أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - المعجزات














المزيد.....

المعجزات


عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 10:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يرفض الفيلسوف باروخ سبينوزا المعجزات، بمفهومها الديني الشائع لدى الكثيرين، وعنده أن العقل أعظم المعجزات. وهو ما ينسحب أيضًا على كفاح الانسان، وابداعاته الحضارية.
يُعيد سبينوزا أصل إيمان العامة بالمعجزات إلى اليهود القدماء، حيث لجأ إليها هؤلاء، ليبينوا لغيرهم أن الطبيعة مُسيَّرَة لمصلحتهم وحدهم بأمر من إلههم الخاص بهم، فيقنعوهم بأن آلهتهم المنظورة كالشمس والنور والأرض والماء والهواء ضعيفة ومتقلبة، بل وتخضع لإله غير منظور.
ويشرط سبينوزا التفسير العلمي الصحيح للمعجزة، بمعرفة أفكار الرواة الأوائل وآراء المدونين، وبأساليب الخطابة والصور البلاغية عند العبرانيين. فالكثير من المعجزات رُوِيت بأساليب بلاغية، للتعبير عن أشياء لم تحدث.
يبني سبينوزا رؤاه هذه بشأن المعجزة على قاعدة فكرية مرجعية، مؤداها "أن الله هو الطبيعة والطبيعة هي الله".
رفض رجال رؤية سبينوزا هذه، وأخذوا عليه أنه يخلط بين الله والطبيعة. وقالوا ما يفيد بأن انكاره للمعجزات، يوازي رفضه لما يضمن بقاء الايمان في النفوس. فيرد عليهم سبينوزا، مبينًا مقصوده بقاعدته المرجعية المومأ إليها قبل قليل، بأن الاعتقاد بالمعجزات إنما يعني وجود قوتين، القوة الإلهية وقوة الطبيعة، وكأنهما منفصلتان لا علاقة بينهما. في هذه الحالة، يفرض نفسه التساؤل: كيف يوفق رجال الدين بين الاعتقاد بأن الله يسيطر على كل شيء بما في ذلك الطبيعة، ووجودها كقوة مستقلة عنه؟!
كل شيء يُنظر إليه على أنه خارق لقوانين الطبيعة، بحسب سبينوزا، هو في الوقت عينه خروج على الأمر الالهي. وما يعتقده الناس معجزات، منسجم تمامًا مع قوانين الطبيعة. قدرة الطبيعة، بمنظوره، هي نفسها قدرة الله وصفته المميزة، وقدرة الله هي ذاتها ماهيته. ولا شيء يحدث في الطبيعة يناقض قوانينها العامة. الطبيعة تسير دائمًا وفق قوانين وقواعد تنطوي على ضرورة وحقيقة أزليتين، وبذلك فإنها تتبع نظامًا ثابتًا لا يتغير.
وبما أن قوة الطبيعة هي قوة الله وقدرتها قدرته، وقوانينها وقواعدها أوامر الله، فإن قدرة الطبيعة لا نهائية، ولا شيء يحدث في الطبيعة خارج على قوانينها الثابتة.
ويستنتج سبينوزا مما سبق، أن لفظ معجزة وثيق الصِّلة بعدم قدرة الناس على إدراك علَّة شيء ما، وعدم قدرتهم على تفسيره. وهكذا يربط سبينوزا المعجزة بمستوى فهم العامة، وعلى وجه التحديد، جهلهم بمباديء الأشياء الطبيعية، وأن القدماء أدخلوا في إطار المعجزات كل ما لم يكن بمستطاعهم تفسيره.
ويرى سبينوزا أيضًا أن حدوث شيء في الطبيعة لا يتبع قوانينها الخاصة، أي معجزة، إنما يناقض النظام الضروري الأبدي، الذي وضعه الله في الطبيعة، من خلال قوانينها الشاملة، وبالتالي فإن الاعتقاد بالمعجزات يجعلنا نشك بذلك. لذا، فإن أية معجزة تناقض الطبيعة، أو تتجاوز قوانينها هي امتناع محض.
وبشأن ورود المعجزات في الكتب المقدسة، يرى سبينوزا أن هذه الكتب تروي الأشياء بترتيب وأسلوب يثيران في الناس، ولدى العامة بشكل خاص، الخيال وشحذ القدرات على التصوير ولا تروم اقناع العقل.
وكل ما ترويه الكتب المقدسة على أنه معجزات، فإنما حدث بالضرورة طبقًا لقوانين الطبيعة، شأن كل ما يحدث. أما ما تصر على أنه يناقض قوانين الطبيعة أو يخرقها ولم يصدر عنها، فمن واجبنا الاعتقاد بأنه إضافة إلى الكتب المقدسة، أقحمها العابثون بالمقدسات. فكل ما يناقض الطبيعة، يناقض العقل. وكل ما يناقض العقل ممتنع يجب رفضه.
ويلفت سبينوزا إلى المرويات في الكتب المقدسة، في سياق ما نحن بصدده، إذ يقول: "نادرًا ما يروي الناس شيئًا كما حدث، دون اقحام رأيهم الخاص به...يروي الناس في أخبارهم وفي قصصهم آراءهم الخاصة أكثر مما يروون الحوادث التي وقعت بالفعل، فتُروى الحادثة الواحدة، من قِبَلِ شخصين مختلفي الرأي، بطريقتين مختلفتين كل الاختلاف، لتبدو وكأنهما يتحدثان عن واقعتين مختلفتبن".
ويقول إن أشياء نُقلت في الكتاب المقدس على أنها وقعت بالفعل، وظنَّها الناس كذلك، لكنها رؤى وأمور خيالية، ومنها "نزول الله من السماء"(سفر الخروج التوراتي 18:19) و (سفر التثنية 5: 19). الشيء ذاته ينسحب على "تصاعد الدخان من جبل سيناء، لأن الله قد نزل محاطًا بالنار"، و "صعود إلياس إلى السماء في عربة من نار تجرها أحصنة من نار".

تأسيسًا على ما تقدم، تنبني رؤى سبينوزا للمعجزات على قاعدة رئيسه في فلسفته، هي وحدة الوجود. ويقصد بذلك أن قوانين الطبيعة ثابتة، والإله والطبيعة شيء واحد، وبالتالي فإن القول بحدوث خرق لنواميس الكون ينافي العقل. ولعدم قدرة العامة على تفسيره، أعادوه لقوة مفارقة. ويربط سبينوزا نشأة المعجزة بالمخيلة الشعبية، وعلى وجه التحديد ميلها للدهشة بدلًا من البحث العلمي. وعلى هذا يقتات رجال الدين، حيث أن ديدنهم استغلال الجهل للسيطرة على الناس.
أخيرًا، يخلص سبينوزا إلى انكار المُعجزات، بِعَدِّها تدخلًا خارجيًّا في الطبيعة. وبالقدر ذاته يؤكد أن ليس هناك ما يستعصي على العقل، أو العلم الطبيعي.



#عبدالله_عطوي_الطوالبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (7). المرتزقة
- النبوة بمنظور سبينوزا وعند فلاسفة مسلمين
- عفوًا يا وزارة الثقافة في ديرتنا الأردنية
- سبينوزا يفند أكذوبة شعب الله المختار
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (6) نصائح ميكافيلية للأمير
- الفساد
- قضية مُختلف بشأنها في موروثنا
- أنموذجات من لامعقول السياسات الرسمية العربية
- أسطورة خروج بني اسرائيل من مصر
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (5) شرعنة استخدام القوة
- رهان الكيان على تبعية الأنظمة
- أداء منتخبنا في المونديال
- الجريمة والعقاب
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (4) السيطرة على الدول المُس ...
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (3) نصائح جهنمية
- مكمن اللغز !
- الأخوة كارامازوف ملحمة روائية وعبقرية استثنائية
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (2) المعاناة حظ مكيافيلي في ...
- كِتاب الأشرار والطغاة والمستبدين (1) أشهَرَ مؤلفه وتسبب بلعن ...
- محاولة لفهم التنين من خلال فلسفته والدين(5) وأخيرة. خلاصات و ...


المزيد.....




- محسن رضائي يلوّح بدخول إيران لمرحلة الهجوم ويوجه دعوة للدول ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا مراكز دعم أمريكية في الكويت والب ...
- -كايروس فلسطين 2-..مرحلة جديدة في مناصرة الكنيسة للقضية الفل ...
- حرس الثورة الإسلامية: إيقاف 4 ناقلات مخالفة حاولت المرور عب ...
- قيادة القوة البحرية التابعة لحرس الثورة الاسلامية: إيقاف 4 ...
- خاص بـ”الحرة”: حملة الفساد تهز القوى الشيعية في العراقاعتقال ...
- حرس الثورة الإسلامية: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة من طراز إم ...
- حرس الثورة الاسلامية: انفجار ناقلتي نفط واندلاع حريق هائل في ...
- حرس الثورة الإسلامية: دمرنا مركزاً رئيسياً للذكاء الاصطناعي ...
- حرس الثورة الاسلامية: جميع البلدان التي تستضيف قواعد أمريكية ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عبدالله عطوي الطوالبة - المعجزات