|
|
حين كانت الجماهير أكثر ثورية من قياداتها
عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 04:54
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
لا يمكن اختزال موكب 30 يونيو 2019 في ذكرى احتجاجية عابرة، ولا في رد فعل جماهيري عفوي على مجزرة الثالث من يونيو. تلك اللحظة الفارقة كشفت، في مشهد واحد، قوة الجماهير السودانية غير المسبوقة وعجز القيادة السياسية التي ادَّعت تمثيلها عن امتطاء الموجة التي خلقتها. وفهم هذه اللحظة لا يعني الاحتفاء بها وحسب، بل يعني تشريح تناقضاتها الطبقية دون مجاملة ولا مواربة.
خرجت الجماهير إلى الشوارع بعد أقل من شهر على إحدى أبشع المجازر في تاريخ السودان. أطلقت الدولة العسكرية الرصاص الحي على المعتصمين العزل، وأغرقت شوارع الخرطوم بالدم، وقطعت الإنترنت، وفرضت إرهاباً سياسياً منظماً لتكسير الإرادة الشعبية. كان رهان المجلس العسكري واضحاً: أن الرعب كفيل بإقناع الجماهير بأن كلفة الثورة تجاوزت طاقتها على الاحتمال. لكن الحسابات العسكرية، كما هي العادة، تغفل أن التناقضات الطبقية لا تُحسم بالرصاص، وأن الجماهير التي وصلت إلى لحظة الانفجار لا تعود إلى قمقمها بمجرد أن يُسال بعض دمها.
يمكن قراءة الانفجار الجماهيري في 30 يونيو بوصفه تعبيراً عن تناقضات اجتماعية وطبقية بلغت حداً جعل استمرار النظام القائم أكثر كلفة بالنسبة لقطاعات واسعة من الجماهير من مواصلة مقاومته. اتجهت الجماهير في الخرطوم صوب القصر الجمهوري مطالبة بتسليم السلطة للمدنيين والمحاسبة الفورية على مجزرة يونيو، متجاوزةً المسارات المرسومة لها من القيادة ومتجاوزةً حدودها البرامجية أيضاً. عكس هذا التجاوز ديناميكية سياسية تجاوزت ما عبّرت عنه وثائق قوى الحرية والتغيير، لأن الجماهير تتعلم في الشارع ما لا تتعلمه النخب في غرف الاجتماعات.
اتسع الحراك ليشمل معظم مدن السودان الرئيسية، في مشهد عبَّر عن إرادة وطنية لم تكسرها الهزيمة المؤقتة. هذا الانتشار الجغرافي لم يكن مصادفة تنظيمية، بل كان تعبيراً عن أزمة هيمنة بنيوية: الدولة التي تحتاج إلى هذا الحجم من العنف لإسكات شعبها تعترف ضمنياً بأن شرعيتها انهارت، وأن جهازها الأيديولوجي فشل في إعادة إنتاج الطاعة الاجتماعية. كما أوضح غرامشي في "دفاتر السجن"، حين تنفصل "الهيمنة" عن الموافقة الشعبية وتتكئ كلياً على القوة المجردة، يصبح النظام في أزمة تاريخية حتى وإن بقي في السلطة مؤقتاً.
أنتج هذا التحرك تحولاً فورياً في ميزان القوى. المجلس العسكري الذي راهن على تصفية الثورة بالقوة اضطر إلى العودة إلى طاولة التفاوض مع القوى المدنية، وأبدى قادته استعداداً للتوصل إلى اتفاق سياسي شامل، ليس بدافع مفاجئ من الديمقراطية، بل نتيجة مباشرة للوزن السياسي الذي فرضته الجماهير في الشارع. العسكر لا يتراجعون حين تُقنعهم الحجج، بل حين يحسبون أن كلفة الاستمرار في المواجهة تتجاوز ما يستطيعون تحمله. وقد أثبتت 30 يونيو أن هذه الكلفة وصلت إلى مستوى لا يطيقونه.
أكدت هذه اللحظة صحة ما يخلص إليه التحليل الماركسي في مسألة الإضراب الجماهيري، وعلى رأسه تحليل روزا لوكسمبورغ، من أن الجماهير حين تصل إلى لحظة الانفجار الثوري تتجاوز في حركتها حدود ما تخطط له قياداتها وتسبق برامجها. فالطاقة الثورية للجماهير في 30 يونيو لم تكن ناجمة عن برنامج سياسي محكم، بل عن تراكم التناقضات الطبقية التي بلغت نقطة الغليان. والمادية الجدلية تعلّمنا أن الثورات لا تُصنع في اللجان، بل تنضج في رحم الواقع الموضوعي.
لكن أهمية هذا الموكب لا تكمن فقط فيما كشفه عن طاقة الجماهير، بل أيضاً فيما كشفه عن حدود القيادة السياسية التي تصدرت المشهد. بعد أسابيع قليلة من هذا الحشد الذي أجبر المجلس العسكري على التراجع، عادت قوى الحرية والتغيير إلى طاولة التفاوض ذاتها، وقبلت بمسار انتهى به الأمر إلى شراكة مع المؤسسة العسكرية عوضاً عن انتزاع السلطة منها. هذا الانقلاب البرامجي لم يكن خيانة شخصية ولا خطأً تكتيكياً فردياً، بل كان تعبيراً منسجماً مع الموقع الطبقي لهذه القوى.
تشكلت قوى الحرية والتغيير أساساً من تحالف يضم في غالبيته شرائح البرجوازية الصغيرة والطبقات الوسطى المتعلمة: المهنيين، والأكاديميين، وأصحاب المشاريع الصغيرة، وموظفي الدولة المهرة. هذا الموقع الطبقي ترك انعكاساته الواضحة على البرنامج السياسي وعلى تعريف "الانتصار" ذاته. فالبرجوازية الصغيرة تميل تاريخياً إلى المشاركة في السلطة، أكثر من ميلها إلى تفكيك بنيتها، وتميل إلى إصلاح الدولة القائمة أكثر من استبدالها بجهاز دولة مختلف. ولذلك، لم تتضمن أجندة هذه القوى أي بند يتعلق بتأميم شركات الجيش، أو مصادرة ثروات التمكين، أو إعادة توزيع الأراضي في الأطراف، أو كسر هياكل الإنتاج الرأسمالي التي يستند إليها النفوذ العسكري–الاقتصادي.
حين صِيغت الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019، كانت مطالبها منحصرة في "الحكم المدني" و"الفصل بين السلطات" و"العدالة الانتقالية"، أي إصلاحات إدارية وقانونية لا تمس جوهر الدولة العسكرية الاقتصادي. هذا الغياب البرامجي لم يكن سهواً أو قصوراً فكرياً، بل كان انعكاساً دقيقاً لموقع طبقي يرى في الدولة القائمة إطاراً قابلاً للإصلاح لا جهازاً طبقياً يجب تفكيكه. والطبقات لا تكذب في مصالحها، حتى حين تتحدث بلسان الثورة. وكما يشرح لينين في "الدولة والثورة"، فإن الدولة في المجتمع المنقسم إلى طبقات هي جهاز لقمع طبقة معينة عن طريق طبقة أخرى، وليست هيئة محايدة فوق الصراع الطبقي. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لإصلاح هذا الجهاز دون تفكيكه لا تعدو أن تكون إعادة إنتاج للهيمنة الطبقية ذاتها، ولكن بوجه جديد.
في المقابل، كانت لجان المقاومة التي نشأت في الأحياء الشعبية تمثل الإبداع التنظيمي الحقيقي للثورة السودانية. طورت أشكالاً متقدمة من التنظيم الذاتي، وأسهمت في إدارة الحياة اليومية، والتعبئة، والحماية المجتمعية، وبنت شبكات تضامن عفوية تجذرت في حياة الكادحين اليومية لا في خطاب النخب السياسية. ورغم أن وصفها بـ"السلطة المزدوجة" بالمعنى اللينيني الكامل يبقى مبالغاً فيه، لأنها لم تبلغ مستوى القدرة على منافسة الدولة على نطاق وطني شامل، فإن هذه البنى حملت في رحمها إمكانية تطور مختلفة جذرياً لو أُعطيت الشروط التنظيمية الملائمة للنضوج.
بدلاً من توسيع هذه البنى القاعدية وربطها تنظيمياً بالعمال في مواقع الإنتاج والكادحين في الأطراف، وتحويلها إلى قطب سلطة مستقل يوازي الدولة العسكرية ويتحداها، جرى التعامل مع لجان المقاومة باعتبارها أدوات تعبئة وضغط ضمن عملية تفاوضية تقودها النخب. بقيت الطاقة الجماهيرية معزولة عن مشروع سلطة بديل قادر على ترجمة قوتها إلى مؤسسات دائمة، وهكذا تراجعت تدريجياً مع انتقال مركز الصراع من الشارع إلى طاولة التفاوض. والثورات التي لا تنجح في بناء مؤسسات قادرة على منافسة السلطة القائمة تصبح أكثر عرضة للاحتواء أو للهزيمة أمام الثورة المضادة.
هنا يظهر التناقض المركزي الذي رافق الثورة السودانية في أجلى صوره: الجماهير كانت تدفع الصراع نحو آفاق أكثر جذرية، بينما كانت القيادة السياسية تعمل على احتواء هذه الديناميكية داخل حدود التسوية الممكنة. ولم يكن التناقض بين الجماهير وقياداتها تناقضاً بين الخير والشر أو بين الإخلاص والخيانة، بقدر ما كان تعبيراً عن اختلاف في المواقع الطبقية، وما يرتبط بها من مصالح وأفق سياسي. فالجماهير الكادحة لا تخسر شيئاً من تفكيك الدولة العسكرية–الرأسمالية، بل ترى في ذلك طريقاً لتحرير شروط حياتها. أما البرجوازية الصغيرة، فتميل إلى البحث عن موقع داخل الدولة القائمة أكثر من ميلها إلى تجاوزها.
أفضى هذا المسار في نهاية المطاف إلى الوثيقة الدستورية التي أبقت جوهر الدولة القديمة سليماً: احتفظ المكون العسكري بمواقع حاسمة داخل بنية السلطة، واستمرت الأجهزة القمعية ومراكز النفوذ الاقتصادي الرئيسية خارج أي تفكيك جذري. لم يتغير شكل السلطة بقدر ما أُعيد توزيع بعض مواقعها الداخلية بين شركاء جدد. ومن منظور ماركسي، يمكن قراءة ما سُمي "الانتقال الديمقراطي" بوصفه تسوية بين جناحين من أجنحة الطبقة الحاكمة، أحدهما عسكري–رأسمالي، والآخر مدني تقوده في معظمه قوى من البرجوازية الصغيرة، بينما بقيت الجماهير التي صنعت ميزان القوى خارج دائرة القرار.
غير أن اختزال المأزق كله في أخطاء القيادة سيكون تبسيطاً مضللاً يعيد إنتاج الوعي الزائف من باب آخر. فقد عانت الحركة الثورية ذاتها من نقاط ضعف بنيوية حقيقية: غياب مركز تنظيمي موحد يربط لجان المقاومة بالحركة العمالية المستقلة، وضعف الامتداد النقابي المستقل خارج الأطر المهنية والمدنية، والتفاوت الكبير في مستويات الوعي الطبقي والتنظيم بين قطاعات الجماهير المختلفة. هذه الإشكاليات البنيوية جعلت من الصعب تحويل الانفجار الجماهيري إلى مشروع سلطة متماسك يمتلك استراتيجية واضحة وقدرة على الاستمرار في مواجهة الثورة المضادة. فالثورات لا تُحسم بالشجاعة وحدها، بل بقدرة القوى الثورية على بناء هيمنتها البديلة قبل أن تتمكن الثورة المضادة من إعادة تنظيم صفوفها.
يفرض علينا ذلك أن نتجاوز القراءة الاحتفالية السطحية لهذه الذكرى. المقاربة الماركسية لا تسأل من خان ومن أخلص، بل تسأل: ما الشروط الطبقية والتنظيمية التي أنتجت هذه النتيجة بالضرورة؟ والإجابة واضحة: طاقة جماهيرية بلا أداة سياسية مستقلة هي وقود بلا محرك، تحترق في مكانها ولا تتحرك.
الجماهير في 30 يونيو أثبتت أنها لا تُهزم بالرصاص. لكن الطبقات لا تكذب في مصالحها، حتى حين تتحدث بلسان الثورة. وما لم تبني الطبقة العاملة أداتها السياسية المستقلة، القادرة على تفكيك الدولة العسكرية–الرأسمالية لا إصلاحها، فستظل أعظم لحظاتها الثورية جسراً يعبر عليه غيرها نحو السلطة.
"إن تحرر الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الطبقة العاملة نفسها." كارل ماركس.
النضال مستمر،،
#عماد_حسب_الرسول_الطيب (هاشتاغ)
Imad_H._El_Tayeb#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
13. العنصرية والجندر والطبقة
-
12. الذكورة المهشمة
-
11. جيش الاحتياط الكوني
-
10. سلاسل الرعاية وإنتاج اللامساواة الكوكبية
-
9. من يُعيد إنتاج قوة العمل اللاجئة؟
-
8. الجيل القادم كرهينة
-
7. الصحة النفسية كاستغلال ورأسمال
-
6. الاقتصاد السياسي للبقاء الجسدي
-
5. المخيم: مصنع الهشاشة وأداة الضبط الاجتماعي
-
4. صناعة التهريب وسياسة الحدود
-
3. الحرب على النساء قبل اللجوء
-
2. الدولة السودانية كجهاز طبقي: صناعة اللاجئين قبل الحرب
-
المرأة السودانية واللجوء: تشريح ماركسي لمسار الاقتلاع والاست
...
-
حين تتكلَّم الدولة بالرصاص: في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة
-
12. الخاتمة: السلسلة في مرآتها
-
11. لماذا أوموفيا؟
-
10. الطليعة الشبكية: تنظيم الممارسة لا تنظيم الحزب
-
9. -صمود-: أوراكل الشراكة الذي يعيد إنتاج هيمنة العسكر بوجه
...
-
8. غياب الطبقة الثورية ليس قدراً بل هو أكبر انتصار للأوراكل
...
-
7. الأوسو والمدينون لم يكونوا ضحايا الأوراكل بل كانوا طاقته
...
المزيد.....
-
-نار بروميثيوس الروحية-.. معرض روسي يكشف عن دواوين مناهضة لل
...
-
وفاة بطل المصارعة المصري جمال عبد الناصر والداخلية توضح
-
من الشاشة إلى البرلمان.. نسرين جعفر تخوض غمار الانتخابات الج
...
-
Trump and the Structural Crisis of Liberal Democracy: Capita
...
-
Unchecked Billionaire Oligarchs Are Undermining American Dem
...
-
The Left Must Both Embrace the Working Class, and Define it
...
-
When the Children Become the Target
-
Maine Primary Voters Send Big Money Packing
-
The EU’s Fight Against Global Deforestation
-
Tom Paine: Revolutionary, Abolitionist, Indigenous Ally
المزيد.....
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
-
أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة-
/ دلير زنكنة
المزيد.....
|