أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - الفصل الثامن 3















المزيد.....



الفصل الثامن 3


عصام حافظ الزند

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 16:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أَبُو سُفْيان صَخْرُ بْنُ حَرْب
(نبحث في شخصية أبو سفيان رغم وفاته في زمن خلافة عثمان لا نه كان شخصا مهما قبل وبعد الإسلام وهو أبو معاوية مؤسس الدولة الاموية)
تَناوَلْنا بَعْضاً مِنْ أُصُولِ جُذُورِ صِراعِ عَبْدِ شَمْس ثُمَّ بَنِي أُمِّيَّةَ مَعَ هاشِم ثُمَّ بَنِي هاشِمٍ مَعَ أَنَّ أَبَ وَأُمَّ الطَرَفَيْنِ المُتَخاصِمَيْنِ واحِدٌ ثُمَّ قَدَّمْنا بَعْضَ الأَمْثِلَةِ، ذٰلِكَ الصِراعَ الَّذِي عَلَى ما يَبْدُو تَعاظُمٌ وَتَوَسُّعٌ، بَلْ إِنَّهُ تَطَوَّرَ وَأَصْبَحَ إِلَى حَدِّ ما هُوَ الَّذِي يَرْسُمُ طَرِيقَ الإِسْلامِ وَهُنا بِوُدِّنا التَرْكِيزُ عَلَى الشَخْصِيَّةِ المُهِمَّةِ وَالَّتِي وُلِدَتْ قَبْلَ الدَعْوَةِ، بَلْ وَقَبْلَ وِلادَةِ مُحَمَّدٍ ثُمَّ كَيْفَ كانَ مَوْقِفُها مِنْ الدَعْوَةِ وَمُحَمَّدٍ وَفِي نِهايَةِ المَطافِ وَبَعْدَ الفَتْحِ إِسْلامُها وَهَلْ صَدَّقَ إِسْلامُها.
ذٰلِكَ هُوَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ (أبو سفيان) أَوْ أَبُو حَنْظَلَةَ يُقالُ أَنَّهُ أَسَنُّ مِنْ النَبِيِّ بِعَشْرِ سَنَواتٍ أَيْ أَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ عامِ الفِيلِ بِعَشْرِ سَنَواتٍ وَقِيلَ بِسَبْعِ سِنِينَ وَقِيلَ بِثَلاثِ سَنَواتٍ أَيْ أَنَّهُ، وَفِي كُلِّ الأَحْوالِ مَجايل لِمُحَمَّدٍ وَلٰكِنَّهُ عاشَ وَحَسَبَ أَغْلَبِ الرِواياتِ إِلَى سَنَةِ 30ﮬ أَيْ بَعْدَ وَفاةِ الرَسُولِ بِحَوالَيْ عِشْرِينَ عاماً فَعاشَ الخَلْفَتَيْنِ وَماتَ إِبّانَ الخَلِيفَةِ الثالِثِ ، لَمْ يَعْرِفْ عَنْهُ الكَثِيرَ قَبْلَ الإِسْلامِ سِوَى أَنَّهُ مِنْ تُجّارِ قُرَيْشٍ، وَمِنْ عائِلَةِ أُمِّيَّةِ جَدِّهِ أَقْوَى ساداتِ قُرَيْشٍ وَأَصْبَحَ هُوَ ضِمْنَ مُثَلَّثِ المُعارِضِة لِمُحَمَّدٍ وَلِلدِينِ الجَدِيدِ مَعَ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَقَدْ يُضافُ إِلَيْهِمْ أَحْياناً عُقْبَةُ بِنْ مُعِيطٍ . كانَ شَدِيدَ التَمَسُّكِ بِالأَصْنامِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ أُخِذَ مَعَهُ أَصْنامٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ نَعْرِفُ مِنْ زَوْجاتِهِ سَبْعَةً صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي العاصِ وَقَدْ وَلَدَتْ لَهُ اِبْنَهُ حَنْظَلَةُ بِكْرَه وَرُبَّما بَعْدَ سُفْيانَ الَّذِي يُكَنَّى بِهِ وَهِنْدُ بِنْتِ عَتَبَةَ الَّتِي وُلِدَتْ لَهُ مُعاوِيَةُ أَشْهُرِ أَبْنائِهِ الَّذِي أَسَّسَ الدَوْلَةَ الأُمَوِيَّةَ وَعَتَبَةَ الَّذِي شارَكَ فِي حَرْبِ الجَمَلِ مَعَ عائِشَةَ ضِدَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ، وَلٰكِنَّهُ هَرَبَ عِنْدَ الهَزِيمَةِ إِلَى أَنْ نَصَبَهُ أَخُوهُ مُعاوِيَةَ أَمِيراً عَلَى مِصْرَ وَهِنْدُ زَوْجَتِهِ هِيَ مَنْ اِسْتَأْجَرَتْ وَحْشِيَّ الَّذِي قَتَلَ حَمْزَةً فِي أَحَدٍ وَذٰلِكَ لِتَثْأَرَ لِقَتْلاها فِي بَدْرٍ وَمِنْ أَبْنائِهِ يَزِيدُ الَّذِي اِخْتارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِيَقُودَ أَحَدَ جُيُوشِ الغَزْوَةِ عَلَى بِلادِ الشامِ ثُمَّ عَيَّنَهُ عُمَرُ والِياً عَلَيْها وَمِنْ أَوْلادِهِ حَنْظَلُهُ الَّذِي قُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ حَيْثُ شارَكَ مَعَ المُشْرِكِينَ فِي حَرْبِ مُحَمَّدٍ مَعَ أَخِيهِ عَمْرو الَّذِي أَسَرَّ ثُمَّ أَطْلَقَ سَراحَهُ وَلَهُ مِنْ البَناتِ عَشَرَةٌ مِنْهُمْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَمْلَةٌ تَزَوَّجَها النَبِيُّ، مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَبْنائِهِ أَسْلَمُوا بَعْدَ الفَتْحِ كُرْهاً وَخَوْفاً وَتَمَلَّقاً . وَيَذْكُرُ البُخارِيُّ فِي صَحِيحَةٍ قِصَّةً طَوِيلَةٍ لِحِوارٍ بَيْنَ أَبِي سُفْيانَ وَهِرْقْلَ في إيلياء( القدس فيما بعد)، حَيْثُ كانَ أَبُو سُفْيانَ فِي تِجارَةٍ لِقُرَيْشٍ فِي الشامِ ، حَيْثُ عَرَفَ هِرَقْلٌ بِمُحَمَّدٍ عَنْ طَرِيقِ الكِتابِ الَّذِي حَمَلَهُ دِحْيَةُ الكَلْبِيِّ عَبْرَ عَظِيمٍ بَصَرِيٍّ يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الإِسْلامِ، وَحَيْثُ أَجابَ أَبُو سُفْيانَ عَلَى تَساؤُلاتِ هِرَقْلٍ كَما يُجِيبُ عَلَيْها أَيُّ مُسْلِمٍ مُلْتَزِمٍ ومحب!، فِي حِينِ كانَ هُوَ عَلَى الكُفْرِ وَالكُرْهِ الشَدِيدِ لِمُحَمَّد وَبَنِي هاشِمٍ، وَلا يَحْتاجُ المَرْءُ إِلَى فِراسَةٍ وَدِراساتٍ كَثِيرَةٍ لِيَعْرِفَ أَنَّ هٰذِهِ القِصَّةَ مُخْتَلَقَةٌ وَمَوْضُوعَةٌ بِصُورَةٍ كامِلَةٍ وَبِأُسْلُوبٍ ساذَجٍ ، أَبِي سُفْيان كانَ فِي الشامِ قَبْلَ بَدْرٍ فِي وَقْتٍ كانَ الإِسْلامُ فِي بِدايَةِ الهِجْرَةِ لا يَزالُ ضَعِيفاً، وَلا يُفَكِّرُ إِلّا فِي حِمايَةِ وَتَقْوِيَةِ وَضْعِهِ فِي المَدِينَةِ وَلا يَسْتَطِيعُ الإِرْسالَ إِلَى هِرْقَلَ أَوْ يَدْعُوهُ لِلإِسْلامِ وَالسَذاجَةِ الكُبْرَى فِي أَجْوِبَةِ هِرَقْل الَّتِي تَكادُ تَكُونُ كُوميدِيَّةً لِذا فَإِنَّنا لا نَصْرِفُ وَقْتاً فِي كِتابَتِها (لِقِراءَتِها يَرْجِعُ إِلَى صَحِيحِ البُخارِيِّ كِتابُ بَدْءِ الوَحْيِ رَقْمُ 7 ص 16-17) (وَكَذٰلِكَ صَحِيحٌ مُسْلِمٌ كِتابُ الجِهادِ وَالسَيْرُ بابُ كِتابِ النَبِيِّ ﷺ إ ِلَى هِرَقْلَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلامِ ص 684)
وَهٰكَذا نَرَى حَقِيقَةَ هٰذِهِ العائِلَةِ المُتَكاتِفَةِ فِي عَداوَةِ الإِسْلامِ وَمُحَمَّدٍ وَمَوْقِفِها مِنْ الإِسْلامِ، وَمِنْ النَبِيِّ كانَ عَلَى طُولِ فَتْرَةِ الدَعْوَةِ وَحَتَّى الفَتْحِ عَلَى الأَقَلِّ؛ وَمَعَ ذٰلِكَ سَمَّتْ الأَخْبارُ بَعْضَهُمْ صَحابَةً، وَاِخْتَرَعَتْ لَهُمْ تارِيخِيّاً إِسْلامِيّاً كَبِيراً (وَطَبْعاً لَمْ يَكُنْ الأُمَوِيُّونَ بَعِيدِينَ عَنْ تِلْكَ الرِفْعَةِ الَّتِي شَمِلَتْهُمْ)، أَمّا صَخْرُ نَفْسُهُ فَهُوَ الَّذِي حُرِّضَ عَلَى بَدْرٍ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يُشارِكْ فِيها، فَالمَعْرَكَةُ نَشَبَتْ أَصْلاً؛ لِأَنَّ مُحَمَّد أَعَدَّ غَزْوَةً مِنْ أَجْلِ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى قافِلَةِ قُرَيْشٍ العائِدَةِ مِنْ الشامِ وَيَقُودَها أَبُو سُفْيانَ (صخر) نَفسِهِ وَكانَ قَدْ فَشِلَ فِي مُهاجَمَتِها عِنْدَ ذَهابِها إِلَى هُناكَ، وَلٰكِنَّ أَبا سُفْيانَ المَعْرُوفَ بِدَهائِهِ عَمِلَ عَلَى تَغْيِيرِ مَسارِ القافِلَةِ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ أَرْسَلَ لِقُرَيْشٍ يَطْلُبُ مِنْها الخُرُوجَ مِنْ أَجْلِ حِمايَةِ القافِلَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ وَلٰكِنَّهُ عِنْدَما اِسْتَطاعَ أَنْ يَنْجُوَ بِالقافِلَةِ أَرْسَلَ مَنْ يَبْلُغُ قُرَيْشٌ الَّتِي خَرَجَتْ بِأَنَّ القافِلَةَ نَجَتْ، لٰكِنَّ إِصْرارَ أَبِي جَهْلٍ عَلَى أَنَّ الفُرْصَةَ أَصْبَحَتْ مُلائِمَةً مِنْ أَجْلِ اِجْتِثاثِ مُحَمَّدٍ وَجَماعَتِهِ، فَسارَ إِلَى الحَرْبِ غَيْرَ مُهْتَمٍّ بِخَبَرِ أَبِي سُفْيانَ وَنَجاةِ القافِلَةِ ، وَفِي نِهايَةِ المَطافِ، فَقَدْ كانَتْ بَدْرٌ اِنْدِحاراً كَبِيراً لِقُرَيْشٍ بِمَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ نَفْسِهِ الرَجُلِ الأَوَّلِ وَمَجْمُوعَةً مِنْ وُجَهاءِ قُرَيْشٍ وَوَقَعَ أَيْضاً قِسْمٌ مِنْهُمْ فِي الأُسَرِ، وَلٰكِنَّها كانَتْ مِنْ الناحِيَةِ الأُخْرَى اِنْتِصاراً لِأَبِي سُفْيانَ، فَقَدْ عَنَتْ تِلْكَ النَتِيجَةَ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ أَبُو سُفْيانَ الرَجُلُ الأَوَّلُ فِي قُرَيْشٍ وَلَيْسَ لَهُ مُنازِعٌ، مِثْلَ سَطْوَةِ أَبِي جَهْلٍ، عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّهُ فَقَدَ فِيها اِبْنَهُ البِكْرَ حَنْظَلَهُ قَتِيلاً بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ وَ وَقَّعَ اِبْنُهُ عَمْرُو أَسِيراً بِيَدِ المُسْلِمِينَ أُسْرَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ وَأَرْسَلَهُ إِلَى النَبِيِّ بِغَيْرِ فِدْيَةٍ وَالنَبِيُّ بِدَوْرِهِ رَدَّهُ بِغَيْرِ فِدْيَةِ فِداءً لِسَعْدِ بْنِ أَكالٍ الَّذِي كانَ قَدْ خَرَجَ مُعْتَمِراً فَحَبِسَ بِمَكَّةَ.
وَكانَ أَوَّلُ دَوْرٍ لَهُ هُوَ دَعْوَتُهُ عِنْدَما عادَ القَرَيْشِيُّونَ إِلَى مَكَّةَ مَهْزُومِينَ مَكْلُومِينَ أَصابَهُمْ الحُزْنُ وَالرُعْبُ مِنْ نَتائِجِ بَدْرٍ "يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ "لا تَبْكُوا عَلَى قَتْلاكُمْ، وَلا تَنْحْ عَلَيْهِمْ نائِحَةً، وَلا يَبْكِيهِمْ شاعِرٌ، وَأَظْهَرُوا الجِلْدَ وَالعَزاءَ، فَإِنَّكُمْ إِذا نُحَتِّمُ عَلَيْهِمْ وَبَكَيْتُمُوهُمْ بِالشِعْرِ، أَذْهَبُ ذٰلِكَ غَيْضَكُمْ، فَأَكَلُكُمْ ذٰلِكَ عَنْ عَداوَةِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحابِهِ، وَمَعَ أَنْ بَلَغَ مُحَمَّداً وَأَصْحابُهُ شَمَتُوا بِكُمْ ، فَيَكُونُ أَعْظَمُ المَصَيبَّتَيْنِ شَماتَتَهُمْ، وَلَعَلَّكُمْ تُدْرِكُونَ ثَأْرَكُمْ، وَالدُهْنُ وَالنِساءُ عَلَيَّ حَرامٌ، حَتَّى أَغْزُوَ مُحَمَّداً . فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ شَهْراً لا يَبْكِيهِمْ شاعِرٌ، وَلا تَنُوحُ عَلَيْهِمْ نائِحَةُ (المُغازِي الواقِدِي ص 43) وَمِنْ أَجْلِ تَنْفِيذِ وَعْدِهِ هٰذا أَعَدَّ أَبُو سَفِيّانِ مِئَتَي مِنْ الرِجالِ، وَقِيلَ أَقَلُّ مِنْ ذٰلِكَ وَسَلَكُوا طَرِيقَ النَجْدِيَّةِ، فَوَصَلُوا لَيْلاً إِلَى بَنِي النَضِيرِ، فَطَرَقُوا بابَ حَيِّ بْنِ أَخْطَبَ لِيَعْرِفُوا مِنْهُ أَخْبارَ النَبِيِّ، وَلٰكِنَّهُ أَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُمْ ، لِذا تَرَكُوهُ وَتَوَجَّهُوا نَحْوَ سَلامِ بْنِ مُشْكِمٍ فَفَتَحَ لَهُمْ وَظِيفَهُمْ، بَلْ وَكَما تَقُولُ الرِوايَةُ أَسْقاهُمْ خَمْراً، وَأَخْبَرَهُمْ عَمّا سَأَلُوا عَنْهُ وَعِنْدَما خَرَجُوا مَرُّوا بِالعَرِيضِ فَوَجَدُوا رَجُلاً مِنْ الأَنْصارِ مَعَ أَجِيرٍ لَهُ قَتَلُوهُ، وَأَحْرَقُوا بَيْتَهُ وَقامَ بَعْضُ رِجالِهِ حَرْقَ أَشْجارِ النَخِيلِ وَعادُوا هارِبَيْنِ، عَلِمَ النَبِيُّ بِهٰذِهِ الغَزْوَةِ فَخَرَجَ لَها بِبَعْضٍ مِنْ رِجالِهِ، وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ بَلْ وَجَدَ بَعْضَ السُوَيْقِ (وَهُوَ الطَعامُ الأَساسِيُّ فِي مِثْلِ هٰذِهِ الغَزَواتِ)، وَبَعْضُ المُؤَنِ الأُخْرَى تَرَكَتْها قُرَيْشٌ عِنْدَ اِنْسِحابِها لِتَخْفِيفِ أَحْمالِها عِنْدَ العَوْدَةِ المُسْرِعَةِ لِذٰلِكَ سُمِّيَتْ هٰذِهِ الغَزْوَةَ بِغَزْوَةِ السُوَيْقِ، أَمّا مِنْ ناحِيَةِ أَبِي سُفْيانَ، فَقَدْ أَسْتَغِلُّها لِرَفْعِ المَعْنَوِيّاتِ وَالتَخَلِّي عَنْما تَعْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِتَحْرِيمِ الدُهْنِ وَالنِساءِ إِلّا بَعْدَ غَزْوِ مُحَمَّدٍ (أَيْ لا يَتَذَوَّقُ اللُحُومَ، وَلا يَتَمَتَّعُ بِالنِساءِ) عَلَى اِعْتِبارِ أَنَّهُ غَزا وَوَصَلَ إِلَى مُحَمَّدٍ
عَلَى أَنَّ تِلْكَ الغَزْوَةَ لَمْ تَكُنْ فِي واقِعِ الأَمْرِ تَشْفِي طُمُوحَ أَبا سُفْيان الحَقِيقِيَّ، فَقَدْ كانَ يُعَدُّ إِلَى عَمَلٍ أَكْبَرَ، فَمُنْذُ أَنْ حَجَزَ عِيرُ قُرَيْشٍ العائِدِ مِنْ الشامِ ،سالِماً مِنْ سَيْطَرَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْها، فِي دارِ النَدْوَةِ بِحُجَّةِ أَنَّ أَصْحابَهُ كانُوا غائِبِينَ فِي قِتالِ بَدْرٍ ، فَقَرَّرَ هُوَ وَرَهَطَ مِنْ ساداتِ قُرَيْشٍ أَنْ تَكُونَ أَمْوالُ هٰذا العِيرِ لِتَجْهِيزِ جَيْشٍ كَبِيرٍ يَخْرُجُ لِلقَضاءِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَتْباعِهِ "يا أَبا سُفْيان بِعْ العِيرِ وَاِحْجِزْ أَرْباحَها، وَكانَتْ أَلْفُ بَعِيرٍ، وَكانَ المالُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينارٍ وَيَرْبَحُونَ لِلدِينارِ دِيناراً ، وَأَخْرَجَ مَعَ بَقِيَّةِ السادَةِ وُفُوداً إِلَى أَعْرابِ البادِيَةِ مِنْ أَجْلٍ يَدْعَمُوهُمْ فِي غَزْوَتِهِمْ ، وَعِنْدَما اِحْتَدَمَ النِقاشُ حَوْلَ هَلْ نُخْرِجُ النِساءَ مَعَنا أَمْ لا مَخافَةَ الفَضِيحَةِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ، قالَ أَبُو سُفْيانَ قَوْلَتَهُ المَشْهُورَةَ: لَسْتُ أُخالِفُ قُرَيْشاً، أَنا رَجُلٌ مِنْها، ما فَعَلْت فَعلتُ فَخَرَجَ وَمَعَهُ اِمْرَأَتانِ مِنْ نِسائِهِ هِنْدٌ بِنْتُ عَتَبَةَ أُمُّ مُعاوِيَةَ، وَأُمِيمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ وَهْبٍ ، وَفَعَلَ بَقِيَّةُ رُؤَساءِ القَوْمِ ذٰلِكَ أَيْضاً، وَهٰكَذا خَرَجُوا بَعْدَ عَقْدِ الأَلْوِيَةِ فِي دارِ النَدْوَةِ وَخَرَجَ مَعَهُمْ الأَحابِيشُ. وَكانَ تَعْدادُهُمْ ثَلاثَةَ آلافٍ، وَعِنْدَما نَزَلُوا بِالأبِواءَ فَكَّرَ أَبِي سُفْيانَ وَرَهَطَ مِنْ رِجالِهِ فِي نَبْشِ قَبْرِ أُمِّ الرَسُولِ المَدْفُونَةِ هُناكَ، إِلّا أَنَّ بَعْضَ مَنْ اِسْتَشارَ نَصَحُوهُ أَنْ لا يَقُومَ بِذٰلِكَ خَوْفاً عَلَى قُبُورِ ذَوِيهِمْ فِيما بَعْدُ. وَاِصْطَفَّتْ الصُفُوفُ وَمِنْ خَلْفِها النِساءُ فَأَخَذَتْ هِنْدُ زَوْجَةُ أَبِي سُفْيانَ تَنْشِدُ.
نَحْنُ بَناتُ طارِقٌ...... نَمْشِي عَلَى النَمارِقِ
(المَقْصُودُ النُجُومُ أَيْ عُلُوُّ المَكانِة وَالنَمارِقِ الوَسائِدُ)
مَشْيُ القَطا المُوانِقُ قَيْدِي مَعَ المُفارِقِ
الدُرُّ فِي المَخانِقِ وَالمِسْكُ فِي المُفارِقِ
وَمِنْ أَبِي نُفارِقُ أَنْ تَقْبَلُوا نُعانِقُ
()أَيُّ الزِينَةِ وَالجَواهِرِ فِي اجْيادِهِنَّ
أَوْ تَدَبَّرُوا نُفارِقُ فِراقٌ غَيْرُ وامِقٍ (وامِقٌ تَحَأَّبُوا)

وَكادَ أَبُو سُفْيانَ أَنْ يُلْقَى حَتْفَهُ فِي أَحَدٍ عِنْدَما اِعْتَرَضَهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عامِرٍ فَأَصابَ حَنْظَلَةَ عُرْقُوبَ فَرَسِهِ فَاِكْتَسَعَتْ الفُرَسُ وَوَقَعَ أَبُو سُفْيانَ عَلَى الأَرْضِ، فَجَعَّ يَصِيحُ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٌ أَنا أَبُو سَفِيّانِ بْنُ حَرْبٍ، وَلٰكِنَّ غالِبِيَّةَ القُرْشِيِّينَ لا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، بَلْ يَفِرُّونَ مَهْزُومِينَ، حَتَّى صادَفَ وُجُودُ الأَسْوَدِ بْنِ شُعُوبٍ فَرَمَى حَنْظَلَةَ بِالرُمْحِ وَقَتْلِهِ فَوَلَّى أَبا سُفْيانَ يَعْدُو عَلَى قَدَمَيْهِ لِيَلْحَقَ بِقُرَيْشٍ
وَقالُوا:" لَمّا تَحاجَزُوا أَرادَ أَبُو سُفْيان الاِنْصِرافَ، وَأَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ حَوّاءُ أُنْثَى، فَأَشْرَفَ عَلَى أَصْحابِ النَبِيِّ ﷺ فِي عَرْضِ الجَبَلِ فَنادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اِعْلَ هَبَلْ! ثُمَّ يَصِيحُ: أَيْنَ اِبْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ اِبْنُ أَبِي قُحافَةَ؟ أَيْنَ اِبْنُ الخِطابِ؟ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، إِلّا أَنَّ الأَيّامَ دُوَلٌ، وَالحَرْبُ سِجالٌ، وَحَنْظَلَةٌ بِحَنْظَلَةٍ! فَقالَ عُمَرُ (رَضْ) يا رَسُولَ اللّٰهِ أُجِيبُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللّٰهِ ﷺ: بَلْ فَأَجَبْتُهُ! فَقالَ أَبُو سُفْيانَ: اِعْلَ هَبَلْ! فَقالَ عُمَرُ: اللّٰهُ أَعْلَى وَأَجَلْ! قالَ أَبُو سُفْيانَ: أَنَّها قَدْ أَنْعَمَتْ فَعّالاً عَنْها! ثُمَّ قالَ: أَيْنَ اِبْنُ أَبِي كَبْشَةَ؟ أَيْنَ اِبْنُ أَبِي قُحافَةَ؟ أَيْنَ اِبْنُ الخِطابِ؟ فَقالَ عُمَرُ: هٰذا رَسُولُ اللّٰهِ، وَهٰذا أَبُو بَكْرٍ، وَهٰذا عُمْرٌ: فَقالَ أَبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، إِلّا أَنَّ الأَيّامَ دُوَلٌ، وَإِنَّ الحَرْبَ سِجالٌ، فَقالَ عُمَرُ: لا سَواءٌ قَتْلانا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلاكُمْ فِي النارِ! قالَ أَبُو سُفْيانَ: إِنَّكُمْ لَتَقُولُوا ذٰلِكَ! لَقَدْ خُبْنا إِذَنْ وَخَسِرْنا...... ثُمَّ قالَ قُمْ إِلَيَّ يا اِبْنَ الخِطابِ، أُكَلِّمُكَ، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ أَبُو سُفْيانَ: أَنْشُدُكَ بِدِينِكَ هَلْ قَتَلَنا مُحَمَّدٌ؟ قالَ عُمَرُ: اللّٰهُمَّ لا، وَأَنَّهُ لَيَسْمَعْ كَلامَكَ الآنَ قالَ: أَنْتَ عِنْدِي أَصْدَقُ مِنْ اِبْنِ قَمِيئَةٍ..... ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ حِمْيَةَ الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: أَمّا إِذا كانَ ذٰلِكَ فَلَمْ نَكْرَهْ ثُمَّ نادَى: إِلّا أَنَّ مَوْعِدَكُمْ بَدَرَ الصَفْراءَ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ! فَأَجابَهُ عُمَرُ بَعْدَ أَنْ قالَ لَهُ الرَسُولُ قُلْ نَعَمْ فَقالَ عُمَرُ نَعَمْ! وَبَعْدَها اِنْصَرَفَ أَبُو سُفْيانَ إِلَى أَصْحابِهِ وَأَخَذُوا بِالرَحِيلِ. (المُغازِي الواقِدِيُّ ص 111) (تَحَدَّثْنا هُنا عَنْ دَوْرِ أَبِي سُفْيانَ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ وَتَجَنَّبْنا عَلَى العُمُومِ الحَدِيثَ عَنْ الغَزْوَةِ لِأَنَّها قُدِّمَتْ فِي فَقَراتٍ سابِقَةٍ) وَهٰكَذا اِنْتَشَى أَبُو سُفْيانَ بِقِيادَةِ حَرْبِهِ الأُولَى عَلَى مُحَمَّدٍ وَالَّتِي كانَ يَأْمُلُ مِنْها قَتْلَ مُحَمَّدٍ وَأَصْحابِهِ، لٰكِنَّهُ وَإِنْ فَشِلَ فِي تَحْقِيقٍ مَسَعاهُ ذاكَ إِلّا أَنَّهُ اِسْتَطاعَ أَنْ يُوَقِعَ جُرْحاً كَبِيراً فِي المُسْلِمِينَ، بَلْ أَنَّهُ وَبِحَرْبِهِ تَسَبَّبَ فِي مَقْتَلِ أَقْرَبِ الناسِ إِلَى النَبِيِّ أَسَدَ اللّٰهُ وَأَسَدَ رَسُولُهُ عَمَّ الرَسُولِ وَمِنْ أَوائِلَ وَأَخْلَصَ مَنْ أَسْلَمُوا حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَالَّذِي شَكَّلَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالِبٍ الدِرْعَ القَوِيَّ لِلرَسُولِ وَالإِسْلامِ.
ثُمَّ يُتابِعُ أَبُو سُفْيان مَسِيرَتَهُ المُعادِيَةَ لِلإِسْلامِ، فَيَسْتَقْبِلُ وَفْداً مِن يَهُودِ خَيْبَرَ الَّذِينَ أَجْلاهُم مُحَمَّدٌ وَتَحالَفُوا مَعَهُ وَمَعَ قُرَيْشٍ أَنْ يُجَهِّزُوا حَمْلَةً مِن أَجْلِ تَدْمِيرِ مُحَمَّدٍ وَأَتْباعِهِ فَعَمِلُوا عَلَى الإِعْدادِ لِمَعْرَكَةٍ وَالَّتِي عُرِفَت بِالأَحْزابِ، وَذٰلِكَ لِأَنَّها ضَمَّت الكَثِيرَ مِن الجَماعاتِ الَيهُودِيَّةً وَالقَبائِلِ العَرَبِيَّةِ وَقُرَيْشٍ وَسُمِّيَتْ أَيْضاً الخَنْدَقَ وَقَدْ تَحَدَّثْنا عَنْها وَكانَ أَبُو سُفْيان القائِدُ لِهٰذِهِ الحَمْلَةِ الَّتِي جَهَّزَ لَها بِالمَجْمُوعِ عَشَرَةَ آلافِ رَجُلٍ (هُناكَ رِواياتٌ فِي هٰذا الصَدَدِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الرَقْمَ مُبالَغٌ بِهِ) وَلٰكِنَّ الغَزْوَةَ اِنْتَهَتْ دُونَ قِتالٍ يَذْكُرُ نَتِيجَةَ أَنَّ مُحَمَّداً وَبِناءً عَلَى رَأْيِ سَلْمانَ حَفَرُوا خَنْدَقاً حَوْلَ المَدِينَةِ مَنَعَ الغُزاةَ مِنْ اِقْتِحامِها، ثُمَّ اِنْطَلَّتْ خُدْعَةُ نَعِيمِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى بَنِي قَرَيْظَةَ وَغَطَفَانَ مَعَ قُرَيْشٍ فَتَفَكَّكَ الحَلْفُ وَالأَحْزابُ فَعادَ أَبُو سُفْيانَ خائِباً، وَقَدْ تَفَتَّتَ قُواهُ وَكانَتْ وَبالاً عَلَى الِيَهُود حَيْثُ اِجْتَثَوْا تَماماً مِنْ المَدِينَةِ كَما قَدَّمْنا سابِقاً (تُحَدِّثُنا فِي مَكانٍ آخَرَ عَنْ تَفاصِيلَ أَكْثَرَ عَنْ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ).
يَبْدُو أَنَّ بَعْدَ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ وَصَلَ أَبُو سُفْيان إِلَى قَناعَةٍ مُفادُها أَنَّهُ خاسَرَ الحَرْبَ أَمامَ مُحَمَّدٍ لا مَحالَةَ ، فَقَدْ أَجْهَزَ مُحَمَّدٌ تَقْرِيباً عَلَى كُلِّ المَجْمُوعاتِ الَّتِي كانَت يُمْكِنُ أَنْ تَقِفَ إِلَى جانِبِهِ فَقَدْ ذَبَحَ يَهُودَ المَدِينَةِ وَسُبِيَت نِساؤُهُم وَغَنِمَت أَمْوالُهُم وَتَوالَت القَبائِلُ البَدَوِيَّةُ حَوْلَ المَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ أَوْ عَلَى الطَرِيقِ التِجارِيِّ لِقُرَيْشٍ إِمّا أَنَّها دَخَلَت الإِسْلامَ أَوْ تَحالَفَتْ مَعَ مُحَمَّدٍ وَاِزْدادَتْ قُوَّةُ المُسْلِمِينَ عَدَداً وَعِدَّةً، بَلْ إِنَّ مُحَمَّدٌ اِسْتَطاعَ أَنْ يُرْسِلَ سَرايا إِلَى بِقاعٍ بَعِيدَةٍ كَدَوْمَةِ الجَنْدَلِ بَلْ وَتَحَدَّى قُرَيْشٌ بِأَنْ قَرَّرَ العُمْرَةَ إِلَى مَكَّةَ أَيْ أَنْ يَنْتَزِعَها مِنْ قُرَيْشٍ وَيَجْعَلَها كَعْبَةَ دِينِهِ الجَدِيدِ ، وَهٰذا يَعْنِي حَتْماً خُرُوجَ أَوْ تَحْطِيمَ الأَصْنامِ الَّتِي فِيها، وَحَوْلَها وَهِيَ آخِرُ ما تَبَقَّى لِقُرَيْشٍ ، فَحَتَّى الحَدَيبِيَّةُ غابَ عَنْها وَلَمْ نَجِدْ لَهُ دَوْراً فِيها. وَكانَ قَدْ شَهِدَ الدَعْوَةَ مُنْذُ بِدايَتِها؛ وَحَتَّى ذٰلِكَ الوَقْتِ وَهِيَ تَكْسِبُ يَوْماً بَعْدَ آخَرَ، رَغْمَ المَصاعِبِ وَالحِصارِ وَفُقْدانِ الأَفْرادِ وَالأَبْطالِ، وَرُبَّما وَإِذا كانَتْ الأَخْبارُ عَنْ وِلادَتِهِ (قَبْلَ عامِ الفِيلِ بِ10 سَنَواتٍ) صَحِيحَةً فَإِنَّ عُمْرَهُ أَخَذَ يَقْتَرِبُ مِنْ 70 عاماً وَالأَهَمُّ مِنْ كُلِّ ذٰلِكَ أَنَّ قَرَيْشاً لَمْ تَعُدْ قُرَيْشاً كَما كانَتْ زَماناً وَرُبَّما غابَ عَنْ الحُدَيْبِيَةِ اِعْتِزازاً بِنَفْسِهِ وَلْيُبْعِدَ الذُلَّ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ أَقْصَى ما يُمْكِنُ وَتَوَلَّى الأَمْرُ جِيلٌ جَدِيدٌ لا يَحْمِلُ كُلَّ تِلْكَ الأَوْزارِ، وَلا نَنْسَى رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيانَ الَّتِي أَسْلَمَتْ مُبَكِّراً، وَسافَرَتْ مَعَ زَوْجِها عُبَيْدِ اللّٰهِ بْنِ جَحْشٍ إِلَى الحَبَشَةِ، وَلٰكِنْ فِي الحَبَشَةِ تَنَصَّرَ زَوْجُها وَبَقِيَتْ هِيَ عَلَى الإِسْلامِ الَّذِي فَضَّلَتْهُ عَلَى أَهْلِها، فَخافَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَى أَهْلِها، وَبَعْدَ اِنْفِصالِها عَنْ زَوْجِها وَوَفاتِهِ بَعَثَ النَبِيُّ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمَرِيَّ لِيُخْطِبَها لَهُ وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيانَ بِأَحْسَنِ الأَحْوالِ مِنْ هٰذا الزَواجِ، وَمَعَ كُلِّ ذٰلِكَ إِلّا أَنَّ القِيَمَ البَدَوِيَّةَ الَّتِي كانَ عَلَيْها مَنْعَتُهُ أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ مَواقِفِهِ وَلٰكِنَّ حَياتَهُ غَدَتْ كَالعَلْقَمِ.
فِي فِقْرَةٍ سابِقَةٍ تَحَدَّثْنا عَنْ فَزَعِ أَبِي سُفْيانَ عِنْدَما عَلِمَ أَنَّ قُرَيْشٌ ساهَمَتْ فِي خَرْقِ بُنُودِ الهُدْنَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ فَتَوَجَّسَ خَطَراً وَأَسْرَعَ إِلَى المَدِينَةِ ساعِياً مِنْ أَجْلِ تَأْكِيدِها وَتَمْدِيدِها، وَما لَقِيَ هُناكَ مِنْ الصُدُودِ وَالفَشَلِ فَعادَ خائِباً، وَقَدْ أَيْقَنَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ اِنْهارَ لِذا سَعَى أَنْ يُؤَمِّنَ نَفْسَهُ وَهُناكَ عِدَّةَ رِواياتٍ لِإِسْلامِهِ، وَلَعَلَّ أَكْثَرَها اِنْتِشاراً مُرْتَبِطَةً بِالعَبّاسِ الَّذِي كانَ يَرْتَبِطُ بِصَداقَةٍ مَعَ أَبِي سُفْيانَ حَيْثُ أَخَذَهُ إِلَى النَبِيِّ ، وَسَعَى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إِلَى قِطَعِ رَأْسِ أَبِي سُفْيانَ (فِي كُلِّ حَوادِثِ هٰذِهِ الحِقْبَةِ كانَ عُمَرٌ يَطْلُبُ قِطَعَ الرُؤُوسِ وَأَبُو بَكْرٍ يَطْلُبُ الرَأْفَةَ) وَلٰكِنَّ العَبّاسَ دافَعَ عَنْهُ وَأَجارَهُ وَبَقِيَّةَ القِصَّةِ ذَكَرْنا شَيْئاً مِنْها، وَيُمَكِّنُ العَوْدَةَ إِلَى فِقْرَةٍ سابِقَةٍ (وَكُلُّ القِصَّةِ فِي الجُزْءِ الرابِعِ لِلسِيرَةِ النَبَوِيَّةِ لِاِبْنِ هِشامٍ ص 235-28) وَلِلعَبّاسِ مَكانَةٌ خاصَّةٌ لَدَى النَبِيِّ مُحَمَّدٍ عِلْماً بِأَنَّهُ بَقِيَ فِي مَكَّةَ حَتَّى الفَتْحِ (وَقِيلَ أَيْضاً أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الفَتْحِ بِقَلِيلٍ)، بَلْ وَشارَكَ فِي حَرْبِ بَدْرٍ مَعَ المُشْرِكِينَ (قِيلَ مُكْرَهاً) وَلا نَعْلَمُ عَنْ مُشارَكاتِهِ الأُخْرَى عِنْدَما جاءَ بِأَبِي سُفْيانَ وَأَسْلَمَ قالَ لِلنَبِيِّ أَنَّ أَبا سُفْيانَ يُحِبُّ الفَخْرَ، فَأَمْنَحُهُ شَيْئاً فَقالَ النَبِيُّ (مَنْ بَقِيَ فِي بَيْتِهِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ بَيْتَ أَبِي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ) وَلٰكِنْ عَلَى ما يَبْدُو أَنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ مُتَحَمِّساً لَهُ نَتِيجَةً لِتارِيخِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ، وَبَعْدَ الفَتْحِ لَمْ يُولِهِ مَكَّةَ بِاِعْتِبارِهِ سَيِّدَها قَبْلَ الفَتْحِ بَلْ وَقِيلَ وَلّاهُ نَجْرانُ بَلْ وَجُزْءٌ مِنْ نَجْرانَ وَوَلَّى عَلَى مَكَّةَ عِتابُ بْنُ أُسَيْدٍ بْنِ أَبِي العَيْصِ بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ اِبْنُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتُ أَبِي جَهْلٍ وَقَدْ أَسْلَمَ أَثْناءَ الفَتْحِ وَكانَ عُمْرُهُ آنَذاكَ 20 سَنَةً، وَقِيلَ أَنَّ الكَثِيرَ اِسْتَغْرَبُوا هٰذا التَعْيِينَ وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّهُ أَرادَ بِذٰلِكَ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ قِيمَةِ مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ مِنْ الناحِيَةِ السِياسِيَّةِ وَإِبْقائِها حاضِنَةَ الكَعْبَةِ وَحَسْبُ وَأَنْ يُذِلَّ قُرَيْشٌ وِسادَتِها فِي نَفْسِ الوَقْتِ وَمِنْهُمْ أَبُو سَفِيّانِ؛ كَما أَنَّهُ وَكَما تَحَدَّثْنا سابِقاً جَعَلَ العَبّاسُ يَأْخُذُ أَبا سُفْيانَ بِمَكانٍ "أَحْبِسُهُ بِمَضِيقِ الوادِي إِلَى خَطْمِ الجَبَلِ، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللّٰهِ فَيَراها" وَهٰكَذا كانَ فَتَمُرُّ كَتائِبُ المُسْلِمِينَ وَالقَبائِلِ حامِلَةً راياتِها، فَكانَ أَوَّلُها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَيَقُودُ أَلْفَ مُقاتِلٍ يَقِفُونَ يَكْبُرُونَ وَهُمْ يَدْخُلُونَ الكَعْبَةَ ظافِرِينَ، فَيُسْأَلُ أَبُو سُفْيانَ يا عْباس مِنْ هٰؤُلاءِ فَيُجِيبُهُ العَبّاسُ هٰذا خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، ثُمَّ يَمُرُّ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِّ وَيَتَكَرَّرُ المَشْهَدُ وَأَبُو سُفْيانَ يَسْأَلُ، وَيُجِيبُهُ العَبّاسُ هٰذا الزُبَيْرَ فَيَقُولُ: أَبْنُ أُخْتِكَ فَيُجِبُهُ العَبّاسُ نَعَمْ وَهٰكَذا وَأَبُو سُفْيانَ ما بَيْنَ الدَهْشَةِ وَالرُعْبِ، وَكانَ حَدِيثُهُ لا يَخْلُو مِنْ التَعْلِيقِ وَرَبْطِ الماضِي (لِلتَمَتُّعِ بِهٰذا المَشْهَدِ يُراجِعُ المَغازِي لِلواقِدِي ص 427-وَما بَعْدَها) وَما زالَ وَهُوَ عَلَى هٰذِهِ الحالَةِ، حَتَّى قالَ لِلعَبّاسِ "لَقَدْ أَصْبَحَ مَلِكُ اِبْنِ أَخِيكَ الغَداةَ عَظِيماً! فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: وَيْحَكَ يا أَبا سُفْيانَ، لَيْسَ بِمَلِكٍ، وَلٰكِنَّها نُبُوَّةٌ" وَعِنْدَما عادَ إِلَى البَيْتِ أَرادَ الفَخْرَ أَمامَ هِنْدٍ وَيُبَرِّرُ خُضُوعَهُ فَقالَ: هٰذا مُحَمَّدٌ فِي عَشَرَةِ آلافٍ عَلَيْهِ الحَدِيدُ، وَقَدْ جَعَلَ لِي: مَنْ دَخَلَ دارِي فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ طَرَحَ السِلاحَ فَهُوَ آمِنٌ فَجاوَبَتْهُ هِنْدٌ: قَبَّحَكَ اللّٰهُ رَسُولَ قَوْمٍ قالَ: بَلْ وَعِنْدَما دُعِيَ الناسُ أَنْ يَسْلَمُوا؛ لِأَنَّهُ لا قِبْلَ لَهُمْ فِي مُقاوَمَةِ القُوَّةِ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ صَرَخُوا بِهِ قَبَّحَكَ اللّٰهُ وافِدَ قَوْمٌ! وَصَرَخَتْ هِنْدٌ أَقْتُلُوا وافِدَكُمْ هٰذا قَبَّحَكَ اللّٰهُ وافِدَ قَوْمٌ. وَهٰكَذا نَجَحَتْ خُطَّةُ مُحَمَّدٍ فِي كَسْرِ قُرَيْشٍ وَكَسَرَ سادَتَها، عَلَى الرَغْمِ مِنْ وُجُودِ البَعْضِ الَّذِي بَقِيَ مُتَمَسِّكاً بِدِينِ آبائِهِ السابِقِ، وَلَمْ يَسْلَمُوا وَأَنْ هادَنُوا مُحَمَّداً، بَلْ أَنَّ مُحَمَّداً تَعاوَنَ مَعَهُمْ فِي غَزَواتِهِ اللاحِقَةِ كَما أَوْضَحْنا فِي مَكانٍ آخَرَ.
إِنَّ هٰذِهِ المُشاهَداتِ وَالأَخْبارَ، وَمِنْها الكَثِيرُ فِي هٰذِهِ الحِقْبَةِ تُشِيرُ إِلَى أَمْرٍ واحِدٍ مُؤَكَّدٍ أَنَّ إِسْلامَ أَبِي سُفْيان وَمَعَهُ أَبْناءُ أُمِّيَّةَ وَخاصَّةً أَوْلادَهُ وَزَوْجَتَهُ هِنْد كانَ كُرْهاً وَخَوْفاً، وَيَخْتَلِطُ فِيهِ وَيَتَعاظَمُ الحَسَدُ لِما وَصَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ بَلْ وَبَنِي هاشِمٍ وَالمُسْلِمُونَ، وَلا أَجِدُ أَبْلَغُ مِمّا ذَكَرَهُ الواقِدِيُّ فِي مَغازِيهِ (رَغْمَ تَحَفُّظِنا عَلَى تِلْكَ الرِواياتِ المَكْتُوبَةِ عَنْ شِفاهِ الأَجْيالِ)، حِينَ عادَ مِنْ رِحْلَتِهِ مِنْ المَدِينَةِ خائِباً حَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ أَحَداً لِرَجائِهِ وَأُمْنِيّاتِهِ لا مِنْ النَبِيِّ وَلا مِنْ أَصْحابِهِ، بَلْ وَحَتَّى مِنْ اِبْنَتِهِ هُوَ وَمِنْ فاطِمَةَ بِنْتِ النَبِيِّ عادَ إِلَى زَوْجَتِهِ هِنْد الَّتِي لا تَقِلُّ عَنْهُ شِرْكاً وَكُرْهاً لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحابِهِ وَبَنِي هاشِمٍ " لَقَدْ حَبَسْتُ حَتَّى اِتَّهَمَكَ قَوْمُكَ، فَإِنْ كُنْتَ مَعَ طُولِ الإِقامَةِ جِئْتَهُمْ بِنَجَحٍ فَأَنْتَ الرَجُلُ! ثُمَّ دَنا مِنْها فَجَلَسَ مَجْلِسُ الرَجُلِ مِنْ المَرْأَةِ، فَعَجَّلَتْ تَقُولُ: ما صُنِعْتَ؟ فَأَخْبَرَها الخَبَرُ وَقالَ: لَمْ أَجِدْ إِلّا ما قالَ لِي عَلَيَّ فَضَرَبَتْ فِي رِجْلَيْها بِصَدْرِهِ؛ وَقالَتْ: قُبِحْتُ مِنْ رَسُولِ قَوْمٍ! حَدَّثَنِي عَبْدُ اللّٰهِ بْنُ عُثْمانَ بْنِ أَبِي سُلْيْمْانَ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: فَلَمّا أَصْبَحَ حَلْقُ رَأْسِهِ عِنْدَ الصَنَمَيْنِ، أَسافَةً وَنائِلَةً، وَذُبِحَ لَهُما، وَجَعَلَ يَمْسَحُ بِالدَمِ رُوسَهُما وَيَقُولُ: لا أُفارِقُ عِبادَتَكُما حَتَّى أَمُوتَ عَلَى ما ماتَ عَلَيْهِ أَبِي! أَبْرَأُ لِقُرَيْشٍ مِمّا اِتَّهَمُوهُ" (المَغازِي الواقِدِي ص 302).
بَلْ وَكَما يَذْكُرُ اِبْنُ جُرَيْجٍ" كانَ أَبُو سُفْيان يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُوراً فَأَتاهُ يَتِيمٌ فَسَأَلَهُ شَيْئاً وَلٰكِنَّ أَبا سُفْيان بِن صَخْرَ قْرَعِهِ بِعَصا؛ وَبِناءً عَلَى ذٰلِكَ نَزَلَتْ سُورَةُ الماعُونِ {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَكْذِبُ بِالدِينِ (1) فَذٰلِكَ الَّذِي يَدَعُ اليَتِيمَ (2) وَلا يَحْظَ عَلَى طَعامِ المِسْكِينِ(3)} (17/107 سُورَةَ الماعُونِ مَكِّيَّةَ عَدَدِ الآياتِ7عَدا 4-7 الآياتِ1-3) (أَخْرَجَهُ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ اِبْنِ جُرَيْجِ 341 تَحْقِيقَ عَلِي حَسَن عَبْدِ الغَنِي مَكْتَبَةِ التُراثِ الإِسْلامِيِّ).
أَلَيْسَ مِنْ العَجَبِ أَنْ يُصِرُّوا عَلَى تَسْمِيَتِهِ صَحابِيّاً كَما لا نَجِدُ فِي كِتابِ أَفْضالِ الصَحابَةِ فِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، أَيْ ذِكْرٍ لَهُ أَنَّهُ صَحابِيٌّ مِنْ صُنْعِ دَوْلَةٍ أُمِّيَّةٍ كما أن بعض من يكتب في هذا الموضوع يخلط بينه وبين أبو سفيان بن الحارث ابن عم النبي محمد
وَبَعْدَ الفَتْحِ وَإِسْلامِهِ أَشْرَكَهُ النَبِيُّ فِي بَعْضِ الأَدْوارِ الثانَوِيَّةِ وَمِنها المُشارَكَةُ فِي بَعْضِ الغَزَواتِ مِثْلَ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَالطائِفِ، وَفُقِئَتْ عَيْناهُ يَوْمَ الطائِفِ ثُمَّ فُقِئَت الأُخْرَى فِي اليَرْمُوكِ ، أَنَّ ما يَقْرب مِن ثُلُثِ مُؤَلِّفِ المُغازِي لِلواقِدِي (130-207ﮬ 747-823م) وَهُوَ مِن المُصَنَّفاتِ الأَقْرَبِ لِلفَتْرَةِ المُحَمَّدِيَّةِ وَمِن أَوْسَعِها وَأَهَمِّها ، تَناوَلَ الفَتْرَةَ ما بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ حَيْثُ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيانَ وَكُلُّ صَفَحاتٍ هٰذا الثُلُثِ لَمْ يَأْتِ ذِكْرُ اِسْمِ أَبِي سُفْيان صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ أَكْثَرَ مِنْ ثلاث مَرّاتٍ ذَكَرْنها فيما سبق وَخِلالَ هٰذِهِ الفَتْرَةِ (مِنْ الفَتْحِ حَتَّى وَفاةِ الرَسُولِ) كانَتْ أَكْثَرَ مِنْ 15 غَزْوَةً وَسِرِّيَّةً قامَ بِها النَبِيُّ وَالمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَكُنْ أَبُو سُفْيانَ فِي أَيٍّ مِنْها فِي حِينِ أَنْ وَرَدَتْ أَسْماءُ الكَثِيرِ مِمَّنْ كانَ حَوْلَ الرَسُولِ، وَكَما قُلْنا فَيَبْدُو أَنَّ الرَسُولَ تَجاهَلَهُ، وَلَمْ يُعْطِ لَهُ أَيَّ دَوْرٍ.
أَمّا مَوْقِفُهُ فِي حَياةِ الخُلَفاءِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أَعْلاهُ مَقْطَعٌ مِنْ نَصِّ الرِسالَةِ وَكَيْفَ أَيَّدَ عَلَيَّ، بَلْ وَأَكْثَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَهُوَ فِي البِدايَةِ عِنْدَما سَمِعَ أَنَّ أَبا بَكْرٍ مُرَشَّحٌ لِلخِلافَةِ قالَ " وَاللّٰهِ إِنِّي لَأَرَى عُجاجَةً لا يُطْفِئُها إِلّا دَمٌ! يا آلَ عَبْدُ مُنافٍ فِيمَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أُمُورِكُمْ! ما بالُ هٰذا الأَمْرِ فِي أَقَلِّ حَيٍّ مِنْ قُرَيْشٍ. وَلٰكِنَّهُ بَعْدَ حِينٍ تَحَمَّسَ لِلخَلِيفَةِ وَلَمْ نَجِدْ أَيَّ فَعالِيَّةٍ مُهِمَّةٍ لَهُ فِي فَتْرَةِ الخَلِيفَةِ الأَوَّلِ، حَتَّى فِي حُرُوبِ الرَدَّةِ لَمْ يُولِّهِ أَبُو بَكْرٍ أَيَّ مَسْؤُولِيَّةٍ لا فِي حِمايَةِ المَدِينَةِ وَلا فِي الأَلْوِيَةِ الأَحَدَ عَشَرَ الَّتِي شَكَّلَها لِحَرْبِ المُرْتَدِّينَ. أَمّا فِي خِلافَةِ عُمَرَ، فَقَدْ اِشْتَرَكَ فِي مَعْرَكَةِ اليَرْمُوكِ، وَذٰلِكَ لِأَنَّ اِبْنَهُ يَزِيدُ كانَ أَحَدَ قادَتِها، وَفِيها فَقْدُ عَيْنِهِ الثانِيَةِ، فَأَصْبَحَ فاقِدُ البَصَرِ فِي سَنَواتِهِ الأَخِيرَةِ، وَالَّتِي رُبَّما كانَتْ فِي حُدُودِ عِقْدٍ وَنِصْفٍ، وَتُوُفِّيَ قِيلَ عَنْ عُمْرٍ يُقارِبُ 90 عاماً وَعَلَى الأَكْثَرِ فِي خِلافَةِ الخَلِيفَةِ الثالِثِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وَالَّذِي يُرْوَى أَنَّهُ قابَلَهُ وَهُوَ كَفِيفٌ، وَعِنْدَما خَرَجَ مِنْهُ قالَ: تَلَقَّفُوها يا بَنِي أُمِّيَّةَ تَلَقَّفَ الكُرَةَ فَماَ مِنْ جَنَّةٍ وَلا نارٍ، وَهٰذِهِ إِشارَةٌ تارِيخِيَّةٌ أُخْرَى تُؤَكِّدُ أَنَّ بَنِي أُمِّيَّةَ لَمْ يَكُونُوا جادِّينَ وَصادِقِينَ فِي إِسْلامِهِمْ، بَلْ إنَّهُمْ كانُوا يَسْعَوْنَ دَوْماً مِنْ أَجْلِ إِفْراغِ دِينٍ وَتَعالِيمِ مُحَمَّدٍ مِنْ مَحْتُوِّها، وَقَدْ نَجَحُوا بِشَكْلٍ كَبِيرٍ



#عصام_حافظ_الزند (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل الثامن 2
- الفصل الثامن2
- الفصل الثامن الدولة الاموية
- من الفصل السابع الجزء الاخير
- من الفصل السابع- خلافة علي بن ابي طالب
- من الفصل السابع الجزء الثاني من علي والاسلام
- من الفصل السابع-علي بن ابي طالب
- من الفصل السابع- الخلفاء الراشدون-تكملت خلافة عثمان
- من الفصل السابع- الخلفاء الراشدون
- من الفصل السابع- الخلفاءالراشدون
- من الفصل السابع -الخلفاء الراشدون
- من الفصل السابع الخلفاء الراشدون
- القرآن اساس الدين الجزء الاخيرفي هذا الفصل 25
- القرآن اساس الدين الجزء 24
- القرآن اساس الدين الجزء23
- القرآن اساس الدين الجزء22
- القرآن اساس الدين الجزء 21
- القرآن اساس الدين الجزء 20
- القرآن اساس الدين الجزء 2/ 19
- القرآن اساس الدين الجزء 19/1


المزيد.....




- الكنيست يصادق بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون لتقييد الأذ ...
- الكنيست الإسرائيلي يصادق بالقراءة التمهيدية على قانون تقييد ...
- الكنيست يقر تمهيدياً قانون حظر الأذان وحماس تحذر من حرب ديني ...
- الكنيست يمهد لحظر الأذان وحماس تصف مشروع القرار بالحرب الدين ...
- الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: إذا ركزت الدول الإسلامية على ...
- بزشكيان: الجمهورية الإسلامية الإيرانية تتابع بجدية توسيع الع ...
- رسالة إيرانية إلى مجلس الأمن عقب التهديد الوقح الصادر عن الك ...
- حماس: قانون منع وتقييد الآذان تصعيد خطير في الحرب الدينية ال ...
- ايران تستعد لمراسم مليونية لتشييع جثمان قائد الثورة الإسلامي ...
- حركة حماس: مصادقة -الكنيست- على مشروع منع رفع الأذان في مساج ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عصام حافظ الزند - الفصل الثامن 3