أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - الفصل الثامن 4/1















المزيد.....



الفصل الثامن 4/1


عصام حافظ الزند

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 09:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(ننشر على حلقات بعض من فقرات كتابنا "البدو والإسلام جذور التطرف" والذي قامت مجموعة من الامن الوطني العراقي بمصادرته من جناح دار النهار في معرض بغداد وقد وجهنا رسالة الى الجهات الرسمية العراقية تجدونها على صفحاتنا في الحوار المتمدن)
مُعاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيان
(والله مَا مَعَاوية بأدهى منّي، وَلكِنّهُ يَغْدِرُ وَيَفْجر، وَلولا كَرَاهِيةُ ألغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أدهى الناسِ، وَلَكنْ كُلُ غَدرة فَجْرَةٍ، وَكُلُ فَجْرَةٍ كُفْرةٌ........ علي بن أبي طالب في معاوية نهج البلاغة محمد عبدة ص464)
أَبُو عَبْدِ الرَحْمٰنِ مُعاوِيَةُ بْنُ صَخْرٍ الأُمَوِيُّ القُرَيشِيُّ، هُوَ أَهَمُّ أَبْناءِ أَبِي سُفْيانَ إِلَى جانِبٍ يَزِيدَ، أُمُّهُ هِنْد بِنْتُ عَتَبَةَ وَتُلَقَّبُ "بِآكِلَةِ الأَكْبادِ" لِأَنَّها كَما يُقالُ فِي الأَخْبارِ أَكَلَتْ كَبِدَ حَمْزَةَ عَمَّ النَبِيِّ اِنْتِقاماً لِمَقْتَلِ ذَوِيها وَكَما يَقُولُ العَقّادُ لَمْ تَنْسَ حُزْنَها عَلَى ذَوِيها حَتَّى إِنَّها ذَكَرَتْهُ يَوْمَ إِسْلامِها عِنْدَما ذَكَرَها النَبِيُّ وَالنِساءُ مَعَها بِجُمْلَةٍ مِنْ الوَصايا مِنْها قالَ ﷺ: وَلا تَقْتُلْنَّ أَوْلادَكُنَّ فَقالَتْ وَبِصَلافَةٍ: أَمّا الأَوْلادُ فَقَدْ رَبَّيْناهُمْ صِغاراً وَقَتَلَتْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِباراً، فَأَنْتَ بِهِمْ أَعْلَمُ. وَلَنا أَنْ نَتَصَوَّرَ أَيَّ تَرْبِيَةٍ أغْرَزَتْ هٰذِهِ الأُمَّ فِي وَلَدِها. وَهُناكَ رِواياتٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ عَنْ هِنْدٍ وَقُوَّةِ شَخْصِيَّتِها وَبَلاغَتِها وَسُرْعَةِ بَدِيهِيَّتِها تَذْكُرُها الأَخْبارُ وَفِي الغالِبِ بِفَخْرٍ، وَقِيلَ فِي نَظْرَتِها إِلَى مُعاوِيَةَ، أَنَّ أَباهُ أَبُو سُفْيان نَظَرَ إِلَى اِبْنِهِ مُعاوِيَةَ عِنْدَما كانَ غُلاماً، وَقالَ لِهِنْدٍ إِنَّ اِبْنِي هٰذا لِعَظِيمِ الرَأْسِ، وَأَنَّهُ خَلِيقٌ لِأَنْ يَسُودَ قَوْمَهُ، فَقالَتْ هِنْدٌ: قَوْمُهُ فَقَطْ؟ ثَكَلْتْهُ إِنْ لَمْ يَسُدَّ العَرَبُ قاطِبَةً، وَلٰكِنَّ الأَمْرَ مِنْ جِهَةِ والِدِهِ مُخْتَلِفَةٌ فَصَحِيحٌ أَنَّ والِدَهُ مِنْ أَسْيادِ قُرَيْشٍ وَمِنْ كِبارِ تُجّارِها وَكانَتْ لَهُ المَكانَةُ الأُولَى فِي قُرَيْشٍ خاصَّةٍ بَعْدَ بَدْرٍ إِلّا أَنَّهُ كانَ يُعْرَفُ بِالبُخْلِ أَوْ قَلَّ التَقْتِيرِ، كَما أَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ إِنْ كانَ فارِساً شُجاعاً فِي المَعارِكِ، وَقَدْ أَشَرْنا أَعْلاهُ إِلَى بَعْضِ ذٰلِكَ، كَما لا يَعْرِفُ لِاِبْنِهِ مُعاوِيَةِ شَجاعَةِ السَيْفِ أَيْضاً اِبْنُ دابٍّ قالَ: قالَ عَمْرُو بْنُ العاصِ لِمُعاوِيَةَ: قَدْ أَعْيانِي أَنْ أَعْلَمَ أَجْبانٌ أَنْتَ أَمُّ شُجاعٍ؟ فَقالَ: شُجاعٌ إِذا أَمْكَنَتَنِي فُرْصَةٌ وَإِلّا تُكُنْ لِي فُرْصَةٌ فَجَبانٌ (كِتابُ عُيُونِ الأَخْبارِ لِاِبْنِ قُتَيْبَةَ الدِينُورِي المُجَلَّدِ الأَوَّلِ الكِتابُ الثانِي كِتابُ الحَرْبِ أَخْبارُ الجُبَناءِ ص 251) وَلٰكِنَّهُمْ وَكَما سَناتِي وَصَفُوهُ بِالدَهاءِ.
وَقِيلَ إِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ البَعْثِ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعِ سَنَواتٍ وَقِيلَ تَوارِيخَ أُخْرَى، وَهُوَ الوَحِيدُ الَّذِي لُقِّبَ خالَ المُؤْمِنِينَ (لِأَنَّ أُخْتَهُ أُمُّ حَبِيبَةٍ كانَتْ زَوْجَةَ الرَسُولِ) (مُتَناسِينَ أَنَّ أُمَّهُ هِنْدٌ أَكَلَتْ كَبِدَ حَمْزَةَ وَعَمَّتَهُ أَمْ جَمِيلٌ فِي جِيدِها حَبْلَ مِنْ مَسَدٍّ) وَاُعْتُبِرَ مَعَ مَنْ سَمُّوْا "الطُلَقاءَ "، وَهُمْ الأَشْخاصُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ الفَتْحِ وَعَفا عَنْهُمْ الرَسُولُ، وَلَمْ يَسْتَرِقْهُمْ بِسَبَبِ ماضِيهِمْ الأَسْوَدِ ضِدَّ الإِسْلامِ وَمُحَمَّدٍ، وَقِيلَ أَنَّهُ وَمَجْمُوعَةً مَعَهُ وَمِنْهُمْ أَخُوهُ يَزِيدُ وَصَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرو وَعِكْرِمَةُ اِبْنُ أَبِي جَهْلٍ. لِذا فَإِنَّ مُعاوِيَةَ نَشَأَ وَتَرَبَّى فِي بَيْتٍ مُتَخاصِمٍ مَعَ بَنِي هاشِمٍ ثُمَّ مُعادِي لِلنَبِيِّ وَالدِينِ الجَدِيدِ، بَلْ قادَ أَبُوهُ الحَمَلاتِ وَالدَسائِسَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَالمُسْلِمِينَ، رَغْمَ أَنَّ اِبْنَ تَيْمِيَةَ يَقُولُ:" وَقَدْ اِتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ إِسْلامَ مُعاوِيَةَ خَيْرٌ مِنْ إِسْلامِ أَبِيهِ" (سُؤالٌ فِي مُعاوِيَةَ بِنِ أبي سُفْيانَ رَضِيَ اللّٰهُ عَنهُ لِشَيْخِ الإِسْلامِ أَحْمَد بِنْ عَبْدِ الحَلِيم بْنِ تَيْمِيَةَ المتُوفِي سَنَةَ 728ﮬ تَحْقِيقُ الدُكْتُورِ لاح الدِين المُنَجِدِ دارُ الكِتّابِ الجَدِيدِ بَيْرُوتُ لُبْنانُ ص 24 ) وَهٰذا طَبْعاً كَلامٌ غَيْرُ دَقِيقٍ وَذٰلِكَ لِأَنَّ أَباهُ أَوَّلاً كانَ قَدْ تَجاوَزَ ال60 مِن عُمْرِهِ وَكانَ مُحْبِطاً بِقُوَّةٍ، فِي حِينِ كانَ مُعاوِيَةُ يَتَهَيَّأُ لِدَوْرٍ أَكْثَرَ دَهاءً فِي تَخْرِيبِ الإِسْلامِ وَمُعاداةِ مُحَمَّد وَدِينِهِ وَبَنِي هاشِم وَهٰذا ما أَثْبَتَتْهُ الأَحْداثُ اللاحِقَةُ مِن عُمْرِهِ وَالَّتِي اِمْتَدَّتْ لِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ
لَمْ نَقْرَأْ لَهُ أَخْباراً عِنْدَ بَدْءِ الدَعْوَةِ، وَرُبَّما لِأَنَّهُ كانَ لا يَزالُ صَغِيراً، وَلٰكِنَّ اِسْمَهُ ظَهَرَ فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ (المَغازِي 168، 189)وَلَقَدْ وَجَدْنا عَدَداً غَيْرَ قَلِيلٍ مِنْ الدِراساتِ وَالكُتُبِ حَوْلَ مُعاوِيَةَ، وَلٰكِنَّها تَتَجاوَزُ مُعاوِيَةَ قَبْلَ إِسْلامِهِ، وَتَبْدَأُ مِنْ بِدايَةِ دُخُولِهِ الحَياةَ السِياسِيَّةَ، إِنْ صَحَّ التَعْبِيرُ، كَما أَنَّ الكُمَّ الأَكْبَرَ مِنْها فِيها مِنْ المَدِيحِ وَالثَناءِ ما يَفْقِدُ قِيمَتَها المَعْلُوماتِيَّةَ فَمِنْ المَعْرُوفِ أَنَّ الكِتاباتِ الَّتِي تَغْرَقُ بِالمَدْحِ أَوْ الذَمِّ تَفْقِدُ قِيمَتَها العِلْمِيَّةَ وَمِصْداقِيَّتَها وَهُوَ أَمْرٌ شائِعٌ فِي الكِتاباتِ العَرَبِيَّةِ. وَمِنْ هٰذِهِ الكُتُبِ مَثَلاً كِتابٌ ضَخْمٌ بِحُدُودِ 420 صَفْحَةً بِعُنْوانِ مُعاوِيَةُ بِن أبي سُفْيان صَحابِيٌّ كَبِيرٌ وَمَلِكٌ مُجاهِدٌ لِمُنِير مُحَمَّد الغَضْبان، حَيْثُ يَسْهَبُ فِي المَدِيحِ، وَلٰكِنَّهُ يَتَجَنَّبُ الخَوْضَ فِي الأَخْبارِ السَلْبِيَّةِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْها الإخْبارِيُّونَ القُدَماءُ، وَلَعَلَّ كَلامَ عَبّاسِ العَقّادَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ حِينَ قالَ: وَلَوْلا أَنَّنا نَأْبَى أَنْ نَضْرِبَ الأَمْثِلَةَ بِالأَسْماءِ لَذَكَرْنا مِنْ هٰؤُلاءِ المُؤَرِّخِينَ المُعاصِرِينَ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي هٰذا التارِيخِ كَلاماً يَنْضَحُ بِالغَرَضِ، وَيَشِفُّ عَنْ المُحاباةِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الخِلافَ بَيْنَ هاشِمٍ وَأُمِّيَّةٍ فِي الجاهِلِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْسَبُ مِنْ هِمَّةِ مُعاوِيَةِ أَنَّهُ تَصَدَّى لِلخِلافَةِ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَحْسِبُ عَلَى المَآخِذِ عَلَى غَيْرِهِ أَنَّهُمْ تَصَدَّوْا لِلخِلافَةِ مَعَ يَزِيدَ وَمِنهُمْ مَنْ يُشِيدُ بِفَضْلِ أَبِي سُفْيانَ عَلَى العَرَبِ؛ لِأَنَّهُ كانَ تاجِراً يَعْرِفُ الكِتابَةَ وَالحِسابَ، وَيَعَلِمُها مَنْ يَسْتَخْدِمُهُمْ فِي تِجارَتِهِ..." (عَبّاس مَحْمُود العَقّاد مُعاوِيَة بْنُ أَبِي سُفْيان نَهْضَةُ مِصْرَ لِلطِباعَةِ وَالنَشْرِ وَالتَوْزِيعِ ص 8)،وَمِنْ الجانِبِ الآخَرِ، فَإِنَّ الكَثِيرَ مِنْ الكُتّابِ المُنْتَمِينَ إِلَى المَذْهَبِ الشِيعِيِّ يُبْرِزُونَ الأَخْبارَ السَلْبِيَّةَ، وَيَزِيدُونَ عَلَيْها وَيُحاوِلُونَ تَجاوُزَ الأَخْبارِ الإِيجابِيَّةِ، كَما أَنَّ أَغْلَبَ البُحُوثِ تَدْرُسُ الصِراعَ ما بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ وَمُعاوِيَةَ وَكَأَنَّهُ مَفْصُولٌ عَن الخِلافِ التارِيخِيِّ الطَوِيلِ بَيْنَ الأُمَوِيِّينَ وَالهاشِمِينَ، وَأَنَّهُ بَدَأَ مُنْذُ أَنْ قَتَلَ الخَلِيفَةُ عُثْمانَ . تَبَقَّى مَسْأَلَةُ الكِتابَةِ فَأَخْبارُ التارِيخِ تُشِيرُ فِي الغالِبِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ القِراءَةَ وَالكِتابَةَ، وَيَتَّفِقُ أَنَّهُ رُبَّما كَتَبَ بَعْضَ الأُمُورِ لِلنَبِيِّ، وَلٰكِنْ لَيْسَ هُناكَ اِتِّفاقٌ أَوْ تَأْكِيدٌ عَلَى أَنَّهُ كُتُبَ الوَحْيِ فِعْلاً، فَمِنْ سُلُوكِ النَبِيِّ مَعَ بَنِي أُمِّيَّةَ لا تُرَجِّحُ تِلْكَ المَعْلُوماتُ خاصَّةً، وَأَنَّ حَوْلَ النَبِيِّ العَدِيدَ مِنْ المُسْلِمِينَ الأَوائِلِ مِمَّنْ كَتَبُوا الوَحْيَ وَغَيْرَهُ مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ وَأبي بَكْر وَبَقِيَّةَ الخُلَفاءِ، وَمِنْ الكِتابِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسٍ الخَزْرَجِي وَالأَرْقَمُ بْنُ أبي الأَرْقَمِ وَزَيْدُ بْنِ ثابِتٍ وَغَيْرُهُمْ ثُمَّ إِنَّهُ كانَ مِنْ "الطُلَقاءِ" (الَّذِينَ عَفا عَنْهُمْ النَبِيُّ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَمْ يُعاقِبْهُمْ نَتِيجَةً لِماضِيهِمْ الأَسْوَدِ ضِدَّ الإِسْلامِ)، عِلاوَةً أَنَّ بَعْدَ الفَتْحِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ ثَلاثِ سَنَواتٍ لِوَفاةِ الرَسُولِ لَمْ تَنْزِلْ إِلّا القَلِيلَ مِنْ الآياتِ حَتَّى آيَةِ الفَتْحِ نَزَلَتْ قَبْلَ الفَتْحِ نَفْسِهِ هٰذا إِضافَةً إِلَى حَقِيقَةِ أَنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفاً بِحِفْظِهِ القُرْآنَ، وَلَوْ عَلِمَ عُثْمانُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ كِتابِ الوَحْيِ أَوْ الحُفّاظِ لَاِسْتَعانَ بِهِ فِي رِوايَةٍ مَسَعاهُ جَمِعَ القُرْآنَ لِأَسْبابٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ، هٰذا وَلا بُدَّ أَنْ نُشِيرَ أَنَّ هُناكَ مِنْ أَهْلِ السُنَّةِ وَالجَماعَةِ (شافِعِيَّةَ حَنابِلَةٍ وَمالِكِيِّينَ، وَمِنْهُمْ سَعُودِيُّونَ) مِمَّنْ أَلَّفُوا كُتُباً وَدِراساتٍ فِي ذَمِّهِ وَذَمِّ اِبْنِهِ يَزِيدُ وَذَمَّ الأُمَوِيِّينَ عُمُوماً وَهُمْ لَيْسُوا قِلَّةً. عَلَى أَنَّ لِمُعاوِيَةِ عَلَى ما يَبْدُو كانَ ذا شَخْصِيَّةٍ قَوِيَّةٍ (كارْزِماً) فَقَدْ رَوَى الطَبَرِيُّ بِإِسْنادِهِ عَنْ اِبْنِ عَمْرو أَنَّهُ قالَ "ما رَأَيْتُ أَحَداً أَسْوَدَ مِنْ مُعاوِيَةَ" وَسُئِلَ: وَلا عُمْرَ؟ فَقالَ " كانَ عُمَرُ خَيْراً مِنْهُ، وَكانَ مُعاوِيَةَ أَسْوَدَ مِنْهُ" وَنَقَلَ عَنْ العَوامِّ بْنِ حَوْشَب أَنَّهُ كانَ يَقُولُ " ما رَأَيْتُ أَحَداً بَعْدَ رَسُولِ اللّٰهِﷺ أَسْوَدُ مِنْ مُعاوِيَةَ. قِيلَ وَلا أَبُو بَكْرٍ؟ فَقالَ "كانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمانُ خَيْرٌ مِنْهُ وَهُوَ أَسْوَدُ" وَهٰذا لَيْسَ بِغَرِيبٍ عَلَى رَجُلٍ وَرِثَ السِيادَةَ عَنْ أَبَوَيْهِ" (كِتابُ العَقّادِ معاوية بن ابي سفيان ص 92) كَما أَنَّهُ يُوصَفُ دَوْماً بِالدَهاءِ عِلاوَةً عَلَى الاِلْتِزامِ بِفُرُوضِ الدِينِ مِنْ صَوْمٍ وَصَلاةٍ وَعَنْ أُمِّهِ عَرَفْنا الكَثِيرَ، وَلٰكِنْ عَنْ زَوْجَتِهِ قِيلَ الكَثِيرُ خاصَّةً عَنْ مَيْسُونٍ وَفاخَتِة. أَمّا مَيْسُون فَكانَتْ بِنْتٌ بِحَدْلِ زَعِيمِ قَبِيلَةِ بَنُو كَلْبِ البَدَوِيَّةِ، فَقَدْ كانَتْ مِنْ السَرَيانِ الأُرْثُوذُكْسِ وَيُنْسَبُ إِلَيْها بَعْضُ الشِعْرِ تَتَغَزَّلُ بِالبادِيَةِ وَحَياةِ البَدْوِ، وَتُفَضِّلُها عَلَى حَياةِ القُصُورِ وَزَواجِهِ مِنْها إِفادَةٌ فِي تَعْزِيزِ قُوّاتِهِ بِمُحارَبِينَ أَشِدّاءَ كَما قِيلَ عَنْهُمْ. أَمّا فاخِتُة فَإِنَّها كانَتْ بِمَثابَةِ مُسْتَشارِهِ السِياسِيِّ.
أَمّا دَوْرُهُ السِياسِيُّ فَقَدْ بَدَأَ يَكْبِرْ عَنْدَما وَلّاهُ أَبُو بَكْرٍ قِيادَةَ جَيْشٍ تَحْتَ إِمْرَةِ أَخِيهِ يَزِيدُ الَّذِي كانَ يَقُودُ الجُيُوشَ فِي مَعْرَكَةِ اليَرْمُوكِ فَشارَكَ فِي "فَتْحٍ" مَدِينَةَ صَيْداً وَعَرَقَةً وَجُبَيلٍ وَبَيْرُوتَ، وَيُقالُ إِنَّهُ شارَكَ قَبْلَها فِي حَرْبِ المُرْتَدِّينَ فِي مَعْرَكَةِ اليَمامَةِ، وَلٰكِنَّ الأَخْبارَ لا تَذْكُرُ لَنا ما هُوَ دَوْرُهُ فِي المَعارِكِ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْ الأَعْداءِ، وَلٰكِنْ نَقْرَأُ أَنَّهُ فِي حَرْبٍ صِفَّيْنِ كانَ يَجْلِسُ فِي الخَيْمَةِ يُحِيطُ بِهِ الحُرّاسُ، وَعِنْدَما اِشْتَدَّتْ الحَرْبُ فِي لَيْلَةِ الهَرِيرِ أَسْرَعَ إِلَى فَرَسِهِ وَوَلَّى هارِباً وَلَمّا اِسْتَخْلَفَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَلَّفَهُ والِياً عَلَى الارِدْنَّ فِي حِينِ كانَ إخوة يَزِيدُ عَلَى عُمُومِ الشامِ، وَعِنْدَما ماتَ أَخُوهُ يَزِيدُ وَضَعَهُ عُمَرُ مَكانَهُ، وَوَسَّعَ عُثْمانُ تِلْكَ المُهِمَّةَ فَأَصْبَحَ والِياً عَلَى كُلِّ الدِيارِ الشامِيَّةِ وَيَبْدُو أَنَّ الشامَ بِتَقالِيدِها البِيزَنْطِيَّةِ وَما تَضَمَّنَتْهُ إِدارَتُها مِنْ نَظْمٍ أَكْثَرَ تَطَوُّراً لِما كانَتْ عَلَيْهِ فِي المَدِينَةِ قَدْ وَسَّعَتْ مِنْ طُمُوحاتِهِ، وَجاءَ مَقْتَلُ عُثْمانَ كَفُرْصَةٍ ذَهَبِيَّةٍ لِتَحْقِيقِ تِلْكَ الطُمُوحاتِ خاصَّةً، وَأَنَّهُ فِي تِلْكَ الأَيّامِ كانَ قَدْ مَضَى عَلَى تَوَلِّيهِ الشامُ ما يَقْرُبُ مِنْ 20 عاماً كَسَبَ فِيها الناسُ، وَأَبْعَدَ عَنْها وَعَنْهُ كُلُّ مَنْ عارَضَهُ، فَأَنْتَشَرَ مُعارِضُوهُ فِي الكُوفَةِ وَالحِجازِ وَمِصْرَ أَيْ بَعِيدِينَ عَنْ التَأْثِيرِ عَلَيْهِ، عِنْدَما قَتَلَ عُثْمانُ اِسْتَغَلَّها وَبَدَأَ ما عَرَفَ فِي التارِيخِ بِقَمِيصِ عُثْمانَ، وَالَّذِي تَطَوَّرَ سَرِيعاً إِلَى حَرْبٍ صِفَّيْنَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَلِيفَةِ الرابِعِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ وَالَّتِي قُتِلَ فِيها الكَثِيرُ مِنْ المُسْلِمِينَ، وَمِنْهُمْ عَمّارُ بْنُ ياسِر ذٰلِكَ الصَحابِيُّ الصَمِيمُ الَّذِي تَحَمَلَ أَذَى قُرَيْشٌ وَفَقَدَ عائِلَتَهُ فِي ذٰلِكَ وَشارَكَ فِي كُلِّ غَزَواتِ الرَسُولِ وَشارَكَ مَعَ عَلِيٍّ فِي الجَمَلِ وَصَفَّيْنِ وَقَدْ قَتَلُوهُ رَغْمَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَدِيثِ النَبِيِّ " حَدَّثَنا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْراهِيمَ عَنْ اِبْنِ عَوْنٍ، عَنْ الحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللّٰهِﷺ: [تَقْتُلُ عَمّارَ الفِئَةِ الباغِيَةَ] ( صَحِيحٌ مُسْلِمٍ الجامِعُ الصَحِيحُ كِتابُ الفِتَنِ وَأَشْراطُ الساعَةِ حَدِيثُ رَقْمُ 73234 /73 ص 1089 والبخاري كتاب الصلاة 447ص94 بتفصيل اكثر) وَيُحاوِلُ مُعاوِيَةَ التَنَصُّلِ مِنْ هٰذا القَتْلِ، وَيُفَسِّرُ الحَدِيثَ بِشَكْلٍ يُبْعِدُ مَسْؤُولِيَّتَهُ عَنْهُ وَكَذٰلِكَ فِعْلُ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِي كِتابِهِ سُؤالٌ فِي مُعاوِيَةِ بْنِ أَبِي سُفْيانَ فَيَأْتِي بِأَحادِيثَ تَتَحَدَّثُ عَنْ الباغِي وَتَأْوِيلِ الباغِي، وَيَقُولُ التائِبُ عَنْ الذَنْبِ كَمَنْ لا ذَنْبَ لَهُ ثُمَّ يَقُولُ "أَنَّ عَمّاراً تَقْتُلُهُ الفِئَةُ الباغِيَةُ" لَيْسَ نَصّاً فِي أَنَّ هٰذا اللَفْظَ لِمُعاوِيَةَ وَأَصْحابِهِ، بَلْ يُمْكِنُ أَنَّهُ أُرِيدُ بِهِ تِلْكَ العِصابَةُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ ، وَهِيَ طائِفَةُ العَسْكَرِ" (سُؤالٌ فِي مُعاوِيَةِ بْنِ أَبِي سُفْيان رَضَّ لِشَيْخٍ لِإِسْلامِ اِحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ أَبْنِ تَيْمِيَّةَ المُتَوَفَّى سَنَةَ 728 ﮬ تَحْقِيقُ الدُكْتُورِ صَلاح الدِين المُنَجِّد دارُ الكِتابِ الجَدِيدِ بَيْرُوتُ لُبْنانُ ص 37)وَهٰذا طَبْعاً مَنْطِقٌ خَطِيرٌ وَتَأْوِيلٌ خاطِئٌ لِلكَثِيرِ مِنْ الآياتِ، وَفِيهِ عَدَمُ التَمْيِيزِ بْنِ الكَبائِرِ وَغَيْرُها الخَطايا البَسِيطَةُ فَالقاتِلُ لَيْسَ مِثْلَ الجائِعِ الَّذِي سَرَقَ خُبْزَةً،( كَتَبَ أَبُو الفَدا :"..,قِيلَ إن الَّذِي قَتَلَهُ أَبُو عادِيَّةَ بِرُمْحٍ فَسَقَطَ عَمّارُ، فَجاءَ آخَرُ فَأَحْتَزُّ رَأْسَهُ وَأَقْبَلا يَخْتَصِمانِ إلى عَمْرو وَمُعاوِيَةَ كُلٍّ مِنْهُما يَقُولُ أَنا قَتَلْتُهُ، فَقالَ عَمْرو، إنكما فِي النارِ...) (المختصر في أخبار البشر لأبي الفدا تقديم الدكتور حسين مؤنس دار المعارف ص 219)(كذلك ينظر الطبري الذي اسهب في الحديث عن مقتل عمار بن ياسر المجلد الثاني سنة 371439ومابعدها) ،عَرْضاً بَعْضٌ مِنْ الرَسائِلِ المُتَبادَلَةِ بَيْنَ مُعاوِيَةِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ، بَعْدَ أَنْ رَفَضَ البَيْعَةَ لِعَلِّي، وَطَلَبَ مِنْهُ بِاِعْتِبارِهِ اِبْنَ عَمِّ المَغْدُورِ الخَلِيفَةَ عُثْمانَ بِتَسْلِيمِ قَتْلَةِ عُثْمانَ لِيُوقِعَ بِهِمْ القِصاصَ، الرِواياتُ التارِيخِيَّةُ تَنْقُلُ مُخْتَلِفَ الرِواياتِ المُتَناقِضَةِ، إِحْدَى الرِواياتِ تَقُولُ إِنَّ مُعاوِيَةَ طَلَبَ مِنْ عُثْمانَ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الشامِ لِيَكُونَ فِي حِمايَتِهِ، وَهُوَ عَلَى ما يَبْدُو مَطْلَبٌ تَعْجِيزِيٍّ فَكَيْفَ يَتْرُكُ الخَلِيفَةُ مَرْكَزَ خِلافَتِهِ، وَأُخْرَى تَقُولُ أَنَّهُ كانَ مُسْتَعِدّاً لِإِرْسالِ قُوَّةٍ لِحِمايَتِهِ، وَرِوايَةٍ تَقُولُ أَنَّ عُثْمانَ هُوَ الَّذِي طَلَبَ مِنْ مُعاوِيَةِ إِرْسالِ جَيْشٍ لِحِمايَتِهِ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ وَفِي رِوايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ بَعَثَ بِجَيْشٍ، وَلٰكِنَّ الوَقْتَ كانَ قَدْ تَأَخَّرَ، فَقَدْ وَصَلَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمانَ، وَرِسالَةِ عَلِي تَقُولُ لِماذا لَمْ تُرْسِلْ قُوّاتٍ لِحِمايَتِهِ، وَرِوايَةٍ تَقُولُ أَنَّهُ عَرَضَ قَمِيصَ عُثْمانَ المُدَمَّى فِي دِمَشْقَ لِإِثارَةِ الناسِ وَغَيْرِها مِنْ الرِواياتِ الكَثِيرَةِ المُتَناقِضَةِ أَحْياناً ، وَلٰكِنَّنا نَقُولُ وَبِكُلِّ بَساطَةٍ:، وَبَعْدَ أَنْ نُدِينَ مَقْتَلَ الخَلِيفَةِ الثالِثِ عُثْمانَ، وَكانَ يَجِبُ مُحاسَبَةُ قَتْلَتِهِ أَنْ شَخْصُوا وَبَعِيداً عَنْ كُلِّ الرَوِايّاتِ، أَنَّ الإِسْلامَ حَرَّمَ الخُرُوجَ عَلَى الحاكِمِ أَوْ الخَلِيفَةِ (وَقَدْ بايَعَتْ كُلَّ الأَمْصارِ الإِسْلامِيَّةِ وَتَقْرِيباً كُلَّ الصَحابَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ عَدا الشامِ) وَمَهْما كانَ السَبَبُ، بَلْ إِنَّ هٰذا المَبْدَأَ يُطَبِّقُ حَتَّى اليَوْمِ، ثم مِنْ خَوَلِ مُعاوِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الخَلِيفَةِ، وَيُطالِبَ بِالثَأْرِ بِنَفْسِهِ لِدَمِ القَتِيلِ وَهِيَ عادَةٌ بَدَوِيَّةٌ حَرَمَها الإِسْلامُ فَكَيْفَ يَضَعُ مُعاوِيَةَ نَفْسِهِ مَوْضِعَ الخَلِيفَةِ، وَيُرِيدُ أَنْ يَقْتَصَّ بِنَفْسِهِ مِنْ القاتِلِ وِفْقَ العُرْفِ العَشائِرِيِّ وَهُناكَ الكَثِيرُ مِنْ الأَسْبابِ وَالتَعْقِيداتِ فِي هٰذا الأَمْرِ، لٰكِنَّ الأَمْرَ الواضِحَ تَماماً أَنَّهُ كانَ يَسْعَى لِلسُلْطَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ (وَهْناً لا نُرِيدُ التَفْصِيلَ فِي القَضِيَّةِ وَأَخْطاءِ الحَسَنِ)، أَقْنَعَ الحَسَنُ بِالتَخَلِّي عَنْ الخِلافَةِ الَّتِي قَضَى فِيها بِضْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَصْبَحَ هُوَ الخَلِيفَةَ، بَلْ وَحَوْلَ الخِلافَةِ إِلَى مَلِكِ عُضُوضٍ، فَأُجْبَرَ مَنْ حَوْلَهُ عَلَى بَيْعَةِ اِبْنِهِ يَزِيدُ لِلخِلافَةِ بَعْدَهُ، عَلَى الرَغْمِ نَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلحُكْمِ بِحُكْمِ أَخْلاقِهِ وَتَصَرُّفاتِهِ وَبِحُكْمِ السِنِّ. وَالعَقّادُ يَذْهَبُ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذٰلِكَ، فَيُذْكَرُ أَنَّ بَوادِرَ سَعْيِهِ لِلسُلْطَةِ ظَهَرَتْ مُنْذُ أَيّامِ الصَدِيقِ وَاِزْدادَتْ فِي عَهْدِ الفارُوقِ.
عَلَى أَنَّهُ اِسْتِفادَةٌ مِنْ خِبْرَةِ الدَوْلَةِ البِيزَنطِيَّةِ (خاصَّةً، وَأَنَّهُ قَضَى فِيها فَتْرَةً طَوِيلَةً) فَجَدَّدَ الدَواوِينَ وَعَدَّلَها، وَنَظَّمَها مِثْلَ دِيوانِ الرَسائِلِ لِتُشْرِفَ عَلَى رَسائِلِ الخَلِيفَةِ وَأَوامِرِهِ، وَأَنْشَأَ دِيوانَ الخاتَمِ مِنْ أَجْلِ سِرِّيَّةٍ وَسُرْعَةٍ وَأَمانَةِ المُراسَلاتِ بِالتَرابُطِ مَعَ دِيوانِ البَرِيدِ، وَاِتَّخَذَ نِظامَ الحاجِبِ وَالحَرَسِ وَالشُرْطَةَ وَبِناءَ الجَيْشِ وَغَيْرَها مِن التَنْظِيماتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ دَوْلَةَ المَدِينَةِ لا فِي زَمَنِ النَبِيِّ وَلا الخُلَفاءِ الراشِدِينَ تَعْرِفُها (فِي زَمَنِ الخَلِيفَةِ عُمَر كانَت بَعْضُ تِلْكَ الدَواوِينِ بِشَكْلِها الأُولَى أُنْشِئَتْ بِجُهُودِ عُمَرَ)، وَهُوَ الَّذِي دُعِيَ عُبَيْدَ بِنْ شَرِيَّة الجُرْهَمِي وَاِسْتَقْدَمَهُ مِن صَنْعاءَ وَأَمَرَهُ بِكِتابَةِ ما وَعاهُ مِنْ التَوارِيخِ، فَأَلَفَ لَهُ كِتابَ المُلُوكِ وَأَخْبارَ الماضِينَ وَهُوَ أَوَّلُ كِتابٍ فِي مَجالِهِ، وَلَعَلَّ مِن أَهَمِّ ما قامَ بِهِ، وَالَّتِي لا يَزالُ العَرَبُ وَالمُسْلِمُونَ خاصَّةً وَالكُتّابُ وَالباحثون يَعْتَبِرُونَها مِن أَهَمِّ إِنْجازاتِهِ وَنَجاحاتِهِ وَهِيَ ما عرفت بِتَوْسِيعِ "الفُتُوحاتِ " وَ" نُشِرَ الإِسْلامُ فِي الكَثِيرِ مِنْ البُلْدانِ. وَفِي هٰذا الأَمْرِ بِالضَبْطِ نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ بِدَوِيَّتِهِ تَجَلَّتْ فِي تِلْكَ الغَزَواتِ، وَالَّتِي كانَتْ عَلَى حِسابِ أَمْنٍ وَعَقِيدَةٍ الكَثِيرَ مِنْ الشُعُوبِ، فَقَدْ رَسَّخَ عَقْلِيَّةُ الغَزْوِ العُنْصُرَ الرَئِيسَ لِلحَياةِ البَدَوِيَّةِ مِنْ أَجْلِ الغَنِيمَةِ الَّتِي كانَ يَجْنِيها مِنْ تِلْكَ الغَزَواتِ؛ وَفِي هٰذا أَمْرٌ تَمَّ بِالتَأْكِيدِ قَلْبُ الكَثِيرِ مِنْ المَفاهِيمِ الَّتِي أَتَى بِها مُحَمَّدٌ وَالدِين الجَدِيدُ، وَبَدَأَ القِصَصُ وَالرِواياتُ تُؤَلِّفُ لِدَعْمِ هٰذا التَوَجُّهِ، بَلْ أَنَّهُ دَخَلَ شَمالَ أَفْرِيقْيا، وَاِنْتَقَلَتْ عاصِمَةُ الخِلافَةِ إِلَى دِمَشْقَ بَعْدَ أَنْ كانَتْ فِي المَدِينَةِ ثُمَّ الكُوفَةُ، وَبَرَزَ دَهاؤُهُ فِي اِسْتِخْدامِ قَتْلِ عُثْمانَ وَعَلَى الخُصُوصِ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ، حَيْثُ رَفَعَ جُنُودُهُ المَصاحِفَ عَلَى الرِماحِ عِنْدَما أَحَسُّوا أَنَّ نَتِيجَةَ الحَرْبِ سَتَكُونُ هَزِيمَتَهُمْ (ما عُرِفَ بِلَيْلَةِ الهَرِيرِ، وَالَّتِي تُبالِغُ الأَخْبارَ فِي وَصْفِها) (حَيْثُ نَصَحَ عَمْرُو بْنُ العاصِ مُعاوِيَةَ أَنْ يَقُومَ بِرَفْعِ المَصاحِفِ عَلَى أَسِنَّةِ الرِماحِ لِخِداعِ عَلِيِّ) وَطالَبُوا بِالتَحْكِيمِ الَّذِي خَدَعُوا فِيهِ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طالِبٍ وَشَقُّوا صُفُوفَهُ وَاِنْبَثَقَ مِنْهُمْ الخَوارِجُ الَّذِينَ بِالثَوْرَةِ وَالعِصْيانِ عَلَى الطَرَفَيْنِ وَقَرَّرُوا التَخَلُّصَ مِنْهُمْ، وَلٰكِنَّ نَتِيجَةَ نَشاطِهِمْ كانَتْ أَنَّهُمْ اِغْتالُوا عَلِيَّ بْنُ أَبِي طالِبٍ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الوُصُولَ إِلَى مُعاوِيَةِ المُحاطِ بِالحَرَسِ، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى اِبْنِ العاصِ وَبِذٰلِكَ اِسْتَطاعَ مُعاوِيَةَ فِي نِهايَةِ المَطافِ إِزاحَةَ مُنافِسِهِ لِيَكُونَ الخَلِيفَةَ القادِمَ، وَبِالعَوْدَةِ إِلَى اِتِّفاقِ الصُلْحِ بَيْنَ الحَسَنِ بِنْ عَلَى المَبايِعِ خَلِيفَةٍ وَمُعاوِيَةَ الَّذِي نَصَّبَ نَفْسَهُ خَلِيفَةً، فَلَيْسَ هُناكَ صِيغَةٌ واحِدَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْها تارِيخِيّاً لِذٰلِكَ "الصُلْحِ" أَوْ شُرُوطِ الحَسَنِ فِي ذٰلِكَ، فَالبَعْضُ مِثْلُ الطَبَرِيِّ يَقُولُونَ أَنَّ مُعاوِيَةَ أَرْسَلَ وَثِيقَةً خالِيَةً إِلّا مَنْ خَتَمَهُ فِي نِهايَتِها، وَقالَ لَهُ اُكْتُبْ ما تُرِيدُ مِنْ الشُرُوطِ وَسَتُجابُ، وَهُناكَ عِدَّةُ فَقَراتٍ أَوْ شُرُوطٌ وُجِدَتْ هُنا وَهُناكَ تَعْرَضُ عَلَى أَنَّها بُنُودُ الاِتِّفاقِيَّةِ، وَهُناكَ مَجْمُوعَةٌ تُفَسِّرُ سَبَبَ جُنُوحِ الحَسَنِ إِلَى الصُلْحِ، فَتَقُولُ عَلَى عَدِيدِ جَيْشِ الحَسَنِ الكَبِيرِ، إِلّا أَنَّ ذٰلِكَ الجَيْشَ لَمْ يَكُنْ صالِحاً لِلحَرْبِ وَالنَصْرِ فَفِي داخِلِهِ تَتَصارَعُ تَيّاراتٌ وَمَجْمُوعاتٌ، مِنْهُمْ ما سَئِمَ الحُرُوبَ المُسْتَمِرَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ اِشْتَراهُمْ مُعاوِيَةَ فَكانُوا سَيَنْحازُونَ لِمُعاوِيَةِ عِنْدَ بَدْءِ القِتالِ وَمِنْهُمْ مِنْ الخَوارِجِ الَّذِينَ كَفَرُوا الجانِبَيْنِ. وَلَعَلَّ مِنْ أَشْهَرِ البُنُودِ المَذْكُورِ الاِعْتِرافَ وَتَخْوِيلَ مُعاوِيَةَ بِخِلافَةِ المُسْلِمِينَ، وَلٰكِنْ بَعْدَهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الأُمُورُ شُورَى فِي رَأْيٍ، أَوْ تَكُونَ لِلحَسَنِ أَوْ الحُسَيْنِ فِي رَأْيٍ آخَرَ، وَاِسْتِثْناءِ بَيْتِ مالِ الكُوفَةِ مِنْ تَسْلِيمِهِ لِي مُعاوِيَةَ، وَعَلَى مُعاوِيَةِ دَفْعِ مَبْلَغٍ سَنَوِيٍّ أَلْفاَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَنْ يُجْزِلَ العَطاءَ لِبَنِي هاشِمٍ وَيُفَضِّلَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَأَنْ يُمْنَعَ سَبَّ عَلِيَّ عَلَى المَنابِرِ وَغَيْرِها مِنْ الشُرُوطِ،
مِنْ طَبِيعَةِ الأَخْبارِ، وَمِنْ الشُرُوطِ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَنْتِجَ أَنَّ مُعاوِيَةَ كانَ الطَرَفَ الأَقْوَى، وَإِنْ كانَ يَتَصَرَّفُ وَكَأَنَّهُ الخَلِيفَةُ فِعْلاً أَمّا الحَسَنُ فَقَدْ كانَ الجانِبُ الضَعِيفُ، هٰذا إِذا تَجاوَزْنا أَخْباراً كَثِيرَةً أُخْرَى عَنْ طَبِيعَةِ الحَسَنِ وَاِخْتِلافِها عَنْ طَبِيعَةِ أَخِيهِ الأَصْغَرِ الحُسَيْنِ. عَلَى أَنَّ الصِراعَ الأُمَوِيَّ الهاشِمِيَّ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ هٰذا الحَدِّ حَتَّى بَعْدَ وَفاةِ مُعاوِيَةَ.



#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل الثامن 3
- الفصل الثامن 2
- الفصل الثامن2
- الفصل الثامن الدولة الاموية
- من الفصل السابع الجزء الاخير
- من الفصل السابع- خلافة علي بن ابي طالب
- من الفصل السابع الجزء الثاني من علي والاسلام
- من الفصل السابع-علي بن ابي طالب
- من الفصل السابع- الخلفاء الراشدون-تكملت خلافة عثمان
- من الفصل السابع- الخلفاء الراشدون
- من الفصل السابع- الخلفاءالراشدون
- من الفصل السابع -الخلفاء الراشدون
- من الفصل السابع الخلفاء الراشدون
- القرآن اساس الدين الجزء الاخيرفي هذا الفصل 25
- القرآن اساس الدين الجزء 24
- القرآن اساس الدين الجزء23
- القرآن اساس الدين الجزء22
- القرآن اساس الدين الجزء 21
- القرآن اساس الدين الجزء 20
- القرآن اساس الدين الجزء 2/ 19


المزيد.....




- إيران توجه رسالة لافتة إلى مصر بعد مشاركتها الرسمية في جنازة ...
- البرلمان الأوروبي يدعو لدعم حقوق المسيحيين الاجتماعية والسيا ...
- إيران: آلاف المشيعين يتوافدون على طهران لحضور مراسم وداع ال ...
- السيسي يكشف لأول مرة عن خسارة مصرية كبيرة وعلاقة حصار الإخوا ...
- المعلق السياسي الأمريكي جاكسون هينكل من أمام جثمان الطاهر ل ...
- بزشكيان: نحن المسلمون لن ننحني أمام الظلم والطغيان
- النخالة: القائد الشهيد أحب فلسطين ودعمها سيبقى نهج الجمهورية ...
- الشيخ ماهر حمود: القائد الشهيد السيد علي خامنئي ملأ الفراغ ا ...
- -تحذير- إسرائيلي ويهودي مشترك من-خطأ صبياني- قد يكلف تل أبيب ...
- الآف الإيرانيين يتوافدون لتوديع المرشد الأعلى على خامنئي


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - الفصل الثامن 4/1