أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سامر حجيجي - الطريق الأقصر إلى الجهل














المزيد.....

الطريق الأقصر إلى الجهل


سامر حجيجي

الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 06:42
المحور: كتابات ساخرة
    


بعد مراجعة دقيقة للمشهد التعليمي، تبيّن أن المدرسة كانت مجرد تجربة تاريخية لطيفة، أشبه بنسخة تجريبية من التعليم، انتهت صلاحيتها منذ اللحظة التي اكتشفنا فيها أن (الدورات الخصوصية) تستطيع فعل كل شيء… بما في ذلك التفكير نيابة عن الطالب.
لم نعد بحاجة إلى مدارس تُهدر الوقت في شرح المفاهيم. لدينا الآن نظام أكثر تطورا:
ادفع، احضر، احفظ، انسَ بعد الامتحان، وكرر العملية العام القادم بنفس الحماس.
لقد انتصرنا أخيرًا على الفوضى المعرفية. لم نعد نترك الطالب يضيع وقته في الفهم، بل نوفر له الطريق المختصر: ملخصات بحجم جيب القميص، وأسئلة (متوقعة بنسبة 99.9%) (النسبة المتبقية تُترك للقدر، أو ربما للحظ، أو لخطأ مطبعي في الامتحان).
أما الكتاب المدرسي، فقد تمت ترقيته رسميًا إلى وظيفة جديدة: ديكور ثقافي. يُوضع على الطاولة لإقناع الضيوف أن هناك تعليما يحدث بالفعل، بينما الحقيقة أن كل شيء مهم قد تم تحويله إلى ملف PDF بعنوان: (لا تحفظ هذا… فقط افهم أنه مهم).
الطالب في هذا النظام الحديث لم يعد طالب علم، بل أصبح (مستخدمًا تعليميًا). يدخل الدورة كمن يدخل مطعما، يطلب قائمة (أهم الأسئلة)، ثم يغادر وهو يشعر بالشبع المعرفي المؤقت، الذي ينتهي فور رؤية أول سؤال مختلف في الامتحان.
والأهل، حفظهم الله من القلق، طوروا فلسفة تعليمية متقدمة جدًا يمكن تلخيصها بجملة واحدة:
(المهم يجيب علامة… كيف؟ ليست مشكلتنا، المهم لا تسأل).
أما مراكز التدريس، فقد وصلت إلى مرحلة من الإبداع الاقتصادي لا يمكن تجاهلها. فهي لا تبيع شرحا، بل تبيع (طمأنينة مؤقتة). كلما زاد خوف الطالب، ارتفع سعر الطمأنينة. وكلما اقترب الامتحان، تحولت المدينة إلى سوق كبير للعلاجات التعليمية السريعة:
جرعة فيزياء مكثفة ومضغوطة حتى يسهل تبخرها ليلا، حقنة رياضيات قبل الغروب كي يتحول الطلبة الى مصفوفة منفردة عديمة النظير، تبخيرة كيمياء (دسمة) عفوا مركزة أكثر من المادة النووية و(كورس إنقاذ عاجل) قبل الامتحان بـ24 ساعة لمن لم ينجُ بعد.
ولأننا شعب يحب التحديث، لم نتوقف عند النسخة التقليدية من الفشل. بل قمنا بتطويره سنويًا. كل دفعة جديدة تشاهد الدفعة السابقة وهي تخرج من الموسم التعليمي منهكة، ولأننا مجتمعات مصابة بالتهابات مزمنة في الاستدلال، فإن النتيجة العبقرية التي تتوصل اليها النسخة الجديدة بثقة علمية مذهلة:
(واضح أنهم أخذوا الدورة الخطأ… نحن سنأخذ نفس الدورات، لكن بشكل أفضل)
وهكذا ندخل في حلقة تعليمية متقدمة جدًا، تشبه النسخ الاحتياطي للفشل: نكرر نفس الخطوات، وننتظر نتائج مختلفة، ثم نتفاجأ أنها لم تتغير. والغريب أننا نسمي هذا (تطوير التعليم).
وفي نهاية كل موسم، نتجمع جميعًا في مشهد درامي مؤثر:
الطلاب يتساءلون لماذا لا يفهمون،
الأهل يتساءلون لماذا لم يتحسن المستوى،
والمراكز تتساءل عن سبب الاكتظاظ في الموسم القادم.
ويبقى السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه:
إذا كانت الدورات الخصوصية تشرح المنهاج، والمدرسة تشرح المنهاج، والملخصات تشرح المنهاج، والفيديوهات تشرح المنهاج، والتطبيقات تشرح المنهاج... فمن الذي سيشرح للطالب كيف يتعلم؟
لقد أنفقنا الملايين على تعليم أبنائنا، لكننا نسينا أن نعلمهم أهم مهارة في التعليم: أن يبذلوا جهدا عقليا.
لقد صنعنا جيلاً يخشى السؤال أكثر مما يخشى الجهل، ويبحث عن الإجابة قبل أن يفهم المشكلة، ويطلب (الطريقة الأسرع) قبل أن يعرف إلى أين يريد أن يصل.
ثم نقف مذهولين عندما نكتشف أن مستوى الإتقان يتراجع عامًا بعد عام.
والحقيقة المؤلمة ليست أن أبناءنا لا يدرسون...
بل أنهم يستهلكون التعليم كما يستهلكون مقاطع الفيديو القصيرة؛ بسرعة، وبمتعة، ومن دون أثر يُذكر.
وعندما يدخلون الجامعة، أو سوق العمل، أو الحياة نفسها، يكتشفون أن هناك امتحانًا واحدًا لا توجد له دورة خصوصية، ولا ملخص، ولا توقعات، ولا أستاذ يقول قبل الامتحان:(ركزوا على هذه الصفحة... الحياة لن تخرج عنها).



#سامر_حجيجي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظام الطيبات: حين يصبح التصنيف الغذائي عقيدة
- غوغائية الشماتة
- الاستدلال الدائري
- بين المنهج العلمي والمغالطات
- العلموإعجازيون
- الثيوقراطية الشعبية


المزيد.....




- دار أزياء تواصل ترجمة الهوية السعودية بلغة الموضة العالمية
- أمل لمرضى الشلل.. -ميتا- تعلن عن نظام ذكاء اصطناعي لترجمة ال ...
- من البلاط القيصري إلى -حرب النجوم-.. حقائق تروي قصة -الكوكوش ...
- مشروع روسي جديد لدعم السينما المحلية بتمويل من الأفلام الأجن ...
- نصير شمة: الموسيقى تسهم بخفض مستوى هرمون التوتر
- قطع مقابلة قاليباف يكشف صراع الرواية داخل النظام الإيراني
- -كنت أطمح أن أصبح مترجمة-.. رئيسة الوزراء الإيطالية تتحدث عن ...
- لجنة تشييع القائد الشهيد للأمة (رض): 14 ألف صحفي ومصور وإعلا ...
- العثور على جثة الممثل ألكسندر فيسوكوفسكي في نهر أوكا بمقاطعة ...
- ابنة حماة في مجلس الشعب.. من هي الفنانة روزينا لاذقاني التي ...


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - سامر حجيجي - الطريق الأقصر إلى الجهل