أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - احمد البهائي - يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التشكيك















المزيد.....

يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التشكيك


احمد البهائي

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 16:47
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التشكيك.....
«الكعبة غرفة»، «قصة أبرهة أكذوبة»، «الحج ليس يومًا بعينه ويمكن أن يكون في أي وقت»، «القدس لعبة سياسية»… قد تبدو هذه العبارات للوهلة الأولى مجرد اجتهادات متفرقة أو قراءات صادمة اعتاد عليها الجدل المعاصر، لكن النظر إليها مجتمعة يكشف خيطًا ناظمًا أعمق من مجرد إثارة النقاش. فالقضية هنا لا تتعلق بواقعة تاريخية منفردة، ولا بتفسير شعيرة بعينها، بل بطريقة كاملة في التعامل مع النص والثابت والمرجعية ومصدر القداسة نفسه. فمن يراقب تكرار هذا النوع من الطرح يلاحظ أن الجدل لا يدور حول فهم النص بقدر ما يدور حول إعادة تعريف موقعه وحدوده وسلطته، وكأن السؤال لم يعد: كيف نفهم النص؟ بل: هل يبقى النص أصلًا المرجع الأعلى في ما يقرره؟
لأن النص القرآني في التصور الإسلامي ليس كتاب تاريخ ولا أرشيف أحداث ولم يُنزَّل ليكون سجلًا زمنيًا على طريقة الأسفار التي تؤرخ بالسنوات والأسماء والجغرافيا، بل نزل هداية وتشريعًا وبيانًا، لكنه في الوقت نفسه حين يورد حدثًا لا يورده باعتباره احتمالًا مفتوحًا أو قصة قابلة للتفاوض، بل باعتباره جزءًا من بنية المعنى والهداية. ومن هنا يصبح التعامل مع الوقائع الواردة في القرآن بمنهجية تجعل قبولها مرهونًا بوجود شاهد خارجي فقط انتقالًا من البحث التاريخي إلى إعادة ترتيب المرجعيات.
فالخلاف ليس على قيمة التاريخ ولا على شرعية البحث، بل على سؤال أبسط وأخطر: هل النص مرجع يفسر التاريخ أم أن التاريخ أصبح المرجع الذي يمنح النص شرعيته؟
غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود التاريخ أو إعادة قراءة الوقائع، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بمصدر القداسة نفسه. ويظهر ذلك في مقولات من نوع: «القداسة تنبع من المجتمع»، أو أن «المقدس شيء ثقافي»، أو أن المكان يكتسب قدسيته لأن الدين جاء فعظّمه. هنا لا يعود الجدل متعلقًا بتفسير حادثة أو فهم شعيرة، بل ينتقل إلى سؤال تأسيسي: هل المقدس يُنشئه المجتمع ثم يمنحه للدين، أم أن الدين يكشف القداسة ويقررها باعتبارها جزءًا من الوحي؟
وهنا تكمن نقطة الاعتراض الجوهرية.
لأن القول إن القداسة منتج ثقافي خالص قد يُفهم منه أن جميع المقدسات الإنسانية تقع داخل مستوى واحد من حيث الأصل، وأن الفارق بينها ليس مصدرها بل مقدار ما تمنحه الجماعات البشرية لها من قبول وتعظيم واستمرار. وبهذا المعنى تصبح الكتب السماوية والرموز الدينية والتصورات البشرية المختلفة متجاورة في الطبيعة، يختلف أثرها التاريخي لكن لا يختلف أصل مشروعيتها.
أما في التصور الإسلامي فالمعادلة مختلفة من أصلها.
فالقداسة لا يصنعها المجتمع ولا تنتجها الثقافة، وإنما مصدرها الوحي، والمجتمع لا يخلقها بل يتلقى ويتفاعل. لذلك لا تكون قداسة القرآن لأن الناس اجتمعوا عليه، بل لأن مصدره إلهي، ولا تكون حرمة البيت الحرام لأن الناس اختاروا احترامه، بل لأن النص جعل له حرمة وحدد له مكانته. ومن هنا فإن القول إن الإسلام جاء فعظّم المكان فأصبح مقدسًا يُقرأ عند المعترضين عليه باعتباره نقلًا لمركز الثقل من الوحي إلى الاجتماع البشري، وكأن الدين لا يكشف القداسة بل يصنعها اجتماعيًا. وهنا يظهر التخوف من أن يؤدي هذا التصور تدريجيًا إلى إعادة تعريف الدين كله بوصفه ظاهرة ثقافية خاضعة لإنتاج المجتمع لا مرجعية متجاوزة له.
وعند هذه النقطة تحديدًا يصبح الجدل حول الفيل والحج وغيرهما مفهومًا داخل إطار واحد، لأن السؤال لم يعد عن تفسير النص، بل عن مصدر سلطته أصلًا.
حين تتحول واقعة أصحاب الفيل من حدث ثابت داخل النص إلى واقعة معلقة على النقوش والروايات والأسفار لا يعود النقاش حول تفسير الحدث أو فهم دلالته، بل يصبح السؤال عن أصل وقوعه. وهذا ليس تأويلًا بالمعنى المعروف داخل التراث الإسلامي، لأن التأويل يعمل داخل التسليم بأصل الثابت لا بإعادة التفاوض عليه. فالتراث الإسلامي عرف اختلافًا واسعًا في الفهم والتفسير والكلام والأصول لكنه لم يجعل الثابت نفسه ساحة مفتوحة لإعادة الإنشاء.
ولهذا يوجد فرق جوهري بين أن يقال: كيف نفهم النص؟ وبين أن يقال: هل ما يقوله النص وقع أصلًا؟ الأول اجتهاد، أما الثاني فهو نقل للنقاش إلى أرض أخرى.
الإشكال لا يظهر فقط في واقعة الفيل، بل يتكرر كلما انتقل الجدل إلى شعائر مستقرة أو ثوابت معلومة. فعندما يُطرح مثلًا أن الحج ليس له توقيت محدد وأنه يمكن أداؤه في أي وقت فإن الاعتراض هنا ليس رفضًا للتفكير، بل اعتراض على تجاوز البنية التي وضعها النص نفسه.
فالقرآن لم يترك الحج فكرة روحية سائبة، بل رتب له البناء: «الحج أشهر معلومات» ثم «واذكروا الله في أيام معدودات» ثم جاء وصف الاجتماع والمشعر والإفاضة. فالأشهر إطار زمني، والأيام مواقيت أداء، والمناسك ترتيب، والاجتماع مقصد. ومن فرض الحج لا يلزمه البقاء من أول الأشهر إلى آخرها لكن الفرض لا ينفك عن أيامه المحددة ومناسكه المعلومة.
ومن هنا يصبح الاحتجاج بجزء من النص وترك ما يكمله أو يقيده أو يبين صورته الكلية ليس تحريرًا للمعنى بل تفكيكًا لبنية التشريع.
ومن اللافت أن منطق إعادة التأسيس هذا إذا جرى قبوله بلا ضابط فلن يقف عند الحج أو الفيل، بل سيمتد إلى كل مساحة مستقرة داخل العقيدة والشريعة، وحينها لا يعود النقاش: ما معنى النص؟ بل يصبح: هل يبقى للنص حق تعريف نفسه أصلًا؟
وهنا تظهر الفكرة الأساسية: الثابت ليس ضد العقل، بل الثابت هو الذي يحدد مجال عمل العقل.
إعمال العقل لا يعني تحرير النص من بنيته بل فهم البنية كما وضعت، ولذلك فإن المنهجية التي يطالب بها النص ليست تعطيل الفكر وإنما ضبطه، لأن النص الشرعي ليس ألفاظًا منفصلة بل شبكة من المعاني والأحكام والمقاصد والغايات والعلل.
لذلك ليست المشكلة أن تُطرح الأسئلة، ولا أن يعمل العقل، ولا أن يُراجع التراث، بل المشكلة حين تتحول أدوات الفهم إلى أدوات تأسيس جديدة تجعل النص نفسه موضوعًا دائمًا للقبول والرفض.
عندها لا يكون الخلاف على تفسير آية أو قراءة حادثة، بل على من يملك حق تعريف الثابت أصلًا.



#احمد_البهائي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التضخم الأمريكي بين العنوان والتفاصيل: حين يتحول رقم واحد إل ...
- جي دي فانس: من رجل الشك إلى مهندس إعادة هندسة النفوذ بعد حرب ...
- من الجيوسياسة إلى الجيواستراتيجية: إعادة تقسيم النفوذ وولادة ...
- حين يتحدث وارش… السندات أول من يسمع والأسواق كلها تعيد الحسا ...
- اتفاق الإطار والتفاهمات الإقليمية… كيف تُعاد صياغة الشرق الأ ...
- عندما تهزم السياسة الرياضة: كيف أهانت أمريكا كرة القدم قبل أ ...
- حين يتحول الإعلامي إلى مشجع.. شوبير واستدعاء أشباح الماضي
- التضخم الأمريكي غدا.. الرقم الذي قد يحدد مصير الفائدة والسند ...
- البورصة: هل تكشف «إس آند بي داو جونز» حدود الإصلاح الاقتصادي ...
- عندما يتحول النمو إلى فقر: هل يعيش الاقتصاد المصري حالة ركود ...
- حين ترتفع عوائد السندات ويصمت الذهب: هل بدأ العالم يسمع صوت ...
- العدالة الاجتماعية بين الشعار والإعلان: حين يُدار الفقر بالك ...
- تصريحات متضاربة اقتصاد ينتج فيستدين... واقتصاد يستدين لأنه ل ...
- بين التثبيت والرفع... أي طريق تسلكه السياسة النقدية المصرية ...
- حين تسبق السندات الفيدرالي... ماذا يقول اختراق عائد الثلاثين ...
- فخ ثوسيديديس بين واشنطن وبكين.. حين يقترب التاريخ من إعادة ت ...
- مصر تعود ليلا:قرار يُطفئ الاقتصاد… ثم يُعاد تشغيله وكأن شيئً ...
- المشهد الترمبي:حين تتحول الرصاصة إلى أداة استطلاع رأي
- مسرح هرمز الكبير: حين يُدار الصراع كعرض طويل لا ينتهي
- زيادة الأجور في مصر: أرقام ترتفع وقوة شرائية تتآكل


المزيد.....




- صيحة -آل ليو- في الفاتيكان تحذر العالم من خطيئة بابل
- بدء ترميم المقبرة اليهودية في دمشق التي تحتضن رفات شخصيات با ...
- نائب الرئيس الإيراني محمدرضا عارف: ستخرج إيران القوية والأمة ...
- آية الله آملي لاريجاني: ندعوا عموم الشعب الشريف في إيران الإ ...
- تفاصيل مراسم التشييع والوداع الاخير للإمام الشهيد قائد الثور ...
- تشييع الخميني عام 1989: كيف ودّع الملايين مؤسس الجمهورية الإ ...
- بن غفير يقتحم بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى في جولة استفزازي ...
- آية الله آملي لاريجاني: تشكّل هذه المراسم التاريخية فرصة لتج ...
- آية الله آملي لاريجاني: إنه القائد الذي أفنى عمره في سبيل ال ...
- تصعيد إسرائيلي واسع: اقتحام معهد للأونروا بالقدس ومنع الأذان ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - احمد البهائي - يوسف زيدان وإعادة تعريف المقدس: أين ينتهي التأويل ويبدأ التشكيك