أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حمزة آيت إيشو - الأخوة في العقيدة والأخوة في المواطنة: محنة العقل النقدي في بلاد -إن شاء الله-















المزيد.....

الأخوة في العقيدة والأخوة في المواطنة: محنة العقل النقدي في بلاد -إن شاء الله-


حمزة آيت إيشو

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 08:08
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(«في بلاد إن شاء الله» عنوان مقتبس من مقال بالفرنسية للأديب والمفكر الجزائري أمين الزاوي، يستعمله لوصف ثقافة تُرجع أسباب التخلف إلى القدر أكثر مما تُرجعها إلى مسؤولية الإنسان.)

تقوم الدولة الحديثة على مبدأ المواطنة، بينما تقوم الجماعات الدينية على رابطة العقيدة. وبين هذين النموذجين يتشكل أحد أهم الصراعات الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية والإسلامية: هل ينبغي أن تكون الأخوة السياسية امتدادًا للأخوة الدينية، أم أن لكل منهما مجالًا مختلفًا؟ وهل يمكن بناء فضاء عمومي يتسع لجميع المواطنين إذا ظل الانتماء الديني هو المعيار الأساسي في تحديد من هو "الأخ" ومن هو "الآخر"؟
يكتسب هذا السؤال راهنيته في ضوء الانتشار الواسع الذي يعرفه الخطاب الدعوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يعد الداعية مجرد واعظ داخل المسجد، بل تحول إلى فاعل مؤثر في تشكيل الرأي العام، وإنتاج التصورات حول الدين والمجتمع والسياسة والهوية. ومن بين أبرز النماذج المتداولة في المغرب خطاب الداعية ياسين العمري، الذي يمثل، في تقديري، نموذجًا معبرًا عن بنية خطابية تتجاوز شخصه، وتعكس خصائص جزء معتبر من الخطاب الدعوي المعاصر.
يقوم هذا الخطاب، في الغالب، على ثلاث ركائز أساسية.

أولها، نظرية المؤامرة، حيث يُبنى العالم على ثنائية حادة بين الخير والشر، ويُقدَّم "أهل الباطل" باعتبارهم المسؤولين عن فساد المجتمع وانحراف الشباب. وتدخل ضمن هذه الفئة أطراف متعددة، من الدولة وإعلامها إلى المثقفين، والتيارات الليبرالية، وكل من يخالف التصور الديني الذي يتبناه الداعية. وتُستعمل في هذا السياق لغة مشحونة بالمفردات الأخلاقية والدينية، من قبيل: أهل الباطل، الكفار، النجس، أعداء الإسلام... وهي لغة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى إعادة تقسيمه أخلاقيًا بين معسكرين متقابلين.
أما الركيزة الثانية فتتمثل في بناء وعي جماعي يقوم على الشعور بالمظلومية.

فالداعية يُقارن محنة الأنبياء بما يتعرض له الدعاة في العصر الحديث، ويُقدَّم النقد الموجه إليهم باعتباره امتدادًا لاضطهاد الحق عبر التاريخ. وبهذا يتحول كل اعتراض فكري إلى دليل إضافي على صحة الدعوة، لأن الابتلاء يصبح علامة على الاصطفاء. إنها آلية خطابية تمنح الجماعة شعورًا بالتمايز، وتُعزز تماسكها الداخلي، لكنها في المقابل تُضعف قدرتها على تقبل النقد والاختلاف.
أما الركيزة الثالثة فهي الشعبوية، التي تقوم على مخاطبة جمهور واسع بلغة بسيطة ويقينية، تقدم أجوبة جاهزة عن أسئلة معقدة. وفي مجتمعات تعاني ضعف القراءة وتراجع المؤسسات الوسيطة، يصبح هذا الخطاب قادرًا على حشد جمهور كبير، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الجماهير الرقمية إلى قوة ضغط ورأي عام يرفض التعقيد، ويفضل الخطابات التي تقسم العالم إلى حق مطلق وباطل مطلق.
ولا تكمن قوة هذا الخطاب في بنيته البلاغية وحدها، بل في الوعد الذي يحمله. فهو يعد الإنسان بالصلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، ويقدم نفسه باعتباره مشروعًا شاملًا يجمع بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع وإقامة الدولة وفق المرجعية الدينية. وهكذا يمتزج الوعظ الأخلاقي بالمشروع السياسي، ويصبح الدين، في الوقت نفسه، طريقًا إلى النجاة الفردية وأداة لتنظيم المجال العام.

لقد تابعت، منذ سنوات، الخطاب الإسلامي الحركي والدعوي، وكنت أحرص على مشاهدة عدد من محاضرات ياسين العمري، خاصة تلك التي يرد فيها على خصومه، الذين يصفهم غالبًا بأعداء الإسلام. ولاحظت أن الحجاج الذي يعتمده يرتكز أساسًا على سلطة النصوص الدينية وسلطة المرجعية، أكثر من انفتاحه على النقاش العقلي أو الفلسفي.
غير أن علاقتي بهذا الخطاب بدأت قبل ذلك بكثير.
فخلال دراستي بالسنة الثانية من البكالوريا، سنة 2008، في إحدى مدن الجنوب الشرقي بالمغرب،كانت المؤسسة التعليمية التي أتابع بها دراستي تعرف نشاطًا ملحوظًا لكل من حركة التوحيد والإصلاح وجماعة العدل والإحسان، في مقابل حضور محدود جدًا للتيارات اليسارية والديمقراطية، باستثناء بعض المبادرات المرتبطة بالحركة الأمازيغية.
كان عدد من أساتذة التربية الإسلامية وبعض الأطر الإدارية يؤطرون، بشكل مباشر أو غير مباشر، هذا النشاط الدعوي. وكنت، مثل كثير من التلاميذ، أحضر بعض اللقاءات التي كانت تُنظم داخل فضاءات مختلفة، حيث تُقدم دروس في تزكية النفس، وتقويم السلوك، وأهمية الصلاة، مع إعداد تدريجي للانخراط في العمل الطلابي لاحقًا.
لكن مع بداية تشكل نواة للحركة الثقافية الأمازيغية داخل المؤسسة، ذات النفس الديمقراطي واليساري، تغيرت طبيعة العلاقة. فما كان يُنظر إليه في البداية باعتباره اختلافًا في الاهتمامات، تحول تدريجيًا إلى اختلاف في الانتماء، ثم إلى خصومة فكرية. ولم تكن الإدارة، ولا السلطات المحلية، ولا الفاعلون الإسلاميون، يخفون رفضهم لهذا الحضور الجديد.
استعدت هذه التجربة وأنا أتابع بعض خطب ياسين العمري، وهو يقسم العالم بين أهل الحق وأهل الباطل. فقد أدركت أن هذه الثنائية لا تترك مكانًا للمواطن المختلف، بل تضعه، بمجرد اختلافه الفكري أو السياسي، خارج دائرة "الإخوة". وهنا يبرز الفرق الجوهري بين الأخوة في العقيدة والأخوة في المواطنة.
فالأولى تقوم على وحدة الإيمان، وهي رابطة دينية تخص الجماعة المؤمنة. أما الثانية فتقوم على المساواة القانونية بين جميع المواطنين، مهما كانت معتقداتهم واختياراتهم الفكرية. وعندما يجري الخلط بين المجالين، يتحول الخلاف السياسي إلى خلاف عقدي، ويصبح الخصم الفكري خصمًا للدين، لا مجرد مخالف في الرأي.

ولا يمكن فهم الانتعاش الثقافي والسياسي للحركات الإسلامية بعيدًا عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه. فقد مثلت هزيمة 1967 لحظة انهيار للمشروع القومي العربي، بينما شكلت الثورة الإيرانية سنة 1979 دليلًا على قدرة المرجعية الدينية على الوصول إلى السلطة. ثم جاءت أدبيات سيد قطب حول "المجتمع الجاهلي"، ومشروع عبد السلام ياسين حول "الخلافة على منهاج النبوة"، لتمنح الإسلام السياسي أفقًا فكريًا وتنظيميًا واسعًا.
ومع اندلاع الانتفاضات العربية سنة 2011، بدا الإسلام السياسي، في نظر كثيرين، البديل الأكثر تنظيمًا وجاهزية. كما رأت بعض القوى الدولية في الإسلام الانتخابي إمكانية لاحتواء التيارات الجهادية، وتجنب تكرار سيناريوهات العنف التي عرفتها بعض البلدان، وعلى رأسها الجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي.

غير أن التجارب اللاحقة كشفت حدود هذا التصور. ففي مصر انتهت التجربة بانقلاب عسكري وإغلاق المجال السياسي، وفي تونس آلت الثورة إلى أزمة سياسية وصعود شعبوية جديدة، أما في المغرب فقد أظهرت تجربة حزب العدالة والتنمية، خلال ولايتين حكوميتين، حجم التناقضات التي تنشأ عندما يختلط المقدس الديني بمنطق التدبير السياسي القائم على التفاوض والمصلحة والتسوية.
إن نقد الخطاب الدعوي لا يعني نقد الدين، كما أن الدفاع عن الدولة المدنية لا يعني معاداة الإيمان. فالدين يظل مصدرًا أساسيًا للقيم الروحية والأخلاقية بالنسبة لملايين المؤمنين، غير أن الدولة الحديثة لا تستطيع أن تقوم إلا على مبدأ المواطنة المتساوية، لا على وحدة العقيدة.
ولهذا فإن الأخوة السياسية، في المجتمع الديمقراطي، ليست أخوة المؤمنين، وإنما أخوة المواطنين. فالعقيدة تنتمي إلى الفضاء الخاص الذي يتمتع فيه كل فرد بحرية الاعتقاد، بينما ينتمي الفضاء العام إلى القانون، الذي يساوي بين المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو الانتماء الفكري.
إن مستقبل مجتمعاتنا لن يُحسم بالسؤال: من هو المؤمن الحقيقي؟ بل بالسؤال: كيف نبني مجتمعًا يتساوى فيه المختلفون أمام القانون، ويتعايش فيه الجميع على أساس الحرية والكرامة والعدالة. تلك هي الأخوة التي تحتاجها الدولة الحديثة، وهي وحدها الكفيلة بتحويل الاختلاف من سبب للعداء إلى مصدر للإثراء المشترك.
.



#حمزة_آيت_إيشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقف الأمازيغي: أسئلة الهوية ورهانات التنوير
- المغرب الذي نريده!
- أسواق عيد الأضحى بالمغرب : ملاحظات
- مال الموتشو!
- الذاكرة والإستعمار (2):
- الإستعمار والذاكرة:
- أحمد الدغرني: مسيرة وطن من أجل التحرر السياسي والهوياتي
- سوسيولوجيا السرعة: كيف يصنع التلفزيون مثقفيه؟
- التاريخ المضاد أو: من يملك وسائل إنتاج المسخ بين «سيرة حمار» ...
- الهيمنة الثقافية بالمغرب
- جلسة شاي مع أحمد ويحمان
- رسالة إلى الصحفي عمر الراضي


المزيد.....




- صيحة -آل ليو- في الفاتيكان تحذر العالم من خطيئة بابل
- بدء ترميم المقبرة اليهودية في دمشق التي تحتضن رفات شخصيات با ...
- نائب الرئيس الإيراني محمدرضا عارف: ستخرج إيران القوية والأمة ...
- آية الله آملي لاريجاني: ندعوا عموم الشعب الشريف في إيران الإ ...
- تفاصيل مراسم التشييع والوداع الاخير للإمام الشهيد قائد الثور ...
- تشييع الخميني عام 1989: كيف ودّع الملايين مؤسس الجمهورية الإ ...
- بن غفير يقتحم بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى في جولة استفزازي ...
- آية الله آملي لاريجاني: تشكّل هذه المراسم التاريخية فرصة لتج ...
- آية الله آملي لاريجاني: إنه القائد الذي أفنى عمره في سبيل ال ...
- تصعيد إسرائيلي واسع: اقتحام معهد للأونروا بالقدس ومنع الأذان ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حمزة آيت إيشو - الأخوة في العقيدة والأخوة في المواطنة: محنة العقل النقدي في بلاد -إن شاء الله-