أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان















المزيد.....



حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


في الساحة التي كانت تعج بالحشود، رائحة العرق الممزوجة بغبار الشارع تخنق الأنفاس، والشعارات المعلقة على الجدران تبدو كخرق بالية تتساقط أطرافها مع كل هبة ريح. توقف عمر قنديل أمام الواجهة المتسخة، لا ليرثي حاله، ليفحص ملامح خصمه في نفسه. رأى في انعكاس الزجاج رجلا يمتلك ندوب النضال، لا قناعا مستعارا. مسح الغبار عن الزجاج بيده، لا ليرى وجهه، ليرى الساحة خلفه بوضوح اكبر، يقرأ الحشود كأنها كتاب مفتوح، الوقت قد حان ليقلب الصفحة التي كتبوها له مند زمن بعيد، ويكتب فقرة جديدة بمداده الخاص.
استدار عمر بخفة ونشاط، تاركا ضجيج الساحة خلفه، وشق طريقه عبر الأزقة المكتظة حتى وصل إلى مكتبه ، خلف الأبواب الموصدة، الصمت يمتد ليحتل كل زاوية، ولا يقطعه إلا طنين الهاتف الذي لا يتوقف، كأنه نبض متسارع لقلب مريض. دخل مصطفى، وتوقف عند العتبة. لم يكن في يده ملفات، يمسك طرف معطفه بتوتر، وكان الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة. قال مصطفى بصوت رتيب، عيناه لا تستقران على مكان:

-الشارع يغلي باسمك يا عمر، لكن المدينة لها ذاكرة قصيرة، والنفزاوي لا يترك فرصة للصدفة. لقد أرسل رسالة.. غير مكتوبة.

التفت قنديل ببطء، لم يسال عن الرسالة، لكنه لاحظ اهتزاز يد مصطفى. اقترب منه وقال بنبرة هادئة قطعت التردد في الغرفة:

-لم يعد الأمر يتعلق بالحشود، يا مصطفى. النفزاوي لا يخاف من هتافاتهم، يخاف من الأسماء التي اعرفها، والصفقات التي وقعها في الغرف المظلمة. يعلم أنني املك مفتاح الخزنة التي يخفي فيها جثثه السياسية.

تصلب مصطفى، وساد صمت ثقيل. كان يدرك أن قنديل لا يبالغ. تابع قنديل، وهو يخطو خطوة نحو مصطفى حتى صار في مساحته الشخصية:

-لا يريد مني أن أتوقف، يريدني أن أدرك أنني لست الوحيد الذي يملك أسرارا. اخبره أنني رأيت ما يكفي من سيرتهم الذاتية التي يحاولون غسلها بماء السلطة. اخبره أن المناظرة ليست للخطابة، إنما المشرط الذي سأفتح به جروحهم.

لم يرد مصطفى مط شفتيه، تراجع نحو الباب، كان يدرك أن قنديل قد عبر الخط الفاصل بين المترشح المتمرد وبين الرجل الذي لم يعد لديه ما يخسره. وفي الوقت الذي كان فيه التوتر يملا أركان مكتب قنديل، كانت المسافة تبدو شاسعة بينه وبين ذلك القصر الذي يقبع في الضواحي الهادئة.بعيدا عن صخب الشارع، الجو مشبع برائحة التبغ الباهظ والنبيذ المعتق. رجل في حلة لا تشوبها شائبة يقف خلف النافذة العالية، يراقب قنديل في الساحة عبر شاشة عرض كبيرة مرتبطة بكاميرات المراقبة المثبتة في الزوايا، يراقبه ببرود، لا كانسان قادر على قلب المعادلة ، كقطعة نرد في مقامرة لا تخصه. بالنسبة له، لم تكن الجماهير سوى صدى للأرصفة المتآكلة، مجرد معادلة ربح وخسارة تحسم خلف الأبواب الموصدة.
بعد خروج مصطفى، لم يندفع قنديل لفتح درج أو فحص ملف. جلس على كرسيه، أغلق عينيه، واسترجع في ذهنه سلسلة من الوجوه التي تقابلها في السر: وسطاء، مسؤولون سابقون، تجار نفوذ، كلهم يشتركون في تاريخ واحد من الصمت المشبوه والذمم التي بيعت في أسواق الخفاء. لم يكن بحاجة لأوراق ليثبت ذلك ،يكفيه النظر في أعينهم ليرى الفضيحة مكتوبة بحبر لا يزول. رن الهاتف مرة أخرى. كان رقما محجوبا. أجاب قنديل دون أن يتكلم.

-أنت تلعب بالنار يا عمر، جاء صوت رخيم من الطرف الآخر، بارد كشفرة حلاقة. بعض السير لا تتحمل الفحص. أحيانا، يكون الصمت أسمى درجات الوطنية.

أغلق قنديل الهاتف، ووضع يده على سطح الطاولة، لم يكن يرتجف. نظر إلى المدينة من نافذته، وفكر أن المعركة لم تعد تدور حول برامج انتخابية، انما حول تطهير ذاكرة المدينة من أشباح لا تريد أن ترحل.
غادر قنديل المكتب ويداه في جيوبه فارغتان، لا يلمس سوى مفاتيح منزله التي بدت له في تلك اللحظة باردة وغريبة، كأنها مفاتيح بيت لم يعد يخصه، بيت استأجره الغرباء ليسكنوا في ذاكرته. في الطريق، الصمت يغلف الشارع بطبقة من العزلة، ووجوه المارة تمر كأطياف ضبابية، لا ترى في عينيه حريقا صامتا يلتهم ما تبقى من هدوئه.
حين دخل شقته، أغلق الباب خلفه، فابتلعه الصمت كقاع بئر عميق. توجه إلى الحمام، واسند يديه على حواف المغسلة الخزفية، حيث التقى انعكاسه في المرآة . لم يجد الرجل الذي يعرفه؛ كانت الأخاديد حول عينيه قد تعمقت، ليست بفعل الزمن، بل بفعل الترقب الذي تآكلت أطرافه كخيوط قماش قديمة. على الرف الخشبي، هناك سيارة بلاستيكية صغيرة تخص ابنه، مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار؛ الشاهد الوحيد على ثمن غيابه، والضريبة التي دفعها بالتقسيط من أمان طفولته مقابل وهم لا يملكه احد. اخرج هاتفه. الشاشة تومض ببرود، تعلن عن رسالة مصطفى:

-غدا سنعلن عن استطلاع يقلب الموازين. أنت الآن قاب قوسين من القمة.

ظل يقرا الجملة، لا كبشارة، بل كحكم بالإعدام. لم يغلق الهاتف هذه المرة، وضعه بجانبه على حافة المغسلة، كقنبلة موقوتة يراقب بفتور تسارع دقاتها. كلما اهتز الهاتف، كان يشعر أن صدى التكتكة يتردد في جدران الغرفة، لا كزمن يمر، كأظافر حفاري القبور الذين يسهرون على دفنه حيا. التفت إلى الغرفة المظلمة؛ الأوراق الملقاة فوق الطاولة بدت له كأكوام من أوراق الشجر اليابسة، ذابلة، عديمة الرائحة، تخنقه بعبق الخديعة. لم يعد يرى قائدا في المرآة ، إنما رأى رجلا يبيع هدوء بيته، ولحظات نومه الساكنة، مقابل سراب لامع.
استلقى في فراشه، ترك الهاتف يعمل بجانبه. راح يتأمل في سقف الغرفة، يراقب الضوء الخافت للهاتف يغطي الظلال على الجدران، كأنه الضوء الأخير لروح أدركت بوضوح مؤلم أنها فضلت دفء الوهم على صقيع الحقيقة. كان يعلم أن الغد لن يحمل له القمة، سيحمل له الانهيار الأخير، ومع ذلك، استسلم لتيار التكتكة، تاركا إياه يلتهم ما تبقى من عمره، بانتظار الانفجار الذي تأخر كثيرا.
كانت ساحة حي النهضة تغص بالحشود، وعلت أصوات الهتافات لتخنق ضجيج المدينة. وقف عمر قنديل في قلب الزحام، ليس كمترشح يبحث عن أصوات، كانسان يبحث عن مبرر للأمل. يرى في عيون الناس بريقا خافتا، وفي يده منشورات عن إعادة توزيع الموارد، مؤمنا بعمق أن لحظة التغيير قد حانت، وان كرامة هؤلاء الفقراء تستحق معركة لا تعرف المهادنة.
على بعد أمتار، كان كبور النفزاوي يراقب المشهد من نافذة سيارته الفارهة المتوقفة عند زاوية الطريق. لم يكن النفزاوي يرى في الحشود بشرا، إنما أرقاما، وفي عمر قنديل مترشح رمز الهدهد، لم ير مصلحا، ثغرة يجب سدها. نزل النفزاوي مترشح رمز الثعلب من سيارته، وشق طريقه بهدوء وسط الهتافات حتى وصل إلى قنديل الذي كان يواسي أرملة شكت له انقطاع المياه عن منزلها. اقترب النفزاوي بخطوات بطيئة، وبصوت خفيض لم يسمعه سوى قنديل، قال بنبرة تحمل ثقل السم:

-هؤلاء لا يحتاجون لوعودك يا قنديل، يحتاجون لمن يشتري صمتهم بكرامة ارخص.

التفت قنديل، وكانت عيناه، التي طالما امتلأت بالأسى، تشعان هذه المرة بصلابة لم يألفها النفزاوي. رد قنديل دون ان يرتجف:

-الفرق بيني وبينك انك تشتري صمتهم، واستنطق فيهم صوت الحق الذي تحاول خنقه برزم أموالك.

ضحك النفزاوي بخفوت، وأشار بيده إلى فرفارة الذي يقف خلفه يحمل حقيبة سوداء. اخرج النفزاوي ملفا رقيقا، وفتحه إمام قنديل وسط الضجيج، لتظهر صور قنديل يمسح دموعه في غرفته، ويواسي طفلا وهو يجلس وحيدا. قال النفزاوي مشطبا بقلمه الذهبي على وجه قنديل في الصور:

-هذه الصور كل ما سيعرفه التاريخ عنك. اجعلهم يشعرون أن حضوره ليس دعما، عبئا أخلاقيا. الناس يملون من البكاء، وسأجعلهم يملون منك قبل غروب شمس يوم الأربعاء.
- سأكون سعيدا بهذه الخطوة

ابتعد النفزاوي مخترقا الحشود، تاركا قنديل وسط الساحة. كان المشهد بائسا؛ الناس من حوله يتنافسون على التقاط فتات من وعود زائفة، بينما كان النفزاوي يغادر الميدان منتصرا. لم ينهر قنديل كما توقعه النفزاوي. بدلا من ذلك، وقف في مكانه، نظر إلى المنشورات التي في يده والى صورته
المعلقة على لوحات في أيدي المتعاطفين، ثم إلى حشود الناس التي بدأت تلتفت لمن يوزع عليهم أموال النفزاوي. في تلك اللحظة، تبخرت دمعة الأسى الأخيرة من عينه، وحل محلها برود غريب. فهم قنديل أن القضية لا تنتصر بالنوايا الطيبة، وان عليه أن يتحول، ليس ليصبح مثل النفزاوي، ليصبح العدو الذي يخشاه النفزاوي حقا. أغلق قنديل حقيبته، ومضى بخطوات ثابتة عكس اتجاه الحشود، مدركا أن طريقه للحق سيتطلب قسوة لم يعرفها قلبه من قبل.
توقفت الماكينات عن الطنين فجأة. في ردهات القصر، كان الصمت أثقل من أن يحتمل، صمت قطعته ضجة مكتومة في مكتب السكرتارية. بدأت الكارثة بصمت مريب؛ لم تكن صفارات إنذار، كان تجميدا تدريجيا للأنظمة. في مكتب العمليات الصغرى، كان الضوء الأزرق الصادر عن شاشات الحواسيب هو المصدر الوحيد للطمأنينة. وفجأة، ودون سابق إنذار، تجمدت المؤشرات. حاول عزوز البوحاطي تحريك الفارة، لكن السهم كان عالقا في منتصف الشاشة، كأنه مسمار في جسد ميت. ضغط على مفاتيح الاختصار، تلك التي كانت تفتح له أبوابا خلفية في أنظمة الدولة، لكن الحواسيب لم تستجب. بدلا من واجهة العمل المعتادة، بدأت الشاشات تومض ببطء، ثم تحولت إلى اللون الأسود القاني، قبل أن تظهر عليها رسالة واحدة ثابتة لا تتغير:
-نحن نرى ما كنتم تخفون، والعد التنازلي قد بدا.
حاول منصور إطفاء الجهاز، لكن الشاشة ظلت متوهجة، كأنها عين لا تنام تراقبهم من الداخل. حاولوا الوصول إلى الخادم المركزي، فظهرت لهم نافذة خطا تقني بكلمة واحدة: (تم رفض الوصول). لقد أغلقت الأبواب الرقمية التي كانوا يظنون أنها حصونهم المنيعة. انتقل الذعر من الشاشات إلى قلوبهم. أدركوا إن الوحش الذي استأنسوه طويلا قد انقلب عليهم، وحرمهم من سلاحهم الوحيد: المعلومة. رفع سعيد البناج رأسه، فلاحظ أن إضاءة الغرفة تهتز مع وميض الشاشات المعطلة. نظر إلى زملائه، وجوههم تتلاشى في وهج الشاشات الميتة.

-عزلونا،
همس سعيد، ثم أشار بطرف أصابعه إلى الشاشة التي توقفت عند صورة عمر قنديل ومنصة حراس الهدهد. منصور لم يجب. كان يحدق في هاتفه، وجهه شاحب كأنه يقرا حكما بالإعدام. أصابعه التي تعبث بالأوراق تجمدت فجأة، ثم سقطت الورقة من يده.

-انظروا.. لقد اخترقوا الأرشيف المحلي.

صوت عزوز كان خافتا، ومتهدجا، كأنه يغني جنازة. لم يلتفت احد، كانت أعينهم معلقة بالتعليقات التي تنهال على الشاشة كالسياط. لم تكن مجرد كلمات؛ كانت أسماء، تواريخ، وأرقام حسابات تنشر للعلن. لحظة مريرة سقطت فيها أقنعة السماسرة، ليس بفعل هجوم مادي، بل لان الآلة التي صاغوا بها نفوذهم، قد قررت فجأة أن تنزع عنهم الثوب الذي يستر عوراتهم السياسية. نهض منصور، سحب سيجارة وأشعلها بيد ترتجف. لم يدخنها، تركها تحترق بين أصابعه حتى اقتربت النار من جلده. اتجه نحو خزانة الأرشيف، وبدا يمزق الملفات بضراوة حيوانية.
-سعيد، قال منصور الصهريج دون أن يلتفت، وصوته يقطر سما:

-سأشهد انك أنت من أمليت علي تقرير الابتزاز الخاص بـالجيلالي الهايم. سأقول أنني نفذت أوامرك

ضحك سعيد ضحكة قصيرة وجافة، خلت من اي ملمح بشري:

-وهل تظن أن أحدا سيصدقك...؟ لقد أصبحت أنت التوقيع الملطخ بالعار في نظرهم.

لم يعد هناك نحن، تحولت الغرفة إلى حلبة صراع يغذيه صخب المجهول. وفجأة، اخترق الصمت صوت فرملة حادة في الأسفل، تلاها صرير إطارات يمزق سكون الفجر. توقف منصور عن التمزيق. تجمد عزوز فوق لوحة المفاتيح. ساد صمت ثقيل، لم يقطعه ألا طرق عنيف ومجنون على الباب الخشبي للمكتب. تزامن الطرق مع ضجيج بشري متصاعد من الشارع، هتافات مشحونة بالغضب، مزيج من السخرية والتهديد، يتسرب عبر شقوق النوافذ كمد بحري.
سعيد، الذي كان يتصارع مع منصور على الأوراق، تركها تسقط من يده. دقات الساعة المعلقة على الجدار بدت في تلك اللحظة وكأنها نبضات قلب يحتضر؛ كانت تتردد في الأرجاء بصدى معدني، كل تكتكة منها هي عد تنازلي يقربهم من اللحظة التي سيفتح فيها ذلك الباب.
-لقد وصلوا، تمتم عزوز، وعيناه لا تزالان معلقتين بضوء الفجر الذي بدا يكشف عن ظلال المحتشدين في الأسفل.

-لم يتركوا لنا حتى ترف الاعتراف، أضاف منصور وهو يرمي سيجارته المحترقة على الارض، إنهم يطالبون بالثمن الآن.

الشمس فوق الساحة عمودية وقاسية، تقتحم المسام وتكشف عورات الوجوه المتعبة التي صقلتها الأيام بملح اليأس. وقف عمر قنديل على المنصة الخشبية، التي تصدر أنينا خشبيا مكتوما تحت وقع خطواته المترددة، يلوح بيديه في فضاء الساحة الخانق كمن يصارع أشباحا. كانت كلماته، على الرغم من دقة سبكها وموسيقاها الموزونة، تتساقط في الهواء وتتبخر قبل أن تجد طريقها إلى آذان الحاضرين، كأنها قطرات مطر نادرة تلامس أرضا يبابا فقدت القدرة على الامتصاص منذ أمد بعيد.
في تلك اللحظة، لم تكن الساحة مكانا للتجمع السياسي، تحولت إلى مخزن هائل للانتظار المكتوم. الحشود لم تكن تنظر إلى عمر قنديل، بل كانت تنظر عبره، وكأنها تمارس عملية إقصاء بصري لشخصه لصالح جوعها. وجوههم، التي نحتت فيها السنون أخاديد من الشقاء، لم تكن تنتظر وعودا مستقبلية، بل كانت تزن، بدقة رياضي محترف، المسافة الشاسعة بين شعاراته البراقة وبين أمعائهم الخاوية. كانت رائحة المدينة مزيج من الغبار العتيق والصدأ واليأس تملا المكان، تغلف المشهد بطبقة لزجة من الانطفاء تجعل التنفس فعلا شاقا.
ساد صمت مريب، ليس صمت الإنصات الذي يمنحه المريدون لزعيمهم، بل هو صمت الغليان الذي يسبق الانفجار. غاب التصفيق، وتلاشى الهتاف، ولم يبق إلا حركة لا تهدأ لعيون تتفحص أطراف المنصة بملل ممزوج بريبة قاتلة. الكلمات التي يلقيها قنديل عن القيم والمستقبل تبدو في السياق كأشياء باهتة لا تنتمي إلى العالم المترب، كأنها ديكور مسرحي متهالك وضع خطا في غابة من الواقع الوحشي. وفجأة، حدث الانشقاق. تفرق الصف الخلفي للحشود كما ينشق جدار سد أمام سيل جارف، ليبرز شاب في مقتبل العمر. كان يرتدي ثيابا متهرئة تغطي جسدا نحيلا كغصن جاف، وعيناه المتقدتان بمرارة لا قاع لها كانت تقرا عمر قنديل بوضوح جارح، وتكشف خواءه الذي حاول ستره ببذلته الأنيقة. لم يقل الشاب شيئا عن الايدولوجيا أو مفاهيم الغد، تقدم بخطوات ثابتة، ووسط الترقب الثقيل الذي خنق أنفاس الحضور، انطلقت صرخته كأنها تمزق نسيج الهواء نفسه:
- نريد خبزا.. لا كلاما!
لم تكن الصرخة موجة غضب عابرة، كانت انفجارا لمرارة تراكمت عبر عقود من الصمت القسري. في تلك اللحظة، خمدت بلاغة عمر قنديل فجأة، وتصلبت يده في الهواء، كأنما تجمدت في نحت لا روح فيه، سقطت هيبته دفعة واحدة مع سقوط كلماته. في تلك اللحظة الخاطفة والموجعة أدرك قنديل أن الحاجز الخشبي للمنصة ليس سوى وهم، وان المسافة التي تفصله عن هؤلاء الناس ليست مسافة سياسية يمكن ردمها بالحوار، انه جرف سحيق من الفقر والخذلان لا تملئه الخطب. لم يعد الرجل الذي في الأعلى يرى جمهورا، يرى حقيقة المدينة العارية التي لا تطلب منه إلا البقاء، حقيقة لا يفهمها أي قاموس يمتلكه.
خيم صمت أثقل من الجبال، صمت لم يعد فيه مكان للخطابة، إنما مساحة واسعة لواقع يزحف ببطء، ببطء مرعب، ليطالب بحقه في الوجود، بعيدا عن كل الألعاب البهلوانية التي كانت تمارس على هذه المنصة. لحظة ارتطام البيضة بكتف عمر قنديل لم تكن مجرد فعل صبياني؛ كانت إعلانا رسميا لانتهاء صلاحيته كمرشح. انفجر الصفار على قميصه، وتسللت رائحة العفن لتخنق الهواء في الساحة. تجمد الحشد، واتسعت عيون أتباع النفزاوي في الظلال، يترقبون اللحظة التي سيهرب فيها قنديل، أو يغرق في التبرير.
قنديل لم يمسح وجهه، ولم يتراجع. ببطء مستفز، مد يده إلى كتفه، مسح السائل اللزج، ونظر مباشرة إلى عدسة الكاميرا التي كانت تقتات على انهياره. لم يكن في عينيه غضب، بل برود مفاجئ إطفاء ضجيج الساحة.
-البيض ليس اهانة شخصية،
قال قنديل، وصوته يقطع الصمت كسكين.

-انه ثمن صمتكم الذي اشتراه النفزاوي بمال الحرام. إنهم يرمونكم بالفتات في الانتخابات، ويطعمونكم من قمحكم المسروق في مخازنهم المغلقة.
سكت قنديل، وترك الرائحة الكريهة والكلمات تتفاعل مع الحشد. لم يعد المشهد خطابا انتخابيا، بل صار مواجهة. بضربة واحدة، حول قنديل المعتدي من خصم إلى أداة، ثم أضاف:

-من يريد الخبز الحقيقي، لا يمد يده في أيديهم، يضعها في يدي.. سنفتح تلك المخازن معا.

رحل قنديل عن المنصة تاركا وراءه بركانا. لم يعد الحشد جمهورا ،أصبحوا شهودا على كسر قواعد اللعبة. داخل القاعة، تحول الصمت من هيبة إلى ثقل وجودي. لم يعد البطل يواجه خصوما سياسيين، كان يواجه تركة الخيبة. نهض رجل مسن في الصف الخلفي، يده المرتعشة تشير إلى ندوب قديمة. يا بني، قال بصوت مبحوح يزفر إرثا من الهزائم:

- لقد خضنا حروبا في المقاهي، وحملنا أحلاما اكبر من سعة صدورنا. السياسة عندنا سراب يزداد اتساعا كلما اقتربنا منه. لا تقل لي انك ستغير النظام، قل لي كيف سأغفر لنفسي أنني عشت حياتي في خرائب بناها آباؤنا بحسن نية...؟

لم ينتظر قنديل ليجيب، فقاطعته شابة وقفت بحدة، قميصها الأبيض يلمع تحت أضواء القاعة الباهتة.

-لا افهم في تاريخكم المليء بالهزائمز.

قالت وعيناها تفحصان وجه قنديل كأنها تبحث عن كذبة.

-أنا أتخرج لأجد مستقبلي صفحة ممزقة. لا أريدك أن تصلح البلد، أريدك فقط أن تجعلني ارغب في البقاء فيه، بدلا من التفكير في اقرب قارب للهجرة.

في تلك اللحظة، توقف عامل النظافة الذي كان يمسح مقبض الباب في الزاوية، وقال بصوت مسموع:

- السياسة عندكم تبدو نظيفة فوق المنابر، لكنها في الشارع أوساخ نضطر لتنظيفها يوميا. لا نحتاج زعيما جديدا، نحتاج شخصا يرى الحقيقة كما هي.. ابدأ بالتنظيف يا سيد عمر، أبدا من هنا.

نظر قنديل إلى الحضور، ولم يكن دفاعه عن مشروعه سوى اعتراف بجرح جماعي. لقد سمعتموهم، قال بصوت يمتص توتر الغرفة.
-لم يطلبوا شعارات، طلبوا الحقيقة العارية. التحدي ليس في تغيير الوجوه، إنما في تغيير القواعد التي نعيش فوقها. سنبدأ من هذا الصدق المؤلم، من هنا.. من القاع.
ارتجفت القاعة. لم يكن صمتا منكسرا، كان صمت ما قبل العاصفة، حيث استعاد قنديل الأرض تحت قدميه، ولم يعد واقفا على مجرد منصة خشبية، إنما على واقع بدا يضع حجر أساسه الأول.
كان الضوء الخافت يرتعش فوق وجوه الحاضرين في القبو، بينما ظلت رائحة الكبريت والعفن عالقة في الأجواء، تلتصق بالثياب كأنها وصمة عار. وقف عمر قنديل في المنتصف، وبدلا من الانكفاء على ذاته أو البحث عن زاوية تقيه نظرات الانكسار، بدا يخلع قميصه الملطخ بصفار البيض. كانت حركته بطيئة، مدروسة، وكأنه يخلع جلدا قديما لم يعد يتسع لغضبه. التفت إليه الشاب المساعد، صوته يرتجف بكسر:

- سنكتب بيانا... سنشرح إنهم مأجورون، سنحاول تبرير ما حدث.

توقف عمر، وعيناه اللتان عرفا فيهما بريقا رومانسيا ساذجا تبدلتا، حل محلهما بريق معدني بارد، حاد كشفرة تقطع صمت القبو الثقيل. لم ينظر للمساعد كخائن، بل كغريب لم يفهم قواعد اللعبة بعد.

-لا تكتبوا شيئا عن المأجورين،
قال عمر بصوت خافت استقر في أرجاء المكان كحكم نهائي.
- لا تعتذروا. لا تبرروا. من يعتذر يقر بالذنب، ومن يبرر يمنح الخصم مساحة ليتنفس.

اقترب من الطاولة، لم يمسح بقعة البيض عن القميص الملقى جانبا، تركها ممددة كراية مهزومة، أو ربما كشاهد إثبات. نظر إلى رفاقه، واحدا تلو الآخر، ونبرته ترتفع تدريجيا، ليست نبرة الواثق فحسب، نبرة من أبصر العدو عاريا.
-رموني بالبيض لأنهم لا يملكون حجة تضاهي رؤيتي. هذه البقع ليست خذلانا، إنها الندبة التي جعلتني أرى بوضوح. اليوم، سقطت الأقنعة، النظام لا يخشى عدوي، يخشى الحقيقة التي اطرحها. من يضطر لاستخدام البيض الفاسد، فقد خسر هيبة السلطة، ومن يرتجف أمام كلمة على منصة، فقد انهار عرشه قبل أن يبدأ الجدال.
مد يده إلى حقيبته الجلدية، واخرج رزمة وثائق لم يجرؤ من قبل على فتحها. لم تكن مجرد صور مبهمة، كانت محاضر فساد موثقة تقتلع جذور النفزاوي من أعماق أروقة القصر. تلك الأوراق التي جاءته مجهولة من تحت الباب، والتي كان يخشى عواقبها، أصبحت الآن ذخيرته الوحيدة.
غدا، قال وهو يربت على الأوراق بيده:

- لن أكون المترشح الذي يوزع الوعود. سأكون القاضي الذي يقرا حكم الإعدام على هذا الفساد. سأخرج أمامهم بهذا القميص الملطخ إن لزم الأمر، لأذكرهم أن البيض الفاسد يفوح عطره في قصر النفزاوي، لا في الساحة.

استقام في وقفته، توسع كتفاه، وتلاشت من صوته نبرة الاستعطاف. التفت إلى المرأة المسنة التي كانت تراقبه بصمت، وقال بحزم غير معهود:

- اجمعوا الناس. لا أريد حشدا يصفق، أريد حشدا يشهد. غدا ليست مناظرة، إنها محاكمة. وشخصيا يا رفاق، لست من يخشى أحكامهم أو بيضهم، سأجعلهم يختنقون بصمتهم حين تفتح الحقيبة.

خرج من القبو بخطوات واثقة، مخلفا وراءه الرطوبة والارتباك. لم يلتفت خلفه، دخل القبو مهزوما، لكنه خرج منه بجلد جديد، مشرطا جراحيا في جسد المدينة العليلة، مسلحا بوعي لا تكسره قذارة، ولا يغويه باطل.
في غرفة الماكينات، الضوء النحاسي المريض يغشى مكتب النفزاوي، سكون الغرفة لم يعد مطلقا. كان النفزاوي يراقب الشاشة الكبيرة، لا كمن يراقب ذبابة حبيسة، كمن يراقب حريقا يمتد. على الشاشة، لم تكن هناك مترشحة وحيدة قادرة على قلب المعادلات، كان هناك عمر قنديل. قنديل يقف فوق منصة مرتجلة في وسط ساحة المدينة المكتظة، عروق رقبته نافرة كأنها خرائط لثورات مؤجلة، يصرخ في الحشود، لا يلقي خطابات، يلقي بذرات من نيران في صدورهم. الكاميرا المهتزة تنقل حماسه يشق طريقه بين الجموع، يصافح الأيدي الخشنة، يقتحم أسواق المدينة الشعبية حيث يمتزج صوته بضجيج الباعة، وحيث يرتجف الزجاج في واجهات المحلات كلما هتف باسمه المتمردون.
في ساحة الملاعب، كان المشهد أكثر جنونا. ظهر قنديل وسط حشود الشباب، يركض بينهم، يتنفس غبار الميدان، يرفع قبضته عاليا كأنه يعلن الحرب على صمت المدينة. لم يكن يبحث عن سقف كما يظن النفزاوي، يبحث عن شعلة عن القوة الدافعة. النفزاوي كان يتمدد خلف مكتبه كقطعة أثاث عتيقة، استقام في جلسته. لم يعد يعبث بتمثاله العاجي، كانت أصابعه تضغط على حافة المكتب حتى ابيضت مفاصلها.
انظر، قال النفزاوي بصوت خفيض، ليس للمساعد، بل لنفسه. على الشاشة، اقترب قنديل من الكاميرا مباشرة، لدرجة أن وجهه ملا إطار الصورة. لم يبتسم، كان يحدق في العدسة كأنه يرى النفزاوي خلفها.

- إنهم يظنون أننا أرقام!

صرخ قنديل، واندفعت الحشود من خلفه كأمواج بحر هائج، تغمر القمصان الزرقاء التي كان أتباع النفزاوي يوزعونها، ممزقين إياها تحت أقدامهم بحماس محموم. سقط المساعد في زاوية الغرفة، يحاول أن يختفي بظله. النفزاوي لم يلتفت إليه. كان يراقب قنديل يقتحم سوق المدينة، يقلب موازين الصمت، يحول الساحة إلى بركان من الهتافات. كانت حركة قنديل السريعة، اندفاعه الجسدي، وتلك الشرارة التي يقدحها في عيون الناس، تفعل شيئا لم يفعله بيان مكتوب: إنها تجعل المدينة حية، نابضة، وخطيرة. اخرج النفزاوي دفتره الجلدي. لم يعد يرسم خطوطا لمملكة غير مرئية، كان يمزق الصفحات التي سجل فيها تقديراته السابقة. وضع القلم، ونظر إلى يده المرتجفة قليلا على الزجاج البارد.
خارج الغرفة صوت قنديل يعلو، يملا الشوارع، يتجاوز الجدران المخملية، ويقتحم العزلة التي بناها النفزاوي بعناية. المدينة لم تعد لوحة زيتية تتساقط ألوانها ، كانت قد بدأت تستعيد ألوانها بالدم والحماس. انغلق الباب بنقرة معدنية، لكن الصوت هذه المرة لم يكن يوحي بالسيطرة، إنما بالتحصن. بقي النفزاوي في غرفة لا تزال تفوح برائحة التبغ المعتق، لكنها الآن تضج بصدى رجل يرفض أن يسقط.
النفزاوي لا يجلس في مكتبه ليراقب الشاشات ببرود، يحلل صفوف الولاءات أمامه. وضع إصبعه على خريطة المدينة وقسمها إلى قطاعات، ثم قال لمساعده دون أن يلتفت:
-قنديل يظن أن الغضب وقود، لكنه لا يدرك أن الغضب يحتاج إلى هيكل ليحتوي حركته، وإذا لم يجد الغضب شكلا سياسيا سيتحول إلى عشوائية تقتل نفسها. سأسمح له بان يفتح أبواب الاحتجاج في المنطقة الصناعية، وسأرسل رجالي ليحولوا هتافهم ضد العمال الوافدين بدلا من الفساد، سأحول صراعه الطبقي إلى نزاع هوياتي، فحين يتقاتل الناس على هويتهم، ينسون من يسرق خبزهم.
انصرف المساعد وساد الصمت، فاستدار النفزاوي نحو نافذته الكبيرة في الظلام. لمح انعكاس وجهه على الزجاج، فاقترب ببطء ومسح السطح المبرد بيده. همس لنفسه:

-هل يدركون؟، هل يدرك هؤلاء الناس أنني احميهم من فراغهم؟

لمست أصابعه انعكاس عينيه، وكانت تفتقر إلى البريق الذي رآه في عيني قنديل بالساحة. أدرك فجأة وبشكل مرعب أن قنديل لا يقاتل لأجل كرسي، يقاتل لان لديه ما يؤمن به، بينما هو لا يؤمن إلا بالة. سقطت قطرة عرق باردة على جبينه، فمسحها بحركة عصبية. كان ضعفه يكمن في وحدته الوجودية، فهو يعلم أن نظامه يحتاج إلى عدو ليبقى حيا، وإذا نجح قنديل في نزع العدو من عقول الناس، فلن يبقى للنفزاوي سوى الغبار.
في زاوية مقهى قديم لا يرتاده إلا المسنون، التقى النفزاوي بعمر قنديل صدفة، أو هكذا رتب الأمر. لم يأت مع حراسه، جاء وحيدا يرتدي ثيابا توحي ببساطة مفتعلة، وجلس قبالة عمر.

-أتساءل يا عمر، هل نمت جيدا البارحة؟ القلق الذي تزرعه في قلوب هؤلاء الناس... هل تعتقد أنهم سيشكرونك حين يكتشفون أن الحقيقة التي وعدتهم بها لا تمل البطون؟ قال النفزاوي بنبرة هادئة.
رد عمر:
-لا أعدهم بامتلاء البطون يا كبور، أعدهم بان يتوقفوا عن التسول على أعتاب قصورك
ابتسم النفزاوي ببرود وأضاف
-تتحدث كأنك تعتقد أنهم أحرار. هؤلاء الناس يحبون السجان الذي يعرفونه، إنني امنحهم هوية وعدوا يلومونه على فقرهم. أنت؟ أنت تعريهم أمام مرآة الواقع. لا تمنحهم أملا، أنت تمنحهم اليأس الحقيقي، ومن ييأس يا عمر، لا يثور، بل ينحني ليعيش.
قال عمر بحدة:
-تلك هي خطيئتك،
- انت لا تخسر شيئا، لذا أنت خطير. لكن تذكر، العالم لا يدار بالأحرار، يدار بالذين يخشون خسارة ما في أيديهم، ختم النفزاوي حديثه وهو ينهض، تاركا الكلمات معلقة كسم في الهواء.

المدينة في ذلك اليوم تشبه مرجلا يغلي على نار هادئة. في الأزقة الضيقة التي تفوح منها رائحة الفقر والرطوبة، لم تعد الجدران مجرد حجارة، فقد غدت لوحات إعلانية للغضب. صور عمر قنديل، الممزقة الأطراف، كانت ملصقة فوق صور النفزاوي البراقة، وكأنها محاولة يائسة لاختراق طلاء الزيف. سيارات الأجرة القديمة تجوب الشوارع، وقد علقت على زجاجها الخلفي ملصقات باهتة تحمل شعار:

-الإصلاح ليس منحة.. انه حقنا المسلوب.

مكبرات الصوت في الساحات تضخ وعود النفزاوي الرنانة، لكن صدى أصواتها كان يرتطم بوجوه المارة المكتئبة، فلا يجد إذنا صاغية. الشوارع لم تكن تعج بالمارة فقط، إنما بالترقب،كان الهواء ثقيلا، مشحونا برائحة احتراق خفية، والجميع ينتظر عود ثقاب واحد ليشعل المدينة.
صعد عمر قنديل إلى المنصة وسط المناخ المشحون. لم تكن الجماهير تهتف، ولم تكن الأجواء توحي بنصر وشيك. فالساحة مشحونة برائحة التردد، والعيون التي ترقبه، عيون أتعبتها الوعود، محملة بآلاف التساؤلات التي زرعتها دعايات النفزاوي المسمومة. في الصفوف الخلفية، بدا المأجورون حركتهم، افتعلوا ضجيجا متعمدا، صرخات جوفاء وشتائم رخيصة تهدف لتمزيق خيوط التواصل بينه وبين الناس. لكن قنديل، الذي استقر في أعماقه صمت العارف، لم يحاول منافسة ضجيجهم.
لم يلمس الميكروفون في البداية. انتظر. ترك ثقل الصمت يغلف الساحة، يمتد من تحت أقدام الحاضرين حتى يصل إلى نوافذ البيوت المطلة على الساحة، حيث كانت النساء يراقبن المشهد من خلف الستائر. بدا الناس يلتفتون لبعضهم، ثم للمنصة، في حركة جماعية بدت وكأنها استيقاظ من غفوة طويلة. حين تكلم، لم يكن صوته مرتفعا، كان خفيضا، نافذا، مثل صوت يخرج من باطن الأرض بعد زلزال:

-لا أريد تصفيقكم. التصفيق يشترى في الأسواق، والهتاف يتبخر مع أول نسمة ريح.

تلاشت ضوضاء المأجورين تدريجيا، ليس لأنهم توقفوا، لان المحيطين بهم صاروا ينظرون إليهم بازدراء صامت جعلهم يشعرون بضالتهم. تابع قنديل، وعيناه لا تزيغان عن وجوه الناس، كانه يقرا مذكرات شقائهم الشخصي:
-النفزاوي أخبركم أنني أبيع ذمتي. هل يعقل أن تباع الذمم في سوق لا يجد فيه أبناؤكم حتى ثمن دفاترهم؟ أخبركم أنني خطر على الأمن. هل الخطر أن نسال عن حقنا، أم أن نعيش في خوف من أشباح تسكن القصور...؟
خطا خطوة واحدة نحو حافة المنصة. كان الضوء يسلط عليه ليظهر تجاعيد التعب في وجهه، مما جعله اقرب إليهم من أي وقت مضى. لم يعد هناك قائد وجمهور، كان هناك رجل يطرح أسئلة مدفونة في صدورهم، أسئلة يطرحونها هم أمام المرايا في ليالي الوحدة:
- لماذا نشعر بالخجل حين نطالب بكرامتنا...؟ ولماذا صار الصمت فضيلة، بينما التواطؤ صار مهارة نجاة...؟ اخبروني.. متى كانت آخر مرة نمتم فيها دون أن تقلقوا من أن الغد سيأكل ما تبقى من كرامتكم...؟
لم تكن أسئلة سياسية، كانت أسئلة وجودية اخترقت قشور التردد. بدأت حواجز الصمت تتصدع. ساد نوع من الذهول، لم يعد قنديل يلقي بيانا، كان يعري الواقع بكلمات بسيطة، قاسية، لا تقبل التأويل. صاح احدهم من وسط الحشد، بصوت أجش:

-وماذا ستفعل أنت...؟ هل ستغيرنا أم ستغير الكراسي...؟
ابتسم قنديل ابتسامة حزينة، خالية من أي ضعف، ثم أجاب:
- شخصيا لا املك لكم وعودا بالجنة. لكنني سأكون الشاهد الذي لا يشترى، والصوت الذي يرفض أن يبتلعه الصدى. إن كان ثمن الحقيقة أن أقف وحيدا في مواجهتكم، فأنني مستعد. لكن تذكروا.. أنكم إذا استمررتم في الصمت، فانتم لا تعاقبونني، انتم تعاقبون أنفسكم بالبقاء في قفص بناه رجل لا يراكم إلا مجرد أرقام في حساباته.

في تلك اللحظة، حدث التحول. لم يعد الحشد يراقب المترشح الشاب، كانوا يراقبون انعكاس أنفسهم في رجل تجرا على قول ما لا يجرؤون على التفكير فيه. لم ينفجر الحشد بالهتاف العشوائي، انفجر بشيء أعمق وأكثر خطورة: بالإنصات الكثيف. كان صمتا مقدسا، صمت من بدا يقرر مصيره.
في زوايا الظل، كان أتباع النفزاوي يراقبون من خلف زجاج سياراتهم الفارهة، وقد تيبست ملامحهم. لم تكن هناك هراوات ولا بيض، كان هناك وعي يزحف ببطء عبر شوارع المدينة، يفكك مسرحيتهم بأسئلة بسيطة، حادة، لا تستطيع الدعاية أن تغطي على وهجها. غادر قنديل المنصة، ولم يلتفت. ترك الأسئلة معلقة في الهواء كخناجر؛ أسئلة لن تمنح أحدا منهم نوما هادئا تلك الليلة، وأسئلة ستنتقل من حي إلى حي، مكتوبة على الجدران، ومهموسة في أزقة المدينة التي بدأت تفيق.
نحسر الغبار عن الساحة، لكن الضجيج لم يهد؛ لقد تحول التنافس في الأروقة إلى ما يشبه المطاردة الصامتة في دهاليز لا يضيئها إلا طموح متباعد. في زاوية من المدينة، كان عمر قنديل يراجع خرائط الحي القديم، مطويا بين يديه أوراقا لمشاريع لم يقراها احد، مدركا ان المعرفة، في هذا الواقع المائل، لا تعادل وزنا أمام رصيد من الولاءات الموروثة. على الجانب الآخر، كان النفزاوي يقف على منصة خشبية، يفرغ خزان غطرسته في الحشود، مشيرا إلى مقر حملة قنديل بضحكة تهكمية:

- يظنون أن الكراسي تنال بالخطط والدراسات.. إنهم أطفال يحاولون اللعب في ساحة لم يتقنوا قواعدها.
ضرب الصناديق الفارغة خلفه وأضاف بمرارة:
-هذا الديكور مجرد مسرحية نؤديها لنرضي أوهامكم، فهل يغير تغيير اللاعبين من طبيعة المسرح...؟

كانت كلمات النفزاوي تصل إلى غرفة عمر كصدى مشوه، لكنها بدل أن تكسره، صقلت إرادته. لم يعد قنديل يكتفي بخرائط الورق؛ لقد أدرك أن المسرحية التي يحتقرها الخصم هي نفسها المنصة التي ستفضح هشاشته، لكنه احتاج لشيء يوقظ الجمهور من التخدير الجماعي.
وهنا، اتخذ قراره. في صباح اليوم التالي، تحول التخطيط الصامت إلى حركة صاخبة. امتطى عمر دراجته الهوائية، وانطلق في شوارع الحي لا كمرشح يلقي خطابات، بل كشرارة تشق عتمة المعتاد. خلفه، تجمعت قوافل من الشباب، دراجاتهم تعلن عن وصول زمن جديد.
كانت المسيرة تشق طريقها وسط ذهول المارة. لم تكن صراخا بقدر ما كانت حضورا بصريا قويا؛ ألوانهم، إصرارهم، رمز الهدهد يرفع عاليا، وهدوء عمر في المقدمة، كل ذلك دفع المارة إلى التوقف عن التملق العابر للنفزاوي. بدأت الأيادي ترتفع، ليس تصفيقا لمسرحية، إنما تشجيعا لحقيقة ماثلة أمامهم. تعالت شارات النصر في الأفق، وانكسر حاجز الخوف الذي طالما بناه النفزاوي بكلماته الجوفاء.
مع غروب الشمس، عاد عمر إلى مقر الحملة الانتخابية. دخل المكتب، وعلقت على وجهه ابتسامة هادئة، لا تشبه ابتسامات النصر الزائف التي يوزعها خصمه، ابتسامة الواثق الذي لامس نبض الناس. خلع سترته، ونظر إلى الخرائط التي لا تزال على مكتبه، وفكر في صمت: -
لقد بدأت الساكنة تستفيق من التخدير. لم يغيروا المسرح، لكنهم قرروا أخيرا الا يكونوا مجرد جمهور في مسرحية يكتبها غيرهم.
يعرف الآن أن النفزاوي لا يملك إلا صوته العالي، لكنه بدا يملك شيئا أقوى بكثير: وعيا جماعيا لا يمكن لأي منصة خشبية إن تحتويه.
كانت الرطوبة تنحت الجدران في مراب يديره قبوش بعنجهية مفرطة، مخلفة بقعا تشبه خرائط بلاد منسية. عمر يقف في زاوية معتمة بانتظار دوره، لم يكن يراقب السمسار فقط، يراقب الاختفاء. رأى العجوز تمد يدها المرتجفة بالبطاقة؛ كانت لحظة بتر حقيقي. وحين ألقى قبوش البطاقة في الدرج المعدني، تردد صوت القفل في أذني عمر كطلقة رصاص.
في تلك اللحظة، لم يشعر عمر بالخوف، أحس ببرودة مفاجئة سرت في جسده. أدرك أن المدينة لا تحكم بالقوانين، إنما بالأدراج التي تصادر الهويات. حين خرجت العجوز بكتف منحن، تحرك عمر. لم يتقدم ليضع بطاقته بذل، اقترب من الطاولة، وانحنى بجسده ليصبح في مستوى نظر قبوش. كانت عيناه، اللتان كانتا حتى الأمس تعكسان انكسار المدينة، تشتعلان الآن بضوء مختلف.

-هذا الدرج لا يتسع للجميع يا قبوش،
قال عمر بصوت هادئ، لكنه اخترق صمت المرآب المريب. توقف قبوش عن الكتابة، ورفع رأسه ببطء، ليجد عمر يبتسم لم تكن ابتسامة خوف، ابتسامة من يمسك بطرف خيط مؤامرة.
-لا ابحث عن رقم، بل عن استعادة ما أودعته في هذا البئر البلاستيكي.

خرج عمر من المرآب، ليس كمهزوم، كمن يملك شيئا لا يعرفه الآخرون. في الأيام التالية، تحول عمر إلى ظاهرة. لم يذهب إلى التجمعات الانتخابية ليصفق، بدا يظهر في المقاهي، في الأسواق، وفي طوابير اليائسين. يتحدث بنبرة من يرى ما خلف الستار. بكلمات محسوبة، بدا يفكك خطابات المترشحين، ويشرح للناس كيف أن وعودهم ليست سوى بلاستيك بارد يجمع في أدراج المكاتب المظلمة.
خلق عمر رجة في المدينة، لم تكن احتجاجا صاخبا، كانت وعيا زاحفا. بدأ المترشحون التقليديون يشعرون بالارتباك إمام الشاب الذي لا يملك مالا، لكنه يملك القدرة على جعل الناس يتوقفون عن النظر إلى الأرض وينظرون في عيونهم مباشرة. صار عمر السؤال الصعب في كل لقاء، والاسم الذي يهمس به في أزقة المدينة كبديل قادم من القاع.
في تلك الأثناء، في بهو الفيلا البعيدة، كان النفزاوي يقف أمام المرأة الضخمة، يضبط خاتمه الذهبي. ظن أن عرشه في أمان، لكنه حين التفت إلى شاشة التلفاز التي تعرض لقطات من الشارع، لمح وجها مألوفا وسط الحشود. عمر يتحدث للكاميرا بوضوح، مشيرا بيده نحو المباني الحكومية.
تصلب النفزاوي. للمرة الأولى، لم يلحظ في المرآة هيبة وجهه، لاحظ انعكاس القلق في عينيه. أدرك أن البطاقات التي صادرها في المرآب لم تعد أوراقا صامتة، تحولت في يد عمر إلى قنابل موقوتة، وان المدينة التي ظن أنها أساس عرشه، بدأت بالاهتزاز تحت قدميه .
استيقظت المدينة على صمت ثقيل، لا يشبه هدوء الفجر، بل هو احتقان ما قبل الانفجار. في يوم الاقتراع، لم تكن الأرصفة مجرد ممرات، بل بدت وكأنها ساحات لفرز الأجساد تحت وطأة ترقب خانق؛ شوارع تحولت في ساعات إلى ميادين حرب باردة، أسلحتها أوراق مدموغة بالزور.
مع خيوط الفجر الشاحبة، تدفقت الحشود، لكن المدينة انشطرت إلى عالمين متنافرين. في الأحياء القصديرية، كانت طوابير المرتزقة تتحرك كآلات مساقة بعصا الحاجة. هناك، كان سماسرة كبور النفزاوي يزرعون الرعب في العيون، يراقبون الأصابع المرتجفة تتجه نحو الخيار الأمن مقابل وعود بالخبز. كانت تلك الجموع تتحرك بوجوه غائبة، تبيع مستقبلها في مسرحية هزلية أبطالها الجوعى ، وجمهورها لصوص يرتدون ربطات العنق.
في الحي القديم، حيث الجدران تئن من رطوبة التاريخ، وقف عمر قنديل. لم يكن حوله حشود مهللة، بل حفنة من شباب يغالبون الإرهاق ببريق لا تطفئه المادة. كان عمر يراقب المشهد بتوجس؛ يرى الإرادة الشعبية تغتال في وضح النهار، لا بالرصاص، بل بجر الكرامة نحو حتفها. كان يدرك انه لا يواجه سياسيا، إنما آلة جهنمية تجعل من الفقر قيدا ومن الخوف هوية.
حين دخل عمر معزل الاقتراع، خيم صمت مريب. وعندما خرج، لم يلق خطبة، أطلق كلمات اخترقت جدار الصمت:
-ما نشهده اليوم ليس ديمقراطية، إنما تصفية شاملة لكرامتنا. إننا لا نحارب منافسا، نحارب تعفنا استشرى في جذور الوطن. الفوز الحقيقي ليس في كرسي الحكم، إنما في صمودنا أمام سوق النخاسة .
على بعد أميال، في فيلته المحصنة التي تفوح منها رائحة التبغ والرفاهية، كان كبور النفزاوي يتابع تقارير أرقام القطيع. ضحكته الرنانة زلزلت المكان وهو يرى في عمر مجرد زوبعة عابرة. بالنسبة له، كانت الأرقام في جيبه، والنتائج معلبة سلفا. لكن، في قلب تلك اللحظة التي ظن فيها النفزاوي أن اللعبة انتهت، حدث الشرخ. داخل المعازل المعتمة، بعيدا عن أعين السماسرة التي لا تخطئ، بدأت أصابع المقهورين تتحرر من ربقة الخوف. في لحظة خاطفة، امتزج الم السنين بوعي مباغت، لتختار تلك الأصابع عمر قنديل في سرية مطلقة.
شعر عمر بالتحول في الهواء، في نظرات المارة، في إيقاع الخطوات التي بدأت تتغير. أدرك حينها أن قواعد اللعبة قد سحبت من تحت أقدام النفزاوي. لم تعد المسالة أرقاما في مكاتب الفرز، إنما معركة على شرعية اللحظة. لقد اصطدمت آلة النفزاوي بصخرة صلبة من الوعي، وعي بدا يتسع كشروخ في جدار قديم، مؤكدا أن التاريخ، مهما حاولت أيدي المأجورين تزييف وقائعه، لا يكتب إلا بأقلام الأحرار في لحظة خلوتهم مع ضمائرهم.
لم تكن رائحة البخور في غرفة المكتب محاولة للتعطر، كانت محاولة بائسة لستر رائحة المال المتعفن التي تزكم الأنوف. في ذلك المساء، كان عمر قنديل يجلس قبالة الوسيط؛ رجل بوجه ناعم كقطعة صابون ملساء، يرتدي بذلة إيطالية تقطر ثراء، بينما تستقر على الطاولة حقيبة جلدية بدت وكأنها تحمل في جوفها مصائر مدن بأكملها.
وضع الوسيط رزمة الأوراق النقدية ببطء، وكأنما يضع لبنة في جدار يبنيه ليعزل عمر عن مبادئه، ثم أردفها بصك بنكي يحمل رقما فلكيا، رقما كان كفيلا بشراء حياة جديدة، هوية مجهولة، وامتيازات تضمن له النجاة بعيدا عن ضجيج الميادين وحرائقها.
قال الوسيط بصوت رخيم، خال من أي نبرة تهديد، وكأنه يسدي نصيحة أخوية:

-السيد كبور لا يحب الصراعات يا عمر، هو يراها إهدارا للموارد. أنت شاب طموح، ومستقبلك يمكن أن يكون لامعا إذا ما... وجهت مساراتك بحكمة. هذه مجرد ميزانية تشغيلية لتهدئة خطابك. لا أحد يطلب منك أن تتغير، فقط... اجعل بوصلتك بعيدة عن الضيعات والمصانع.

أطال عمر النظر إلى الصك. لم يكن يرى الأرقام، كان يرى تجسيدا ماديا لثمن ذمته. في تلك اللحظة، تواردت إلى ذهنه صور العمال الذين التقاهم في أقبية المصانع، وجوه محفورة بالشقاء، أجساد تطحن في التروس دون ضمانات أو كرامة. كان الصك في نظره كشفا عن سلاسل غير مرئية تلتف حول أعناق الآلاف، والوسيط لم يكن سوى السجان الذي يحمل مفاتيحها. رفع عمر نظره، وعيناه اللتان سكنهما التردد طويلا قد صلبتا فجأة، وكأن صخرة قد استقرت في أعماق روحه:

-أخبر كبور أنني لست بضاعة في مزاده العلني. ولست مهتما بأن أكون قنا في إقطاعيته، أقبض ثمن صمتي بينما يغرق الآخرون في عبوديتهم.

ارتسمت على وجه الوسيط ملامح ارتباك طفيف، قبل أن يستعيد قناعه البارد:

-عمر، لا تغرق في المثالية. المال هو الوقود الذي يحرك العالم، والسلطة لا تبنى على الشعارات الفارغة، بل على التحالفات.

انتفض عمر من مقعده، وأزاح رزمة المال بظهر يده بحركة عنيفة، لتبعثر الأوراق على الأرض كأوراق شجر ميتة:
-كنت أظن يوما أن الطريق إلى التغيير يمر عبر الكرسي، لكنني أدركت الآن أن وجودي خارج نظامكم هو التغيير الحقيقي. أنت تعرض علي ثمن صمتي، وأنا أرد عليك بأنني سأحول هذا الصمت الذي تخشاه إلى ضجيج سيحطم أسوار إقطاعيتكم.

خرج الوسيط دون كلمة إضافية، تاركا المال مبعثرا. وقف عمر وحيدا، يمسح يديه بحدة، كأنما يتخلص من ملمس الخطيئة. لقد اتخذ قراره؛ لم يعد هناك رجوع. في تلك الليلة، لم يغمض لعمر جفن ظل ذلك اللقاء يندفع في المخلية كركام الأحجار. جلس وسط كومة من الوثائق التي انتزعها من أعماق أقبية كبور؛ تقارير تثبت التلاعب بالضمان الاجتماعي، سجلات الأجور الهزيلة، وشهادات العمال التي كانت ستحرق إمبراطورية كبور إذا ما رأت النور. لم يعد هناك خوف، فقط إصرار بارد كالفولاذ. كان يدرك أن فجر الغد لن يكون مجرد يوم آخر، بل سيكون ساحة المعركة الكبرى؛ لا ميدان ولا حشود، بل أضواء الأستوديو، حيث الحقيقة وحدها هي القاضي والجلاد.
لم تكن رائحة القبو الرطبة ما يخنقه، صدى خطواته على أرضية الساحة الخرسانية قبل أعوام، ذلك الصدى الذي يتردد الآن في أرجاء المكان كأن الجدران نفسها تستدعي الماضي. توقف عمر في زاوية الغرفة المظلمة، وأخرج من جيبه مفتاحا قديما لبيت لم يعد يملكه. تلمس أسنانه المعدنية الصدئة، فعادت إليه صورة الحي القديم؛ بيوت طينية متلاصقة كأنها تحمي بعضها من رياح الأطلس، وشوارع ضيقة كان يركض فيها حافي القدمين، لا ليطارد السلطة، بل ليطارد كرة متهرئة في أزقة لا تعترف بغير قانون البقاء للأسرع.
في ذلك الحين، كان الوعي عنده ليس ملفا أو وثيقة، كان معرفة فطرية؛ أي دروب الحي تنجو من طمي السيول، وأي الأبواب تفتح لأصحابها إذا دهمهم الجوع. كان يعلم أن مواجهة "المقدم" أو "القايد" في الحي لم تكن بالهتاف الذي يتبدد في الهواء، بالصمت الذي يسبق العاصفة، وبإتقان فنون التخفي التي تعلمها من ألعاب الطفولة بين السكك المعتمة.
أغمض عينيه، واستحضر مشهد المرة الأولى التي خسر فيها مواجهة عابرة، كان صبيا حينها، دفعوه بعيدا عن ملعب الحي. تذكر كيف اختبأ خلف جدار متهالك، يمسح الدم عن ركبته، ويشعر بهشاشة عظام طفل لا يملك قوة دفع في عالم يحكمه الكبار. لم يعد إلى بيته باكيا، جلس يراقب كيف يتحرك الأقوياء، كيف يوزعون الأدوار، وكيف يخطئون بغرور في تقدير زوايا الحركة. ومنذ ذلك اليوم، حفر في عقله درسا أبديا: التراجع ليس هروبا، انه وقفة تكتيكية لالتقاط أنفاس الخصم.
فتح درجا خشبيا، وأخرج دفترا قديما، ليس فيه خطط سياسية منمقة، انما مذكرات هندسية عن تصريف مياه الحي، وحسابات دقيقة لميزانيات الدكاكين الصغيرة. كان يكتب في هوامشها ملاحظات عن آليات الضغط الاجتماعي؛ كيف ينهار جدار بسبب إهمال تصريف المياه، وكيف ينهار مجتمع بسبب إهمال كرامة أفراده. لم يكن يقرأ الماركسية، كان يقرأ نبض الناس؛ كان يرى في أنابيب الصرف المسدودة استعارة لنظام يختنق بفساده. تذكر كيف كان يجمع شباب الحي لترميم حائط مائل، لا ليصور نفسه بطلا، لأنه كان يدرك أن البناء المشترك هو اللغة الوحيدة التي لا يفهمها سماسرة "النفزاوي"، لأنها لغة تبنى في الخفاء وتؤتي ثمارها على الأرض.
سرت قشعريرة في جسده حين تذكر نظرة أمه له وهو يغادر البيت في ليلة باردة؛ لم تكن نظرة خوف، كانت نظرة العارف الذي يدرك أن ولده لم يعد يقاتل طواحين الهواء. كان يدرك الآن أن كل لحظة انكسار مر بها حين طرد من الملعب، أو حين أغلق باب في وجهه كانت حجرا يوضع في بناء وعيه الجديد. كان يشعر بهشاشته كزجاج يوشك على الانكسار تحت ضغط المحيط، لكنه كان يلملم تلك الشظايا ويصقلها، فالزجاج المكسور، إذا رتب بعناية، يغدو مرآة حادة تعكس عورات من يظنون أنهم في مأمن من المحاسبة.
هزت صرخة بعيدة في الشارع هدوء الليل، فجاءت بمثابة إشارة الانطلاق التي كان ينتظرها. لم يعد يرى في "النفزاوي" وحشا لا يقهر، رأى فيه معادلة رياضية معقدة، ولكل معادلة حلا، مهما بلغت درجة تعقيدها، طالما وجد المهندس الذي يعرف نقاط الضعف في الهيكل. وضع المفتاح على الطاولة، وبجانبه الورقة التي سجل فيها الأساليب العلمية للمواجهة، لا الشعارات البالية.
أخذ نفسا عميقا، وشعر ببرودة الهواء تدخل صدره، منظفة إياه من غبار الوعظ والتنظير. لم تعد يداه ترتجفان. لم يعد بحاجة لتصفيق، ولا لضجيج، ولا لدعم من أحد، فالقوة الحقيقية ليست في الوقوف في الساحة لإثبات الوجود، بل في التحكم في زوايا اللعبة من خلف الكواليس.
غادر الغرفة، ولم ينظر إلى المرآة؛ فلم يعد بحاجة لتأكيد صورته، فقد استعاد صورة الطفل الذي كان يراقب من خلف الجدار، الطفل الذي تعلم أن من يعرف مسالك الحي، يعرف جيدا كيف يفكك حصون القصور من الداخل.
لإضفاء واقعية أكبر على هذا المشهد وتطويره سرديا، سنركز على "لعبة القوة" بين الشخصيتين. في الواقع، المناظرات السياسية المتلفزة لا تتحول إلى "محاكمة مباشرة" إلا بخطوات تدريجية؛ فالمحاور الذكي يحاصر خصمه بالتدرج ليجعله يسقط في فخ تناقضاته بنفسه، بدلا من إلقاء "القنبلة" مباشرة.
قبل أربع وعشرين ساعة من الصمت الانتخابي، هواء الأستوديو في "قناة الحدث" مشحونا بكهرباء خفية. لم يكن مجرد أستوديو؛ كان حلبة صراع يغلفها صمت متقطع ورتيب،
تحت الأضواء القاسية، كان وجه كبور النفزاوي يبدو كتمثال من شمع؛ طبقة "الفونديشن" الثقيلة التي وضعها خبير التجميل قبل دقائق لم تكن تخفي لمعان عرقه، بل كانت تجعله يبرز تحت انعكاسات الـ "سبوتلايت". كان يستند إلى كرسيه بوضعية توحي بالتعالي، يميل بجسده نحو الكاميرا بابتسامة تدرب عليها طويلا أمام المرآة، ابتسامة لا تصل إلى عينيه.


-أنت تتحدث عن المبادئ يا عمر، تلك التي لا تطعم جائعا، قال كبور، صوته كان مضبوطا بعناية على إيقاع الخطابة الشعبوية.

-أنا أتحدث عن الخبز. مصانعي تعول مدنا، وضيعاتي ليست مجرد أرض، إنها شريان حياة لآلاف الأسر. أنا لا أبيع شعارات، أنا أمنح استقرارا يفتقده أمثالك من منظري الصالونات.

لم يرتجف عمر قنديل. كان يجلس بهدوء غريب، يدين متشابكتين فوق ركبتيه. لم يحاول مقاطعته، بل تركه ينهي جملته حتى أخيرة. حين ساد الصمت، لم يكن صمتا فارغا، إنما كان فجوة اتسعت فجأة لتملأ الأستوديو. ببطء، دون أن ينزع عينيه عن كبور، مد عمر يده إلى حقيبته. استخرج ملفا ذا حواف صفراء، متهالكة، ووضعه على الطاولة الزجاجية. لم يدفعه نحو كبور، بل تركه في المنتصف، كمنطقة عازلة.
-سيدي النفزاوي،" بدأ عمر بصوت منخفض، هادئ بشكل مريب:

-لنترك الأرقام التي تلوكها في خطاباتك. لنتحدث عن الأرقام التي لا تظهر في تقاريرك السنوية. في ضيعتك الكبرى.. كم عاملا يعمل بعقود قانونية، وكم منهم مجرد أشباح في سجلات الضمان الاجتماعي؟"

ارتجفت عضلة صغيرة تحت عين كبور اليمنى. كانت ومضة لا تزيد عن جزء من الثانية، لكنها كانت كافية. ضحك كبور، لكن الضحكة خرجت جافة، كأنها صوت احتكاك معدن بصدأ.

-الجميع مسجلون يا عمر. أنت تضيع وقتك في أوهام ولدت من رحم الحقد. القانون في شركاتي هو الدستور.
مال عمر بجسده للأمام، انحسرت ابتسامته، ولم يبق في وجهه سوى حدة المشرط. فتح الملف ببطء متعمد، كاشفا عن أوراق تحمل أختاما رسمية.
"القانون..؟ كرر عمر بتهكم.
-هنا كشوفات حساب لثلاثة أشهر، وشهادات مشفوعة بالقسم من عمال طردوا لأنهم طالبوا بالتعويضات العائلية. وأكثر من ذلك..."
توقف عمر، تاركا للجمهور (وللمشاهدين خلف الشاشات) لحظة استيعاب.
-هذه الوثيقة صادرة عن مفتشية الشغل، تؤكد أنك تقتطع مبالغ الضمان الاجتماعي من أجورهم، لكنها لا تصل إلى الصندوق. أين تذهب تلك الأموال...؟ هل تمول حملتك، أم أنها مجرد زكاة تدفع لجيوب المحاسبين الذين يغطون على فضائحك...؟"
تغيرت ملامح كبور؛ تلاشى ذلك القناع الواثق، وبدأت بذلته الفاخرة تبدو كأنها أصبحت أضيق على صدره. مسح جبينه بمنديل حريري، لكنه لم يجد ردا.
-هذا... هذا محض افتراء!
اندفع صوته، مشوبا بارتباك لم يعهده الجمهور من قبل.
-هؤلاء المستخدمون... إنهم مقصرون، أنا لا أتحمل مسؤولية تهاونهم!"
قاطعه عمر بحزم، ولم يترك له مساحة للهرب:
-هل ستحمل المستخدم البسيط مسؤولية سرقة تقاعده...؟ التفتيشات لا تتحدث عن تهاون الموظفين يا سيدي النفزاوي، انما عن اختلالات في التسيير المالي لإمبراطوريتك. الوثائق لا ترتشي... لكن يبدو أنك اعتدت أن كل شيء له ثمن.
ساد صمت مطبق في الاستوديو. كان المخرج قد وجه الكاميرا لتلتقط عن قرب وجه كبور، الذي بدأ يتعرق بوضوح. لم يعد الرجل الذي يتحدث عن "الخبز" و"الاستقرار"، بدا كمرتكب جريمة حوصر في الزاوية. في تلك اللحظة، كان انهيار هيبته أمام أعين الآلاف هو أقوى بيان انتخابي شهده الموسم.

كان ضجيج الصناديق يملأ المدينة كأنه زئير وحش معدني، لكن الصمت داخل القاعة المركزية كان أكثر صخبا، صمت يسبق الانهيار. وقف عمر قنديل في الزاوية المظلمة، يراقب الوسيط وهو ينهي مكالمته بابتسامة صفراء باهتة، ثم يلتفت إليه بنبرة تقطر سما:
-لقد أسدل الستار يا قنديل. الأرقام لا ترحم، والنفزاوي اكتسح كل شيء. لا مكان لك في الغد.. بل ربما لا مكان لك في المدينة.
لم يرتجف جفن لقنديل، ولم يمنح الوسيط لذة رؤية الانكسار في عينيه. تقدم بخطوات وئيدة نحو الطاولة المركزية، حيث تكدست أوراق النتائج كأنها أكفان لمشروعه السياسي. أمسك قلمه بحزم، وكأنه يوقع وثيقة طلاق مع عالم الزيف، وكتب على البيان الرسمي بمداد داكن كلمة واحدة: "باطلة".
في تلك اللحظة، فتحت الأبواب على مصراعيها، واقتحم النفزاوي المكان محاطا بهالة من حرسه. كانت خطواته إيقاعا لانتصار توهم أنه أزلي. توقف أمام قنديل، ونظر إليه باحتقار المتربع على العرش تجاه من يظنه متسولا:
-ألم أقل لك إنك تقاتل طواحين الهواء؟ الآن، اخرج من المدينة، أو ابق لتشهد كيف يبتلع التاريخ كل من ظن نفسه مصلحا."
رفع قنديل رأسه. ولأول مرة، اختفت تلك المرارة التي لازمته طوال الحملة، ليحل محلها هدوء يسبق العاصفة، صوت لا يرتجف لكنه يزلزل:
-أنت محق في شيء واحد يا نفزاوي: لقد فزت بالأرقام. لقد اشترت أموالك أصوات الجياع، وبنيت قصورك على أنقاض الكرامة. لكنك خسرت الشيء الوحيد الذي لا تدركه أسعار السوق: السكينة. من هذه اللحظة، ستطاردك نظرات من غدرت بهم في كل زاوية، سيلاحقك صوت الصمت الذي خلفته في النفوس. أنني باق هنا، ليس لأكون زعيما مهزوما، لأكون الشاهد الذي سيذكر الناس كل يوم بأنك لست قدرا محتوما، مجرد ظاهرة زائلة.
خرج قنديل من القاعة بخطوات ثابتة، تاركا خلفه ذهولا صامتا. في الساحة، كانت الحشود تتوقع زعيما يجر أذيال الخيبة، لكنهم وجدوا رجلا يمشي وسط الغبار، بقميصه الملطخ بآثار المعركة، ورأسه المرفوع بكبرياء لم يعهدوه في الساسة.
لم يلق قنديل خطابا حماسيا، كان حضوره بحد ذاته بيانا سياسيا. وقف في قلب الساحة، يراقب الحشود التي التفت حوله في ترقب غريب. كان شموخه يصرخ في وجدانهم: لقد سقط القناع، والآن تبدأ المواجهة الحقيقية.
حدث ما لم يحسب له النفزاوي حسابا في حساباته الباردة، لم يهتف أحد، ولم يصفق أحد. ساد صمت مخيف ومقدس، بدأ الناس يتفرقون في هدوء غير مسبوق، ليس بحثا عن الخبز هذه المرة، ليمارسوا طقس التطهير. بدأت الأيدي تمتد لتمزق صور النفزاوي عن الجدران، وتلقي ببطاقات الاقتراع في أكوام القمامة، في إعلان جمعي عن انتهاء حقبة الخوف. من وراء نافذته العالية، تجمد النفزاوي. كان يراقب طفلا يمزق صورته، وعجوزا يلقي بكرامته السياسية في الأرض. في تلك اللحظة، انهار صرح الغرور، أدرك النفزاوي الحقيقة القاتلة:
-لقد اشترى الصناديق، لكنه خسر الشعب. قنديل لم يهزمه في أوراق الاقتراع، هزمه في "الوعي". حول الهزيمة إلى شرارة، وأيقظ في قلوبهم حقائق لا تملك القصور قدرة على قمعها.
أغلق قنديل باب مقر حملته الأخير، وأطفأ الضوء. في الخارج، كانت المدينة تموج بصمت جديد، صمت لا ينم عن الانكسار، إنما عن مخاض لشيء أكبر.. صمت يعلم الجميع أنه العاصفة التي ستجتث كل شيء. انتهت المسرحية، وبدأ الواقع يكتب فصله الأول.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام


المزيد.....




- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...
- لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟ ...
- وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر
- مشوار مع بيسوا.. تأملات الذات العربية واليقين المفقود في حوا ...
- مدير مهرجان لوكارنو: السينما فن جماهيري لا نخبوي


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان