أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع















المزيد.....

گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 13:43
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


كان المرحوم عويز فرهود يستقبل الداخل إلى مقهاه بعد رد التحية بكلمتين: (الله بالخير…)
لم يكن استقبال عابر بل مفتاحا لمكان يشعر فيه الغريب أنه واحد من أهل المدينة قبل أن يحتسي أول استكان شاي.
كان يكفي أن تعبر الأزقة الضيقة المؤدية إلى السوق القديم حتى تجد گهوة عويز تستقبلك بهدوئها وكأنها قطعة من روح الخضر. هناك لم تكن المقاعد مجرد خشب ولا أكواب الشاي مجرد شراب بل كانت وسيلة يلتقي حولها الناس يتبادلون الأخبار ويختلفون في المساومات التجارية أو السياسة ثم يغادرون كما دخلوا… جيرانا وأصدقاء.
لم تكن الخضر يومها تعرف المقاهي الكبيرة لكنها كانت تعرف جيدا أن لكل مقهى شخصيته. أما گهوة عويز فقد كانت لها شخصية صاحبها.
كان الرجل يؤمن أن المقهى مكان يجمع الناس لا يفرقهم.
ولهذا لم يكن غريبا أن يجلس في المساء الشيوعي إلى جوار البعثي والقومي إلى جانب الإسلامي ويتبادل الجميع الحديث في شؤون المدينة والحياة بينما يبقى عويز منشغلا بإعداد الشاي كأنه يقول للجميع إن اختلاف الرأي لا يفسد دفء المكان.
ومع بزوغ الفجر كانت گهوة عويز تستقبل وجها آخر غير الذي تعرفه عند المساء.
فالذين يجلسون صباحا ليسوا هم الذين يملؤونها مساءا.
في الصباح كان القادمون من القرى المحيطة بالخضر يحتلون المقاعد الأولى. جاء هذا يحمل معاملة وآخر ينتظر وسيلة نقل تعيده إلى قريته وثالث قصد السوق لبيع محصوله او للتسوق لعائلته ورابع جاء لزيارة مقام العبد الصالح الخضر. كانت المقهى بالنسبة لهم أول محطة وآخر محطة قبل العودة.
أما بعد الظهر
يحل محلهم المعلم والموظف، الطالب، المثقف، وأصحاب الاتجاهات السياسية المختلفة، فيتحول المكان إلى مجلس مفتوح تتداخل فيه الأحاديث كما تتداخل رائحة الشاي مع رائحة الدارسين.
ويقول السيد رحيم عويز فرهود الذي واصل إدارة المقهى بعد والده إن گهوة عويز افتتحت سنة 1952 ومنذ ذلك الوقت لم تكن مجرد محل لبيع الشاي بل كانت ملتقى لأبناء المدينة على اختلاف أفكارهم.
ففي المساء يجتمع فيها الشيوعيون، والقوميون، البعثيون، الإسلاميون، والمثقفون من الطلاب، بينما يكون الصباح للقادمين من الريف وأصحاب الأعمال البسيطة وزوار مقام الخضر.
ورغم هذا التنوع الكبير، لم يكن المقهى يعرف الخصومات التي تمزق المجالس.
فالاختلاف كان يبقى في الرأي…
أما الاحترام فكان يجمع الجميع.
ولعل هذه واحدة من أجمل الصور التي احتفظت بها الخضر عن تلك المرحلة مدينة صغيرة، لكن أبناءها كانوا يعرفون كيف يختلفون دون أن يتحول اختلافهم إلى قطيعة.
وكان المرحوم عويز يدرك هذه الحقيقة جيدا.
لذلك كان حريصا على أن تبقى المقهى مكانا للهدوء بعيدا عن كل ما يثير النزاع أو يفسد روح المجلس.
ويذكر ابنه رحيم أن والده كان يمنع لعب الدومينو في حياته لأن المقهى بالنسبة إليه لم تكن مكانا للضجيج بل مجلسا يحترم الكبير ويطمئن إليه الغريب ويجد فيه القادم من السفر شيئا من راحة البيت.
حتى طريقة تعامله اليومية لم تكن مجرد تحية بل كانت جزءا من شخصية المكان حتى إن كثيرا من أبناء الخضر ما زالوا يربطون بعض العبارات بصوت المرحوم عويز كلما مر اسمه في حديث أو مجلس.
ثم جاءت نهاية السبعينيات، لتفرض على المقهى أول امتحان حقيقي.
قررت الدولة إزالة عدد من الأبنية القديمة لشق الطريق وبناء جسر الخضر المعروف ب(جسر الهنود) وكان من بينها گهوة عويز.
رحل البناء… لكن المقهى لم ترحل.
انتقلت إلى مكان آخر ثم إلى ثالث وبقي الاسم كما هو لأن الذي كان يجذب الناس لم يكن الجدران بل الإنسان الذي صنع للمكان روحه.
لكن أكثر ما يكشف شخصية المرحوم عويز لم يكن الشاي الذي يقدمه ولا موقع المقهى بل طريقة تعامله التي بقيت عالقة في ذاكرة من عرفوه.
في أواخر السبعينيات بدأت الدولة بتوزيع أجهزة التلفزيون على عدد من المقاهي في العراق في محاولة لتحويلها إلى أماكن يجتمع فيها الناس لمتابعة الأخبار والبرامج الرسمية. وكانت أجهزة التلفزيون آنذاك قليلة حتى إن كثيرا من أبناء الخضر كانوا يقصدون المقاهي فقط لمشاهدة نشرة الأخبار أو مباراة لكرة القدم أو برنامج يحظى بمتابعة واسعة.
وصل الدور إلى گهوة عويز.
لكن المفاجأة أن الرجل رفض استلام جهاز التلفزيون.
لم يكن رفضه موقفا سياسيا ولم يكن تحديا لأحد بل أجاب ببساطة يعرفها كل من عرف طباعه:
(أنا أغلق المقهى عند المغرب… فما حاجتي إلى تلفزيون لا يعمل إلا ليلا؟)
كان جوابا بسيطا…
لكنه أنقذه من مشكلة أكبر.
ويستذكر السيد رحيم عويز أن بعض المنتسبين إلى الحزب حاولوا بعد ذلك استدراج والده إلى موقف محرج فسأله أحدهم:
(ليش ما معلّگ صورة الرئيس أحمد حسن البكر والسيد النائب صدام حسين؟).
فنظر إليه المرحوم عويز وقد أدرك ما يراد من السؤال، وقال بعفويته المعهودة:
(شنو… حضرتك تريد تورطني؟).
وانتهى الحديث عند هذا الحد. كانت جملة قصيرة…
لكنها تختصر شخصية رجل عرف كيف يحمي نفسه، ويحافظ في الوقت نفسه على استقلال مكانه دون أن يدخل في خصومات لا يحتاجها.
ولهذا بقيت گهوة عويز مفتوحة لكل أبناء المدينة.
لم يسأل الداخل عن انتمائه ولم يمنع أحدا من طرح رأيه.
كان يكفي أن يدخل ويجلس ويطلب استكان شاي.
ومع مرور السنوات تغيرت أشياء كثيرة.
رحل المرحوم عويز وتغيرت إدارة المقهى وتبدلت عادات الناس.
فبعد أن كان يمنع لعبة الدومينو حفاظا على هدوء المكان أصبحت الطاولات تمتلئ باللاعبين وأخذ صوت قطع الدومينو يطغى على هدوء الأحاديث القديمة.
ثم جاءت الأركيلة لتعلن أن زمنا آخر بدأ يدخل المقاهي العراقية ومنها مقاهي الخضر فتغير المشهد مرة أخرى.
ولم يعد رواد المقهى هم أنفسهم. ولم تعد الأحاديث هي ذاتها.
لكن شيئا واحدا بقي ثابتا…
كل من يذكر گهوة عويز لا يبدأ بالمكان…
بل يبدأ بصاحبها.
ومع كل هذه التحولات لم تعد گهوة عويز مجرد بناء انتقل من مكان إلى آخر ثلاث مرات ولم تعد مجرد محل يقدم الشاي كما تفعل عشرات المقاهي.
لقد أصبحت جزءا من ذاكرة الخضر.
فيها تعارف الناس وتصافح المختلفون وانتظر القادمون من الريف سيارات العودة إلى قراهم واستراح زوار مقام العبد الصالح الخضر قبل مواصلة طريقهم وتبادل المثقفون والشباب أحاديث السياسة والأدب والحياة دون أن يفقد المكان هدوءه أو احترامه للآخر.
واليوم حين يمر أبناء الخضر من المكان الذي كانت تقف فيه المقهى قد لا يجدون الجدران نفسها ولا المقاعد نفسها ولا حتى الأزقة التي كانت تقود إليها قبل أن تتغير ملامح المدينة بعد ان تم رفع جسر الهنود وبناء آخر وتم بناء سوق الصوب الكبير وتوسع العمران.
لكنهم يجدونها في ذاكرتهم. فبعض الأماكن لا تحفظها الخرائط… بل تحفظها القلوب.
ولعل أجمل ما تركه المرحوم عويز فرهود لم يكن مقهى استمر أكثر من سبعين عاما وإنما تلك الروح التي جعلت الداخل إليها يشعر بأنه بين أهله مهما كان انتماؤه أو طبقته الاجتماعية أو رأيه السياسي.
لقد رحل الرجل… وبقيت سيرته وجمله القصيرة، التي كانت تختصر فلسفة حياة كاملة، أن يبدأ اللقاء بالتحية وأن يغادر الناس وهم يحملون من المكان أكثر مما حملوه إليه.
واليوم ونحن نوثق تاريخ گهوة عويز فإننا لا نوثق جدرانا أو طاولات أو استكانات شاي بل نوثق جانبا من تاريخ مدينة الخضر حين كانت المقاهي مدارس للحياة وكانت تجمع المختلفين حول استكان شاي قبل أن تفرقهم الانشغالات.
وربما لهذا فإن الحفاظ على ذاكرة گهوة عويز بالصور والوثائق وشهادات من عاشوا أيامها ليس وفاء لرجل واحد أو لمقهى واحد بل وفاء لمرحلة كاملة من تاريخ الخضر ولجيل ما زال يتذكر أن مدينة صغيرة على ضفاف الفرات كانت تملك مقهىً تلتقي فيه الآراء المختلفة… وتبقى القلوب متآلفة…



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ربية الخضرية فوق جبال كردستان
- الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة
- الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر
- حين يصنع الرمز… ولا يولد
- الشمال… صُنّاع ذاكرة المدينة يرحلون ويبقى إشعاعهم
- اللحية… حين تتحول الرموز إلى لغة سلطة
- حين تفقد الدولة احتكارها للصراع… من يقرر الحرب اليوم؟
- أيام الحب والحرب
- ماذا تفعل أوروبا إذا توافد اللاجئون من دول الخليج؟
- الجهراء… حين أنقذت القبائل العراقية ما عجز عنه جيش الإخوان


المزيد.....




- ترامب: وافقنا على استمرار المحادثات مع إيران لكننا أبلغناهم ...
- النيابة المصرية تصدر بيانا بشأن تسريب امتحانات الثانوية العا ...
- تحذير إيراني شديد اللهجة لإسرائيل: لن تبقوا في مأمن وستطالكم ...
- حرائق الغابات تترك أثرا داميا في أوروبا خلال العقد الماضي
- اكتشاف عامل مفاجئ يؤثر على جودة الحيوانات المنوية
- مقطع فيديو يشعل الجدل.. هل ظهر مجتبى خامنئي في تشييع والده؟ ...
- -جيروزاليم بوست-: هل تحل تركيا محل إيران كأكبر تهديد استراتي ...
- هدية المسدس من أردوغان: تجاوز دبلوماسي أم تقليد قديم؟
- حسام وإبراهيم حسن.. حكاية التوأمين مع منتخب مصر
- تقرير عبري صادم عن أزمة -عميقة- يعاني منها الجيش الإسرائيلي ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع