت قدماه الأرض؟

لأن هذا السؤال يفترض أن المسيح يقف في صف طويل من العظماء لنقارن بينه وبينهم.

لكن الإيمان المسيحي يرى أن الأمر أعمق من ذلك بكثير.

فالمسيح ليس مجرد أعظم إنسان بين البشر…

بل هو الذي أعاد تعريف معنى الإنسان.

وليس مجرد أعظم من تحدث عن المحبة…

بل هو إعلان المحبة الإلهية نفسها.

وليس مجرد من سار في طريق النور…

بل هو الذي قال:

“أنا هو نور العالم.”

لقد جاء كثيرون وتركوا أقوالًا عظيمة.

لكن أقوالهم بقيت منفصلة عن حياتهم.

أما رب المجد يسوع، فكانت حياته هي التفسير الكامل لكلماته.

قال:

“أحبوا أعداءكم.”

وعندما أساء إليه البشر، صلى من أجلهم.

قال:

“طوبى للرحماء.”

وكان هو الرحمة التي تسير بين الناس.

قال:

“من أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا.”

ثم انحنى وغسل أقدام تلاميذه.

لقد لم يكن يقدم تعليمًا فقط…

بل كان يكشف طبيعة مختلفة للعظمة.

عظمة لا ترتفع فوق الآخرين…

بل تنحني من أجلهم.

العالم عادةً يسأل:

كم تملك؟

كم من الناس يخدمونك؟

كم هي قوتك؟

أما المسيح فسأل:

كم تستطيع أن تحب؟

كم تستطيع أن تغفر؟

كم تستطيع أن تبذل؟

وهنا يظهر الفرق بين مجد الأرض ومجد السماء.

مجد الأرض يصعد فوق الآخرين.

أما مجد المسيح فنزل ليحمل الآخرين.

مجد الأرض يبحث عن التاج.

أما المسيح حمل الصليب.

مجد الأرض يخاف الموت.

أما المسيح دخل الموت وأعلن أن الحياة أقوى.

إن سر عظمة رب المجد يسوع هو أن السماء لم تبقَ بعيدة.

لقد اقتربت.

ففيه، بحسب الإيمان المسيحي، لم يعد الإنسان يبحث عن الله في المجهول فقط، بل رأى محبة الله معلنة أمامه.

لم تعد المحبة فكرة فلسفية.

بل صارت وجهًا.

وصوتًا.

وحياة.

لم تعد الرحمة مجرد صفة نتحدث عنها.

بل صارت يدًا تمتد إلى الساقط.

وقلبًا يغفر للمسيء.

وحضورًا يرفع الإنسان من ضعفه.

ولهذا فإن التجسد هو أعظم إعلان للمحبة.

فالله لم يرسل مجرد رسالة تقول: “أنا أحبكم”.

بل جاء هو ليحمل هذه الرسالة في شخصه.

لم يرسل إنسانًا فقط ليخبرنا عن الطريق.

بل جاء ليكون هو الطريق.

لم يأتِ ليترك الإنسان يبحث وحده عن الخلاص.

بل جاء ليبحث هو عن الإنسان.

ولهذا بقي المسيح حاضرًا بعد ألفي عام.

فالأشياء التي تعتمد على القوة تزول عندما تزول القوة.

والإمبراطوريات تسقط عندما تتغير الظروف.

لكن المحبة الحقيقية لا تنتهي.

قد تمر القرون…

لكن كلمات المسيح ما زالت تخاطب القلب:

“تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم.”

لأن الإنسان عبر التاريخ لم يتغير في أعمق احتياجاته.

ما زال يبحث عن الغفران.

عن السلام.

عن معنى الحياة.

عن حب لا يتغير.

وإذا أردنا أن نضع مقياسًا نهائيًا للعظمة، فلنسأل:

كم قلبًا شُفي بسببك؟

كم إنسانًا وجد الرجاء من خلالك؟

كم نفسًا اقتربت من الخير لأنك مررت في حياتها؟

بهذا المقياس، يرى المؤمنون أن المسيح يقف فوق كل المقاييس البشرية.

لأنه لم يغير صفحات من التاريخ فقط…

بل غيّر حياة الملايين.

لم يبنِ إمبراطورية أرضية…

بل أقام ملكوتًا في القلوب.

لم يترك خلفه تماثيل من حجر…

بل ترك صورة حيّة في نفوس الذين أحبوه واتبعوه.

لقد حاول العالم أن يفهم المسيح بعيون السياسة.

وبعيون التاريخ.

وبعيون الفلسفة.

لكن من اقترب منه بقلب مفتوح اكتشف أن السر ليس فقط في أعماله…

بل في شخصه.

فهو، في الإيمان المسيحي، ليس مجرد إنسان كامل.

بل الله الكلمة الذي ظهر في الجسد.

هو الذي جمع ما يبدو مستحيلًا:

مجد الله وتواضع الإنسان.

قداسة السماء وقرب الراعي.

السلطان الإلهي وقلب الأب.

وفي النهاية…

قد تختلف الشعوب.

وقد تتغير المعايير.

وقد تعيد الأجيال كتابة صفحات التاريخ.

لكن هناك حقيقة تبقى في قلب كل من اختبر محبة المسيح:

أن أعظم من سار على الأرض ليس من أخضع الآخرين…

بل من أحبهم.

ليس من أخذ من العالم…

بل من أعطى نفسه للعالم.

ليس من جعل الناس يخافون منه…

بل من جعلهم يجدون فيه الأمان.

إن العظماء يتركون آثار أقدامهم على تراب الأرض…

أما رب المجد يسوع فقد ترك آثار محبته في قلوب البشر.

أولئك غيّروا بعض صفحات التاريخ…

أما هو فغيّر معنى التاريخ نفسه.

أولئك علّموا الإنسان كيف ينتصر على الآخرين…

أما هو فعلّم الإنسان كيف ينتصر على نفسه.

ولم يأتِ رب المجد يسوع ليُضاف اسمه إلى قائمة العظماء…

بل جاء ليعيد تعريف العظمة كلها.

لأن العظمة حين بلغت كمالها…

لم تكن فكرة.

ولم تكن فلسفة.

ولم تكن مجرد كلمات.



#مدحت_قلادة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسلم الحائر !! بين ذاكرة التاريخ وسجن الأيديولوجيا
- الإنسان أولًا حين تنتصر الرحمة على العقوبة
- الإنسان بين الضمير والضجيج
- إلى اللقاء يا إيزيس
- سقوط مصر في فخ السلفية: شهادة شاهد من داخل المعركة
- تدوير الهوان
- في كواليس مؤتمر الأقباط بالنمسا عندما يتحول الألم إلى قضية ع ...
- الملك المعتوه
- الدول المتخلفة
- أقذر عهود الاضطهاد
- لم أدرس الطب البيطري…
- اخلاق الشعوب المقهورة
- كيف تسقط الاوطان
- الإنسان بين سيادة الكون وفقدان البوصلة الإنسانية
- الأقباط بين خطاب الطمأنة وواقع الحقوق ؟
- ‎البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة

- البؤساء: الإنسان بين العدالة والرحمة
- بلد العميان
- سيلفانا كمان وكمان
- ليس تراجعًا… انما هو احتلال


المزيد.....




- ما حقيقة القبض على الإخواني المصري الهارب محمود فتحي؟
- بيان صحفي صادر عن د. سلامه ابو زعيتر رئيس النقابة العامة للخ ...
- رسالة تعزية من قائد الثورة الإسلامية بوفاة والدة 3 من الشهدا ...
- محافظة القدس: مستوطنون يخطون شعارا لجماعات متطرفة داخل المسج ...
- أزمة شبان تهز الاتحاد المسيحي الألماني وتضع حكومة ميرتس أمام ...
- مستوطنون يرسمون شعار -المُخلّص- على حجارة داخل المسجد الأقصى ...
- يأتي رسم الشعار عشية حشد منظمات الهيكل لأكبر اقتحام منذ احت ...
- الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تحذر من انتشار -الوثنية الجديدة- ...
- رئيس منظمة الطاقة الذرية: سنحقق مُثُل الثورة الإسلامية حتى آ ...
- بقائي: الجمهورية الإسلامية الإيرانية لن تتردد في الدفاع عن ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مدحت قلادة - العظمة حين تجسدت