أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - أولوية العقل في تفسير الكتب المقدسة















المزيد.....

أولوية العقل في تفسير الكتب المقدسة


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 12:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


سيطرة العقل في ميادين المعرفة كلها بلا منافس، ثابت أساس في فلسفة باروخ سبينوزا. ثابت رئيس آخر، نجده في رؤيته بأن الكتب المقدسة، اليهودية خاصة، تعبر عن ظاهرة تاريخية واجتماعية. هذا يعني أن الظواهر الدينية، عند سبينوزا، بشرية ترتبط تعاليمها ونصوصها بسياقات أزمنتها، وهي بالتالي نسبية تتأثر بحركة الحياة ومستجداتها وتحولاتها، ولا وجود لها في دلالة مطلقة. هذا هو المنهج العلمي السليم، المناسب للعقل والمنطق السوي، في فهم الأديان.
يرفض سبينوزا التأويلات القسرية للكتب المقدسة، وتبرير البِدع الناتجة عن ذلك بالسلطة الالهية، كما يفعل رجال الدين. ويقول إن هؤلاء لا يخشون بسلوكهم هذا نسبة عقائد باطلة إلى الروح القُدُس، بقدر خوفهم من كشف أخطائهم وتمكن خصومهم من القضاء على سلطتهم، وأن يكونوا موضع احتقار الآخرين.
ويمقت سبينوزا توظيف الدين لنشر الشقاق والكراهية بين الناس، بأقنعة "الحماس لدين الله" و "الايمان المشبوب".
كي لا نُستَغفل بِبِدعٍ من صنع البشر تبدو وكأنها تعاليم الهية، يدعو سبينوزا إلى منهج صحيح بمنظوره لتفسير الكتاب المقدس. يقول بشأن هذا المنهج: "فكما أن منهج تفسير الطبيعة يقوم أساسًا وقبل كل شيء على ملاحظة الطبيعة، وجميع المعطيات اليقينية، ثم الانتهاء منها إلى تعريفات الأشياء الطبيعية، فكذلك يتحتم علينا في تفسير الكتاب المقدس أن نحصل على معرفة تاريخية مضبوطة، وبعد الحصول عليها، أي على معطيات ومباديء يقينية، يمكننا أن ننتهي من ذلك إلى استنتاج مشروع لفكر مؤلفي الكتاب".
وعليه، يمكن تلخيص مبدأ سبينوزا بهذا الخصوص بفهم الكتاب المقدس من الكتاب المقدس نفسه، مثلما نستمد معرفتنا بالطبيعة من الطبيعة ذاتها.
ويحدد سبينوزا ذلك في قواعد عدة، يتصدرها فهم طبيعة اللغة التي دُوِّنت بها أسفار الكتاب المقدس وخصائصها. وبما أن مدوني هذا الكتاب، سواء تعلق الأمر بالعهد القديم أو الجديد، عبرانيون، فلا ريب أن معرفة اللغة العبرية ضرورية قبل كل شيء.
القاعدة الثانية، تصنيف آيات كل سِفْرٍ وفقًا لموضوعاتها. يلي ذلك، تجميع الآيات المتشابهة والمُجملة، أو التي تتضمن معاني متعارضة. ويعني بـ"الآيات المبيَّنَة أو المجملة، سهولة أو صعوبة فهم المعنى من السياق لا سهولة أو صعوبة فهم المعنى بالعقل، إذ أن ما يعنينا هنا هو معاني النصوص لا حقيقتها". ويدعو اسبينوزا إلى عدم اشغال الذهن باستدلالات المعرفة الفطرية، والأحكام المسبقة. ولتجنب الخلط بين معنى الكلام وحقيقة الأشياء، يُفترض البحث عن المعنى اعتمادًا على استعمالات اللغة أو الاستدلالات المبنية على الكتاب المقدس، أي السياقات. وانطلاقًا من منهج سبينوزا في قراءة النصوص الدينية، يرى أنه إذا تعارض المعنى الحرفي للنص مع العقل، فليس من الضروري رفضه أو تحريفه، بل يمكن قبوله شريطة عدم التناقض القطعي مع الحقائق التاريخية والنقدية للكتاب.
القاعدة الثالثة، ربط كتب الأنبياء، ويقصد أسفار الديانة اليهودية المسماة بأسماء أنبيائهم، بسيرة مؤلف كل منها وظروفه. هذا يعني، ضرورة معرفة أزمنة كتابة هذه الكتب ومناسبة كل آية فيها، ولأية أمة موجهة، لنقف على ما تسرب إليها من تحريف وأخطاء.
وعلى أرضية قناعته التامة بحرية التفكير، يرفض سبينوزا سلطة البابا في تفسير الكتاب المقدس، خاصة مع عدم وجود نص في العهد الجديد يعطيه هذا الحق. ويرفض أيضًا سلطة المَجْمَع اليهودي لتفسير الكتاب، كما رفض سلطة البابا.
ويُقر سبينوزا بوجود صعوبات تعترض منهجه في تفسير الكتاب المقدس، أولها أنه يتطلب معرفة تامة باللغة العبرية، ويتساءل: أين هي هذه المعرفة؟
لم يترك علماء اللغة العبرية القدماء للخلف أي شيء بخصوص الأسس والمباديء، التي تقوم عليها. ونصادف اليوم في التوراة معاني كثيرة وأسماء وأفعال، إما مفقودة أو مُختلف عليها. وفي اللغة العبرية من المتشابهات، ما يُصَعِّب وضع منهج يتيح امكانية تحديد المعاني الحقيقية لنصوص الكتاب كلها. ولا تتوافر للباحثين المعرفة التاريخية بأسفار الكتاب المقدس، كما نجهل مؤلفي الكثير منها، ونجهل كتابها أو نشك فيهم. ولا ندري في أية أزمنة كُتبت، وفي أية مناسبات. ولا نعلم في أيدي من وقعت، وممن جاءت مخطوطاتها الأصلية. فلا نملك هذه الأسفار بلغتها الأصلية، أي لغة كتابها الفعليين. على سبيل المثال لا الحصر، الرأي السائد أن انجيل متى والرسالة إلى العبرانيين كُتبا بالعبرية، لكن النص العبري فُقِد. وهناك تساؤلات بخصوص اللغة التي كُتِب بها سفر أيوب.
ويحشد سبينوزا وفرة من الأدلة على أن موسى ليس هو من كتب الأسفار الخمسة، بل مؤلفها شخص آخر عاش بعده بزمن طويل.
الأسفار الخمسة المقصودة، هي التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية، وتعد حجر أساس الديانة اليهودية. ويؤكد اسبينوزا أيضًا في السياق ذاته، أن أسفارًا توراتية غير الخمسة المذكورة توًّا، كتبها مؤلفون آخرون غير الذين تحمل أسماءهم، ومنها يشوع والقضاة وصموئيل الأول وصموئيل الثاني والملوك الأول وراعوت.
يقول سبينوزا بهذا الخصوص: "أما من هو المؤرخ الذي كتبها، فإني لا أستطيع أن أحدده بوضوح، ومع ذلك فإني أرتاب أن يكون عزرا الكاتب. ويضيف سبينوزا في الشأن ذاته، إن عزرا ليس آخر من صاغ محتويات هذه الأسفار، إذ لم يفعل غير جمع روايات كتَّاب متعددين، ثم نسخها ونقلها على النحو الذي هي عليه، دون فحص وترتيب. ويُعضِّد سبينوزا رأيَه بحججٍ ساطعة من الأسفار ذاتِها.
ولا يرى سبينوزا باقي أسفار العهد القديم أفضل حالًا، فيتساءل بصيغة استفهامية: هل نُقلت إلينا هذه الأسفار بنزاهة وأمانة، ومن دون نقص وتناقضات وأخطاء في النسخ؟
مستصفى القول، منهج سبينوزا في تفسير الكتاب المقدس ينهض على النور الفطري أو الطبيعي، أي العقل، كما يؤكد. ولا يغفل سبينوزا الآراء المخالفة لمنهجه هذا، وأهمها أن النور الطبيعي ليس بمقدوره تفسير الكتاب المقدس، و"لا بد لذلك من نور يفوق الطبيعة".
يرد سبينوزا على القائلين بذلك، بأنهم هم أنفسهم غير متأكدين من المعاني الحقيقية لنصوص كثيرة في الكتاب المقدس. ويستدل على ذلك، بخلو تفسيراتهم من أي شيء يفوق الطبيعة، وهي مجرد تخمينات. أضف إلى ذلك، فإن تفسيراتهم شأنها شأن تفسيرات أهل العقل ابتداع بشري. أما قولهم بعدم كفاية النور الطبيعي، فبطلانه مؤكد، لأنه يُهمل المعرفة التاريخية النقدية بالكتاب المقدس. وفي ادعائهم بالنور الذي يفوق الطبيعة، يرى سبينوزا دعوة إلى التسليم بأنه "هِبة يمنحها الله للمؤمنين وحدهم". هنا، يضيء سبينوزا على سمة لرجال الدين في مختلف العصور، وهي الادعاء بأن فهم نصوص الدين حِكرًا عليهم فقط. يسخر سبينوزا من هذا الادعاء باستحضار حقيقة أن الأنبياء والحواريين قد وعظوا الكفار والفاسقين، ولم يتوقف وعظهم عند المؤمنين وحدهم. وهو ما يؤكد أن الكفار والفاسقين بمكنتهم فهم الأنبياء والحواريين، وبالتالي بمستطاعهم فهم الكتب المقدسة. ومن العبث، بحسب سبينوزا، وجود الشرائع ما دام فهمها حِكرًا على المؤمنين وحدهم.
تأسيسًا على ما تقدم، يؤكد سبينوزا أن لا قاعدة لتفسير الكتب المقدسة سوى العقل المشترك بين الناس جميعًا، ولا نور يفوق نور الطبيعة. وبناء على قناعته الراسخة بحرية التفكير حتى في المسائل الدينية، يجزم سبينوزا أن لكل فردٍ حقًّا مطلقًا في الحكم على الدين، وفي شرح نصوصه وتفسيرها.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المعجزات
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (7). المرتزقة
- النبوة بمنظور سبينوزا وعند فلاسفة مسلمين
- عفوًا يا وزارة الثقافة في ديرتنا الأردنية
- سبينوزا يفند أكذوبة شعب الله المختار
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (6) نصائح ميكافيلية للأمير
- الفساد
- قضية مُختلف بشأنها في موروثنا
- أنموذجات من لامعقول السياسات الرسمية العربية
- أسطورة خروج بني اسرائيل من مصر
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (5) شرعنة استخدام القوة
- رهان الكيان على تبعية الأنظمة
- أداء منتخبنا في المونديال
- الجريمة والعقاب
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (4) السيطرة على الدول المُس ...
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (3) نصائح جهنمية
- مكمن اللغز !
- الأخوة كارامازوف ملحمة روائية وعبقرية استثنائية
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (2) المعاناة حظ مكيافيلي في ...
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (1) أشهَرَ مؤلفه وتسبب بلعن ...


المزيد.....




- مؤتمر ميشيغان يجدد الدعوة لتحقيق العدالة للمسيحيين النازحين ...
- العميد قاآني: لقد أثبتوا مجددًا، من خلال اختيار شخصية تُعد ...
- نتنياهو: مثيرو الشغب اليهود في الضفة الغربية -سرطان ينتشر-
- المكتب السياسي لأنصار الله: نشدد على تحمّل الأمة الإسلامية م ...
- الحرس الثوري يتهم -عملاء صهاينة أمريكيين- باغتيال رجل دين سن ...
- القيادة العامة لحرس الثورة الإسلامية: نجدد العهد بحماية أمن ...
- حرس الثورة الإسلامية يصدر بيانا حول تنفيذ مراحل من عملية -ال ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا ورش صيانة وإصلاح الطائرات المسير ...
- حرس الثورة الإسلامية: استهدفنا مستودعات تجهيز سفن فرقة العمل ...
- حرس الثورة الإسلامية: أحرقنا ودمرنا الملاجئ التي كانت تتمركز ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - أولوية العقل في تفسير الكتب المقدسة