أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - علي الوردي وطبيعة الوعظ














المزيد.....

علي الوردي وطبيعة الوعظ


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 19:52
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


في (وعاظ السلاطين) وضع علي الوردي "يده على الجرح" كما في المثل الدارج، فقد أوضح كيف أن الوعاظ كانوا يبررون للحكام تصرفاتهم إزاء الرعية والسلاطين، فيصيغون الفتاوى لإعطائه الذريعة في سرقة بيت المال، الذي يمثل بلغة اليوم "وزارة المالية". ولم يكن هذا التبرير مجانياً، بل كان الوعاظ بدورهم يستفيدون من عطاياه وهباته، وهي مهنتهم التي يعتاشون عليها ويضمنون بها ديمومة نفوذهم. هذا التشخيص الدقيق لعالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي لم يكن مجرد رصد تاريخي، بل كان تفكيكاً لآلية سيكولوجية عميقة تحول فيها الخطاب الديني التبريري إلى غطاء شرعي للفساد السياسي والاقتصادي، حيث تلتقي مصلحة السلطان المستبد بمصلحة الواعظ المنتفع على حساب قوت الأمة وعدالتها.
وفي كتابه (في طبيعة المجتمع العراقي)، لم يبتعد الوردي عن هذا النهج النقدي، بل عمّق رؤيته حين قسم المجتمع العراقي إلى أقسام وشرائح تبعاً لطبيعتها الثقافية والبيئية، مستعرضاً طبيعة الوعظ آنذاك كأداة لتخدير الوعي الجمعي وتكريس ازدواجية الشخصية. واللافت في عبقرية الوردي ليس فقط قدرته على توصيف الواقع الذي عاصره، بل في حسه الاستشرافي المذهل؛ فقد تنبأ بدقة بما يجري اليوم في واقعنا المعاصر، بعد أن رأى كيف يمكن لسلالة أولئك الوعاظ أن تتناسل وتتطور. وما نعيشه اليوم من أزمات سياسية واجتماعية ليس سوى انعكاس لظهور الورثة الجدد من أولئك الوعاظ، الذين ارتدوا عباءات حديثة وتحدثوا بمصطلحات مواكبة للعصر، لكنهم يمارسون الدور القديم ذاته في تبرير الفساد، وإيجاد الذرائع للفاسدين، وحماية ناهبي المال العام مقابل الفتات والعطايا.
وهذا الاستشراف الدقيق ليس غريباً على علي الوردي، وهو العالم الخبير بمجتمعات العراقي هذا، والذي غاص في أعماق الشخصية العراقية وتناقضاتها وفهم محركاتها الأساسية. لقد أدرك الوردي مبكراً أن خطورة وعاظ السلاطين لا تكمن في أشخاصهم، بل في "المنظومة التبريرية" التي يؤسسون لها، والتي تجعل من الجريمة الاقتصادية والسياسية أمراً مقبولاً أو مسكوتاً عنه تحت غطاء التأويل. إن قراءة الوردي تظل حية ونابضة لأنها تفكك الحاضر بأدوات الماضي، وتؤكد أن مواجهة الفساد في وزارة المالية أو في أي مفاصل الدولة لا تبدأ فقط بملاحقة السارق، بل بتبديد وتعرية الخطاب التبريري الذي يصنعه سلالة الوعاظ لشرعنة السلب والنهب.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق
- هل وصلت رسالة الحُسين؟
- قلقنا المزمن
- الأسئلة الوجودي في (شمس حمراء)
- الرمز والبُعد الانساني في (ورد السماء)
- ادغار موران: هل نسير إلى الهاوية؟
- كولن ويلسون: ثمة مقدرة للإنسان أن يصبح كالآلهة
- نوال السعداوي: الرجل والجنس
- تعلّمَ من الجوع
- ماريا كونيكوفا: كيف نفكر بوعي ونتجنب الأخطاء الذهنية
- غوستاف لوبون: سيكولوجية الجماهير
- فروم: الانسان بين المظهر والجوهر
- فرويد: الدين مستقبل وهم
- الدكتور علي كمال: الجنس والنفس في الحياة الانسانية1/ 2
- الجنس والنفس في الحياة الانسانية2/ 2
- كيف جمع رياض داخل نخبة الأدباء بقلب واحد
- ملامحَنا القديمة
- معاوية يؤسس أول حكومة مدنية


المزيد.....




- الأوقاف الفلسطينية: الاحتلال اقتحم المسجد الأقصى 26 مرة خلال ...
- رئيس مجلس الدولة العُماني عبد الملك بن عبد الله الخليلي: دعم ...
- مفتي الجمهورية التونسية الشيخ هشام بن محمود: القائد الشهيد ك ...
- قائد القوات البحرية الإيرانية: المقاومة لم تعد تنحصر في جغر ...
- 125 مستوطنا يقتحمون المسجد الأقصى
- البرادعي يعلّق على تدوينة لبابا الفاتيكان عن موت المهاجرين ف ...
- المرجع الديني البحريني آية الله عيسى قاسم: قائد الثورة الشه ...
- الشيخ عيسى قاسم: مسيرة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستستمر ...
- السفارة الايرانية في مكسيك تقيم حفل تأبين للقائد الشهيد السي ...
- طاجيك: وقفت القوات المسلحة، بدعم من الشعب وجميع مسؤولي الجم ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - داود السلمان - علي الوردي وطبيعة الوعظ