فرست مرعي
كاتب
(Farsat Marie)
الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 17:58
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
وفي هذا السياق جاءت زيارة ناصر الدين شاه القاجاري(1848 -1896م) إلى العراق في شهر تشرين الثاني عام 1870م، وهي الزيارة التي تجاوزت في أهميتها كونها رحلة لزيارة العتبات المقدسة، إذ تحولت إلى مناسبة سياسية كبرى أرادت من خلالها الدولتان إظهار حسن النية، وتسوية عدد من الملفات العالقة. فقد كان والي بغداد مدحت باشا يدرك أن نجاح الزيارة لن يقاس بحفاوة الاستقبال وحدها، وإنما بقدرته على إقناع الشاه بأن الإدارة العثمانية قادرة على حماية الزائرين الإيرانيين، وتأمين الطرق، وتنظيم حركة الجنائز، والحفاظ على قدسية المشاهد الدينية، وفي الوقت نفسه المحافظة على سيادة الدولة العثمانية على ولاياتها العراقية.
ولهذا استقبل والي العراق العثماني "مدحت باشا" الشاه استقبالًا رسميًا بالغ العناية، ورافقه في عدد من زياراته إلى الكاظمية وكربلاء والنجف، وأظهر له ما أُنجز من إصلاحات عمرانية وإدارية في بغداد والطرق المؤدية إلى العتبات. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تحظى قضايا الزائرين والدفن باهتمام خاص خلال الزيارة؛ لأن الحكومة القاجارية كانت تتلقى باستمرار شكاوى من رعاياها بشأن الرسوم، وإجراءات الحجر الصحي، وما يتعرض له بعض الزائرين أو قوافل الجنائز من مضايقات على الطرق. وكان مدحت باشا يسعى إلى طمأنة الشاه بأن الدولة العثمانية حريصة على احترام الشعائر الدينية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التخلي عن الأنظمة التي تراها ضرورية لحماية الأمن والصحة العامة.
وتذكر مذكرات ناصر الدين شاه أنه أبدى اهتمامًا بالغًا بما شاهده في النجف، ولا سيما التنظيم الإداري للعتبة العلوية، وكثرة الزائرين الإيرانيين، والحركة التجارية المزدهرة التي كانت تدور حولها. كما سجل انطباعاته عن وادي السلام، الذي كان قد اتسع في ذلك الوقت ليضم آلاف القبور القادمة من مختلبلغت زيارة ناصر الدين شاه إلى العراق ذروتها عندما دخل بغداد في أواخر سنة 1870م، بعد أن هيأت له الحكومة العثمانية استقبالًا لم تشهده الولاية منذ سنوات طويلة. فقد أدرك الباب العالي أن نجاح هذه الزيارة سيعكس صورة الدولة العثمانية أمام جارتها الشرقية، ويؤكد قدرتها على إدارة الولايات العربية وحماية العتبات المقدسة التي كانت تحظى بمكانة روحية عظيمة لدى ملايين الشيعة في إيران والهند وآسيا الوسطى. ولهذا أوكلت المهمة إلى والي بغداد مدحت باشا، الذي كان قد بدأ منذ توليه الولاية بتنفيذ برنامج واسع للإصلاح الإداري والعمراني، ورأى في الزيارة فرصة لإظهار نتائج تلك الإصلاحات.
وقد أفردت جريدة الزوراء، التي أصدرها مدحت باشا سنة 1869م بوصفها أول صحيفة رسمية في العراق، أخبارًا مطولة عن استقبال الشاه، ووصفت بالتفصيل مظاهر الاحتفاء التي أعدتها الحكومة العثمانية. وتحدثت عن خروج الوالي وكبار الموظفين وقادة الجيش لاستقبال الضيف عند مشارف بغداد، وعن تزيين المدينة، وإطلاق المدافع، وإقامة الاحتفالات الرسمية، كما أشارت إلى أن الشاه أبدى ارتياحه لما شاهده من نظام وأمن وعمران. ويلاحظ عند قراءة أخبار الزوراء أن الصحيفة تعمدت إبراز روح الود بين الدولتين، وتجنبت الإشارة إلى الخلافات السياسية، لأن هدفها الرئيس كان إظهار الدولة العثمانية بمظهر الدولة القوية القادرة على استقبال الملوك ورعاية الحجاج والزائرين.
غير أن ما لم تقله الصحيفة الرسمية ظهر بوضوح في الوثائق الدبلوماسية البريطانية. فقد كان القنصل البريطاني في بغداد الكولونيل تشارلز هربرت (Lieutenant-Colonel Charles Herbert)، يراقب الزيارة بدقة، ويرفع تقارير مفصلة إلى حكومته، لأن بريطانيا كانت تنظر إلى العراق بوصفه الطريق الأقصر إلى الخليج والهند، وكانت تخشى من أي تقارب سياسي قد يغير موازين القوى في المنطقة. وتكشف هذه التقارير أن المباحثات بين الجانبين لم تقتصر على المجاملات، بل تناولت موضوعات عملية، في مقدمتها أمن الحدود، وحركة القبائل، وحماية القوافل، وتنظيم زيارة الإيرانيين للعتبات المقدسة، والتخفيف من المشكلات التي كانت تواجه قوافل الجنائز عند عبورها الأراضي العثمانية.
وكان ملف الجنائز حاضرًا بصورة غير مباشرة في هذه المناقشات، لأن الحكومة الإيرانية كانت تتلقى باستمرار شكاوى من رعاياها حول الرسوم المفروضة على نقل الموتى، وإجراءات الحجر الصحي، وطول مدة الانتظار عند المنافذ الحدودية. وفي المقابل، كان مدحت باشا يؤكد أن هذه الإجراءات لا تستهدف الإيرانيين، وإنما جاءت استجابة لمتطلبات الصحة العامة، ولا سيما بعد موجات الكوليرا التي اجتاحت العراق وإيران في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأدت إلى وفاة عشرات الآلاف من السكان. وقد كان الأطباء العثمانيون يعتقدون أن نقل الجثامين لمسافات طويلة قد يسهم في انتشار العدوى، وهو ما دفع الإدارة العثمانية إلى التشدد في بعض الفترات، الأمر الذي أثار اعتراض رجال الدين والتجار الإيرانيين.
وتكشف مذكرات ناصر الدين شاه، التي دوّن فيها تفاصيل رحلته إلى العتبات المقدسة، عن اهتمام خاص بمدينة النجف. فقد وصف المدينة بأنها القلب الروحي للعالم الشيعي، وأبدى إعجابه بما شاهده من حلقات الدرس في الحوزة العلمية، ومن كثرة الزائرين الوافدين من إيران والهند والقوقاز. كما سجل انطباعاته عن الصحن العلوي، وما يحويه من نفائس وتحف وأوقاف، ولاحظ كثرة الإيرانيين المقيمين في النجف إقامة دائمة، سواء للدراسة أو التجارة أو خدمة الزائرين. وكان هذا الوجود الإيراني الكثيف أحد الأسباب التي جعلت الحكومات القاجارية تتابع أوضاع النجف باهتمام بالغ، دون أن يكون لها أي سلطان سياسي عليها، إذ بقيت المدينة خاضعة للإدارة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.
وقد أسهم هذا الحضور المستمر في أن تتحول النجف إلى موطن دائم لعشرات الأسر الإيرانية التي اندمجت مع المجتمع المحلي، كما أصبح كثير من العلماء الإيرانيين يقيمون فيها سنوات طويلة، بل ويموتون ويدفنون فيها. ومن بين أبرز هؤلاء الفقيه الكبير الشيخ مرتضى الأنصاري، الذي توفي سنة 1864م ودُفن في النجف، وأصبح قبره من أشهر المزارات العلمية فيها. كما دُفن فيها الميرزا حبيب الله الرشتي، والميرزا محمد حسن الشيرازي بعد نقل رفاته من سامراء، وعدد من كبار المراجع الذين كانت أصولهم من تبريز وأصفهان وقزوين ويزد وكاشان. وهؤلاء جميعًا يمثلون الجانب العلمي من العلاقة بين إيران والنجف، وهو جانب لا يقل أهمية عن حركة الجنائز العامة.
أما فيما يتعلق بالأسرة القاجارية، فإن المصادر الموثقة تؤكد وجود قبور لعدد من الأميرات، وبعض أبناء الأسرة، وعدد من زوجات الأمراء وكبار رجال البلاط في النجف، إلا أن الادعاء بأن ملوك القاجار أنفسهم دُفنوا في النجف لا تؤيده المصادر التاريخية. فقد دُفن فتح علي شاه في قم، ومحمد شاه في قم أيضًا، وناصر الدين شاه في مرقد شاه عبد العظيم بمدينة الري بعد اغتياله سنة 1896م، كما دُفن مظفر الدين شاه في كربلاء وليس في النجف، بينما دُفن أحمد شاه القاجاري في كربلاء بعد وفاته في المنفى سنة 1930م. وهذه الحقيقة التاريخية مهمة لأنها تميز بين أفراد الأسرة القاجارية الذين اختار بعضهم النجف، وبين الملوك الذين كانت لهم ترتيبات دفن مختلفة ارتبطت بالمراقد الملكية أو بالظروف السياسية.
ومن هنا يتضح أن وادي السلام لم يكن مجرد مقبرة، بل كان فضاءً تتقاطع فيه السياسة والدين والاقتصاد. ففيه اجتمع علماء إيران والعراق، ودفن فيه كبار التجار والأعيان، واختلطت قبور العرب والفرس والهنود والأتراك والأفغان، حتى غدت المقبرة شاهدًا حيًا على وحدة المجال الديني الشيعي، وفي الوقت نفسه على التعقيدات السياسية التي فرضتها الحدود بين الدولتين العثمانية والقاجارية. ولهذا لم يكن غريبًا أن تحتل قضايا الدفن والزيارة مكانًا دائمًا في المراسلات الرسمية، وأن تتحول أحيانًا إلى سبب للتوتر الدبلوماسي، أو إلى مدخل للتقارب عندما تسود العلاقات الودية.
ومن منظور تاريخي، فإن دراسة هذه الظاهرة تكشف أن العتبات المقدسة لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل كانت أيضًا مراكز مؤثرة في حركة البشر ورؤوس الأموال والأفكار. فالقوافل التي كانت تحمل الموتى كانت تحمل معها كذلك الكتب، والرسائل، والأموال، والهدايا، والطلاب، والتجار، مما جعل الطريق بين إيران والعراق أحد أكثر طرق الشرق الأوسط نشاطًا خلال القرن التاسع عشر. ولهذا فإن فهم العلاقات العثمانية–القاجارية لا يكتمل بالتركيز على الحروب والمعاهدات وحدها، بل يقتضي دراسة الظواهر الاجتماعية والدينية التي أسهمت، ربما أكثر من السياسة نفسها، في صياغة تلك العلاقات.
وإذا أمعنا النظر في العلاقات العثمانية–القاجارية خلال القرن التاسع عشر وجدنا أن معظم الدراسات ركزت على النزاعات الحدودية، أو على معاهدتي أرضروم الأولى والثانية، أو على الصراع حول القبائل الكوردية وشط العرب، في حين أن ملف الجنائز لم يحظ بالعناية نفسها، مع أنه كان حاضرًا في معظم المراسلات بين بغداد وطهران وإسطنبول. فقد كانت الدولة القاجارية تنظر إلى حرية انتقال رعاياها إلى العتبات المقدسة، أحياءً وأمواتًا، على أنها مسألة تمس مكانتها الدينية أمام الرأي العام الشيعي، بينما كانت الدولة العثمانية ترى أن إدارة هذه الحركة الضخمة تدخل في صميم سيادتها على ولاياتها العراقية، وأن من حقها فرض الرسوم والأنظمة الصحية والإدارية التي تراها مناسبة.
ومن هنا لم تكن رسوم الدفن مجرد ضريبة مالية، بل كانت تعبيرًا عن السيادة. ولم يكن الحجر الصحي مجرد إجراء طبي، بل أصبح وسيلة تمارس بها الدولة سلطتها على حدودها. وحتى قوافل الجنائز نفسها لم تكن بمنأى عن السياسة، إذ كانت تخضع للتفتيش، وتنتظر في المحاجر الصحية، وتدفع الرسوم، ثم تمر بمناطق نفوذ القبائل العربية والكوردية التي كانت تحصل بدورها على عوائد من حماية الطرق أو مرافقة القوافل. وقد وصفت التقارير البريطانية هذه الحركة وصفًا دقيقًا، مبينة أن آلاف الجثامين كانت تنقل سنويًا من إيران إلى النجف وكربلاء، وأن تكاليف النقل والرسوم كانت مرتفعة، كما أشارت إلى استغلال بعض المتعهدين لهذه التجارة وإلى المخاوف الصحية التي أثارتها. وتورد دليل الخليج الذي أعده جون جوردون لوريمر أرقامًا رسمية تظهر دفن 9,620 جثمانًا سنة 1889م و14,354 جثمانًا سنة 1890م في العتبات العراقية، معظمها لرعايا إيرانيين، مع وصف تفصيلي لطريقة نقل الجثامين والرسوم والمخاطر الصحية المصاحبة لها.
وفي هذا السياق اكتسبت زيارة ناصر الدين شاه إلى العراق سنة 1870م أهمية استثنائية. فهي لم تكن رحلة تعبدية فحسب، وإنما كانت إعلانًا عن مرحلة جديدة من العلاقات بين الدولتين بعد سنوات من التوتر. وقد حرص الوالي العثماني على العراق "مدحت باشا" على أن يجعل من الزيارة عرضًا حيًا لنجاح مشروعه الإصلاحي في بغداد، فأظهر للشاه الأمن الذي تحقق في الطرق، والعناية التي أولتها الإدارة العثمانية للعتبات المقدسة، والتنظيم الذي أُدخل على شؤون الزائرين. وفي المقابل، وجد ناصر الدين شاه في هذه الرحلة فرصة للاطلاع بنفسه على أحوال المدن المقدسة التي كان ملايين الإيرانيين يعدونها امتدادًا روحيًا لبلادهم. وقد سجل في يومياته كثافة الحضور الإيراني في النجف، وازدحام الصحن العلوي بالزائرين، واستقبال العلماء وطلاب الحوزة له، كما أشار إلى قبور عدد من الشخصيات الإيرانية في المدينة، وهو ما يعكس عمق الصلة بين النجف وإيران في العصر القاجاري.
ولعل من أكثر ما يلفت النظر أن هذه العلاقة لم تكن علاقة دولة بدولة فحسب، بل كانت علاقة مجتمعين. فالنجف لم تستقبل الساسة والملوك وحدهم، بل استقبلت العلماء والفقهاء والتجار والأسر الإيرانية التي استقرت فيها أجيالًا متعاقبة. كما أن وادي السلام لم يضم قبور عامة الناس فقط، بل احتوى أيضًا قبور أمراء وأفراد من الأسر الحاكمة في عصور متعددة، من البويهيين والصفويين والقاجاريين وغيرهم، وهو ما تؤكده ملفات ترشيح المقبرة ضمن قائمة التراث العالمي.
ولذلك فإن دراسة ظاهرة الدفن في النجف لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها جانبًا من التاريخ الديني فحسب، وإنما بوصفها نافذة لفهم الاقتصاد، والإدارة، والصحة العامة، والحدود، والعلاقات الدولية في المشرق خلال القرن التاسع عشر. فالجثمان الذي كان يغادر تبريز أو أصفهان أو شيراز لم يكن ينهي رحلته عند بوابات وادي السلام، بل كان يمر في طريقه بسلسلة طويلة من الإجراءات والسلطات والضرائب والمحاجر الصحية والوسطاء والمتعهدين، حتى غدت رحلة الموت نفسها جزءًا من تاريخ الدولة الحديثة في كل من الدولة العثمانية وإيران القاجارية.
ولهذا فإن أي حدث معاصر يتعلق بالعتبات المقدسة أو بنقل شخصيات إيرانية بارزة إلى العراق لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا الإرث التاريخي الممتد. فالنجف لم تكن عبر القرون مجرد مكان للدفن، وإنما كانت نقطة التقاء الدين بالسياسة، والجغرافيا بالعقيدة، والدبلوماسية بالمجتمع. ومن هنا فإن دراسة زيارة ناصر الدين شاه، وقوافل الجنائز، ووادي السلام، لا تعني استعادة صفحات من الماضي فحسب، بل تساعد أيضًا على فهم جذور ظواهر ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات العراقية–الإيرانية حتى اليوم، مع اختلاف السياقات السياسية والقانونية.
#فرست_مرعي (هاشتاغ)
Farsat_Marie#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟