|
|
أزمة الهوية في سبتة
محمد عبد المومن
الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 22:50
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة تعد مدينة سبتة واحدة من أكثر الفضاءات الحضرية الحدودية كثافة بالمعاني الرمزية والتوترات الجيوسياسية في حوض البحر الأبيض المتوسط. فهي، بحكم وضعها السيادي الخاص الذي يجمع بين كونها ثغرا عسكريا تاريخيا، معبرا حدوديا، وجيبا ترابيا أوروبيا داخل القارة الإفريقية، تمثل حالة فريدة لتداخل دوائر الانتماء وتزاحم المرجعيات الثقافية والدينية والوطنية. غير أن هذا التعدد الذي ينظر إليه نظريا باعتباره أرضية خصبة لبناء هوية محلية هجينة ومبتكرة، لم ينجح في إنتاج ذات جماعية سبتية ذات تعبير سياسي وثقافي موحد، بل ظل عاجزا عن التحول إلى مشروع هوياتي محلي قادر على منافسة الهويات الوطنية أو الإمبراطورية أو الارتكاز بينهما. ينبغي فهم مسار تشكل الهوية المحلية في مثل هذه المجالات عبر عدسات تحليل مركبة تأخذ بعين الاعتبار تاريخ التبعية السيادية الطويل، ديناميات الضبط الحدودي، وهندسة الدولة للمجال الرمزي، إضافة إلى طبيعة التفاعل — أو انعدامه — بين المدينة ومحيطها الجغرافي والثقافي. ففي مقابل تجارب مناطق أخرى واقعة تحت سيادة خارجية، لكنها استطاعت بلورة هويات مدينية ناضجة اجتماعيا ومؤسساتيا مثل جبل طارق، أو تجارب الأقاليم الإدارية الخاصة ذات الشرط الاستعماري ثم ما بعد الاستعماري مثل ماكاو وهونغ كونغ، نجد أن سبتة لم تقتنص الفرصة نفسها. فقد أفرزت تلك المناطق منظومات هوية محلية تتسم بـالوضوح في التمثل الجماعي، الاستقلالية النسبية عن المركز، وإنتاج رموز مشتركة تؤطر الانتماء للمكان قبل الأمة؛ بينما ظل التمثل الذاتي في سبتة موزعا بين شد نحو داخل إسباني مهيمن في صناعته الرمزية، وجذب وجداني وثقافي نحو المحيط المغربي والريف، دون أن ينصهر هذا التعدد في سرد جامع يؤسس لـهوية عابرة للهويات القومية والدينية ومتمركزة في المكان نفسه. لقد نجح جبل طارق عبر مسارها التاريخي في إنتاج هوية متفردة تعبر عن نفسها لغويا وسياسيا من خلال لهجة محلية هجينة تقف على مسافة من الثنائية الإسبانية–البريطانية، وهو ما عزز الإحساس بوجود "جماعة مكان" تمتلك قرارها الرمزي والسياسي. كما تمكنت هونغ كونغ من الحفاظ على لغتها الاجتماعية اليومية، ومنظومتها المؤسسية الخاصة التي رسخت فكرة "المجتمع المتميز عن المركز" على أسس قانونية واقتصادية وثقافية، فغدت الهوية الكانتونية–المدينية عنوانا لتفرد المجال. أما ماكاو فقد ركزت أساس هويتها في تراث عمراني–ثقافي البرتغالي شكل ذاكرة مدينية لم يذبها التحول السيادي بعد نهاية المرحلة الاستعمارية، حتى وإن ظل التعبير السياسي فيها أكثر هدوءا من هونغ كونغ وجبل طارق. أمام هذه النماذج، يمكن القول إن سبتة لم تعجز لأنها مدينة غير متعددة، بل لأنها مدينة متعددة دون تركيب هوياتي، وتعيش تحت حدود لا تنتج تفردا بل تنتج ضبطا، وتحت مؤسسات تعيد تصدير الهوية الوطنية الإسبانية أكثر مما تسمح بتراكم رمزية المكان نفسه بوصفه أصلا للانتماء. يقتضي هذا الوضع تحليل الهوية المحلية بوصفها مشروعا مشروطا بالسيادة أو بهامش التفاوض معها، وبجودة التفاعل مع المحيط، وبقدرة المكونات الاجتماعية على إنتاج مجال رمزي مشترك. وهو ما يدفعنا إلى طرح الإشكال المركزي في هذه الورقة: لماذا — رغم الإرث الثقافي والديني المتنوع — لم تتمكن سبتة من الارتقاء بهذا التعدد إلى هوية محلية جامعة، وما العوامل البنيوية والتاريخية والسياسية التي عطلت هذا الإمكان مقارنة بتجارب أقاليم أخرى مشابهة في الشرط السيادي لكنها مختلفة في المآل الهوياتي؟ أولا: الإطار النظري: الهوية المحلية بين الجغرافيا والتاريخ تشكل مدينة سبتة حالة حضرية مركبة لا يمكن مقاربتها خارج منطقها الجغرافي والسيادي الفريد، إذ تقع عند تخوم المجال المتوسطي بوصفها نقطة تماس بين نظم قانونية متباينة، وسياقات تاريخية تغذي الانقسام أكثر مما تراكم التقاطع، وهو ما يفسر أن الهوية فيها لم تتبلور كمنتج سبتي خالص يتمركز في المكان ذاته، بل بقيت مشدودة إلى أطر وطنية وثقافية أوسع تصادر المجال الرمزي المحلي أو تتجاوزه. فبينما يعد التعدد الثقافي والديني عاملا متكررا في المدن الواقعة تحت سيادات خارجية أو داخل أنظمة حكم خاصة، كما هو الشأن في جبل طارق وماكاو وهونغ كونغ، فإن هذا التعدد لا ينتج بالضرورة هوية مكانية جامعة إلا إذا اقترن بشروط موضوعية تسمح للمجال المديني بأن يتحول إلى مرجعية أصلية للانتماء، بدل أن يكون فضاء وظيفيا يدار من الخارج ويعرف بخدمته للمركز السيادي. لقد تمكنت جبل طارق من صوغ ذات هوياتية متجذرة في المجال تعبر عن نفسها قبل كل شيء بصفتها جبلطارية، مستندة إلى مركب لغوي واجتماعي يخاتل الثنائية السيادية دون أن ينجرف بالكامل إلى أحد أطرافها، ومدعومة بقرار سياسي يميل إلى تجسيد خصوصية المكان والدفاع عنها عبر الخيار الشعبي. وفي المسار نفسه، استطاعت ماكاو الحفاظ على ذاكرة مدينية مترسخة في بنيتها العمرانية ومخيالها الثقافي، حيث حول الإرث البرتغالي–الصيني المدينة إلى فضاء تساكنه التأثيرات الاستعمارية دون أن تمحى رمزيا بعد التحول السيادي، فغدا سكانها يتماهون مع المجال من خلال اللغة والعمارة والطقوس أكثر من تماهيهم عبر التعبير السياسي الصدامي، وهو ما ميز نموذج ماكاو. أما في هونغ كونغ، فقد تحولت المدينة إلى حاضنة لهوية لغوية–مؤسسية تسبق الانتماء الوطني المجرد، إذ أنتجت الكانتونية باعتبارها لغة التداول اليومي قطيعة نفسية واضحة مع منظومة الماندرين السيادية، ووفرت منظومة "بلد واحد، نظامان" منذ نهاية الحقبة الاستعمارية شرطا تفاوضيا رسخ خصوصية المجال في المخيلة الجمعية والسياسة المحلية على حد سواء، وهو ما جسدته تجربة هونغ كونغ وعلى الضد من هذه التجارب، لم تفلح سبتة في تحويل حدودها إلى حاضنة للتفرد أو إلى عقد اجتماعي يقوم على أولوية المدينة قبل الدولة المسيطرة عليها أو قبل المحيط المتنازع عليه، إذ ظلت الحدود فيها مجال ضبط سيادي أكثر من كونها مجال بناء رمزي محلي، كما أن المكونات الثقافية والدينية لم تتمأسس كتعدد متراكب ينتج تمثلا محليا موحدا، بل تجاورت باعتبارها انتماءات متوازية غير متقاطعة بما يكفي لتأسيس سرد مشترك للمكان، يقوده منطق مديني داخلي وليس مركزا سياديا خارجيا أو مخيالا ريفيا محيطا، وهو ما جعل الهوية السبتية، بدل أن تتشكل ككيان جماعي محلي، تتشظى بين ثنائية سيادة تاريخية مهيمنة من شبه الجزيرة، وانتماء وجداني–ثقافي عابر للمدينة نحو المغرب والريف. ثانيا: أسباب عدم تمكن سبتة من بناء هوية محلية يمكن تفسير العجز عن تشكل هوية محلية جامعة في سبتة عبر تحليل بنيوي يضع مركز الثقل في طبيعة العلاقة بين المجال والسلطة والديمغرافيا والتمثيل الرمزي، إذ لم تنتج المدينة مسافة تفاوضية مع المركز السيادي تسمح بتراكم ذات جماعية تتأسس على "الانتماء للمكان قبل الانتماء للأمة"، بل ظلت الهوية فيها تدار داخل معادلة يحتكر فيها المركز الإسباني هندسة المجال الرمزي ويعيد إنتاج سرديته السيادية عبر المدرسة والإدارة والإعلام، على نحو يحول المدينة إلى فضاء وظيفي للدفاع الجيوسياسي وحراسة الحدود أكثر من كونها حاضنة لتجميع الموارد الرمزية المحلية وتوليد مخيال مشترك مستقل. فالتجارب المقارنة في جبل طارق وماكاو وهونغ كونغ تظهر أن نجاح الهوية المحلية لا يرتبط بالضرورة بامتلاك السيادة، بل بقدرة تلك المناطق على تحويل الشرط السيادي الخارجي إلى علاقة تفاوضية بدل علاقة استيعابية تخضع المجال بالكامل لمنطق المركز. ففي جبل طارق، وعلى الرغم من صغر الرقعة الجغرافية وطول أمد السيطرة البريطانية، استطاع المجال أن ينتج رموزه الخاصة ولهجته الاجتماعية الهجينة، وأن يطور سلوكا سياسيا محليا دفاعيا يجعل السكان يعرفون أنفسهم داخل سرد يقوم على أولوية المجتمع الجبلطاري لا مجرد التبعية للمركز، وهو ما لم يحدث في سبتة حيث تعيد الدولة الإسبانية باستمرار ملء الطبقة السكانية الرسمية بهجرة داخلية وافدة من شبه الجزيرة، وتحكم قبضتها على المجال الرمزي عبر منظومة مؤسساتية لا تسمح بتراكم هوية بديلة محلية، وتحول الحدود إلى منتج للضبط لا منتج للانتماء. وفي ماكاو، جرى الأمر على نحو مختلف، إذ لم تخضع السيادة الصينية المجال لإعادة هندسة هوياتية صدامية أو استيعابية كاملة، بل سمحت للمدينة بأن تحتفظ بذاكرة عمرانية البرتغالية تعاد قراءتها محليا كتعبير عن خصوصية المكان أكثر من كونها مكونا سياسيا مناوئا، مما جعل الهوية فيها تنتج ثقافيا عبر الذاكرة والعمران والطقوس رغم محدودية التعبير السياسي المحلي. أما في هونغ كونغ، فقد تحول الشرط الاستعماري السابق إلى حاضنة لهوية مدينية–لغوية قوية تتأسس على التفرد المؤسسي والميزة اللغوية اليومية، ومنحت المدينة منذ انتقال السيادة هامشا قانونيا واقتصاديا وفر لها مسافة تفاوض مع المركز الصيني، وعزز إمكان إنتاج هوية اجتماعية مستقلة، شبيهة أكثر بالذات السياسية للمدينة لا بالاندماج الهوياتي القومي الكامل. في المقابل، لم تنتج سبتة مركبا رمزيا محليا بديلا يعلي من صفة "السبتي قبل الإسباني" أو "السبتي قبل المغربي"، لأنها لم تمتلك رأس مال رمزيا يسمح للمكونات المتجاورة بالانصهار في مخيال مشترك تؤطره المدينة لا الأمة ولا المركز السيادي، ولأن التعدد الثقافي فيها لم يتحول إلى تعدد مركب هوياتيا بل بقي تعددا متجاورا تقيده سياسات المركز وتشكله ديناميات الحدود والنزاعات الجيوسياسية المستمرة حول السيادة، وهو ما جعل الهوية في سبتة لا تتراكم كذات مدينية جامعة، بل تتآكل بين هيمنة الدولة واستقطاب المحيط، وتبقى حبيسة انتماءات وطنية أو ثقافية عابرة للمدينة بدل أن تكون متجذرة فيها. ثالثا: مظاهر عدم تشكل الهوية المحلية لا يمكن اختزال أزمة التشكل الهوياتي المحلي في سبتة في العامل السيادي وحده، بل يجب ربطها كذلك بالبنية الاجتماعية الداخلية التي ظلت، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، مفتقرة إلى عناصر التركيب الاندماجي الذي يحول التعدد الثقافي والديني إلى قاعدة رمزية مشتركة تنتج ذاتا مكانية واحدة تعرف نفسها بالمجال قبل الجماعة الوطنية الأصلية أو الدولة الحاكمة. فالتعددية في سبتة، وإن بدت كحقيقة ديمغرافية ومعيشية لا يمكن إنكارها، لم تتحول إلى تعددية متراكبة هوياتيا، لأن مكوناتها الاجتماعية لا تنتظم ضمن تاريخ محلي مشترك يصهر الذاكرة ويرمز المجال في مخيال موحد، بل تتوزع داخل انتماءات راسخة ومتوازية تتركز خارج المدينة أكثر مما تتجذر فيها. فالمكون المسلم، الذي كان يفترض أن يشكل أحد أهم الروافد الاجتماعية لبناء هوية سبتية هجينة بحكم حضوره العددي والثقافي، بقي في تعبيره الاجتماعي واليومي مرتبطا بهوية لغوية ودينية عابرة، أساسها دارجة الريف والانتماء المغربي العام، وتعبيراته الجمعوية تستوعب غالبا داخل حقل المطالب الاجتماعية والثقافية في إطار المواطنة الإسبانية دون تطوير سردية "مجتمع المكان" الذي يخلق هوية مدينية ندية أو على الأقل مفاوضة، كما أن المكون المسيحي لا يطور من جهته انتماء مدينيا منفصلا عن سردية المركز الوطني الإسباني، بل يعيد إنتاجها داخل خطاب سيادي يذوب صفة المكان تحت صفة الأمة والدولة، وهو ما يجعل تمثله للمدينة أقرب إلى منطق الجيب الاستراتيجي المحروس منه إلى منطق الذات المجتمعية الحاملة لهوية محلية مستقلة نسبيا. أما المكونات الأخرى مثل اليهود السفارديم والهندوس، فعلى الرغم من إسهامها في ثراء المشهد الثقافي والاحتفالي للمدينة، فإن حضورها ينحصر غالبا في نطاق التعبير التراثي أو الاقتصادي الاجتماعي غير المسيس، عبر شبكات التضامن الثقافي–الديني أو التجارة العائلية والطقوس المدينية غير المؤطرة سياسيا، بحيث ينتج التعدد جمالية فسيفسائية لا عقلا هوياتيا مشتركا، وهو ما يعطل انتقالها إلى مشروع سياسي يعبر المكونات ويكرس انتماء محليا لتشكيل "نحن" مدينية سبتية تجمع بينها. وتزداد هذه الأزمة البنيوية عمقا بفعل ضعف النخب المحلية القادرة على تحويل التمثيل الثقافي إلى تمثيل رمزي–سياسي جامع يؤطر انتماءات السكان داخل قالب محلي قبل القالب الوطني، إذ لم ينتج، لا عبر الحقل الحزبي ولا عبر الحركات الاحتجاجية، خطاب شعبي مديني يعلي من صفة "السبتي قبل الإسباني" (كما في جبل طارق) أو يرسخ منظومة ندية مكانية داخليا (كما في هونغ كونغ وماكاو)، لأن التمثيل السياسي المحلي في سبتة يظل محكوما بإعادة إنتاج الثنائية السيادية–الوطنية داخل بنية مؤسساتية شديدة المركزية رمزيا، تحول المواطنة إلى إطار اندماجي يتجاوز المجال، وتحول التعدد إلى خصائص جماعات داخل المكان لا خصائص المكان ذاته كذات جامعة. رابعا: المقارنة مع ثلاث نماذج تتعمق إشكالية الهوية المحلية في سبتة حين ننتقل إلى تحليل أثر الحدود والنظام الأمني الذي يشكل أحد أكثر عناصر المجال حضورا في الحياة اليومية وأحد أهم المحددات التي تنتج تمثل السكان لمدينتهم ولأنفسهم. فالحدود في سبتة ليست مجرد خط جغرافي يفصل بين سيادتين، بل هي بنية مادية ورمزية تشتغل كأداة للضبط، وتنتج مع مرور الزمن تصورا للمدينة بوصفها ثغرا محروسا لا مجالا مدينيا مكتفيا بذاته. لقد تحولت الحدود إلى عنصر مؤسس في الذاكرة اليومية للسكان، وإلى محدد حاسم لطبيعة الاقتصاد والعبور والتفاعل الاجتماعي، مما جعل المجال يعيش في حالة ارتباط وظيفي بالمركز الإسباني أكثر من ارتباطه بالمجال المحيط به. وفي الوقت الذي تشكل فيه الحدود في مناطق مثل جبل طارق — رغم حساسيتها — فضاء تفاوضيا يسمح بإعادة تعريف الذات السياسية للجماعة المحلية داخل إطار استفتاءات متكررة أو ضمن علاقة براغماتية مع بريطانيا وإسبانيا، بقيت الحدود في سبتة مغلقة بنيويا لا تنتج تفاوضا رمزيا بل تنتج انغلاقا أمنيا يعيد إنتاج تصور المدينة كـ"نقطة تماس دفاعية" أكثر من كونها كيانا اجتماعيا له مشروع هوية خاص به. وإذا كانت هونغ كونغ قد استطاعت تحويل حدودها السياسية–القانونية إلى مجال يسمح بتراكم خصوصيات مؤسساتية واقتصادية خلقت شعورا متناميا بالانتماء لمجتمع ذي ذاتية مدينية واضحة، وإذا كانت ماكاو قد أعادت توظيف وضعها الحدودي بين المجال الصيني والموروث البرتغالي في بناء سردية ثقافية تبرز فرادة المجال وتجعله مقصدا بصريا ورمزيا قائما بذاته، فإن سبتة لم تتمكن من تحويل حدودها إلى أفق للتميز، بل تحولت إلى حاجز للعبور يشطر المجال الاجتماعي ويضعف التفاعل الطبيعي مع محيطه الريفي–المغربي، وهو التفاعل الذي كان يمكن، لو ترك يتطور في إطار مؤسسي منفتح، أن ينشئ سرديات محلية مشتركة تتجاوز الثنائية الإسبانية–المغربية. ويفاقم هذا الوضع الطبيعة الأمنية المشددة للحدود التي لم تصمم فقط لضبط الهجرة أو تنظيم العبور، بل لتكريس تصور سيادي راسخ يعتبر المدينة خطا أول للدفاع القاري الأوروبي، وهو ما جعلها تختزل — في المخيال المؤسسي والإعلامي — في دورها الأمني أكثر من هويتها الاجتماعية أو الثقافية. وقد أنتج هذا التمثل أثرين متلازمين: فمن جهة، أعاد تثبيت الهوية الوطنية الإسبانية بوصفها هوية المكان الرسمية وغير القابلة للتفاوض، إذ يعاد تعريف المدينة باستمرار من خلال معجم “الثغر”، “الحماية”، “الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي”، لا من خلال معجم “المدينة” و“المجتمع المحلي”. ومن جهة ثانية، خلق تباعدا عاطفيا ورمزيا بين سكان سبتة، حيث يشعر المكون المسيحي بالانتماء إلى مركز يحمي المدينة من “خارج مهدد”، بينما يشعر جزء من المكون المسلم بأن الحدود تقيد انتماءه الوجداني والثقافي للمحيط الطبيعي والتاريخي للمدينة، فتظل الهوية مشطورة بين هوية محروسة وهوية معلقة، بدل أن تتحول إلى هوية مشتركة متجذرة في المجال ذاته. وفي هذا السياق، تصبح الحدود في سبتة أكثر من مجرد جهاز أمني؛ تتحول إلى عامل مانع لبناء الذات الجماعية لأنها لا تتيح للمجال أن يتحول إلى وحدة رمزية مستقلة، ولا تسمح للسكان بتطوير سردية مشتركة عن المكان بوصفه بيتا هوياتيا أوليا. وهكذا، بدل أن يكون الحد جسرا للهجنة والعبور والتفاعل — كما حدث بدرجات متفاوتة في جبل طارق وماكاو وهونغ كونغ — يصبح في سبتة آلية تفكيك لا آلية تركيب، ويتحول إلى قاعدة لتثبيت الانقسام بين الداخل والخارج، وبين ما يسمى في الأدبيات بـ“هوية المركز” و“هوية الهامش”، مما يعمق أكثر أزمة غياب الهوية المحلية المتماسكة داخل المدينة. خامسا: التأثير الإسباني على الهوية السبتية يكتسب تحليل العجز الهوياتي المحلي في سبتة بعدا أكثر عمقا حين نضعه في سياق علاقة المجال بالدولة وهندسة التمثيل السياسي داخله، إذ لم تمنح الدولة الإسبانية المدينة هامشا بنيويا كافيا يسمح بتشكل هوية مكانية مستقلة نسبيا عن منطق المركز، بل تعاملت معها باعتبارها امتدادا ترابيا يتطلب ضبطا رمزيا ومؤسساتيا مستمرا، وهو ما جعل مسار إنتاج الذات الجماعية المحلية يدخل في طور دائم من التعطيل أو الإرجاء. فعلى عكس جبل طارق، الذي نجح في توسيع هامش التمثيل المحلي عبر استفتاءات رسمية وخطاب سياسي محلي يفصل، ولو رمزيا، بين الانتماء للمجتمع الجبلطاري والانتماء السيادي البريطاني، فإن سبتة ظلت محكومة بنموذج تمثيلي اندماجي يستوعب الفاعلين المحليين داخل أطر حزبية وطنية تخدم قبل كل شيء السياسات الكبرى للدولة، مما حول المجال الحزبي إلى قناة لإعادة تدوير الهوية الوطنية الإسبانية بدل أن يكون حقلا لإنتاج رمزية المكان نفسه. ولم تنجح السياسات الحزبية أو المجتمعية في سبتة في بناء سردية محلية عابرة للمكونات، لأن التمثيل السياسي فيها لا يقوم على مبدأ تمثيل المكان، بل على تمثيل الجماعات داخل المكان ضمن سقف المواطنة الوطنية، وهو ما يضعف إمكانية تحول المدينة إلى مرجعية هوياتية أولى تعرف من خلالها الجماعات نفسها، لأن معجم السياسة فيها يظل مستعارا من المركز لا من المجال. لقد عمل التعليم والإعلام المحلي بدورهما على تعزيز هذا المسار المركزي، إذ تعاد صياغة التاريخ الاستعماري والحدودي للمدينة داخل سردية وطنية تبرز الصراع لا التراكم، وتقدم شخصية المجال بوصفه ثغرا في حالة دفاع لا مدينة في حالة تفاوض مع ماضيها أو محيطها، بعكس ماكاو وهونغ كونغ، حيث استطاعتا تحويل تراثهما الاستعماري إلى رأسمال ثقافي–مؤسسي محلي، سمح لسكانهما بإعادة تعريف انتمائهم داخل إطار يشدد على تميز المجتمع المديني أو الإرث العمراني والقانوني، مما جعل المجال ينتج رموزه ومخياله المؤسسي دون التماهي الكامل مع المركز السيادي الصيني. أما في سبتة، فقد ظلت السيادة الإسبانية تمتلك احتكارا مزدوجا: احتكار السردية الوطنية، واحتكار تمثيلها الرمزي داخل المجال، بحيث يتحول أي تعبير اجتماعي أو جمعوي إلى مطالبة بالمساواة داخل الأمة لا مطالبة بالتميز داخل المكان، وهو الفارق الجوهري الذي يفسر لماذا انحصر التعدد الثقافي–الديني في المدينة في تعايش اجتماعي فسيفسائي يثري المشهد اليومي لكنه لا يؤسس انتماء جامعا ينتج في النهاية هوية محلية متماسكة. إن الأزمة هنا ليست سياسية فقط، بل معرفية–تمثيلية، إذ يتأسس التمثيل في سبتة على إعادة دمج الجماعات المختلفة داخل معجم وطني محدد، بينما لا تتوفر المدينة على فاعل اجتماعي جاذب رمزيا وقادر على تحويل التعدد إلى تركيب، ولا على صيغة مؤسساتية مشابهة لصيغ المناطق الإدارية الخاصة التي ظلت تنتج عند ساكنتها تصورا للمجال باعتباره "مجتمعا متميزا بذاتية محلية لا وطنية صرف"، وهو ما أنتج في جبل طارق وهوامش آسيا البرتغالية هويات محلية تجعل السكان يعرفون أنفسهم من خلال المكان أولا، مقابل بقاء السكان في سبتة داخل إحساس دائم بالتبعية الرمزية للمركز، وهو ما عطل تراكم سرديات الانتماء للمجال بوصفه أصل الهوية، وحول المدينة إلى فسيفساء هويات تجاور بعضها دون أن تركب بينها هوية واحدة تنتجها المدينة نفسها وتعبر عنها نخبها ومؤسساتها كجماعة مكان لا كجماعة سيادة. سادسا: تمثل الذات في الخطاب المحلي يضاف إلى المعيقات البنيوية والتاريخية والسياسية التي عطلت تشكل هوية محلية جامعة في سبتة، عامل نفسي شديد التأثير يتعلق بكيفية تمثل السكان لأنفسهم ولمدينتهم داخل الخطابات اليومية والمؤسساتية والرمزية، إذ لم تتحول المدينة إلى مرجعية أولى لبناء سردية “نحن” المحلية، بل ظل المكان يعيش في حالة ازدواج الانتماء النفسي وتباعد المخيالات بين مكوناته الاجتماعية، على نحو يمنع التراكم الطبيعي للرموز والمشاعر المشتركة التي تنتج عادة هوية مدينية مستقلة نسبيا. ففي حين يطور السكان في جبل طارق إحساسا جماعيا واضحا بالانتماء إلى مجتمع بحري حصني يعرف ذاته على أساس هوية المكان لا هوية السيادة وحدها، وفي حين ينشأ بين سكان ماكاو ارتباط وجداني بالمجال مدعوم بذاكرة عمرانية مشتركة تبنى من خلالها تمثلات الانتماء للمكان قبل الأمة، وفي حين يتأسس في هونغ كونغ مخيال نفسي جماعي تغذيه اللغة اليومية والتمايز المؤسسي، نجد أن سبتة، على الضد من ذلك، لم تتمكن من تحويل المدينة إلى مركز تعريف الذات الجمعي قبل مركز تعريف الأمة أو المحيط، لأن حدودها وذاكرتها تغذيان عند السكان تمثلات معلقة أو دفاعية أو عابرة للمكان، بدل أن تكون مكرسة للمكان ذاته كأصل الانتماء. فالمكون المسيحي، بحكم سردية الدولة المهيمنة، يتمثل المدينة غالبا داخل صورة “الثغر المتقدم” الذي يجب حمايته من محيط خارجي، فتتقدم عليه سيكولوجيا التحصين والانتماء لمركز سيادي يحمي المدينة من الخارج، لا سيكولوجيا الانتماء لمدينة تعرف ذاتها بالداخل، وتنتج مخيالها الجمعي الخاص على أساس خصوصيتها المتوسطية والحدودية. أما المكون المسلم، فرغم أن المدينة تمثل فضاء عيشه وتداوله اليومي، فإن تمثلاته النفسية تنزاح نحو محيط جغرافي–ثقافي يعود إلى الريف المغربي ومركباته اللغوية–الوجدانية، أو ينخرط في مطالب مساواتية داخل إطار المواطنة الإسبانية الأوسع، لا داخل مشروع مكان هوياتي يؤطر المسلمين والمسيحيين معا بوصفهم جماعة مدينة لا جماعة سيادة أو محيط قومي؛ وهو ما يجعل أسس الانتماء النفسي عند كلا الطرفين غير متطابقة ولا متقاطعة رمزيا، لأن لكل جماعة مخيالها المرجعي الذي يقع خارج المدينة: مخيال مؤسسي وطني إسباني عند طرف، ومخيال جغرافي وجداني مغربي–ريفي عند طرف آخر، دون أن تنجح المدينة في إنتاج وسيط رمزي قادر على تأطير المخيالات المتباعدة بما يخلق وعيا محليا يسمح بتشكل هوية مدينية جامعة، كما حدث — بدرجات متباينة — في الأقاليم الإدارية الخاصة في آسيا أو في الحصن المتوسطي في مضيق المتوسط. إن هذا التمثل النفسي لا يتوقف عند مستوى السكان فحسب، بل يجد امتداده أيضا في الخطاب المؤسسي الذي يجري من خلاله إعادة تعريف المدينة باستمرار عبر معجم يتأسس على “وظيفية الحدود” و“أمنها” و“نزاعاتها” و“دورها القاري الدفاعي”، وهي تمثلات تمنع نشأة “وعي المدينة بنفسها من داخلها” وتضيق الإمكان الرمزي الذي يحتاجه المجتمع لتطوير هوية تؤطر الجميع داخل سرد المكان ذاته بوصفه مصدر تعريف الذات، لا بوصفه امتدادا للمركز ولا بوصفه معبرا مؤقتا نحو المحيط التاريخي–الثقافي للسكان؛ فيتحول التعدد إلى تجاور نفسي لا تركيب هوياتي، وتظل المدينة — بدل أن تنتج “مواطنها المميز” — تنتج سكانا يتمثلون أنفسهم عبر دوائر انتماء خارج المكان، وهو ما يجعل العجز عن بناء الهوية المحلية في سبتة عجزا في تمثيل الذات قبل أن يكون عجزا في وجود الذات، إذ لا تتوفر المدينة على حقل رمزي وسيكولوجي يجذب المكونات ويعيد تعريفها محليا قبل أن تعيد تعريفها الأمم أو المراكز السيادية. - خاتمة: تكشف تجربة سبتة، عند وضعها تحت مجهر التحليل، عن مفارقة لافتة: مدينة تعج بالتعدد، لكنها تفتقر إلى هوية تلامس جوهر المكان. ورغم أن التاريخ منحها تراكما ثقافيا فريدا، ورغم أن الجغرافيا أهلتها لتكون نقطة تفاعل بين ضفتين، فإن سبتة لم تستطع أن تحول هذا الإرث إلى ذات جماعية صلبة تنبثق من رحم المجال نفسه. لقد بقيت هويتها معلقة بين مركز سيادي يفرض سرديته، ومحيط ثقافي يسحب جزءا من وجدانها، وحدود تقفل أكثر مما تتيح، وتضبط أكثر مما تركب. ففي مقابل تجارب مدن أخرى استطاعت تحويل الشرط الحدودي إلى وسيلة لبناء تفرد — كما في جبل طارق، وماكاو، وهونغ كونغ — ظلت سبتة أسيرة معادلة تفرغ المكان من قدرته على إنتاج رموزه الخاصة، وتعيد تعريفه بوصفه ثغرا محروسا لا مجتمعا مدينيا مكتفيا بذاته. فالتعدد فيها لا يرتقي إلى تركيب، والمخيال لا يعاد لحمه حول المدينة، والتمثيل السياسي لا ينتج ذاتا محلية بل يعيد تدوير سرديات المركز، فيما تبقى الذاكرة الجماعية مشرذمة بين انتماءات لا تلتقي عند نقطة هوية جامعة. وهكذا تبدو أزمة الهوية في سبتة أزمة بنيوية تتجاوز السياسي إلى النفسي، وتتجاوز الاجتماعي إلى الرمزي؛ أزمة مدينة تبحث عن معنى وجودها في تقاطعات لا تستقر، وعن صوتها في سرديات لا تنبع من داخلها. وإذا كان مستقبل الهوية المحلية في سبتة مرهونا بإعادة التفكير في العلاقة بين السيادة والمجال والإنسان، فإن الطريق إلى هوية سبتية ممكنة يبدأ فقط عندما تستعاد المدينة بوصفها مركزا للانتماء، لا هامشا تابعا، وحين يعاد للتعدد حقه في أن يكون أساسا لبناء “نحن” لا مجرد فسيفساء ساكنة لا تنجب ذاتا مشتركة.
#محمد_عبد_المومن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سبتة في كتابات خوسي ماريا كامبوس مارتينيز
-
الرياضة كفضاء للهيمنة والمقاومة: رياضة الملاكمة في شمال المغ
...
-
سبتة في الدراما الإسبانية: الحدود والتهريب وتمثل الآخر بين م
...
-
الرموز البصرية والسردية الاستعمارية في سبتة: التماثيل وأسماء
...
-
الحدود كحاجز واقعي ورمزي: جدار سبتة نموذجا
-
سبتة والظاهرة الجهادية: تقاطعات الهوية والهشاشة في مجال حدود
...
-
سبتة بين العزلة والانفتاح: نحو تصور لاتفاق أورو مغربي مستلهم
...
المزيد.....
-
تفاصيل جديدة حول الموعد والمكان المتوقعين لزفاف تايلور سويفت
...
-
حدث مذهل.. شاهد عاصفة برد تحول شوارع أمريكية إلى أنهار جليدي
...
-
أجبرت بوتين على الاعتراف.. كيف تحولت أوكرانيا من -ضحية- إلى
...
-
إيران تشترط الوفاء بخمسة بنود لتنفيذ اتفاقها مع أمريكا.. ما
...
-
ترامب يعلن تقدما ملموسا في مسار نزع السلاح النووي الإيراني
-
ست طرق لتشجيع الأطفال على تناول الخضروات
-
تراجع الثقة بين أوروبا وأمريكا يفتح مرحلة جيوسياسية جديدة
-
قبيل انطلاق مراسم تشييع خامنئي.. إيران تعفو عن 850 سجينا
-
الحكومة الألمانية: منشور ميرتس المثير للجدل حول المنتخب الأل
...
-
فاينانشال تايمز: برلين تكثف جهودها لتطوير قدرات صاروخية بعيد
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|