|
|
هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (3) دروس وتوقعات انقلاب السيسي
تيار الثورة الاشتراكية
منظمة سياسية
(Socialist Revolution Current)
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 04:47
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
بقلم: حسن مصطفى
في الصراعات الكبرى، لا توجد خطة سياسية تضمن تحقيق النصر بصورة مؤكدة. لكن غياب الخطة لا يضمن سوى الهزيمة، وتحويل تضحياتك وجهودك إلى وقود لمشروع سياسي آخر يمتلك رؤية وخطة يسعى إلى تنفيذها. لهذا، ورغم أنني لا أستطيع الجزم بأن الثورة المصرية كانت ستنجح حتماً في إسقاط محمد مرسي ومنع عودة الجيش إلى السلطة في الوقت نفسه، فإنني أعتقد أن هذا المسار كان ممكناً. غير أن تحقيقه كان يتطلب وجود قيادة ثورية منظمة، تمتلك من الوعي ما يمكنها من إدراك طبيعة التحديات التي واجهت الثورة في الأشهر السابقة على انقلاب السيسي، وصياغة سياسات قادرة على مواجهتها وتجاوزها.
وقد تمثلت هذه التحديات في عاملين رئيسيين. تمثل أولهما في أن الثورة المصرية، برغم نجاحها في إجبار الطبقة الحاكمة على تقديم تنازلات، وإجبارها على التضحية بمبارك، وفرض إجراء انتخابات برلمانية كانت الأكثر ديمقراطية مقارنة بما سبقها، فإن فوز الإسلاميين بأغلبية البرلمان أدى إلى تآكل شعبيتهم سريعاً، بعدما عجزوا عن تلبية المطالب الاقتصادية والاجتماعية للجماهير والاستجابة لتطلعاتها. وقد استغل المجلس العسكري هذا التراجع في شعبيتهم، عبر المؤسسة القضائية، لتنفيذ أول انقلاب على المسار الديمقراطي بحل البرلمان في يونيو 2012، مع رفض الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، كما أوضحنا في الجزء الثاني. وبعد نجاح هذه الخطوة، بات الطريق ممهداً لتكرار السيناريو نفسه مع محمد مرسي، بما يتيح له استعادة السيطرة الكاملة على السلطة، تمهيداً لشن الثورة المضادة والقضاء على ثورة يناير.
أما التحدي الثاني، فتمثل في أن محمد مرسي، منذ وصوله إلى الرئاسة، واصل السياسات والإخفاقات نفسها التي وقع فيها البرلمان ذو الأغلبية الإسلامية، وهو ما تسبب في خيبة أمل ربما كانت أكبر من تلك التي أثارها أداء البرلمان. فقد كان ملايين المصريين، ولا سيما أبناء الطبقة العاملة والفئات الفقيرة، وبينهم كثيرون ممن صوتوا لمرسي، يأملون أن ينجح في تحقيق ما عجز عنه البرلمان، عبر الاستجابة لمطالبهم وتحسين أوضاعهم المعيشية. لكن مع استمرار عجزه عن ذلك، تحولت خيبة الأمل إلى موجة غضب متصاعدة، تجلت في الاحتجاجات والاعتصامات والإضرابات التي أخذت في الاتساع منذ أواخر عام 2012. ولم يكن على الجماهير أن تنتظر طويلاً قبل أن تدرك ضرورة العودة إلى النضال من أجل انتزاع مطالبها المشروعة.
لذلك، تمثلت المعضلة في كيفية رسم مسار للنضال الجماهيري يهدف إلى إسقاط جماعة الإخوان المسلمين ورئيسها محمد مرسي، دون منح المجلس العسكري الذريعة لتنفيذ انقلابه الحاسم والعودة إلى السلطة. فقد وجدت الثورة نفسها مضطرة إلى تحقيق هدفين متلازمين: أحدهما سلبي، تمثل في إسقاط محمد مرسي والإخوان المسلمين؛ والآخر إيجابي، تمثل في النضال من أجل فرض انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، بما يضمن بقاء الجيش خارج السلطة، ويحول دون عودته إلى الحكم.
ومن ثم، كان على الحركة أن تتبنى شعارات سياسية تحمل رسالة واضحة: «انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة فورًا… لا لمحمد مرسي والإخوان… لا لتدخل الجيش.»
وفي ظل تبني الحركة الثورية لهذا الإطار، كان عليها أن تبادر، منذ اللحظة الأولى لإطلاق حملة “تمرد”، إلى مساءلة قياداتها حول طبيعة مشروعها السياسي. فإذا كانت الحملة قد انطلقت بعريضة تندد بمحمد مرسي وتطالب بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، فلماذا ينصب تركيزها كله على مرسي والإخوان المسلمين؟ ولماذا لا تطالب، في الوقت نفسه، بإخراج المجلس العسكري من الحياة السياسية؟ ولماذا اقتصرت مطالبها على انتخابات رئاسية مبكرة، من دون المطالبة أيضاً بإجراء انتخابات برلمانية جديدة؟ فكان ينبغي مطالبة قيادات “تمرد” بإضافة شعار واضح إلى حملتها يقول: «لا للعودة إلى الحكم العسكري… انتخابات برلمانية جديدة الآن.»
فإذا رفضت قيادات حركة “تمرد” إضافة هذا الشعار إلى حملتها، لكان ذلك كفيلاً بكشف تواطؤها مع مسعى المجلس العسكري لاستعادة السلطة. وفي هذه الحالة، كان على الحركة الثورية أن تدين هذا الموقف، وأن تحذر الجماهير من قيادات “تمرد”، وأن تدعو إلى تشكيل جبهة موحدة تتبنى شعارات مثل: «انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة فورًا… رحيل محمد مرسي والإخوان… لا لتدخل المجلس العسكري.»
ازدادت الحاجة إلى تشكيل مثل هذه الجبهة، وأصبحت ضرورةً حيوية، عندما استبدلت قيادات “تمرد” مطلب إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بالدعوة إلى استبدال محمد مرسي برئيس المحكمة الدستورية العليا. ففي تلك اللحظة، كان على الحركة الثورية أن توضح للجماهير أن هذا المطلب لم يكن يعني سوى الدعوة إلى الانقلاب على آخر منصب سياسي منتخب ديمقراطيًا، وإعادة تركيز السلطة بالكامل في يد المجلس العسكري والمؤسسة القضائية.
ولم يكن هذا الموقف يقتصر على حركة “تمرد” وحدها، بل كان لا بد من خوض معركة سياسية على كل المستويات، داخل الأحزاب والحركات السياسية، وداخل النقابات المستقلة والحكومية، من أجل رفض الدعوة إلى استبدال محمد مرسي برئيس المحكمة الدستورية العليا، والتمسك بشعارات مثل: «انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة الآن… رحيل محمد مرسي والإخوان… لا لتدخل المجلس العسكري.»
وفي حال رفضت قيادات هذه الأحزاب أو الحركات أو النقابات تبني هذه الشعارات، كان لا بد من خوض نضال سياسي حازم من أجل استبدالها بقيادات أخرى تتبنى هذا المسار.
فكان لابد من خوض معركة على كل المستويات داخل كل حركة ومنظمة سياسية وحزب وداخل النقابات المستقلة والحكومية لرفض دعوة استبدال محمد مرسي برئيس المحكمة الدستورية العليا والتمسك بتبني شعارات: انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة الآن.. رحيل الإخوان المسلمين.. لا لتدخل المجلس العسكري وفي حال رفضت قيادات تلك المنظمات والنقابات تبني هذه الشعارات كان لابد من تشكيل قيادة جديدة وشن نضال فوري وحازم لاستبدال تلك القيادات.
وكانت الهيمنة الدائمة للجماهير على الشوارع والميادين، مع استمرار التعبئة والمظاهرات، كفيلة بإجبار محمد مرسي، عاجلًا أم آجلًا، على القبول بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة، من دون منح المجلس العسكري فرصة التدخل واستعادة السلطة.
أما الادعاء بأن لجوء جماعة الإخوان المسلمين إلى العنف كان من شأنه إجهاض المظاهرات، وأن نشر الجيش دباباته وقواته في شوارع القاهرة والمحافظات يوم 26 يونيو، قبل مظاهرات 30 يونيو بأربعة أيام، جاء لحماية المتظاهرين، فلا يعدو كونه ترديداً للرواية التي روج لها النظام لتبرير تدخله العسكري. ويكفي النظر إلى الوقائع لإدراك بطلان هذا الادعاء، وذلك لسببين.
أولهما أن تدخل الجيش ونشر قواتة في الشوارع المصرية لم يكن يوماً لحماية الشعب أو المتظاهرين، بل لحماية النظام وتثبيت أركانه ومنع سقوطه أمام موجات الاحتجاج والانتفاضات المتعاقبة. ولهذا ارتكبت المؤسسة العسكرية، عبر العقود، عشرات المجازر والانتهاكات بحق الشعب المصري كلما رأت أن بقاء النظام أو استقراره بات مهدداً.
وثانيهما أن هذا الطرح يفتقر إلى أي أساس موضوعي. فالشعب المصري الذي واجه، خلال الأيام الممتدة من 25 إلى 28 يناير 2011، جهاز الشرطة في مختلف المحافظات، بكل ما امتلكه من عدة وعتاد وتشكيلات تضم الأمن المركزي وقوات مكافحة الشغب والوحدات الخاصة، لم يُهزم، ولم تنجح أجهزة القمع في القضاء على التظاهرات. بل على العكس، استطاعت الجماهير فرض إرادتها وإلحاق الهزيمة بالشرطة، رغم المجازر التي ارتكبتها بحق المتظاهرين، والتي خلفت مئات الشهداء. وهو ما اضطر النظام، في مساء 28 يناير، إلى نشر الجيش لاحتواء الموقف ومنع انهياره بعد عجز الشرطة عن السيطرة على الشارع واضطرارها إلى الانسحاب.
فإذا كانت أجهزة الدولة الأمنية، بكل ما امتلكته من تنظيم وتسليح وخبرة، قد فشلت في كسر الحركة الجماهيرية، فهل يتصور عاقل أن مجموعات من الإخوان المسلمين، لا تمتلك عُدَّة ولا عتاداً ولا تشكيلات مدربة قادرة على خوض مواجهة بهذا الحجم، كانت ستنجح – بافتراض أنها قررت اللجوء إلى العنف – في إجهاض التظاهرات والقضاء على موجة التعبئة الشعبية ضدها؟ بالطبع لا.
لذلك، أكرر هنا أن الحركة الجماهيرية المتصاعدة آنذاك كان بمقدورها إسقاط محمد مرسي والإخوان، واستكمال المسار الثوري الذي بدأ في يناير 2011، بما يتضمنه من إخراج الجيش من السياسة، وإنهاء تدخله في الحياة المدنية وهيمنته على الاقتصاد والدولة، والدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة. غير أن تحقق هذا المسار كان يتوقف على شرط ذاتي ارتبط بمواقف النخب السياسية والثورية التي كانت تتصدر المعارضة في ذلك الوقت.
فقد قبلت القوى الليبرالية والناصرية تدخل الجيش في الصراع السياسي، ولم تسعَ إلى رفضه أو معارضته، انطلاقاً من تصور مفاده أن المؤسسة العسكرية تمثل الضامن الرئيسي لمصالحها الطبقية. وبناءً على ذلك، بات كثير منها ينظر إلى الجيش باعتباره حليفاً يمكن الاستفادة منه في معركة إزاحة الإخوان المسلمين من السلطة. وقد استند هذا التصور إلى وهم مفاده أن المؤسسة العسكرية أدركت خطأ تحالفها السابق مع الإخوان، وأنها عازمة هذه المرة على التدخل لعزلهم وتقاسم السلطة مع القوى المدنية، ممثلة في شخصيات مثل حمدين صباحي وعمرو موسى ومحمد البرادعي وغيرهم من قادة المعارضة آنذاك.
لم تكتفِ النخب السياسية بقبول تدخل الجيش في الصراع السياسي أو التغاضي عنه، بل ساهمت بصورة مباشرة في إضفاء الشرعية عليه والترويج له. ومع الوقت، انتقلت هذه الرؤية إلى قطاعات واسعة من الحركة الجماهيرية نفسها، التي جرى دفعها تدريجياً نحو حالة من الشوفينية الوطنية والاصطفاف خلف المؤسسة العسكرية، باعتبارها المخلِّص القادر على إنقاذ البلاد من حكم الإخوان.
وبدلاً من أن تُوظَّف حالة الغضب الشعبي المتصاعدة في مواصلة الضغط الجماهيري، واستكمال المسار الثوري، وترسيخ الممارسة الديمقراطية بالدعوة إلى الانتخابات، جرى توجيهها نحو دعم تدخل الجيش ومنحه الغطاء الشعبي والسياسي اللازم للانقضاض على السلطة.
وهكذا انتهى الأمر بقطاعات واسعة من الحركة الجماهيرية إلى تأييد الانقلاب والثورة المضادة، لا باعتبارهما انقلاباً على أهداف الثورة، بل باعتبارهما استكمالاً لها، وهو الوهم الذي لعبت النخب السياسية والثورية دوراً رئيسياً في ترسيخه وتعميمه، قبل أن تستيقظ على نتائجه بعد فوات الأوان، ودون أن تعترف بمسؤوليتها عما آلت إليه الأمور، أو بالدور الذي لعبته في دفع الحركة الجماهيرية إلى هذا المسار.
أقول إنه لو كانت قد تشكلت في مصر جبهة معارضة تدعو إلى إسقاط محمد مرسي والإخوان المسلمين، لكن على أرضية حماية المكتسبات الديمقراطية ومنع الجيش من الانقضاض على السلطة، وذلك من خلال تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة وانتخابات برلمانية جديدة، لكان بالإمكان تصور مسار مختلف تماماً عن ذلك الذي انتهت إليه البلاد.
وذلك عبر تبني موقف رافض للخطوات الأولى التي اتخذها المجلس العسكري على طريق الانقلاب، مع التمسك في الوقت نفسه بمسار إسقاط الإخوان المسلمين، بوصفهم شركاء المجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية، بعد أن كشفت تجربة حكمهم تمسكهم بنمط اقتصادي رأسمالي بنسخته النيوليبرالية، وزيف شعاراتهم وطابعها الرجعي والطائفي، لكن على أن يتم إسقاطهم على أرضية استكمال الثورة وتعزيز الممارسة الديمقراطية لا إلغائها، مع تجريد المجلس العسكري من كل امتياز أو سلطة تسمح له بالتدخل أو التأثير في السياسة، وذلك بفرض انتخابات رئاسية وبرلمانية جديدة وفق مسار ديمقراطي حقيقي يخضع لإشراف ورقابة المواطنين.
ربما كانت جبهة معارضة كهذه ستظل أقلية في ذلك الوقت، في مواجهة تيار واسع كان يدعم تدخل الجيش لحسم الصراع مع الإخوان، ضم جبهة الإنقاذ وفلول نظام مبارك وحملة «تمرد» وحركات “ثورية” وتنسيقية 30 يونيو وغيرها من القوى التي رأت في المؤسسة العسكرية حليفاً أو منقذاً. وقد حظي هذا الاتجاه بدعم ورعاية أجهزة الأمن والمخابرات، سواء عبر إعادة تنشيط شبكات الفلول التي لعبت دوراً مهماً في التعبئة داخل المحافظات المختلفة، أو عبر تسهيل تدفق الدعم المالي والإعلامي الذي ساعد «تمرد» على التوسع والانتشار.
لكن كان وجود مثل هذه الجبهة المعارضة كفيلاً بتغيير مسار الأحداث، أو على الأقل عرقلة صعود الثورة المضادة بالصورة التي شاهدناها لاحقاً وما ترتب عليها من مذابح وقمع واسع النطاق. وفي أفضل الأحوال، كان بإمكان هذه الجبهة دفع الحركة الجماهيرية إلى مواصلة التصعيد والتعبئة ضد بقاء كل من سلطة محمد مرسي والمجلس العسكري، وإجبار محمد مرسي على القبول بانتخابات رئاسية مبكرة، وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، على أرضية استكمال الثورة لا تصفيتها، عبر تشكيل سلطة تستند إلى الآليات الديمقراطية، وعلى أساس إخراج المؤسسة العسكرية من السياسة، ورفض تدخلها في الحياة المدنية، واستكمال تفكيك ما تبقى من دولة مبارك ومراكز نفوذها، وفي مقدمتها فلول النظام القديم، والقضاة الذين لعبوا أدواراً سياسية في حماية النظام وإعادة إنتاجه.
وهو ما كان من شأنه أن يفتح الباب أمام انتقال للسلطة تفرضه الجماهير من أسفل، لا انتقالاً تديره المؤسسة العسكرية من أعلى، بما يكرس هيمنتها المطلقة على الحياة السياسية، وأن يجعل واقعنا اليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً، مختلفاً تماماً. فبدلاً من ثلاثة عشر عاماً من الثورة المضادة، وتعميق الاستبداد، وتوسيع هيمنة المؤسسة العسكرية على السياسة والاقتصاد والمجتمع، ربما كنا قد قطعنا شوطاً مهماً في مسار التحرر الوطني والديمقراطية الشعبية، التي تمارس الجماهير فيها هيمنة دائمة على السلطة من خلال استدامة الحق في انتخاب المسؤولين وعزلهم، وهو ما كان كفيلاً بتعميق المسار الثوري، وتقويض أسس النظام الاستبدادي، وإرساء قواعد التداول السلمي للسلطة.
وكان ذلك ممكناً من خلال تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة وبرلمانية جديدة، يحق للإخوان المسلمين أنفسهم المشاركة فيها، سواء عبر ترشيح محمد مرسي مرة أخرى أو الدفع بمرشح آخر. فاستدامة العملية الديمقراطية هو الذي كان بمقدوره أن يتيح للجماهير التعلم من تجربتها السياسية، واختبار صدق واتساق ممارسة التيارات السياسية المختلفة مع ما تطرحه من شعارات، وتنمية وعيها الذاتي. أما الانقلاب، فقد أغلق هذا المسار بالكامل، واستبدل الصراع السياسي الديمقراطي المفتوح بصراع تُدار حدوده ونتائجه بواسطة أجهزة الدولة وأدوات القمع.
نعم، كان بمقدورنا الوصول إلى نتائج مختلفة، لكن ذلك كان مشروطاً بالسعي إلى منع الانقلاب ورفض تدخل الجيش في السياسة والتمسك بالمسار الديمقراطي. فالانقلاب لم يكن هدفه فقط إقصاء الإخوان المسلمين من السلطة، بل هدف إلى إطلاق ثورة مضادة عسكرية عنيفة كان الإخوان وأنصارهم أول ضحاياها، لكنهم لم يكونوا آخرهم.
فما لبث القمع أن تحول إلى سياسة عامة شملت مختلف التيارات السياسية، بما في ذلك قوى وشخصيات دعمت الانقلاب أو بررته أو راهنت عليه. ثم اتسع نطاقه تدريجياً ليطال المجتمع بأسره، مع إعادة بناء منظومة الاستبداد على أسس أكثر صلابة واتساعاً مما كانت عليه قبل عام 2011.
أعاد الانقلاب والثورة المضادة إنتاج الشروط نفسها التي فجّرت ثورة يناير 2011 في المقام الأول: الاستبداد، وغياب الرقابة الشعبية، وتغول الأجهزة الأمنية، وسياسات إرهاب الدولة، والفساد، وتدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. لكنهما أعادا إنتاج هذه الشروط هذه المرة في صورة أكثر قسوة وعنفاً واتساعاً.
خاتمة
إن إعادة إنتاج الديكتاتورية لا يمكن أن تؤدي في النهاية إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة السياسية ذاتها، بصورة أو بأخرى. فالتجارب التاريخية تُظهر أن أكثر الأنظمة الاستبدادية قدرةً على البقاء لم تتمكن من إلغاء التناقضات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها سياساتها، بل نجحت فقط في تأجيل انفجارها لبعض الوقت.
ولهذا تبدو الديكتاتورية العسكرية، حين تقترن بالفساد الواسع وتدهور الأوضاع المعيشية وغياب الرقابة الشعبية، أقرب إلى مسار تتكرر نتائجه أكثر مما تبدو استثناءً تاريخياً. فهذه الشروط تنتج، في نهاية المطاف، أزمة سياسية واجتماعية متفاقمة، تفتح الباب أمام موجات جديدة من الاحتجاج والانفجار الشعبي.
واليوم، أعتقد أننا نقف بالفعل في قلب مثل هذه الأزمة. فبعد أكثر من عقد على الانقلاب، لم تختفِ الأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى الثورة، بل أُعيد إنتاجها في صورة أكثر حدة واتساعاً.
وكما يحدث كلما دخل النظام في أزمة عميقة، وواجه خطر فقدان السيطرة نتيجة خروج الجماهير إلى الشوارع، وكسر حاجز الخوف، وتحدي أدوات القمع، فمرة أخرى ستسعى المؤسسة العسكرية إلى التدخل لاحتواء الوضع، وحماية النظام، ومنع انهياره الكامل.
وحين يحدث ذلك، سيظهر ضابط جديد يرى في الأزمة فرصة للصعود إلى السلطة، كما سيجد من بين القوى السياسية من يمنحه الغطاء السياسي اللازم، من سياسيين انتهازيين سيسعون إلى ركوب الموجة والاستفادة منها لحماية مصالحهم وتوسيعها. وقد يكون هؤلاء من الوجوه القديمة نفسها، أو وجوهاً جديدة تعيد إنتاج المنطق ذاته تحت شعارات مختلفة.
فإن كان هناك درس علينا جميعاً أن نكون قد تعلمناه، فهو أن حدوث تغيير حقيقي في بلادنا في اتجاه إرساء قواعد الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة مرهون بأن يكون الشعب هو مصدر السلطة، لا فوهات البنادق. وذلك لن يتحقق إلا بخروج الجيش من السياسة، والتوقف عن نشر الدبابات في الشوارع مع اندلاع الأزمة القادمة نتيجة فشل النظام وخروج الناس إلى الشوارع من جديد وتجاوزهم حاجز الخوف. وبالطبع، فإن ذلك مرهون أيضاً بتوقف مختلف القوى السياسية عن محاولة إقصاء منافسيها عبر الاستقواء بالجيش والتحالف معه، لا عبر صناديق الاقتراع.
https://soc-rev-egy.org/2026/07/03/%d9%85%d9%84%d9%81-%d8%ae%d8%a7%d8%b5-%d9%87%d9%84-%d9%83%d8%a7%d9%86-%d8%a8%d9%85%d9%82%d8%af%d9%88%d8%b1%d9%86%d8%a7-%d8%a5%d8%b3%d9%82%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ae%d9%88%d8%a7%d9%86-2/
#تيار_الثورة_الاشتراكية (هاشتاغ)
Socialist_Revolution_Current#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (2) تهي
...
-
هل كان بمقدورنا إسقاط الإخوان ومنع الانقلاب في 2013؟ (1) كيف
...
-
في ظل حكم العسكر: بات العمل أقرب إلى السُّخرة
-
الحرية لأحمد دومة: الثورة وحدها قادرة على تحرير مجتمعنا من ا
...
-
بيان: إشادة باعتذار الحركة المدنية ورفض للمحاولات المشبوهة ب
...
-
التنظيم كقوة مادية: لماذا تنتصر الشبكات على المبادئ؟
-
تصاعد القمع الحكومي وتصاعد الاحتقان الشعبي؛ المجتمع على حافة
...
-
فلسطين 78 عام من النكبة والإبادة المستمرة
-
لا للدفاع عن الإمارات، القاعدة المتقدمة لإسرائيل في الخليج ا
...
-
طموح النظام الإيراني وتحدّيه للهيمنة الأمريكية والإسرائيلية؛
...
-
بيان: الحرية لأحمد دومة، الحرية للمعتقلين، الحرية لمصر
-
بيان: بشأن زيادة أسعار المحروقات؛ الرئيس لا يتجمل، بل يكذب و
...
-
بيان تيار الثورة الاشتراكية بشأن العدوان الأمريكي–الصهيوني ع
...
-
ارفعوا أيديكم عن أهالي جزيرة الوراق.. نظام يحاصر مواطنيه ويه
...
-
حكومة لصوص تستكمل المهزلة السياسية للنظام
-
رسالة سجين: من الزنازين الضيقة حيث يذوب الزمن وتختفي ملامح ا
...
-
يناير 2011: الثورة التي سحقها الجيش
-
تضامننا مع الانتفاضة الجماهيرية والاحتجاجات في إيران
-
ضد الإمبريالية الأمريكية وهجومها البربري على فنزويلا: لا لدع
...
-
الفيل الذي في الغرفة.. الجيش إلى خارج السياسة
المزيد.....
-
النصير الشيوعي العدد 48 السنة الرابعة تموز 2026
-
-الغاز- الذي خنقته حرب إيران.. كيف طال موائد الفقراء حول الع
...
-
Why American Farmers are Paying for Foreign Policy
-
Why Do Societies Normalize Harm to Children in War, Poverty,
...
-
Echoes From Gaza: How the Dehumanization of Muslims Leads to
...
-
From Independence to Interdependence
-
How to Sell a Genocide: the Media’s Complicity in the Destru
...
-
The Public Isn’t Budging on Ice’s Immigrant Detention Polici
...
-
Monsters Playing Victims: Danny Danon’s Twisted War on the T
...
-
The Military-Entertainment Complex, Exposed
المزيد.....
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
-
أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة-
/ دلير زنكنة
المزيد.....
|