أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه















المزيد.....

الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 00:57
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ثمة مشهد يتكرر في كثير من عواصم الغرب اليوم: شاب في الثلاثين من عمره، يسكن شقة أنيقة، يملك وظيفة جيدة، ومتصل بالعالم كله عبر شاشة لا تفارق يده — لكنه وحيد وحدةً تُوجِع. لا أسرة يعود إليها، ولا أطفال يملؤون المكان بالضجيج، ولا ميثاق يربطه بأحد بربط حقيقي يتجاوز اتفاق الموسم. هو حر — بكل ما يعنيه الغرب المعاصر من حرية — لكن هذه الحرية تبدو في ساعات الفجر الهادئة وكأنها فراغ آخر .
هذا المشهد ليس استثناءً فردياً. إنه ظاهرة موثَّقة تُقرِّرها الأرقام في أكثر المجتمعات الغربية تقدماً: معدلات الزواج في انخفاض متواصل، ومعدلات الإنجاب دون مستوى التعويض السكاني في ثلاثين دولة أوروبية، ومعدلات الوحدة ترتفع حتى أصبح بعض الحكومات — كبريطانيا — يُعيِّن وزيراً للوحدة. وزير للوحدة. في القرن الحادي والعشرين. في مجتمع يملك كل شيء إلا ما لا يُشترى.
التجربة الغربية: تحرير الإنسان من الأسرة أم تحريره إلى الوحدة؟
منذ موجات التحرر الثقافي في الستينيات بدأ الغرب تجربة واسعة النطاق لم تشهد لها البشرية مثيلاً: تفكيك الأسرة التقليدية بوصفها "قيداً على الحرية الفردية"، وتطبيع العلاقات خارج الميثاق بوصفها "خياراً شخصياً مشروعاً"، وتأجيل الزواج أو إلغائه بوصفه "ضرورةً قديمة تجاوزها الزمن". وقد امتدت هذه التجربة ستة عقود كاملة — وقت كافٍ لقياس نتائجها.
والنتائج موجودة لمن يريد أن يرى:
في الولايات المتحدة يُولَد اليوم أكثر من أربعين بالمئة من الأطفال خارج إطار الزواج، وهو رقم كان صفراً تقريباً قبل ستين عاماً. في الدول الاسكندنافية التي يُضرَب بها المثل في "التقدمية" ترتفع معدلات الاكتئاب والقلق إلى مستويات قياسية خاصة بين الشباب. في اليابان ظهرت ظاهرة "الهيكيكوموري" — الشباب الذين ينسحبون من المجتمع كلياً ويعيشون في غرفهم سنوات — وعددهم يتجاوز المليون. وفي أوروبا ككل تُصرِّح الحكومات بقلقها من "أزمة الإنجاب" التي تُهدد بنية المجتمع وتُرهِق أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية.
هذه ليست صدفاً. هذا المنطق الحتمي لتجربة أرادت أن تبني مجتمعاً من أفراد أحرار بلا روابط، فاكتشفت أن الإنسان المقطوع من جذره لا يُصبح أكثر حرية بل أكثر هشاشة.
"الحرية" التي لا أساس لها حتى في الغرب
الأمانة الفكرية تستلزم أن نُقرِّر حقيقة مهمة: ما يُسمَّى اليوم "تقدمية" في مسألة الأسرة والعلاقات ليس إجماعاً غربياً بل هو تيار أيديولوجي نشأ في الستينيات واستولى على الخطاب العام دون أن يكون الأغلبية. فالغرب الحقيقي ليس هو الغرب الذي تعرضه المسلسلات وتروِّجه المنصات الرقمية. في داخل المجتمعات الغربية ذاتها صراع حقيقي ومتجدد بين تيار يرى في الأسرة التقليدية ركيزة الحضارة، وتيار يرى فيها عائقاً أمام "تحرر الفرد".
وما يُثير التأمل أن أشد المدافعين عن قيمة الأسرة والزواج اليوم في الغرب ليسوا رجال دين بالضرورة، بل علماء اجتماع وأطباء نفسيين وباحثون في علم الأعصاب يُقرِّرون ما توصَّلوا إليه بالأدلة الميدانية: الأطفال الذين يُربَّون في أسرة مستقرة يسبقون أقرانهم في كل مؤشرات الصحة النفسية والتحصيل الأكاديمي والاندماج الاجتماعي. والبالغون المرتبطون بزواج مستقر يعيشون أطول ويمرضون أقل ويُعانون من الاكتئاب بنسبة أدنى بكثير ممن يعيشون خارج هذا الإطار. والمجتمعات التي تحافظ على معدلات زواج مرتفعة تُنتِج أجيالاً أكثر إنتاجيةً وأقل اعتماداً على الدولة.
هذه ليست "أحكاماً دينية" بل نتائج علمية. وهي تُقرِّر ما قاله القرآن منذ أربعة عشر قرناً.
تفكيك الأسرة بلغة الحقوق — الخدعة الكبرى
الذكاء الحقيقي لخطاب تفكيك الأسرة يكمن في أنه استخدم لغة الحقوق والكرامة والحرية — وهي قيم لا يرفضها إنسان — ليُوصِل إلى نتائج تتناقض مع جوهر هذه القيم.
فحين تُقدَّم الأسرة بوصفها "قيداً على المرأة" وتُقدَّم حريتها في أن تُعرَض على أنها "تمكين" — من قيَّد من؟ الأسرة التي تُعطي المرأة شريكاً مسؤولاً وحقوقاً مصونة وأطفالاً يحملون اسمها، أم ثقافة الاستهلاك التي تجعل من جسدها بضاعةً تُسوَّق ومن عاطفتها مادةً للترفيه ثم تتركها حين تنتهي الصلاحية؟
وحين يُقدَّم الزواج بوصفه "ورقة لا تُغيِّر شيئاً" بينما "العلاقة الحرة" هي التعبير الحقيقي عن الحب — من يحمي من؟ الميثاق الذي يُلزِم كلا الطرفين بمسؤولية قانونية وأخلاقية واجتماعية تجاه الآخر، أم الاتفاق العاطفي الذي يمنح كل طرف حق المغادرة دون تكلفة حين تبرد المشاعر؟
الحقيقة التي يصعب الاعتراف بها: كثير مما يُسمَّى "تحرير المرأة" في مجال العلاقات هو في حقيقته تحرير الرجل من المسؤولية تجاهها. الرجل الذي يستطيع أن يحصل على ما يريد دون ميثاق ودون التزام هو المستفيد الأكبر من "حرية العلاقات"، وهو آخر من يُدافع عنها علناً باسم "حقوق المرأة".
كيف ينظر القران للاسرة
ان القران لا يقدم قائمة من المحرمات فحسب ، بل نموذجاً متكاملاً لبناء الإنسان الذي يستطيع أن يكون طرفاً حقيقياً في ميثاق حقيقي. من الحياء الباطني الذي يمنح العلاقات قيمتها، إلى غضّ البصر الذي يصون الطاقة العاطفية من الهدر، إلى اللباس الذي يقول للمحيط "أنا إنسان لا موضوع"، إلى الاستئذان الذي يُرسِّخ حرمة الفضاء الخاص، إلى النهي عن التواعد السري الذي يحمي العلاقات من أن تنمو في ظلام لا مآل له، إلى الميثاق الغليظ الذي يجمع كل هذا البناء في لحظة واحدة كبرى.
هذه المنظومة لا تُخاطب المسلم وحده. تُخاطب الإنسان. وما يحتاج إليه الغرب اليوم — وما تُقرِّره أبحاثه ومؤشراته وأزماته — هو بالضبط ما تُقدِّمه هذه المنظومة: إطار يمنح العلاقات معنىً وثباتاً ومسؤولية، وبيئة تُنشِئ أطفالاً يعرفون من هم، وأسرة تُنتِج مجتمعاً يستطيع الاستمرار.
الأسرة ليست اختراعاً دينياً — إنها قانون الوجود
لا توجد في التاريخ الإنساني الطويل حضارة بنت نفسها خارج منظومة الأسرة والنسب. لا واحدة. ليس لأن الأديان فرضت ذلك، بل لأن الإنسان — في أي قارة وأي عصر وأي ثقافة — وجد أن الأسرة هي الوحدة الوحيدة القادرة على إنجاز ما لا تستطيعه أي مؤسسة أخرى: أن تُنتِج إنساناً يعرف من أين جاء، ومَن يحبه حباً غير مشروط، وأين ينتمي حين يضيع.
الدولة لا تستطيع أن تفعل ذلك. والسوق لا تستطيع. والمنصات الرقمية لا تستطيع. والعلاقات العابرة لا تستطيع. الأسرة وحدها تستطيع، لأنها ليست اختراعاً اجتماعياً يمكن استبداله، بل هي القانون الوجودي الذي فطر الله الإنسان عليه.
وحين يُدرِك الغرب — وهو يُدرِك ذلك ببطء وألم — أنه دفع ثمناً باهظاً لتجربة تفكيك ما لا يُفكَّك، سيجد أن ما يبحث عنه موجود. ليس بالضرورة في شكله الذي رفضه، بل في جوهره الذي لم يكن يوماً ملكاً لثقافة دون أخرى: ميثاق بين إنسانين، ومسؤولية مشتركة، وأطفال يعرفون أبويهم، وأسرة تبني مجتمعاً يستحق أن يُسمَّى حضارة.

هذا ما قاله القرآن قبل أربعة عشر قرناً. ( وهو ما يتماشى مع الفطرة الإنسانية ) وهذا ما يقوله الواقع الإنساني اليوم بلغة الأرقام والأزمات والدراسات. والحقيقة حين تتكلم بلسانين في وقت واحد فذلك أقوى دليل على أنها حقيقة.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية
- قراءة في -الميثاق الغليظ- وزمن السيولة الرقمية
- شيفرة الفناء وحتمية السقوط في -سُنَّةِ الأوَّلِينَ-
- قراءة قرآنية في -سيكولوجية الجماهير- لغوستاف لوبون
- وهم الجموع: قراءة قرآنية في سيكولوجيا القطيع الرقمي
- حين سبق النبيُّ الفيلسوف -- إبراهيم وديكارت — رجلان شكّا ليص ...
- حوار إبراهيم مع أبيه: تفكيك سلطة التقليد (الآبائية) كمحطة أو ...
- في زمن الضجيج الأيديولوجي -- الإنسانُ على مفترق الطرق
- القرآن الكريم مرجعيةً عليا: نحو منهجية نقدية في قراءة المورو ...


المزيد.....




- صيحة -آل ليو- في الفاتيكان تحذر العالم من خطيئة بابل
- بدء ترميم المقبرة اليهودية في دمشق التي تحتضن رفات شخصيات با ...
- نائب الرئيس الإيراني محمدرضا عارف: ستخرج إيران القوية والأمة ...
- آية الله آملي لاريجاني: ندعوا عموم الشعب الشريف في إيران الإ ...
- تفاصيل مراسم التشييع والوداع الاخير للإمام الشهيد قائد الثور ...
- تشييع الخميني عام 1989: كيف ودّع الملايين مؤسس الجمهورية الإ ...
- بن غفير يقتحم بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى في جولة استفزازي ...
- آية الله آملي لاريجاني: تشكّل هذه المراسم التاريخية فرصة لتج ...
- آية الله آملي لاريجاني: إنه القائد الذي أفنى عمره في سبيل ال ...
- تصعيد إسرائيلي واسع: اقتحام معهد للأونروا بالقدس ومنع الأذان ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه