أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - أنفاس الياسمين المتمردة















المزيد.....


أنفاس الياسمين المتمردة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 04:49
المحور: الادب والفن
    


توقفت عند باب غرفتها، والظلام يزحف بخطوات ثقيلة على جدران الزقاق الضيق. لم تكن خائفة من العتمة بقدر ما كانت تخشى الصوت الذي ينتظرها خلف ذلك الباب الخشبي المتهالك.
دفعت الباب بوهن، لتجد صاحبة البيت، امرأة بوجه كالح وعينين تلمعان بطمع بارد، جالسة على طرف سريرها الوحيد، تدخن سيجارة تملأ الغرفة برائحة خانقة.
-انتهى الوقت، يا صغيرة،
قالت المرأة بصوت أجش دون أن تنظر إليها.
-الشارع لا يطعم، ولست جمعية خيرية. إما أن تخرجي الآن، أو تقبلي بالعرض الذي رفضته الأسبوع الماضي.
تجمدت الطفلة في مكانها. كانت تعرف ما تعنيه بـالعرض. كان الزقاق يتحدث همسا عن تلك الدار في آخر الحي، الدار التي تدخلها الفتيات ولا يخرجن منها إلا وقد فقدت براءتهن، وبعن بأبخس الأثمان في سوق لا يعرف الرحمة.
لم تجب. لم تكن تملك في جعبتها سوى حفنة من قروش معدنية لم تكد تكفي لسد جوعها ليوم واحد. انحنت لتلملم قطع ثيابها القليلة، ودموعها المحبوسة تحرق عينيها. في العاشرة من عمرها، لكنها في تلك اللحظة شعرت أنها تحمل على كاهلها ثقل قرون من القهر.
خرجت إلى الزقاق مجددا، الهواء البارد يلفح وجهها الشاحب. مشت بخطوات متثاقلة، مرعوبة، قشعريرة تسري في الأوصال، لا وجهة لها، سوى الضياع. وفي تلك اللحظة، رأت ظلا يتحرك في زاوية مظلمة، يدعوها بإشارة مبهمة.. كانت تعلم أن الطريق إلى بيت الدعارة لم يعد مجرد تهديد من صاحبة الحجرة، صار واقعا يتربص بها في كل زاوية.
انتفضت الطفلة من تحت الغطاء الصوفي الثقيل، كأنما صعقها تيار من الحقيقة المرة. عيناها اللتان لم تعرفا طعم النوم العميق منذ رحيل والدها، اتسعتا ذعرا وهما تلتقيان بوقار الشيخ الذي كان يقف بظهره إليها، محترما خصوصيتها في لحظات استيقاظها.
لم يلتفت الشيخ ليراقب ارتباكها، استمر في صوته الهادئ الذي يشبه ترتيل الفجر:
- البيت هنا لذكر الله، يا ابنتي، لا للمبيت.. والزقاق لا يرحم الضعفاء حين تشرق الشمس وتكثر العيون.
نهضت وفر بضعة قطط تكوروا حولها ، نفضت غبار الأرض عن ثيابها البالية، وتضم بطانيتها الصوفية إلى صدرها وكأنها درعها الأخير. شعرت بخجل ممزوج بمرارة، فهي لم تكن تريد مبيت المسجد، كانت تريد الأمان الذي فقده العالم بأسره. همت بالمغادرة دون أن تنبس ببنت شفة، ساقاها ترتجفان من أثر البرد والخوف الذي استوطن عظامها.
وقبل أن تخطو خطوتها الأولى مبتعدة عن العتبة، أخرج الشيخ من جيب جلبابه كسرة خبز ملفوفة بقطعة قماش صغيرة، وناولها إياها دون أن ينظر إلى وجهها، قائلا:
-رزقك عند الله واسع، ولا تظني أن الأرض قد خلت من القلوب التي تخاف الله.
مشيت الصغيرة في الشوارع التي بدأت تستيقظ ببطء، الناس يخرجون إلى أشغالهم، والضجيج بدأ يرتفع، مما منحها شعورا زائدا بالخطر، فهي في النهار أكثر وضوحا، وأسهل في الاصطياد. كانت تمشي وتعصر كسرة الخبز بيدها، وتفكر في كلمات الشيخ. لم تكن الكسرة ما أثر فيها، ذلك الاعتراف بوجودها، بكرامتها التي حاولت صاحبة الحجرة سلبها منها.
بينما كانت تعبر مفترق طرق يؤدي إلى ساحة المدينة، رأت من بعيد امرأة تبدو ملامحها مختلفة عن نساء الزقاق، تحمل سلة من الزهور وتتجه إلى محل صغير. توقفت الطفلة، ونظرت إلى يديها المرتجفتين، ثم إلى حذائها الممزق، وقررت أن اليوم ،يوم كسر الحلقة. لن تعود للتسول، ولن تستسلم لظلال الدار، فإذا كان الشيخ قد رأى فيها إنسانا يستحق الإكرام، فربما هناك في العالم مكان آخر لا يعاملها كسلعة، كروح تستحق الحياة. بخطوات غير واثقة، اقتربت من المرأة صاحبة سلة الزهور، وقلبها يخفق بقوة كأنما سيخرج من صدرها.
توقفت حركة العالم من حولها، لم يعد هناك وجود لضجيج المسافرين العائدين من ليالي الخمارات، ولا لصوت المارة، ولا حتى لبرودة الصباح التي كانت تنهش عظامها. فقط دفء يد المرأة على رأسها، ورائحة القهوة والخبز الطازج التي تملأ أنفاسها.
كانت المرأة، التي تدعى خديجة، تستمع لكل تفصيل خرج من فم الطفلة وتحاول التهام طعامها، تراقبها بعينين تفيضان بالأسى الممزوج بالغضب الصامت. عندما انتهت الصغيرة من قصتها، عم صمت ثقيل بينهما، صمت لم يقطعه إلا صوت ملعقة المرأة تضعها بجانب فنجانها. قالت خديجة بصوت منخفض، كأنها تخشى أن يسمع الجدران ما تخطط له:
-تلك المرأة التي تركتها خلفك يا ابنتي، لا تبيع الأجساد فقط، تبيع الأرواح لمن لا روح لهم. لقد ظنت أنها اصطادت فريسة سهلة، لكنها لم تدرك أن الله يرسل ملائكته في أثواب البشر في اللحظة التي نظن فيها أن الأبواب قد أغلقت تماما
أمسكت خديجة بيد الصغيرة، كانت باردة كقطعة ثلج، وقالت بلهجة حازمة لا تقبل الجدل:
- لن تعودي لذلك الزقاق، ولن تقتربي من تلك الدار. معي، ستكونين في أمان، لكن عليك أن تعديني بأمر واحد، أن تظلي قوية كما كنت الليلة الماضية، وألا تسمحي لأي خوف أن يسكن قلبك مرة أخرى.
اصطحبتها خديجة بعيدا عن صخب المقهى والشارع، نحو حي أهدأ، حيث تدير مشغلا صغيرا لتنسيق الزهور. وبينما كانت الطفلة تنظر إلى بتلات الورد الملونة التي تتساقط بين يدي خديجة، شعرت لأول مرة منذ وفاة والدها، أن الغد ليس مجرد كلمة مخيفة، إنما صفحة بيضاء يمكنها أن تبدأ في كتابتها من جديد.
ولكن، في الزقاق القديم، كانت صاحبة الحجرة لم تكف عن البحث. فقد كانت تلك الطفلة بالنسبة لها ليست مجرد نزيلة متمردة، إنها استثمار ضائع قررت أن تستعيده، مهما كان الثمن.
بينما كانت صاحبة الحجرة تقف في قلب المشغل، نافثة دخان سيجارتها فوق بتلات الياسمين النضرة، شعرت الطفلة أن الأرض تميد بها. لم يكن ارتجافها نابعا من ضعفها القديم، من خشية أن تمحى براءتها مرة أخرى. في تلك اللحظة، لم تكن خديجة مجرد بائعة زهور، تحولت إلى درع صلب. وقفت خديجة أمامها، وبدلا من أن تصرخ، كانت عيناها تحدقان في عيني المرأة ببرود يذيب غطرستها. قالت خديجة بصوت خفيض لكنه مسموع كوقع الرعد:
-الديون التي تدعينها سددتها الطفلة بدموعها، وبكل يوم قضته خائفة في غرفتك المظلمة. إن كانت لك مطالب، فإليك الشرطة أو القضاء، أما الطفلة فقد أصبحت في ذمتي، ومن يمس ذمتي سيحاسبه الحي الذي لا يموت.
تراجعت صاحبة الحجرة خطوة إلى الوراء، مذهولة من الصمود الذي لم تألفه في عالمها المليء بالخنوع. حاولت التهديد مجددا، ملوحة بوعيدها بحرق المكان وتشويه السمعة، لكن خديجة لم ترف لها عين، أخرجت هاتفها واتصلت بـالشيخ الذي كان قد قدم للطفلة كسرة الخبز، مدركة أن تأثيره الروحي والمجتمعي في ذلك الحي الحصن الذي لا يمكن للفساد اختراقه. لم يمض وقت طويل حتى وصل الشيخ، ومعه مجموعة من رجال الحي المعروفين بنزاهتهم، ليجدوا صاحبة الحجرة تحاول استجماع شتات غرورها المكسور.
لم تكن المواجهة مجرد صراخ متبادل، أصبحت مسألة كرامة حي بأكمله. تحت نظرات الرجال الصارمة، لم تجد المرأة مفرا سوى الانسحاب، متوعدة بالانتقام. لكن خديجة كانت تعلم أن المعركة لم تنته بانسحابها، بدأت مرحلة جديدة من الحذر. في تلك الليلة، ومع حلول الظلام، لم تعد الطفلة ترتجف من أصوات الخطوات في الزقاق، أغلقت باب المشغل وهي تشعر بالأمان لأول مرة منذ سنوات.
بينما كانت الطفلة تساعد خديجة في ري أحواض الزهور، سألتها بفضول عن سر تلك الشجاعة التي جعلت المرأة ترحل رغم جبروتها. ابتسمت خديجة وقالت:
- إن القوة ليست في الصوت العالي، إنما في الإيمان بأن الإنسان لا ينتمي إلا لمن يحترم كرامته.
ومنذ ذلك اليوم، بدأت الطفلة، التي اختارت لنفسها اسما جديدا يرمز للحياة، تعمل في المشغل، لا كيتيمة هاربة، كفرد من عائلة اختارتها . وفي كل مرة كانت رائحة الياسمين تملأ المكان، كانت تدرك أن تلك البتلات أجمل تعويض عن سنوات القهر، وأن الخلاص لم يكن في الهروب، إنما في التمسك بمن يشبهون النور في حياتنا.
في ردهات المخفر، حيث تتقاطع حكايات الألم والعدالة، كان الجو مشحونا بالتوتر. كانت صاحبة الحجرة تصرخ بكلمات نابية، وتلقي بالاتهامات يمينا وشمالا محاولة قلب الطاولة، لكن تاريخها الأسود الموثق في سجلات الشرطة كان حاضرا ليخرس ادعاءاتها الكاذبة. كانت الطفلة تجلس في زاوية الغرفة، تضم ساقيها إلى صدرها، وعيناها تراقبان المشهد بذهول، تارة تنظر إلى خديجة التي كانت تقف بهدوء وصلابة كأنها تحميها بجسدها، وتارة أخرى إلى رئيسة الجمعية التي كانت تدون ملاحظاتها بجدية واحترافية.
عندما بدأت التحقيقات، انهار القناع الذي كانت ترتديه المرأة العجوز. كلما حاولت أن تبرر محاولتها لاختطاف الطفلة بـالديون، كانت تتكشف للشرطة ولرئيسة الجمعية خيوط المؤامرة الأكبر التي كانت تديرها. لم تعد هي المشتكية، بل تحولت إلى متهمة في قضية الاتجار بالبشر واستغلال القاصرين. وبينما كان رجال الأمن يقتادونها نحو زنزانة التوقيف، كانت نظراتها المليئة بالحقد تلاحق الطفلة وخديجة، لكن الأخيرة لم تنحن، إنما أمسكت بيد الطفلة بقوة، تمنحها الطمأنينة التي افتقدتها منذ وفاة والدها.
بعد انتهاء الإجراءات الأولية، بدت الأمور تتجه نحو مرحلة جديدة. رئيسة الجمعية، بعد أن استمعت بتمعن إلى قصة خديجة ومبادرتها الإنسانية، رأت في عينيها صدقا لم تجده في أوراق التقارير الرسمية. تم نقل الطفلة إلى المركز المتخصص، ليس كعقوبة، إنما كإجراء وقائي لضمان سلامتها النفسية والجسدية حتى يكتمل الملف القانوني. وفي تلك اللحظة، كانت خديجة قد قطعت عهدا على نفسها أمام المسؤولين، قدمت طلبا رسميا مدعوما بكل ما تملك من أوراق وسمعة طيبة في الحي، لتكون الحاضنة القانونية لهذه الطفلة، واعدة إياهم بأن المشغل الصغير لن يكون مجرد مكان لبيع الزهور، إنما بيتا دافئا لزهرة سلبت منها طفولتها.
غادرت خديجة المركز ووجهها يملؤه مزيج من الترقب والأمل، بينما بقيت الطفلة في الغرفة المخصصة لها بالمركز، ولأول مرة، غطت في نوم عميق، لا يقطعه صوت خطوات في الزقاق، ولا خوف من مجهول يطرق بابها. كان صوت زقزقة العصافير في الخارج يبشرها بأن الفجر الذي كان يخيفها قبل أيام، أصبح اليوم بداية لحياة جديدة، ينتظرها فيها حضن دافئ واسم لا يتبعه لقب يتيمة بقدر ما تتبعه صفوف من المحبة والكرامة.
الأيام كانت تمضي ثقيلة، كأن عقارب الساعة قد تعمدت البطء لتمتحن صبر خديجة. في كل صباح، كانت تغلق مشغل الزهور باكرا، وتشد الرحال نحو أروقة المحاكم ومكاتب المندوبية الإقليمية للتعاون الوطني. كانت وجوه الموظفين باتت مألوفة، وجوه أحيانا تعلوها نظرة تعاطف، وأحيانا أخرى نظرة بيروقراطية باردة لا تعترف إلا بالأختام والأوراق. لم تكن خديجة تكتفي بتقديم الملفات، كانت تحول كل لقاء إلى معركة إنسانية، تشرح فيها أن الطفلة ليست مجرد ملف عالق في خزانة، روحا ذابلة تحتاج إلى الشمس التي لا يوفرها إلا بيت حقيقي، لا مركز رعاية.
في تلك الأثناء، كان المركز المتخصص يمثل للطفلة جدارا فاصلا بين عالمين. رغم الأمان النسبي الذي وفرته الرعاية المؤسساتية، إلا أن الوحدة كانت تتسلل إلى أعماقها في المساء، حين تنظر من النافذة إلى النجوم، وتتساءل عما إذا كانت خديجة قد نسيتها، أو إذا كانت عواصف الروتين قد أبعدتها عن ذلك المشغل الذي شعرت فيه للمرة الأولى بمعنى الانتماء. كان المسؤولون في المركز يلاحظون تعلقها الشديد بكل زائرة تشبه ملامح خديجة، حتى أن إحدى المشرفات بدأت تدرك أن شفاء هذه الطفلة النفسي لا يكمن في الألعاب أو الوجبات المنتظمة، انما في استعادة تلك الرابطة التي قطعتها يد القدر.
لم تستسلم خديجة للإحباط، انما وسعت دائرة تحركاتها. بدأت تتواصل مع الجمعيات الحقوقية المحلية في تمارة، وتطرق أبواب المساعدين الاجتماعيين الذين يملكون صلاحية تسريع دراسة الملفات في حالات الضرر النفسي للقاصرين. لم تكن تطلب رعاية طفلة فحسب، كانت تخوض حربا ضد التهميش. وفي إحدى الجلسات، واجهت خديجة اللجنة المكلفة بالطفولة بكلمات اخترقت جدران الصمت الرسمي:
- لقد انتزعنا هذه الطفلة من بين أنياب ذئب بشري، فهل نتركها الآن تضيع في غياهب الإهمال القانوني...؟ الكرامة التي أنقذناها لا تكتمل إلا ببيت آمن، وأنا هنا لأكون ذلك البيت.
هذا الإصرار أثمر أخيرا عن زيارات تفقدية لبيت خديجة، حيث عاينت لجان الرعاية ظروف السكن والبيئة المحيطة. لم يكن بيتا فخما، لكنه كان يفيض بالنظافة والسكينة، ما جعل التقارير تبدأ في التحول من تحت الدراسة إلى موصى به بالقبول. كانت خديجة تعلم أن كل يوم يمر هو يوم إضافي من عمر الطفلة يهدر في انتظار القرار، فكانت تقضي لياليها في تجهيز غرفة صغيرة، تضع فيها زهرا طبيعيا، وتختار لها مفارش زاهية الألوان، كأنها تهيئ ملاذا ليس لجسد فحسب، لذكريات جديدة ستكتب بالحب بدل الخوف.
كانت تلك اللحظة بمثابة زلزال هادئ في مكاتب المخفر. فبينما كانت خديجة تغادر المركز بعد زيارة روتينية، محملة بوعود للموظفين بالعودة غدا، كانت أقدار أخرى تكتب في الجهة المقابلة. دخل الرجل والمرأة إلى المخفر، ملامحهما تحمل آثار سفر طويل، وأيديهما ترتجف وتخرج صورا من حقيبة بالية. كانت الصور تجمع الطفلة مع والدها الراحل في أيام أكثر إشراقا، قبل أن تبتلعها دوامة الزقاق والضياع.
حين طابقت الشرطة الصور التي قدمها الأقارب مع ملف اليتيمة المودعة في المركز، حدثت المفاجأة. اتضح أن الطفلة ليست يتيمة بالمعنى الذي ظنته خديجة، إنما ابنة أخ اختفت في ظروف غامضة بعد وفاة والدها، وانتقلت من يد لأخرى حتى انتهى بها المطاف في ذلك الزقاق الموحش، حيث استغلت العجوز جهل الناس بحالتها الاجتماعية لتصويرها يتيمة لا سائل لها.
في اليوم التالي، وحينما كانت خديجة تدخل المركز كعادتها، وجدت حالة من الاستنفار غير المعتاد. أبلغت خديجة بوجود أقارب للطفلة، وأن التحقيق قد اتخذ منحى جديدا تماما. شعرت خديجة بغصة في قلبها، هل يعني هذا أنها ستفقد زهرتها التي بدأت تترعرع في كنف رعايتها...؟ أم أن هذا هو الفصل الأخير في رحلة معاناتها..؟
دعيت خديجة لحضور جلسة مواجهة في المركز، بحضور الأقارب وممثلين عن السلطات. عندما دخلت الطفلة إلى القاعة ورأت الرجل والمرأة، تجمدت في مكانها. لم تكن تتذكرهما بوضوح، فمرور الشهور القاسية كان قد غطى ذاكرتها بغبار الألم، لكن عندما نادتها المرأة باسمها الحقيقي الذي لم ينطق به أحد منذ سنوات، انهمرت دموع الطفلة كالنهر الذي طال حبسه.
وسط هذا المشهد المؤثر، وقفت خديجة في الزاوية، تراقب المشهد بقلب يمزقه الحزن على فراق محتمل، وفرح غامر بانتصار الحق وعودة الطفلة لأهلها. لكن، هل سيعود الأقارب بالطفلة إلى مدينتهم البعيدة وتنهي خديجة دورها هنا، أم أن الرابطة التي تشكلت بينهما خلال الأشهر الماضية ستخلق نوعا جديدا من العلاقة يتجاوز صلة الدم...؟
ساد صمت مهيب في أرجاء الغرفة، وكأن كلمات الرجل قد أعادت ترتيب موازين القدر. خديجة التي كانت تخشى أن تفقد الطفلة، وجدت نفسها فجأة مؤتمنة على مستقبلها تحت مباركة أهلها. لقد أدرك الزوجان، بذكاء الفطرة وصدق المعاناة، أن خديجة لم تكن مجرد عابرة سبيل أنقذت ابنة أخيهم من الضياع، بل كانت الملاذ الذي اختاره الهر ليحمي هذه الزهرة من عواصف المدينة القاسية.
تطلعت آية سلوان، الطفلة التي لم تعد تعرف من أين تبدأ قصتها، إلى خديجة ثم إلى عمها وزوجته. كانت عيناها تتنقلان بين وجوههم بحثا عن طمأنينة لا تنتهي. لم تكن الكلمات ضرورية في تلك اللحظة؛ فالمسافة التي قطعتها أسرتها، والشهور التي قضتها خديجة تطرق الأبواب، تلاشت جميعها لتترك مكانا لعهد جديد.
بدأ اليوم التالي بداية مختلفة تماما. أخرجت خديجة الملابس التي اشترتها بانتظام طوال فترة الانتظار، وساعدت آية على ترتيب حقيبتها المدرسية التي كانت تحلم باقتنائها. لم يكن الأمر مجرد عودة للمدرسة، انما كان استعادة لحق مسلوب في التعلم واللعب، وفي أن تكون طفلة مرة أخرى.
ودع العم وزوجته آية بدموع حارة، مدركين أن عودتها معهم إلى ظروفهم القاسية قد لا تضمن لها ما وجدته هنا من استقرار وتعليم. غادروا وهم يحملون في قلوبهم امتنانا لا يوصف، تاركين ابنة أخيهم في كنف امرأة رأت في براءة الطفلة رسالتها في الحياة.
عادت خديجة مع آية إلى المنزل، وبدأ الصباح الجديد في مشغل الزهور برائحة مختلفة؛ رائحة الياسمين الممزوجة بضحكات طفلة تستعد لأول يوم دراسي لها. في كل صباح، كانت خديجة توصلها إلى باب المدرسة، تراقبها وهي تختفي بين أقرانها، ثم تعود للمشغل وهي تشعر أن زهورها ليست فقط ما تبيعه للناس، إنما هي تلك البذرة التي رعتها وسط الرصيف، حتى أزهرت في قلبها وفي قلب البيت.
لقد أصبحت آية سلوان حية بذاكرتها، طليقة من أغلال الماضي، تعيش حياة لم تكن لتتخيلها في أزقة الزقاق المظلم، تحت رعاية خديجة التي أثبتت أن الرحمة أقوى من أي رابطة دم، وأن الإنسانية حين تجتمع بالإرادة، تصنع معجزات لا تنسى.
لم تكن ورقة الحكم القضائي مجرد حبرٍ على ورق، كانت الصمت الثقيل الذي أعقب زلزالا. دخلت خديجة المشغل ببطء، كانت رائحة الياسمين تمتزج برائحة المطر الخفيف الذي يغسل غبار تمارة، لكن الرائحة في أنفاس خديجة كانت أعلق، رائحة السجن، ورائحة تلك السيجارة الخانقة التي كانت تملأ غرفة الزقاق.
جلست آية في ركنها المعتاد، كان الضوء يسقط على وجهها، كاشفا عن تفصيلة صغيرة لكنها فادحة: تلك الندبة الخفيفة عند زاوية شفتها، ذكرى أبدية لصفعة جائرة في ليلة ضياع. لم تكن آية تضم ساقيها إلى صدرها، ولا كانت تتفحص الباب بذعرها القديم. كانت تمسك قلما، وتخط حروفا على الورق بتركيزٍ حاد، لكن يدها حين اقتربت من حافة الطاولة، ارتجفت قليلا لا خوفا، إنما كأنها تستحضر ذكرى ارتجافها يوم كانت تجبر على بيع براءتها.
توقفت آية فجأة، ووضعت القلم. نظرت إلى يد خديجة الملوثة بالطين وأوراق الورد، ثم نظرت إلى معصمها النحيل، حيث لا تزال أطراف أصابعها تلمس المكان الذي كانت تضغط فيه صاحبة الحجرة بقوة لتسحبها إلى دار العار. قالت آية، وصوتها يخرج رزينا كأنه حجر يصقل:
-أتعلمين يا خالتي خديجة..؟ في الليل، حين يحل الهدوء، لا زلت أسمع أحيانا صوت صرير الباب الخشبي القديم.. كان ذلك الصوت كأنه سكين يغرس في أذني. لكن اليوم.." توقفت، وأمسكت وردة حمراء، سحقت بتلاتها برفق بين أصابعها ثم نثرتها على الكتاب. "اليوم، لا أسمع سوى صوتي وأنا أقرأ. لقد غطيت صدى ذلك الباب بكل الحروف التي تعلمتها.
نظرت خديجة إلى آية، ورأت في عينيها مزيجا مؤلما من الطفولة المسلوبة والوعي المكتسب. لم تعد آية تبحث عن عدالة القضاة في المخافر، كانت تبحث عن عدالة التاريخ في ذاكرتها، فهي الآن لا تحاول نسيان تلك التجربة، إنما تضعها تحت أقدامها كدرجة تعلو بها نحو حريتها.
لقد أدركت خديجة في تلك اللحظة، أن كل ورقة حكم لا تساوي شيئا أمام تلك القوة الهادئة في عيني آية، فقد توقفت الطفلة عن كونها ضحية لزقاق ضيق، وأصبحت كاتبة لمستقبل ينمو وسط الركام، حيث كل حرف تكتبه هو طعنة في صدر ذلك الماضي الذي حاول أن يبتلعها.
في بيت خديجة بالمدينة الشاطئية التي تعج بالحركة ليلا ونهارا، لم يعد الصباح طقسا مقدسا فحسب، إنما صار إثباتا للبقاء. وقفت آية أمام المرآة المستديرة المعلقة في الزاوية، كانت تضبط ياقة الوزرة المدرسية بدقة متناهية. توقفت أصابعها عند زرٍ صغير؛ تذكرت في تلك اللحظة تلك الليالي التي كانت تغلق فيها أزرار قميصها القديم، ليس بحثا عن الأناقة، بل لتغطي آثار القرص والجذب التي خلفتها أصابع صاحبة الحجرة على كتفيها. مسحت بيدها فوق كتفها الآن، فوق قماش المريول الناعم، وتأكدت أن الجلد لا يزال يحمل دفء القماش لا ألم القسوة.
رن الهاتف. في الماضي، كان رنين الهاتف يعني زبونا جديدا، يعني صفقة لبيع شيء لا يباع. سارعت خديجة للرد، لكنها تركت السماعة لآية. وقفت آية أمام الهاتف، لم تنظر إليه كأداة تهديد. صوت عمها المتهدج عبر الأثير اخترق الصمت، محملا برائحة تراب القرية الغائب.
-كيف حالكِ يا ابنة أخي...؟ هل تعلمت اليوم شيئا جديدا...؟
لم تجب آية بكلمات منمقة. انحنت لتلمس حوض الياسمين الذي وضعته خديجة قرب الهاتف، وقالت بصوت متهدج، لكنه خالي من الانكسار:
-اليوم يا عمي، قطفت زهرة ياسمين أذبلت أوراقها الشمس، لكن خديجة وضعتها في الماء، فاستعادت لونها. هل تعرف...؟ الورد يرفض أن يذبل إذا وجد من يحمله برفق.. في المدرسة، زميلاتي يظنن أنني ولدت هنا، وسط الأزهار. لا أحد يسأل عن الزقاق، لأنني لم أعد أحمل ملامحه في مشيتي.
كانت خديجة تقف عند باب الغرفة، تستمع. لم تكن تراقب طفلة تدرس، إنما كانت ترى بذرة انشقت عن صخرة صلبة. لاحظت كيف أن آية حين تتحدث، لا تفتل خصلات شعرها بقلق تلك العادة العصبية التي كانت تغطي بها ارتباكها حين يحدق بها الغرباء. بدلا من ذلك، كانت يدها تتحرك بخفة كمن ينسق باقة، واثقة في اختيار مكان كل زهرة. أنهت آية المكالمة، ووضعت السماعة بهدوء. لم تلتفت خلفها، ولم تتفحص النافذة لتتأكد من عدم وجود مراقبين . نظرت لخديجة بابتسامةٍ هادئة، وقالت:
-لقد قلت لعمي إنني بخير. وهذا ليس كذبا، ففي البيت الذي يفوح منه الياسمين، لا يمكن للمرء إلا أن يكون بخير.
في تلك اللحظة، لم تعد خديجة ترى يتيمة تنقذها، إنما رأت شريكة حياة بدأت تضمد جراحها بيديها. كانت آية قد تعلمت الدرس؛ فالكرامة ليست شيئا ننتظره من المحاكم، انما هي ذلك القماش النظيف الذي نرتديه كل صباح، وتلك الثقة التي نمشي بها حين لا نعود نخاف من انعكاس وجوهنا في المرآة.
سقط ضوء الشمس الذهبي على واجهة المشغل، محولا زجاج النوافذ إلى مرايا متلألئة. خرجت آية بخطوات مسموعة، كان صوت حذائها على رصيف "تمارة" يقرع الأرض بثبات، إيقاع لا يعرف التردد. عند منعطف الزقاق الذي كان يوما ما يبتلع خطواتها خوفا، توقفت. لم تلتفت خلفها لتتحقق من وجود ظلال تلاحقها، إنما انحنت لربط رباط حذائها، مكشوفة الظهر تماما للمارة، غير مبالية، وكأنها تدرك لأول مرة أن المكان قد أصبح ملكا لها لا مصيدة تخص غيرها. مرت بجانب البقال الذي كانت تتجنب عينيه في الماضي، توقفت هذه المرة، وبادرت هي بالتحية:
-صباح الخير يا عمي
لم تعد تلك الفتاة التي تسرق القوت خلسة، بل آية التي يعرفها الجميع ابنة لـخديجة ، والجميع هنا صار يحفظ اسم ابنتها الجديدة. في منتصف الطريق، وعند زاوية المفرق، التفتت. كانت خديجة تقف عند باب المشغل، تمسح الغبار عن أوراق الورد. لوحت آية بيدها لم تكن لوحة وداعٍ لمسافرة، إنما إشارة طمأنة لامرأة تشاركها الدفء ذاته. ابتسمت آية، وظهرت تلك الفجوة الصغيرة بين أسنانها، ابتسامة لا تشبه انكسار الخوف ، إنما تشبه بزوغ فجرٍ انتظر طويلا خلف سحابة سوداء. دخلت آية في زحام الصباح، بين التلاميذ الذين يضجون بالحياة. لم تكن تشبه أحدا منهم، كانت تمشي ويدها تلامس جدار المشغل كأنها تأخذ منه شحنة أمان أخيرة قبل أن تغيب في تفاصيل يومها الدراسي.
في الداخل، كانت خديجة تمسك بالمقص. لم تقص غصنا زائدا، إنما كانت تقص خيطا وهميا كان يربطها بالماضي. قصت زهرة ذابلة ووضعتها في سلة المهملات، ثم نظرت إلى المكان الذي كانت تجلس فيه آية قبل قليل، كرسي فارغ، ورائحة ياسمين معلق في الهواء. لم تدمع عيناها حزنا، إنما كانت دمعة انحدرت لأن المعجزة قد حدثت فعلا.
وضعت المقص جانبا، وخرجت إلى الرصيف. رشت الماء على أحواض الزهور الممتدة أمام المشغل، حيث تتساقط القطرات على الإسفلت الرمادي، فتتحول الأتربة تحتها إلى طين صالح للحياة. نظرت إلى الشارع الممتد أمامها، إلى حيث اختفت آية بين الحشود، وأدركت أن آية لم تعد بحاجة لحمايتها من العالم، فقد صارت، ببساطة، جزءا من العالم. أغلقت باب المشغل خلفها، لم تعد تشعر أنها تحرس يتيمة، إنما تحرس بستانا من الأمل، تاركة لآية حق أن تزهر، وحق أن تنمو، وحق ألا تلتفت للخلف أبدا.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل


المزيد.....




- محمد إسكندر بعد إلغاء حفله في سوريا: لم أحمل سلاحا وأدعو لفت ...
- اتهام فنان مصري بسبب شهيرة.. وبيان يكشف التفاصيل
- -داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي- مسرح الإسكندرية يعيد إحياء ...
- روبن ويليامز في ذكرى ميلاده الـ75.. الكوميدي الذي أضحك العال ...
- موسيقى ورقص وسينما.. موسكو تفتح نافذة على ثقافات أمريكا اللا ...
- مصر.. تحرك برلماني لتفعيل -حق الأداء العلني- يثير خلافًا بين ...
- العراق والثقافة.. مسيرة الإبداع في الجمهورية العراقية الأولى ...
- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - أنفاس الياسمين المتمردة